وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الأمر ليس له صيغة تخصه، وإنما يعرف كون اللفظ أمرا بالقرينة، وزعموا أن هذا مذهب أبي الحسن الأشعري رحمه الله.
واستشكل ابن عقيل في الواضح قولهم: للأمر صيغة، وقال: هذه الترجمة لا تصح؛ لأن الأمر هو الصيغة، فكيف نقول: هل للأمر صيغة؟.
والذي يظهر لي أن الإشكال لا يرد؛ لأنهم عنوا بالأمر هنا المعنى دون اللفظ، أي: هل للمعنى الذي يقوم بالذهن وهو طلب الفعل صيغة تدل عليه وضعا؟
وعبروا بلفظ الصيغة دون اللفظ لأن الخلاف ليس في وجود ألفاظ تدل على طلب الفعل طلبا جازما، وإنما في وجود صيغة محددة إذا جاء اللفظ عليها عد أمرا، وهي صيغة (افعل) أو (لتفعل) ونحوهما.
وإنكار بعض الأشعرية وجود صيغة تدل على طلب الفعل طلبا جازما مبني على رأيهم في الكلام، وأنه اسم لما في النفس لا للفظ المسموع.
مقتضى الأمر:
ينبغي أن نعرف أن مرادهم بالأمر هنا: صيغة افعل وما جرى مجراها، كلفظ: أمرتكم أو أنتم مأمورون أو إن الله يأمركم.
ومقتضى الأمر يشمل:
1 - دلالة الأمر على الوجوب.
2 - دلالته على الفور.
3 - دلالته على التكرار.
4 - دلالته على الإجزاء بفعل المأمور به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
دلالة الأمر على الوجوب
اختلف العلماء في الأمر المجرد عن القرائن علام يحمل؟ مع أنه لا يكاد يوجد أمر إلا ومعه قرائن تدل على المراد منه، ولكن لما كانت القرائن قد يتنازع فيها أراد الأصوليون أن يبينوا الأصل في الأمر ما هو؟
فذهب أكثر الأصوليين إلى أن الأصل حمله على الوجوب، واستدلوا بعدة أدلة منها:
1ـ قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور63] وجه الدلالة على الوجوب: أن الله توعد من يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالفتنة والعذاب الأليم، ولا يكون هذا إلا على ترك واجب، فدل على أن امتثال الأمر واجب.
2 - قوله تعالى ـ على لسان موسى مخاطبا أخاه هارون ـ: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه93]، مع قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء14].
وجه الاستدلال: أن الآية الأولى جعلت مخالفة الأمر معصية، والآية الثانية جعلت المعصية سببا لدخول جهنم.
فهاتان الآيتان تدلان بمجموعهما على أن الأمر للوجوب.
3 - قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
وجه الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن سبب عدم الأمر بالسواك هو خوفه المشقة على الأمة، ولا مشقة إلا في ترك الواجب؛ لأنه هو الذي فيه عقوبة.
والحديث يدل على بطلان القول بأن الأمر للندب، حيث نفى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون أمر أمته بالسواك مع أنه ندبهم إليه بلا خلاف، فهذا يدل على أن الأمر لما هو أعلى من الندب والأعلى من الندب هو الوجوب.
4 ـ ما روي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبي بن كعب وهو يصلي فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء، فقال: لم يمنعني من إجابتك إلا أني كنت أصلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمع قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال24]» (أخرجه البخاري).
فهذا الحديث يدل على أن الأمر يفيد الوجوب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لام أبي بن كعب على عدم فهمه الوجوب من الآية.
5 - إجماع الصحابة على الاستدلال بالأمر على الوجوب، ويدل على ذلك رجوعهم إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من غير بحث عن قرينة، كما رجعوا إلى حديث: «إذا دخل الطاعون في بلد وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن حدث في بلد فلا تدخلوها».
القول الثاني: أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب، وذهب إلى هذا كثير من الأصوليين كالرازي وشراح كلامه، وهو مذهب أبي هاشم الجبائي، ونسب إلى أبي منصور الماتريدي ومشايخ سمرقند (1).--------------------------------------------
(1) المعتمد 1/ 58، وقواطع الأدلة 1/ 93، وفواتح الرحموت 1/ 373.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
واستدلوا بأن ألفاظ الأمر الواردة في الكتاب والسنة منها ما حمل على الوجوب ومنها ما حمل على الندب، مما يدل على أن الأمر صالح لكلا المعنيين.
واستدلوا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل90]، وهذه المأمورات منها ما هو واجب ومنها ما هو مندوب.
وهذا القول في حقيقته يؤول إلى القول الثالث؛ لأن المتيقن عندهم هو الندب ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.
القول الثالث: أنه موضوع للندب ونسبه السمعاني لبعض الفقهاء (1)، ونسب للشافعي وأحمد (2)، ونسب لأبي هاشم الجبائي وعامة المعتزلة (3).
واستدلوا بأن الأمر طلب الفعل، وهذا يتحقق بحمله على الندب فلا نزيد عليه.
وهناك قول بأن مدلول الأمر الإباحة، ونسب لبعض المالكية (4)، والمشهور عنهم خلاف ذلك.
وهناك أقوال أخر أعرضت عن ذكرها؛ لأنها ليست عليها حجة تستحق المناقشة.
والراجح: هو القول الأول، واستدلال المخالفين بأن أوامر الكتاب والسنة، بعضها محمول على الندب وبعضها محمول على الوجوب، يجاب بأن--------------------------------------------
(1) قواطع الأدلة 1/ 94.
(2) المستصفى 1/ 426، والتبصرة 27 وشرح الكوكب المنير 3/ 41 نقلا عن أبي الخطاب.
(3) إرشاد الفحول 169.
(4) أصول السرخسي 1/ 16، وكشف الأسرار 1/ 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
المحمول على الندب منها وجدت قرائن تصرفه عن الوجوب، وكلامنا فيما لم توجد معه قرينة صارفة.
وقولهم: الأمر طلب، والندب هو المتيقن فيحمل عليه، يجاب بأن الأمر طلب الفعل من الأعلى رتبة، وأدلة الشرع السابقة دلت على حمله على الوجوب، والاحتياط يقتضي ذلك؛ إذ إن حمله على الندب ربما دفع المكلف إلى الترك وهو مراد به الوجوب فيأثم، وإذا حمله على الوجوب فعله وسلم من الإثم.
ولما كانت الأوامر في الكتاب والسنة لا تخلو ـ غالبا ـ عن قرائن حالية أو مقالية، متقدمة أو متأخرة أو مصاحبة، وجدنا كلام العلماء في حمل الأوامر على الندب أو الوجوب لا يقف عند ذكر الأصل في معنى الأمر، وإنما يؤيد كل منهم رأيه في المسألة الخاصة الوارد الأمر بها بأدلة وقرائن أخرى.
والمتتبع لكلام الفقهاء يجدهم يحملون الأمر على الوجوب، إلا إذا وجدت قرينة صارفة أو عارض الأمر دليل آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
دلالة الأمر على الفورية
اتفق العلماء على أن الأمر إذا صحبته قرينة تدل على الفور يحمل على ذلك، وإذا صحبته قرينة تدل على جواز التراخي حمل على ذلك، وإذا حدد له وقت معين حمل على ذلك.
واختلفوا في الأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور ولا على تراخ، ولم يوقت بوقت معين علام يحمل؟
فذهب أكثر الحنابلة والمالكية وبعض الحنفية والشافعية (1) إلى أنه يدل على الفور، واستدلوا بما يلي:
1 - قول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران133]، حيث أمر بالمسارعة إلى المغفرة، والمقصود أسباب المغفرة، وامتثال أمر الله من أسباب المغفرة ولا شك، والمسارعة تعني: المبادرة في أول أوقات الإمكان.
2 - قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة48]، حيث أمر بالاستباق إلى الخيرات، والمأمور به خير فيدخل فيما أمرنا بالاستباق إليه، والأمر للوجوب فيكون الاستباق إلى فعله واجبا.
3 - قوله تعالى ـ لإبليس ـ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف12]، حيث--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول 178، ونسبه ابن السمعاني للصيرفي والقاضي أبي حامد وأبي بكر الدقاق من الشافعية. القواطع 1/ 129.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
ذمه على ترك السجود عند سماع الأمر.
وأجيب بأن الأمر هنا مقيد بوقت؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص 72]، وإذا تفيد الظرفية، والفاء في قوله: فقعوا، للتعقيب.
4 - أن الأمر لو لم يكن للفور لجاز تأخيره، والتأخير إما أن يكون إلى أمد محدد أو غير محدد بوقت، فإن قلتم يؤخر إلى زمن محدد كان التحديد تحكما لا دليل عليه، وإن قلتم يؤخر من غير تحديد بزمن معين أدى ذلك إلى ترك الفعل، وهو ممنوع، فلم يبق إلا أن نقول إن وقته هو أول أوقات التمكن من الفعل.
فإن قيل يجوز له أن يؤخر بشرط سلامة العاقبة أي: بشرط أن يفعل قبل موته، قلنا: وما يدريه متى يموت؟ فإذا كان التأخير جائزا فلا يصح أن يعاقب من أخر الفعل إلى وقت يجوز تأخيره إليه ثم مات، كالمصلي لو أخر الصلاة عن أول وقتها ثم مات لا يأثم إذا كان عازما على الفعل في آخر الوقت.
القول الثاني: أنه للقدر المشترك بين الفور والتراخي ولا تعرض فيه لوقت الفعل.
وهو اختيار الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي، مع اختلافهم في التعبير عنه. ونسب هذا القول للإمام الشافعي.
وقد يعبر بعض الأصوليين عن هذا القول بعبارة فيها نظر، فيقول: قال بعض العلماء: «إن الأمر المطلق للتراخي» (1)، وهذا التعبير إذا أخذ على--------------------------------------------
(1) المحصول 2/ 189.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
ظاهره لا يصح وإنما هو من باب التسامح في العبارة؛ إذ لم يقل أحد إن الأمر المطلق يجب التريث فيه وعدم المبادرة إلى امتثاله، وإنما خلافهم في أنه هل يجوز التراخي فيه؟ أما المبادرة فلا يختلفون في جوازها وفضلها، ولهذا فلا يصح التفريق بين قول الرازي ومن تبعه إن الأمر للقدر المشترك بين الفور والتراخي، وقول من قال: إن الأمر المطلق يحمل على التراخي، كابن السمعاني والإسفراييني وابن برهان (1)، ولهذا قال ابن السمعاني: «واعلم أن قولنا: إنه على التراخي، ليس معناه أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل، لكن معناه أنه ليس على التعجيل» (2).
أدلة هذا القول:
1 - أن الزمان كالمكان، فكلاهما ظرف للفعل المأمور به، فكما أن الأمر لا دلالة فيه على مكان الفعل باتفاق، فكذلك ينبغي أن يقال لا دلالة فيه على زمانه.
2 - أن الأمر يرد للفور حينا ولجواز التراخي حينا آخر، فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك وإلا لزم المجاز أو الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل.
ولو أردنا إيضاح هذا الدليل أكثر لقلنا: إن الأمر يرد مرادا به الفور كما في الأمر بإنقاذ الغريق فإنه لا يحتمل التأخير، ويرد مرادا به جواز التراخي كما في الأمر بجهاد الطلب، ولو قلنا إنه للفور لزم أن يكون استعماله في غيره مجازا أو--------------------------------------------
(1) البحر المحيط 2/ 398.
(2) القواطع 1/ 130، ونقل الزركشي نحو ذلك عن جماعة من المحققين. انظر: البحر المحيط 2/ 399 - 400.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
من باب الاشتراك اللفظي، والمجاز والاشتراك كلاهما خلاف الأصل ولا يلجأ إلى حمل الكلام عليهما إلا عند عدم إمكان حمله على الحقيقة، وهنا يمكن أن يحمل على الحقيقة فنقول: الأمر لمجرد طلب الفعل من غير التفات إلى وقته، فيكون المكلف مطالبا بإيجاده في أي وقت، ويكون تحديد الوقت من دليل آخر.
والراجح ـ والله أعلم ـ أن الأمر المطلق يحمل على الفور.
وقول المخالف: إن الزمان كالمكان مردود؛ فإن الزمان الأول تتعلق به فوائد ربما لا تحصل في الزمان الثاني، فالمبادرة إلى الفعل يحصل بها براءة الذمة والخروج من العهدة، والتأخير ربما ترتب عليه تفويت الفعل؛ لما قلناه من أنه لا دليل على تحديد حد معين للتأخير، وما ذكروه من تحديد لا يصح.
وأما قولهم: إن الأمر يرد للفور حينا ولجواز التراخي حينا الخ. فيجاب بأن الخلاف في الخالي من القرينة الدالة على التوقيت، وقد أقمنا الدلالة على وجوب المبادرة إليه.
وقد اعترض الرازي على أدلة القائلين بالفور باعتراض كرره في كتابه وقال: إنه يرد على أكثر أدلتهم وهو أنها تنتقض بما لو قال الآمر: افعل في أي وقت شئت.
وقد تأملت هذا الاعتراض فوجدته ضعيفا؛ حيث لم يوجد في نصوص الشرع مثال له وإنما هو افتراض محض، ولكنه قد يقع من السيد لعبده، والسيد ليس مبرأ من التناقض ولا من الظلم والاعتداء، فقد يعاقب عبده من غير أن يستحق العقوبة، ثم إن حصول هذا الأمر من السيد لعبده لا يخلو عن قرينة تبين الحد الأقصى للتأخير، كما أن العبد متمكن من سؤال سيده عن ذلك، وهذا بخلاف ما نحن فيه من الكلام عن أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
ثمرة الخلاف:
ينبني على هذا الخلاف خلاف في مسائل كثيرة، ومن الفقهاء من اطرد قوله فيها مع قوله في القاعدة، ومنهم من لم يطرد قوله لأدلة أخرى أو قرائن ظهرت له، ومن تلك المسائل:
1 - إخراج الزكاة ودفعها إلى مستحقيها، هل يجوز التأخر فيها عن رأس السنة؟ من قال: إن الأمر على الفور قال يحرم التأخير عن رأس الحول، ومن قال: لا يفيد الفور لم يؤثم المؤخر إذا فعل ولو بعد حين.
2 - الكفارات والنذور غير المؤقتة بوقت، هل يجوز تأخيرها عن أول أوقات الإمكان؟ من قال: بالفور، يقول: لا يجوز بل يأثم بالتأخير، ومن لم يقل به أجاز التأخير.
3 - الحج مع الاستطاعة هل يجوز تأخيره؟ ومن الواضح أن كثيرا من الأصوليين تكلم في المسألة الأصولية وهو يراعي مذهب إمامه في الحج هل يجب على الفور؟ فقرر الراجح في المسألة بناء على ما عرفه من مذهب إمامه في الحج أهو على الفور أم لا؟.
والخلاف في ذلك مشهور في كتب الفقه لا نطيل بذكره هنا، وله أدلة خاصة فيها تصريح بالمبادرة إليه.
4 - قضاء الفوائت هل يجوز تأخيرها؟
5 - أداء النفقات التي لا تسقط بفوات وقتها كنفقة الزوجة هل يأثم بتأخيرها إذا أداها في وقت متأخر؟.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
دلالة الأمر على التكرار
محل النزاع:
اختلف العلماء في الأمر المطلق هل يدل على تكرار الفعل المأمور به بحسب الإمكان؟ بمعنى أن المكلف مأمور بتكرار ما أمر به على وجه لا يستحيل عقلا ولا شرعا، فأما التكرار المؤدي إلى منعه من الاشتغال بما تقوم به حياته، أو إلى الجمع بين الضدين فهو ممنوع عقلا، وأما التكرار المؤدي إلى إسقاط أوامر الله الأخرى وترك امتثالها فهو ممتنع شرعا.
فهذان النوعان من التكرار غير داخلين في محل النزاع؛ إذ لا يقول أحد بوجوب تكرار الفعل المأمور به في جميع الأوقات؛ لأنه ممتنع عقلا وشرعا.
ومحل النزاع هو في التكرار الذي لا يؤدي إلى مستحيل عقلا أو شرعا، وفي الأمر الذي ليس مقيدا بمرة ولا بتكرار ولا معلقا على شرط ولا صفة، وفيه قولان مشهوران:
القول الأول: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار بحسب الإمكان، وهو منسوب للإمام أحمد وأكثر أصحابه، وحكاه ابن القصار عن مالك، وحكاه الغزالي عن أبي حنيفة، والمشهور عند الحنفية خلافه، فقد نص عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار (1) على أنه لا يقتضي التكرار.
وجه القول بالتكرار ما يلي:
1 - أن الأمر بالإيمان والتقوى لا يكفي فيه مرة واحدة، ولو لم يكن الأمر--------------------------------------------
(1) 1/ 123.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
للتكرار لكفى الإنسان أن يؤمن ساعة ويتقي الله ساعة، ولا خلاف في أنه لا يكفيه ذلك، وأنه لا بد من الاستمرار في ذلك.
2 - أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي ترك المنهي عنه في جميع الأوقات، فينبغي أن يكون موجب الأمر فعل المأمور به في جميع الأوقات إلا ما دل العقل أو الشرع على استثنائه.
3 - أن الأمر يقتضي وجوب الفعل ووجوب الاعتقاد والعزم، ثم إنه في جانب الاعتقاد والعزم يفيد الاستمرار والاستدامة فينبغي أن يكون كذلك في الفعل.
القول الثاني: أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب وابن قدامة.
وجه هذا القول ما يلي:
1 - أن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وإنما وجبت المرة الواحدة ضرورة دخول الفعل في الوجود؛ إذ لا يمكن وجوده إلا بفعله مرة واحدة.
2 - قياس الأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم أو نذر أن يصوم بر بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله: طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه فقال: صمت، صدق بصيام يوم واحد.
3 - قياس استيعاب الأزمنة على استيعاب الأمكنة، فكما لا يجب أن يفعل في كل مكان لا يجب أن يفعل في كل زمان.
4 - أن القول بان الأمر يقتضي التكرار يؤدي حتما إلى تعارض الأوامر بحيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
يبطل بعضها بعضا وهو ممنوع شرعا.
وهذا القول هو الراجح، ويجاب عن أدلة القول الأول بما يلي:
قولهم: لو لم يجب التكرار لكفى المرء أن يؤمن ساعة، الخ … يجاب بأن الإيمان يضاد الكفر، فإذا تخلى عن الإيمان لحظة وقع في الكفر، والكفر منهي عنه على الدوام، وأما إذا ذهل عن الإيمان ولم يقع في قلبه ضده فلا شيء عليه ويبقى حكم الإيمان مستصحبا، ولهذا فإن النائم يسمى مؤمنا، ولا يسوى بين الأمر بالإيمان والتقوى والأمر بالفعل.
دليلهم الثاني: قياس الأمر على النهي، وهو قياس في اللغة فلا يصح، ثم إن الأمر ضد النهي فكيف يقاس الشيء على ضده؟!.
دليلهم الثالث: التسوية بين الاعتقاد والعزم والفعل لا يصح؛ لأن الفعل يحول بينه وبين أفعال أخرى مأمور بها، أو يحتاج إليها بمقتضى العادة والطبيعة، وأما الاعتقاد فلا يصرفه عن فعل مأمور به ولا عن فعل يحتاجه بمقتضى العادة والطبيعة.
ومن وجه آخر فإن الأفعال القلبية كالاعتقاد والعزم، استمرارها يتحقق بعدم وجود ما يضادها، بخلاف أفعال الجوارح فلا تتحقق بانتفاء الضد، بل لا بد من جهد زائد على ذلك.
أثر الخلاف:
من الفروع التي بنوها على هذا الأصل ما يلي:
1 ـ لو قال لوكيله: طلق زوجتي، فهل يملك طلقة واحدة أو ثلاثا؟ من قال: إن الأمر يفيد التكرار، فقياس مذهبه أنه يملك ثلاثا، ومن قال: لا يفيد التكرار، فمقتضى قوله أن لا يملك إلا واحدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
2 ـ الأمر بالعمرة، هل يفيد التكرار؟ وهذا الفرع وجدت فيه أدلة أخرى كالقياس على الحج، وقوله صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
3 - تكرار غسل النجاسة مما لم يرد في تكراره نص.
4 - تكرار الفاتحة إذا فرغ المأموم من قراءتها في الصلاة السرية ولم يركع الإمام.
الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار؟:
اختلفوا في الأمر المعلق على شرط هل يفيد التكرار بتكرر الشرط؟ ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (متفق عليه).
فالأمر بصلاة الركعتين معلق على شرط دخول المسجد، فإذا خرج ثم دخل فهل يؤمر بتكرار الصلاة.
ومن قال: إن الأمر المطلق يقتضي التكرار فلا شك أنه يقول كذلك في الأمر المعلق على شرط من باب أولى.
وأما الذين قالوا إن الأمرالمطلق لا يقتضي التكرار فقد قال أكثرهم كذلك في الأمر المعلق على شرط.
واستدلوا بما ذكرته سابقا من أن الأمر ليس فيه تعرض لعدد مرات الفعل فلا يدل عل تكرار ولا غيره، وأن ثبوت الفعل مرة واحدة إنما هو لضرورة إدخاله في الوجود.
وقال بعضهم: إن الأمر المعلق على شرط يقتضي التكرار بخلاف الأمر المطلق.
واستدلوا بأن تعليق الأمر على الشرط كتعليقه على العلة، والتعليق على العلة يوجب التكرار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
والراجح ـ والله أعلم ـ أن الأمر المعلق على شرط يتكرر بتكرر الشرط؛ لما ذكرته سابقا من أن تعليق الفعل على شرط دليل على كون هذا الشرط علة للفعل، وإذا تكررت العلة تكرر الحكم المعلق عليها.
ولكن قد تتداخل الأحكام تخفيفا على المكلفين. وقد تقدم أن الشروط اللغوية أسباب، والأسباب يتكرر الحكم بتكررها ما لم تتداخل.
ومما ينبني على هذه القاعدة:
1 - إذا سمع الأذان أكثر من مرة فهل يستحب له تكرار القول كما يقول المؤذن، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» الحديث.
2 - إذا كرر السلام، فهل يلزم تكرار رده، عملا بقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء86].
3 - إذا تكرر دخوله للمسجد فهل يكرر صلاة تحية المسجد، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
4 - إذا تكرر ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يكرر الصلاة عليه، عملا بالأحاديث الواردة في ذلك.
هذه المسائل اختلف الفقهاء فيها، فذهب بعضهم إلى وجوب التكرار إذا تكرر الشرط، وذهب بعضهم إلى عدم التكرار، إما لأجل أنه لا يرى أن الأمر المعلق على شرط يقتضي التكرار بتكرر الشرط، وإما لأنه يرى التداخل مع قرب الزمن، ولهذا قال بعضهم ـ في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم تكرر إذا اختلف المجلس، وقال بعضهم: تكرر مع طول الفاصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته
هذه المسألة يعنون لها في كتب الأصول بعنوانين:
أحدهما: هذا العنوان الذي ذكرته، ولكنهم اعتادوا أن يكتبوه بصيغة الاستفهام.
والعنوان الثاني: أيثبت القضاء بالأمر الأول أم يحتاج لأمر جديد؟.
فالقائلون بسقوط القضاء بفوات الوقت هم القائلون إن القضاء لا يثبت إلا بأمر جديد، والقائلون بعدم سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته هم القائلون بأن القضاء يثبت بالأمر الأول ولا يحتاج إلى أمر جديد.
وينبغي أن نعلم أن القول: بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته ليس معناه سقوط الإثم بل معناه سقوط المطالبة بالقضاء، وأما الإثم فقد استحقه إن لم يعف الله عنه.
صورة المسألة: إذا أمر الله بفعل وحدد له وقتاً معيناً ثم لم يفعله المكلف في ذلك الوقت ولم يأت أمر آخر بقضائه فهل يبقى مأموراً بفعله بعد فوات وقته؟.
والخلاف يشمل ما فات وقته بعذر أو بغير عذر، ويشمل ما كان الأمر به أمر إيجاب أو أمر ندب عند الأكثر. وهناك من قصر المسألة على المأمور به أمر إيجاب.
ويخرج عن محل النزاع ما ورد فيه أمر آخر يدل على قضائه بعد فوات وقته كالأمر بقضاء الصلاة المفروضة على من أخرها لنوم أو نسيان الثابت بقوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
ومثال محل النزاع: الأمر بالصلاة، فإنه أمر مؤقت، فإذا تركها المسلم عمدا فهل يؤمر بقضائها بعد فوات الوقت؟.
الأقوال:
اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته بل يجب قضاؤه بالأمر الأول ولا يحتاج إلى أمر خاص بالقضاء. وهذا القول ذهب إليه أكثر الحنابلة ومنهم ابن قدامة وبعض الحنفية ومنهم السرخسي.
واستدل عليه بإدلة أهمها:
1 - أن الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، والمؤقت بوقت مركب من شيئين هما، الفعل ذاته، والزمن المحدد له. فإذا فات أحد الجزأين فيبقى الآخر مأمورا به، فيجب قضاؤه إن كان واجباً من غير بحث عن دليل جديد يدل على القضاء.
2 - أن الواجب إذا شغلت به ذمة المكلف فلا تبرأ إلا بأداء أو إبراء، وانتهاء الوقت المحدد ليس بأداء ولا إبراء، فتبقى الذمة مشغولة به.
3 - قوله صلى الله عليه وسلم: «فدين الله أحق بالقضاء»، ووجه الدلالة من الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى الواجبات الشرعية ديناً، وشبهها بديون الآدميين فقال في صدر الحديث: «أرأيت لو كان على أبيك دين؟» ولا خلاف في أن دين الآدمي لا يسقط بفوات وقته، فكذلك دين الله، وهو شرائعه الواجبة.
ولا يخفى أن الدليلين الثاني والثالث لا يشملان المأمور به أمر ندب.
القول الثاني: أن الأمر المؤقت يسقط بفوات وقته، ولا يقضى إلا إذا قام دليل خاص على مشروعية قضائه. وهذا القول هو نفسه قول من قال: القضاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
لا يثبت إلا بأمر جديد وهذا هو قول أكثر الأصوليين.
ويستدل له بما يلي:
1 - أن تحديد الوقت المعين للعبادة دليل على أن هذا الوقت فيه مصلحة أوجبت تخصيصه دون سواه من الأوقات، فإذا فات الوقت فاتت المصلحة، فلم يعد لإيجاب القضاء فائدة.
2 - أن الواجبات الشرعية منها ما يجب قضاؤه ومنها ما لا يجب قضاؤه باتفاق، فالصلوات الخمس يجب قضاؤها على النائم والناسي، والجمعة والجهاد لا يجب قضاؤهما، ولو كان القضاء يثبت بالأمر الأول ولا يحتاج لأمر جديد لاستوت الواجبات في ذلك.
3 - أن الأمر بالفعل لا تعرض فيه للقضاء، فإيجاب القضاء لا دليل عليه.
4 - قياس الزمان على المكان، فالفعل المخصص بمكان إذا لم يفعل فيه لا يؤمر الإنسان بفعله في مكان آخر.
وقد حاول أبو زيد الدبوسي أن يجمع بين القولين، فقال: إن القضاء واجب على كل حال في جميع الأفعال المأمور بها إذا فات وقتها، ولكن لا يجب بالأمر الأول بل بالقياس علىديون الآدميين وعلى ما اتفق العلماء على قضائه كالصلوات المفروضة بالنسبة للنائم والناسي.
وهذا في الواقع اختيار للقول الثاني من القولين، ولكنه زعم أن الأمر الجديد قد وجد فلا حاجة للبحث عن دليل خاص لكل فعل، بل يكتفى بدليل يصلح لكل الواجبات، فهو من حيث التقعيد موافق لأصحاب القول الثاني ولكنه في الفروع قد يختلف معهم وقد يتفق.
والراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول وهو وجوب القضاء بالأمر الأول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
وعدم الحاجة لأمر جديد والأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته.
وقول أصحاب القول الثاني: إن التخصيص بوقت محدد لابد أن يكون لمصلحة.
يجاب عنه بالتسليم ولكن نقول الفعل المؤقت فيه مصلحتان، إحداهما في الفعل نفسه والأخرى في التوقيت فإذا فاتت مصلحة التوقيت، فلا ينبغي أن نفوت مصلحة الفعل نفسه مع التمكن من استدراكه، ولا شك أن مصلحة الفعل هي العظمى.
وقولهم: إن الواجبات الشرعية المؤقتة بعضها يجب قضاؤه وبعضها لا يجب قضاؤه.
يجاب بأن ما لا يقضى من الواجبات امتنع قضاؤه لعدم التمكن منه كالجمعة، أو لأن المصلحة من الفعل لا تحصل إلا بالاجتماع عليه كالجهاد. أو يقال: إن ما لا يقضى قد قام الدليل على عدم قضائه وهو الإجماع من العصر الأول.
وقولهم: إن الأمر لا تعرض فيه للقضاء.
يجاب بأننا لا نزعم أن الأمر يدل على وجوب القضاء بالوضع اللغوي، وإنما وجب القضاء بالعرف الشرعي.
وقولهم: «إن الزمان كالمكان» لا يصح؛ لأن الأزمنة متصل بعضها ببعض، فما وجب في الأول ينسحب إلى الثاني بخلاف الأمكنة فإنها منفصلة، ولأن الأزمنة تذهب وتتلاشى فلا يبقى الزمان الأول مع الثاني بخلاف الأمكنة فهي باقية.
ثم إن الواجبات المقيدة بمكان لا تخرج عن أعمال الحج والعمرة من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
الإحرام والطواف والوقوف بعرفة ونحو ذلك وهي أعمال تعبدية غير معروفة العلة في الغالب.
سبب الخلاف:
الخلاف يرجع إلى قاعدتين:
الأولى: أن الأمر بالمركب أمر بكل واحد من أجزائه.
الثانية: أن تخصيص الفعل بوقت معين لا يكون إلا لمصلحة في ذلك الوقت.
فمن راعى القاعدة الأولى أوجب القضاء بالأمر الأول، ولم يقل بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته. ومن راعى القاعدة الثانية لم يوجب القضاء إلا بأمر جديد وقال بسقوط الأمر المؤقت بفوات وقته.
وما رجحته يمكن أن يتفق مع القاعدتين لكن مع عدم إهمال المصلحة المقصودة من ذات الفعل، فقولهم إن تخصيص الفعل بوقت لا يكون إلا لمصلحة لا ينافي أن يكون في الفعل المؤقت مصلحتان إحداهما في الفعل نفسه والأخرى في التوقيت.
ثمرة الخلاف:
ينبني على الخلاف في هذه القاعدة خلاف في مسائل فقهية كثيرة منها:
1 - قضاء الصلوات المتروكة عمدا تهاونا لا جحدا للوجوب: اختلف العلماء في وجوب قضاء الصلاة على من تركها تهاوناً فذهب بعضهم إلى وجوب قضائها وبعضهم إلى عدم وجوبه.
فالقائلون بوجوب القضاء أكثرهم فرعوه على عدم سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته، وعدم حاجة القضاء إلى أمر جديد وبعضهم قال: إن الدليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)