Arabic source text

📘 উসুলুল ফিকহিল্লাযি লা ইয়াসাউল ফাক্বিহা জাহলুহু (ইয়াদ আস-সুলামী)

📘 أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (عياض السلمي)

📘 উসুলুল ফিকহিল্লাযি লা ইয়াসাউল ফাক্বিহা জাহলুহু (ইয়াদ আস-সুলামী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فنستصحب هذا الحكم الثابت بالإجماع بعد الاستيلاد إلى أن يدل دليل على تغييره.

‌‌حكم العمل بالاستصحاب:
الأنواع الثلاثة الأولى من الاستصحاب حجة عند جمهور العلماء، وما وقع من خلاف بينهم فهو في مسائل جزئية اختلف في صحة الاستدلال به فيها.
وذهب الحنفية في المذهب المشهور عندهم إلى أن الاستصحاب يصلح الاستدلال به في النفي لا في الإثبات، فهو لا يصلح لإثبات حكم مبتدأ، بل يصلح لإبقاء ما كان على ما كان إلى أن يثبت دليل التغيير.
ولأجل ذلك قال الحنفية: إن المفقود الذي لا يعرف أنه حي أو ميت يحكم بحياته استصحابا للأصل، فإن الأصل فيه الحياة؛ لأنها آخر العهد به، وبناء على ذلك فإن ما يملكه من مال يبقى مملوكا له ولا ينتقل إلى الورثة، وزوجته لا تتزوج بغيره، وإجارته لا تنفسخ، وهكذا كل الحقوق التي كانت ثابتة له تبقى كما هي إلى أن يحكم بموته حاكم بعد الانتهاء من مدة الانتظار، ولكن لو مات ابنه أو زوجته مثلا في تلك المدة فإنه لا يرثهما؛ لأن الحكم بحياته حكم اعتباري فلا يثبت له الإرث بمقتضى استصحاب الحال السابقة، وهذا معنى قولهم إن الاستصحاب يصلح حجة للدفع فقط.
وعند الجمهور أنه في مدة الانتظار يوقف له نصيبه حتى يرجع فإن لم يرجع كان كبقية ماله يأخذه ورثته، وقيل يرد إلى ورثة الميت الأول.
والدليل على حجية الأنواع الثلاثة الأولى من الاستصحاب ما يلي:
1 ـ قوله صلى الله عليه وسلم في الرجل يخيل إليه أنه أحدث في الصلاة: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم باستصحاب حكم الوضوء مع الشك في وجود الناقض حتى يدل الدليل على انتقاضه يقينا.
2 ـ حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه (متفق عليه).
وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الأصل براءة ذمة المدعى عليه حتى يثبت شغلها بالبينة الصحيحة، وهذا عمل باستصحاب الحال السابقة حتى يثبت تغيرها.
3 ـ أن العمل بالاستصحاب عمل بالظاهر، والعمل بالظاهر حتى يثبت خلافه مما اتفق عليه الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم.
وأما النوع الرابع وهو استصحاب الإجماع في محل الخلاف فالمحققون على أنه ليس بحجة؛ لأنه يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع وهما مختلفان.
ولأن الإجماع على صحة الصلاة بالتيمم مشروط بعدم الماء، فإذا انتفى هذا الشرط انتفى الإجماع، وكذا في بيع الأمة، الإجماع على جوازه مشروط بعدم الاستيلاد فإذا وجد الاستيلاد انتفى الإجماع.

‌‌قواعد مبنية على الاستصحاب:
تدور على ألسنة الفقهاء وفي كتبهم قواعد فقهية مبنية على الاستصحاب، منها:
1 - قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وهي من القواعد العظمى التي تدخل في جميع أبواب الفقه، ويندرج تحتها مسائل وقواعد كثيرة.
2 - قاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي: إذا ثبت للشيء صفة معينة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

فالأصل بقاؤها حتى يرد ما يدل على تغيرها.
3 - قاعدة: الأصل براءة الذمة، أي: عدم انشغالها بشيء من التكاليف والحقوق إلا بدليل.
4 - قاعدة: الأصل في الصفات العارضة العدم، أي: الصفات التي تعرض للأشياء وليست ثابتة لها في الأصل، لا يحكم بوجودها إلا بدليل، فمن اشترى سلعة وقبضها ثم ادعى بعد زمن أنها كانت معيبة فلا يقبل قوله إلا ببينة تشهد له؛ لأن العيب من الصفات العارضة والأصل عدمها، وكذا لو ادعى المشتري أنه شرط الخيار لا تقبل دعواه إلا ببينة.
5 - قاعدة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. وهي قريبة من التي قبلها، ومثالها: إذا اختلف المتبايعان في عيب طارئ حديث، هل وقع قبل البيع أو بعده، فيحكم بأنه حدث في أقرب زمن للزمن الذي اطلعنا عليه فيه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

‌‌الاستصلاح
‌‌تعريفه:
الاستصلاح في اللغة: العمل على إصلاح شيء ما.
وفي الاصطلاح: بناء الأحكام على المصلحة المرسلة.
والمصلحة في اللغة: المنفعة، سواء أكانت دنيوية أم أخروية، بجلب نفع أو بدفع ضرر.
والعلماء متفقون على أن الشرع جاء بحفظ المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وأن الله جل وعلا قد راعى في أحكامه مصالح العباد، وأن الشريعة ليست نكاية بالخلق ولا تعذيبا لهم، وإنما هي رحمة وتزكية، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء107] وقال: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة151] وقال في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة128].
وأهل السنة يرون أن مراعاة الشارع لمصالح العباد تفضل منه وكرم وليس بواجب عليه، وأكثر المعتزلة يرون أن مراعاة مصالح العباد واجب على الله أوجبه على نفسه؛ لأنه من لوازم حكمته وعدله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

‌‌أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشرع لها:
والمصلحة من حيث اعتبار الشرع لها وبناء الأحكام عليها وعدمه تنقسم ثلاثة أقسام:
1ـ‌‌ مصلحة ملغاة:
وهي كل منفعة دل الشرع على عدم الاعتداد بها وعدم مراعاتها في الأحكام الشرعية، وذلك لانطوائها على مفسدة أعظم منها، أو لأنها تفوّت مصلحة أكبر.
ومثال المصلحة الملغاة ما في الزنى من لذة قضاء الشهوة، وما في ترك قطع السارق من مصلحة تمتعه بأعضائه، وما في التسوية بين الرجال والنساء في الميراث من مصلحة ترغيب النساء في الإسلام، وغير ذلك.
والضابط الذي به نعرف أن المصلحة ملغاة هو مخالفتها لنص أو إجماع أو قياس جلي.
فالمنافع المشار إليها قبل قليل مصادمة لنصوص الشرع الصحيحة الصريحة، وإذا دققنا النظر فيها نجد أنها مصالح جزئية لو روعيت لفوتت مصالح كلية.
2ـ‌‌ مصلحة اعتبرها الشارع بعينها وراعاها في أصل معين يمكن أن يقاس عليه ما يشبهه:
وهذه هي المصلحة التي تتضمنها العلة في القياس، ويسميها بعضهم المناسبة، ومثالها: مصلحة حفظ العقل التي تضمنها تحريم الخمر، فيقاس على الخمر كل ما يذهب العقل من المخدرات والحشيش ونحو ذلك.
وهذه لا يختلف القائلون بحجية القياس في مراعاة الفقيه لها في اجتهاده، ولكنهم لا يعدونها دليلا مستقلا غير القياس.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

3ـ‌‌ مصلحة اعتبر الشارع جنسها، ولا يشهد لعينها أصل معين بالاعتبار:
بمعنى أن نصوص الشرع العامة تدل على مراعاة جنس هذه المصلحة، ولكننا لا نجد نصا خاصا على تحقيق هذه المصلحة بهذا الحكم المعين بخصوصه؛ إذ لو وجدنا أصلا خاصا وأمكن القياس عليه لكانت من النوع الثاني.
ومثال هذا النوع: المصلحة الناشئة من جمع القرآن في مصحف واحد، فهذا العمل فيه مصلحة حفظ الدين، ولكن لم نجد نصا يدل على حفظ الدين بهذه الطريقة بخصوصها، ولا بشيء يشبهها شبها يمكن معه قياسها عليه.
ومن ذلك المصلحة الناشئة عن وضع إشارات المرور في الشوارع العامة، ومعاقبة من لا يراعيها، فإن هذا العمل فيه مصلحة ظاهرة للناس؛ حيث إن الالتزام بهذه الإشارات يحفظ أرواح الناس وأموالهم، وعدمه يؤدي إلى التصادم وتعطيل الحركة وهلاك الأنفس والأموال، فهذه المصلحة من حيث جنسها قد جاء بها الشرع، ولا يشك مسلم في أن الإسلام يدعو إلى حفظ الأنفس والأموال، ولكن لا نجد نصا خاصا يدل على حفظها بهذه الطريقة (أي: بوضع إشارات المرور) ولا بطريقة تشبهها شبها بينا يمكن قياسها عليها.
وهذه المصلحة هي التي تسمى المصلحة المرسلة، وهي التي اختلف في حكم الاحتجاج بها على إثبات الأحكام الشرعية.
ولا يصح أن نفسر المصلحة المرسلة بالمهملة أو المسكوت عنها؛ فإن الشرع لم يهمل شيئا من المصالح الحقيقية، وإنما أهمل المصالح المتوهمة، والظاهر أن قولهم: المرسلة، لإخراج المقيدة، وهي التي شهد لها أصل خاص بالاعتبار، وأمكن القياس عليها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

‌‌حكم العمل بالمصلحة المرسلة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى الاستدلال بالمصلحة المرسلة في إثبات الأحكام الشرعية، وأكثر الإمام مالك من العمل بها حتى ظن بعض الناس اختصاصه بها.
والأصوليون يذكرون خلافا قويا في عدها من الأدلة، وينقلون عن الإمام الشافعي إنكار الاحتجاج بالمصلحة التي لا ينتظم منها قياس صحيح، ورأى الغزالي أن ما يقع منها في مرتبة الضروريات يمكن الاحتجاج به وإن لم يشهد له أصل معين، بخلاف ما يقع في رتبة الحاجيات والتحسينيات، وأنكر ابن قدامة الاحتجاج بها في روضة الناظر، ولكنه في كتبه الفقهية يعلل بالمصلحة المرسلة أحيانا.
وفي المقابل نجد الطوفي يرى أن المصلحة إذا كانت ضرورية تقدم على النص، وقد أنكر عليه هذا من جاء بعده واستبشع قوله.
والحق أن المصلحة الضرورية القطعية لا يمكن أن يوجد في النصوص ما يعارضها.
فهذا القول وإن كان في ظاهره شناعة، إلا أنه لا يترتب عليه عمليا ما يحملنا على اتهام الطوفي في عقيدته، كما فعل بعض من رد عليه؛ لأنه لا يوجد مثال صحيح تتعارض فيه مصلحة ضرورية مع نص شرعي صحيح.
وخلاصة القول أن الذين خالفوا في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إنما خالفوا في عدها دليلا مستقلا أو في تقديمها على النصوص أو في المصالح المعارضة بمثلها أو بما هو أعظم منها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

‌‌أدلة العمل بالمصلحة المرسلة:
يستدل للعمل بالمصلحة المرسلة بأدلة كثيرة، ومنها:
1 - أن الصحابة رضي الله عنهم عملوا بالمصالح المرسلة فيما طرأ لهم من الحوادث، فمن ذلك:
ـ … جمع القرآن في مصحف واحد.
ـ … وإيقاع عمر الطلاق الثلاث بكلمة واحدة.
ـ … وقتل الجماعة بالواحد، وهذا يعد إجماعاً منهم.
2 - الآيات الدالة على أن الشريعة جاءت لمصالح العباد والتيسير عليهم، كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء107] وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة185] وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء28] وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج78].
فهذه الايات تدل على أن من مقاصد الشرع التيسير على الناس ورفع الحرج، والعمل بالمصالح المرسلة فيه تيسير على الناس؛ إذ لو كلفنا الرجوع إلى النصوص الخاصة لخلت كثير من الوقائع عن الأحكام، ولو لم يلتفت الشرع إلى مصالح العباد ويبني عليها الأحكام التي تحفظها لوقع الناس في الضيق والحرج.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

‌‌شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
يشترط للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي:
1 - أن تكون المصلحة حقيقية لا متوهمة، فالمصلحة المتوهمة لا ينظر إليها، ومثالها: ما يتوهمه بعض الناس من أن التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث فيه مصلحة، وهي ترغيب الكفار في الإسلام، ومن ذلك: ما يتوهمه البعض من أن العمل بالقوانين الوضعية المستوردة فيه مصلحة وهي التسوية بين الناس في الحقوق والواجبات.
وهؤلاء وأولئك غفلوا عن أن خالق الناس أعلم بما يصلحهم وما يناسبهم، وأن ترغيب الكفار في الإسلام بترك فرض من فرائضه مفاسده أعظم مما يتوخى فيه من مصلحة، وما في القوانين الوضعية من المصالح يمكن تحصيلها من الشريعة على وجه أكمل.
2 - أن لا تعارض نصا من كتاب أو سنة، أو إجماعاً صحيحاً، فإن عارضت شيئا من هذه الأدلة فهي مصلحة ملغاة؛ إما لانطوائها على مفسدة أعظم، أو لتفويتها مصلحة أعظم.
3 - أن لا تعارض مصلحة مساوية لها أو أعظم منها، فإن تعارضت المصالح رجحنا أقواها أثرا وأعمها نفعا وأكثرها دفعا للمفسدة، وإذا تعارضت مصلحة فرد أو فئة مع المصلحة العامة قدمنا المصلحة العامة.
4 - أن تكون في مواضع الاجتهاد لا في المواضع التي يتعين فيها التوقيف، كأسماء الله وصفاته، والبعث والجزاء، وكأصول العبادات، فإن المصلحة المرسلة لا يمكن أن يستدل بها على ثبوت عبادة أو زيادة فيها أو نقص شيء منها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

‌‌أمثلة تطبيقية للعمل بالاستصلاح:
1 - ضرب العملة السائرة في كل بلد، فهذا العمل لو طبقنا عليه دليلا من النص لم نجده؛ إذ ليس في القرآن أمر بذلك، ولم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به، ولكن الحاجة ماسة إليه ليتعامل الناس بعملة مقبولة عند جميعهم، تمكنهم من مبادلتها بما يحتاجونه من مأكول ومشروب وملبوس ومركوب وخدمات ينتفعون بها، ولذا وجب على الدولة أن تقوم بضرب عملة وتحميها من التزوير حتى تحتفظ بقيمتها.
2 - وضع الإشارات التي تنظم السير في الطرقات، ووجوب الوقوف عندها، فوضعها في المدن الكبيرة من الضروريات التي يؤدي الإخلال بها إلى تلف الأنفس والأموال، فيجب على ولي الأمر وضعها، ويجب على الناس الالتزام بها.
3 - تسجيل الأنكحة والمواليد في سجلات خاصة، فهذا من الحاجيات التي يؤدي الإخلال بها إلى فقدان كثير من المصالح، وقد يقال: إنها مما يحفظ الأنساب فتلحق بالضروريات.
4 - الإلزام باستخراج بطاقات الجنسية، ورخص القيادة، ومعاقبة المخالف لذلك.
فهذه كلها مما تدعو الحاجة إليه لضبط الأمن، ومعرفة الأنساب، والمحافظة على الأرواح والأموال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

‌‌سد الذرائع
‌‌تعريف الذرائع:
الذرائع: جمع ذريعة، والذريعة هي الوسيلة المؤدية إلى الشيء، سواء أكان مصلحة أم مفسدة.
وسد الذرائع: منع الوسائل المفضية إلى المفاسد.
والأقوال والأفعال المؤدية إلى المفسدة أربعة أقسام:
الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة قطعا، كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنى المفضي إلى مفسدة اختلاط الأنساب وثلم الأعراض.
الثاني: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولكن قصد بها التوسل إلى المفسدة، مثل عقد النكاح بقصد تحليل الزوجة لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا.
الثالث: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، ولم يقصد بها التوسل إلى المفسدة، ولكنها تؤدي إليها غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، مثل: سب آلهة الكفار علناً إذا كان يفضي إلى سب الله جل وعلا.
الرابع: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها، مثل النظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها، والجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر.
فالقسم الأول قد جاءت الشريعة بمنعه، إما على سبيل التحريم أو الكراهة، وذلك بحسب درجته في المفسدة ولا خلاف فيه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

والقسم الرابع قد جاءت الشريعة بمشروعيته إما على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ بحسب درجته في المصلحة، ولا خلاف فيه.
والقسمان الثاني والثالث هما موضع النزاع، هل جاءت الشريعة بمنعهما؟
ومذهب المالكية والحنابلة ومن وافقهم أن سد الذرائع دليل شرعي تبنى عليه الأحكام، فمتى أفضى الفعل إلى مفسدة راجحة أو كان الغالب فيه الإفضاء إلى المفسدة أو قصد به فاعله الإفضاء إلى المفسدة وجب منعه.
وذهب بعض العلماء من الشافعية والحنفية والظاهرية إلى عدم الاستدلال بهذا الدليل ولم يوجبوا سد الذرائع المؤدية إلى المفسدة، إلا أن يرد بمنعها نص أو إجماع أو قياس، ولكنهم لم يطردوا في فروعهم الفقهية بل قالوا في بعض الفروع بالمنع دون بعضها الآخر.
ومما يدل على صحة العمل بقاعدة سد الذرائع ما يلي:
1 - قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام108].
وجه الاستدلال: أن الله منع المسلمين من سب آلهة الكفار مع أنها تستحق السب والشتم، ولكن منع من سبها حتى لا يسبوا الله، وهذا ظاهر في سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة.
2 ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [البقرة104].
وجه الاستدلال: أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم راعنا؛ منعا لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم راعنا، من الرعونة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

وهي الحمق والسفه، والمسلمون يقصدون منها القصد الحسن أي: من المراعاة وهي الانتظار.
3 - منع الشارع القاضي من أخذ الهدية لئلا يكون ذريعة إلى أخذ الرشوة، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هدايا العمال غلول» (أخرجه الإمام أحمد وغيره).
والأحكام التي قصد بها سد الذرائع المؤدية إلى المحرم أكثر من أن تحصى.
وإذا تقرر وجوب سد الذارئع المؤدية إلى المحرم تقرر وجوب فتح الذرائع الموصلة إلى الواجب؛ لأن الذريعة الموصلة إلى الواجب واجبة، لكن وجوبها قد يكون وجوبا معينا إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة إلى الواجب، ولهذا جاءت قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وقد يكون وجوب وسيلة الواجب على التخيير إذا كانت هناك وسائل متعددة كلها تفضي إلى الواجب.
وباب سد الذرائع من أهم ما ينبغي للفقيه معرفته، ولهذا قال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم (ت751): «وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه (أي التكليف) أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين» (1).
وإعطاء الوسيلة حكم المتوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية؛ لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالبا لوقع الناس في حرج عظيم.--------------------------------------------
(1) أعلام الموقعين 3/ 159.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

‌‌الباب الثالث
دلالة الألفاظ
اهتم علماء الأصول بالألفاظ اهتماما كبيرا من حيث تقسيماتها وأنواعها، ومن حيث دلالتها على المعاني، وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تستفاد من الألفاظ إما بطريق الدلالة المباشرة، أو بطريق الإشارة والإيماء، وقد أحاط الأصوليون بما قرره علماء اللغة والنحو والتصريف، وزادوا عليهم تفصيلات لا يجدها الباحث عند غيرهم حتى من علماء اللغة الذين ألفوا فيها المؤلفات الكثيرة.
ومن الأصوليين من خاض في تقسيمات وتعريفات للألفاظ لا حاجة للفقيه بها، وإنما استدعاها حب الاستقصاء وغلبة النقل على مؤلفاتهم، والاستطراد الذي ينسي بعض المؤلفين الغرض من التأليف في علم أصول الفقه.
ولا يليق بهذا المختصر اتباع ذلك المنهج، لذا سأقتصر على المفيد من تلك الأقسام، وما له مدخل في معرفة دلالة ألفاظ الشرع. وهي:
الأمر والنهي.
العام والخاص.
المطلق والمقيد.
المنطوق والمفهوم.
النص والظاهر والمجمل والمبين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

‌‌الأمر والنهي
الأمر والنهي هما أساس التكليف، فلا تكليف إلا بأمر أو نهي صريحين أو ما يدل عليهما بنوع من أنواع الدلالة.
ولذا اهتم الأصوليون بالكلام عن الأمر والنهي ودلالة كل منهما، وجرى كثير منهم على تقديم الكلام عن الأوامر والنواهي في مؤلفاتهم لما لهما من الأهمية.
فمنذ أن خلق الله آدم وحواء أمرهما ونهاهما، فقال: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة35].
ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي، واكتفى أكثرهم في النهي بالإشارة إلى أنه عكس الأمر في دلالته، قال الغزالي: «وكل مسألة في الأوامر لها وزان في النواهي».
واكتفى في باب النهي بالكلام عن اقتضاء النهي الفساد تفصيلا، لما لهذه المسألة من أهمية وأثر في الفقه، ومثله فعل ابن قدامة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

‌‌الأمر
كلام الأصوليين في الأمر ينصب على جانبين:
1ـ لفظ الأمر، وهو الكلمة المكونة من: (أَ مَ رَ). وهذا يظهر من كلامهم عند تعريفه، وفي أن الأمر هل له صيغة تخصه؟
2ـ دلالة ما يصدق عليه لفظ الأمر من الألفاظ، مثل: صلوا، وصوموا، ونحوهما من الألفاظ الموضوعة للأمر، وسأتناول كلا من الجانبين، مع الاهتمام بالجانب الثاني؛ لأنه المقصود من دراسة هذا الباب.

‌‌تعريف الأمر:
كلمة الأمر عرفها بعض الأصوليين بأنها: طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. فاشتمل التعريف على ثلاثة قيود هي:
أ ـ … طلب الفعل، وهذا يخرج طلب الترك؛ فإنه يسمى نهيا لا أمرا.
ب ـ أن يكون بالقول لا بالفعل ولا بالإشارة والكتابة.
ج ـ أن يكون الطلب على جهة الاستعلاء، أي: يعرف من سياق الكلام أو من طريقة التكلم به أن الآمر يستعلي على المأمور، سواء أكان أعلى منه رتبة أم أدنى منه في واقع الأمر.
وبناء على هذا التعريف فإن العبد لو قال لسيده: افعل كذا، بنبرة توحي بأنه يستعلي عليه، سمي كلامه هذا أمرا، واستحق التأديب عليه لأنه يأمر سيده.
وأما إن قال: افعل كذا، على جهة التوسل والسؤال فلا يسمى أمرا، مع أن اللفظ واحد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)

وقد اتفق الأصوليون على القيد الأول، وهو أن الأمر طلب فعل لا طلب ترك، واختلفوا في القيدين الأخيرين.
فالقيد الثاني خالف فيه جماعة من الأصوليين وقالوا: إن الأمر قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور قالوا: لا يسمى الفعل أمرا إلا على سبيل المجاز المفتقر إلى القرينة.
ولهذا فإن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم المجردة لا تكون بمثابة الأمر إلا إذا دل الدليل على وجوب متابعته فيها.
وأما القيد الثالث فقد اختلفوا فيه، فمنهم من اشترط في مسمى الأمر الاستعلاء، وقد تقدم تفسيره.
ومنهم من اشترط العلو، وهو أن يكون الكلام صادرا ممن هو أعلى رتبة من المأمور في واقع الأمر.
ومنهم من اشترط الأمرين معا (العلو والاستعلاء).
ومنهم من لم يشترط أيّاً منهما.
والصواب: أن الأمر الذي يصلح مصدرا للتشريع لا يكون إلا ممن هو أعلى رتبة، أي: من الله عز وجل أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا فاشتراط العلو هو الأقرب.
والفرق بين الاستعلاء والعلو: أن الاستعلاء صفة في الأمر نفسه، أي: في نبرة الصوت، أو في طريقة إلقائه، أو في القرائن المصاحبة، وأما العلو فهو صفة في الآمر أي: أن الآمر أعلى رتبة من المأمور في واقع الأمر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

‌‌اشتراط الإرادة في الأمر:
اتفق العلماء على أن الأمر يشترط فيه إرادة التكلم بالصيغة، فلو صدر اللفظ من نائم ونحوه لا يسمى أمرا في الاصطلاح وإن وجدت الصيغة، ولكنهم اختلفوا هل يشترط فيه إرادة الآمر إيقاع الفعل المأمور به؟
فذهب المعتزلة إلى أن ذلك شرط في تسميته أمرا، فإذا لم يرد المتكلم بالصيغة وقوع المأمور به لا يسمى أمرا.
وذهب الأشعرية إلى أنه ليس بشرط، فيسمى أمرا سواء أراد الآمر وقوع الفعل أم لا.
استدل المعتزلة بأن الله لا يأمر بما لا يريد وقوعه، وإلا لكان ظالما وهو سبحانه منزه عن الظلم. وبقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل90]، وليس من العدل والإحسان أن يأمرنا بشيء لا يريد منا إيقاعه.
واحتج الأشعرية ومن تبعهم بأن الله يأمر الكافر بالإيمان وربما لم يؤمن، ولو أراد الله منه الإيمان لوقع؛ لأن الله وصف نفسه بأنه: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج16].
وهذا الخلاف لم يرد على محل واحد، والفريقان أخطآ معا؛ حيث لم ينتبهوا إلى أن الإرادة نوعان:
إرادة كونية قدرية: وهذه هي التي لا بد من وقوع متعلقها فيصح أن يقال: ما أراده الله لا بد أن يقع، بمعنى ما أراد الله وقوعه إرادة كونية قدرية، أي ما قدر وقوعه وقع، والأشعرية نظروا إلى هذا النوع من الإرادة فوجدوا أن الله يأمر بأشياء ثم لا تقع فقالوا إذاً هو لم يرد وقوعها بمعنى لم يقدر في الأزل وقوعها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)

والنوع الثاني: الإرادة الشرعية: وهي بمعنى المحبة، وهذه تكون مع الأمر لا تفارقه، فما أمر الله به عباده فهو يحب أن يقع، ولكنه قد يقع فعلا أولا يقع تبعا لتقدير الله وإرادته الكونية، وهذه هي التي نظر إليها المعتزلة فقالوا من شرط الأمر الإرادة.
وتبين من هذا أن خطأ الفريقين جاء من جهة ظنهم أن إرادة الله واحدة لا تنقسم إلى هذين القسمين.
ويمكننا أن نصحح ما قاله الأشعرية من أن الأمر ليس من شرطه إرادة الآمر؛ أما الإرادة الكونية فواضح عدم التلازم بينها وبين الأمر، وأما الإرادة الشرعية فهي تابعة للأمر، فالأمر يستلزم الإرادة الشرعية ويدل عليها، فلا تكون شرطا في تسميته أمرا؛ لأن الشرط ينبغي أن يعلم تقدمه على المشروط، ولأن الشرط في اللغة العلامة، والإرادة خفية لا نعرفها إلا بالأمر فلا يصح جعلها شرطا في صحة الأمر.
والجميع متفقون على أن السيد لو أمر عبده بذبح الشاة للضيف مثلا، وهو لا يريد منه أن يفعل ذلك أنه يعد آمرا له عند جميع العقلاء العارفين باللغة، فلا لوم على العبد لو فعل، بل يلام على الترك، كما أنهم متفقون على أن ما قام الدليل على عدم دخوله في الأمر لا يدخل ولا يكون مأمورا به ولو شمله لفظ الأمر لغة، فقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل90] فالعدل مأمور به ولكن يخرج منه ما لا يستطيعه الإنسان كالعدل بين الزوجات أو الأولاد أو الخصوم في الحب القلبي.
وقد تبع ابن قدامة وكثير من الأصوليين الغزالي في عدم اشتراط الإرادة في الأمر من غير أن يقيدوا الإرادة بالكونية القدرية، وخطأوا المعتزلة في اشتراط

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

الإرادة من غير تفصيل، وكان الواجب أن يقولوا بالتفصيل الذي ذكرته آنفا. والله أعلم.

‌‌صيغ الأمر:
يرى جمهور الأصوليين وأهل اللغة أن الأمر له صيغ تدل عليه حقيقة، من غير حاجة إلى قرينة، وهذه الصيغ هي:
1 - فعل الأمر، مثل: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
2 - المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق7].
3 - المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد4] أي: فاضربوا الرقاب.
4 - اسم فعل الأمر، مثل: صه، بمعنى: اسكت.
وهناك أساليب أخرى يستفاد منها الأمر لم يشتغل الأصوليون بحصرها لصعوبة ضبطها، غير أنهم قالوا: إن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن أمثلته قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة228]، {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق4].
فهذان الخبران يقصد بهما الأمر، فكأنه قال: المطلقات مأمورات بالانتظار ثلاثة قروء قبل زواجهن، وأولات الأحمال مأمورات بالانتظار حتى يضعن حملهن.
ويرى علماء المعاني من البلاغيين أن الأمر الوارد بصيغة الخبر أبلغ من الأمر الوارد بصيغته المعتادة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)