فأما بناء القياس على الحكمة غير المنضبطة فغير ممكن عند جماهير العلماء، وأما إثبات الحكم بطريق الاستصلاح فالصواب جوازه كما سيأتي في بابه.
وقد تكرر إطلاق الانضباط والحكمة المنضبطة، ولعل بعض الدارسين لا يدرك المقصود به على حقيقته.
ولإيضاح ذلك أقول: الحكمة: معنى من المعاني يقوم بذهن الفقيه، يفهمه من نص واحد أو نصوص متعددة، فيقول مثلا: الحكمة من قتل القاتل حفظ النفوس؛ لأن المقدم على القتل إذا عرف أنه لو قَتَل قُتِل امتنع عن القتل.
وهذه الحكمة (حفظ النفوس) إذا لم يوضع لها ضابط معين يحدد الوصف أو الأوصاف التي يكون القتل فيها وسيلة لحفظ النفوس فربما قال قائل: ينبغي أن نقتل من هَمَّ بالقتل أو حث عليه أو شجع القاتل على فعله، أو ناوله سلاحا ليقتل به غيره، أو نمنع صناعة الآلات الحادة القاتلة، وهكذا.
أقول: لو تركت هذه الحكمة بلا ضابط لأدّى ذلك إلى ما ذكرنا وزيادة، ولكن الفقهاء وضعوا ضابطا لهذه الحكمة، فقصروا القتل الذي يؤدي إلى حفظ النفوس على القاتل عمدا عدوانا، فهذا الضابط يسمى العلة، وهي مشتملة على الحكمة ولكنها مقيدة ومحددة بما يؤدي إلى حفظ النفوس من القتل، ولهذا قالوا علة القصاص: القتل عمدا عدوانا، ولم يقولوا حفظ النفوس، بل جعلوا حفظ النفوس هو الحكمة التي لأجلها شرع القصاص، وهذه الحكمة ليست على إطلاقها، بل ضبطت بضابط وهو اقتصار القتل على من قَتَلَ عمدا عدوانا، فلا تحفظ النفوس بقتل من همَّ بالقتل أو شجع عليه أو رضيه، وإنما تحفظ بقتل القاتل، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة179].
والعلة يدور الحكم معها وجودا وعدما، فإذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت عدم الحكم إذا لم يكن له علة سواها، فإن كان للحكم علة أخرى فلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
يلزم أن يعدم عند عدم إحدى العلتين، فوجوب القتل قد يكون لأجل الردة، وقد يكون لأجل الزنى بعد الإحصان، فإذا عدمت الردة فقد يوجد القتل بالعلة الأخرى.
وأما الحكمة فلا يمكن تعليق الحكم بها دائما؛ إذ لا يجوز أن نقول: كل قتل يغلب على الظن أنه يحفظ النفوس يكون مشروعا، ولكنها قد تكون مما ضبطه الشارع بضابط خاص أو عام فيصلح التعليل بها، وقد تكون غير مضبوطة بضابط محدد فلا يعلل بها إلا ما ورد فيه النص، وما كان أولى منه أو مساويا له في الإفضاء إلى الحكمة جزما من غير أن يترتب عليه مفسدة أخرى أو يخالف نصا أو إجماعا.
فما ضبطه الشرع بضابط خاص يسمى علة في القياس الشرعي، وما ضبطه بضابط عام يكون قاعدة كلية شهدت لها جزئيات كثيرة في الشريعة بالاعتبار أخذ من مجموعها هذه القاعدة، ويدخل في ذلك مقاصد الشارع والقواعد الضابطة لها. وما كان مساويا للمنصوص أو أولى منه في تحقيق مقصود الشرع هو مفهوم الموافقة، وهو عند الأكثر في معنى النص فلا يسمى قياسا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
القسم الثالث من الأدلة
قسمنا الأدلة فيما مضى إلى أدلة متفق عليها في الجملة وهي الكتاب والسنة، وأدلة فيها خلاف ضعيف وهي الإجماع والقياس، وأدلة فيها خلاف قوي وهي بقية الأدلة.
وتشمل: قول الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستحسان، والاستصحاب، والاستصلاح، وسد الذرائع.
وسوف نتحدث فيما يلي عن كل واحد من هذه الأدلة، فنذكر حقيقته وأمثلته وحجيته، مع توخي الاختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
قول الصحابي
تعريفه:
الصحابي عند الأصوليين: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به مدة تكفي عرفا لوصفه بالصحبة، ومات على الإسلام.
وعند المحدثين: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك.
والسر في اختلافهم في المراد بالصحابي أن المحدثين يعنون الصحابي الراوي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن به ومات على إسلامه وجب قبول روايته والحكم بصحة سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجدوا بالاستقراء والتتبع أن الذين ثبت لهم ذلك كلهم عدول، فقرروا أنه لا حاجة للبحث في عدالتهم، وأن روايتهم مقبولة، سواء أكانوا ممن لازموا النبي صلى الله عليه وسلم أو من الأعراب الذين رأواه مرة واحدة بعد إسلامهم.
وأما الأصوليون فإنهم يتكلمون عن الصحابي الذي له اجتهاد في الأحكام الشرعية وله فقه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمكن تقليده واتباع رأيه، وهذا لا يحصل إلا لمن لازم النبي صلى الله عليه وسلم فترة طويلة وأخذ عنه وأفاد من علمه وخلقه وسيرته، وأما من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرة فإنه لا يكتسب بهذه الرؤية فقها وعلما يجعله من أهل الاجتهاد في الشريعة، ولذلك لا يمكن أن يقال إن رأيه حجة، وهم إنما عرفوا الصحابي الذي وقع الخلاف في حجية قوله.
والمراد بقول الصحابي: مذهبه الذي قاله أو فعله ولم يروه عن النبيصلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
أقسامه:
ينقسم قول الصحابي إلى أربعة أقسام:
1 ـ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه، كالعبادات والتقديرات ونحوها.
وهذا القسم حجة عند الأئمة الأربعة لأنه لابد أن يكون سمعه الصحابي من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا اجتهاد في الأمور التي لا تعرف إلا بتوقيف، ولكن الأئمة يختلفون في مدى الاحتجاج به قلة وكثرة لعدم الاتفاق على ضابط معين يحدد ما لا مجال للرأي فيه. فقد يرى بعضهم أن هذه المسألة مما لا مجال للرأي فيها فيعمل بقول الصحابي فيها، ويرى الآخر أنها مما يدخله الاجتهاد فلا يعمل بقول الصحابي فيها.
ومن هذا النوع قضاء الصحابة في النعامة إذا اصطادها المحرم ببدنةٍ، وفي الغزال بعنز (1). فقد أخذ الأئمة بذلك. وكونه من التقديرات يدل على أنه مما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وليس مما قضي فيه بالاجتهاد.
وقد يقول قائل إن تقدير المثل في جزاء الصيد متروك للاجتهاد فيكون قضاؤهم هذا من باب الاجتهاد.
2 ـ قول الصحابي الذي اشتهر ولم يخالفه غيره فيه، وهذا هو المسمى بالإجماع السكوتي وقد تقدم الكلام فيه.
والشهرة قد يستدل عليها بكثرة خوض الصحابة في المسألة، وقد يستدل عليها بكون الصحابي من الخلفاء الأربعة والمسألة مما تعم به البلوى ويقع لكثير من الناس. مثل جعل عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا--------------------------------------------
(1) قضاء الصحابة في النعامة ببدنة، رواه البيهقي عن ابن عباس وعمر وعلي وعثمان، وقضاؤهم في الغزال بعنز، أخرجه مالك والشافعي عن عمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
توجب البينونة الكبرى.
3 ـ قول الصحابي الذي خالفه فيه غيره من الصحابة، فإنه ليس بحجة، ولكن لا يخرج الفقيه عن أقوالهم إلى قول آخر، بل يتخير من أقوالهم ماهو أقرب للدليل.
هكذا قال كثير من الأصوليين، والذي يظهر من صنيع الفقهاء أن منهم من يستدل بقول الصحابي ولو خالفه غيره إذا رأى رجحانه بقياس أو غيره.
وقولهم: لا يخرج عن أقاويلهم إلى غيرها يؤيد ذلك؛ لأن هذا حال الفقيه عند تعارض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يخرج عما دلت عليه، فإن أمكنه الجمع بينها جمع، وإلا أخذ بما يسنده النظر وتعضده أدلة أخرى.
ويمكن أن يحمل قول الأصوليين: إن قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر ليس بحجة، على أنه لا يكتفى به، ومن اكتفى به فهو مقلد للصحابي لا مستدل بقوله. والله أعلم.
4 ـ قول الصحابي فيما للرأي فيه مجال ولم ينتشر ولم يعرف له مخالف من الصحابة، وهذا هو محل النزاع.
فمن العلماء من يرى حجيته، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد وقول الشافعي القديم.
ومنهم من يرى أنه ليس بحجة، وإلى هذا ذهب الشافعي في قوله الجديد، وجماعة من أتباع المذاهب الأخرى، ولابن القيم كلام في رد هذه النسبة وتقرير أن مذهب الشافعي لا يختلف عن مذاهب الأئمة الثلاثة في ذلك. ولكن علماء الشافعية كلامهم صريح في نقل مذهب الشافعي المتقدم، وهم أعلم برأي إمامهم، علاوة على ما في الرسالة والأم من تصريح بحصر الأدلة في الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
والسنة والإجماع والقياس.
والدليل على حجية قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف من الصحابة، من وجوه:
أ ـ … قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (أخرجه البخاري ومسلم).
فهذه شهادة لهم بالفضل على من سواهم، وهي تقتضي تقديم اجتهادهم على اجتهاد غيرهم.
ب ـ أن قول الصحابي الذي لم يعلم له مخالف يحتمل أن يكون نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقدم على الرأي المحض.
ج ـ أن الصحابة شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وحضروا نزول الوحي وهم أعرف الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون قولهم مقدما على قول غيرهم.
وأما الذين رأوا عدم الحجية فقد استدلوا بعدة أدلة منها:
أ ـ أن الصحابة غير معصومين من الخطأ إذا لم يجمعوا، وقول من لم تثبت عصمته لا يكون حجة.
ب ـ أن التابعين قد أثر عنهم مخالفة آحاد الصحابة، ولو كان قول الصحابي حجة لما صحت مخالفته من التابعي، ولأنكر الصحابي على من خالفه من التابعين، وإذا جاز للتابعي مخالفة الصحابي جاز لغيره ذلك.
والراجح: أن مذهب الصحابي وحده لا يعد حجة إلا إذا غلب على الظن اشتهاره بين الصحابة وعدم إنكاره، كأن يكون من الخلفاء الراشدين الذين هم في موضع القدوة لغيرهم، أو كانت المسألة مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
وأما إذا اختلف الصحابة على أقوال فالخروج عن أقاويلهم يقتضي تخطئتهم جميعا، وهي بعيدة، فالواجب أن يختار من أقوالهم ما يسنده النظر والدليل.
والاستدلال بحديث: «خير الناس قرني» لا يكفي؛ لأن الخيرية لا توجب حجية قول كل واحد إذا انفرد، بدليل أن التابعين أيضا مشهود لهم بالخيرية في الحديث، ولم يقل أحد إن رأي التابعي حجة يترك لها القياس الصحيح.
وكذلك الاستدلال باحتمال كون ما قاله رواية لا يدل على الحجية؛ لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
وأما مشاهدتهم الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي بلغتهم فلا شك أنها ميزة لهم ولكنها لا تكفي لأن يعد قول الواحد منهم دليلا.
وهنا دقيقة ينبغي التنبه لها، وهي أن القول بعدم حجية قول الصحابي لا يدل على المنع من تقليده لمن لا قدرة له على الاجتهاد، أو لمن لم ينظر في المسألة بعدُ وحضره وقت العمل. والله أعلم بالصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
شرع من قبلنا
بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين الحق، وجعله خاتم النبيين، وجعل شريعته خاتمة الشرائع، والأحكام في كل شريعة قسمان: أصول، وفروع:
فالأصول هي الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، والإيمان بالبعث والجزاء وبالجنة والنار، والاستسلام لله وحده وإفراده بالعبادة.
وهذا القسم قد اتفقت عليه شرائع الأنبياء جميعا، كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران19]، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران85].
وأما الفروع فقد اختلفت فيها الشرائع، وهي المقصودة في هذا الباب.
والمراد بشرع من قبلنا: ما نقل إلينا بطريق صحيح من الشرائع السماوية السابقة.
والطريق الصحيح لمعرفة شرع من قبلنا هو نقل القرآن والسنة النبوية الثابتة، ولا عبرة بما في الكتب التي في أيدي اليهود والنصارى اليوم؛ لأنها قد طرأ عليها التحريف والتبديل.
وما حكي في القرآن والسنة من شرائع الأنبياء السابقين، يمكن تقسيمه إلى الأقسام التالية:
1ـ ما حكاه الله عنهم أو حكاه رسوله صلى الله عليه وسلم وورد في شريعتنا ما يبطله:
وهذا لا خلاف في أنه ليس بحجة، ومثاله قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام146].
2 - ما حكاه الله عنهم ووجد في شريعتنا ما يؤيده:
وهذا لا خلاف في أنه شرع لنا، ولكن الدليل على ثبوته هو ما ورد في شريعتنا لا ما ورد في شرائع الأنبياء السابقين.
ومثاله: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة183] فهذه الآية تدل على أن الصيام كان مشروعا على من قبلنا من الأمم ثم فرض علينا.
3 - ما نقل إلينا ولم يقترن بما يدل على نسخه أو مشروعيته في حقنا:
فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، أهو شرع لنا يلزمنا العمل به أم لا؟.
ومثاله: ما جاء في قوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} [يوسف72]، فهذه الآية تدل على مشروعية الجعالة (1) في شريعة يوسف عليه السلام.
وقوله تعالى في قصة ناقة صالح: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} [القمر28]. فهذه الآية تدل على مشروعية قسمة الماء مهايأة (2)، فهل يجوز الاستدلال بالآية على جواز ذلك في شرعنا؟--------------------------------------------
(1) الجعالة: هي أن يجعل جائزُ التصرف شيئا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا مدة معلومة أو مجهولة، مثل أن يقول: من بنى هذا الحائط فله كذا وكذا، أو من وجد ابني الضائع فله كذا.
(2) المهايأة: قسمة المنافع بالتناوب؛ بحيث تكون لهذا مدة معلومة ولذاك مدة معلومة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
ذهب أكثر العلماء إلى الاحتجاج بشرع من قبلنا ما لم يرد في شرعنا نسخه، وهذا المذهب هو المشهور عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو أحد القولين عند الشافعية.
والقول الثاني للشافعية أنه لا يحتج به.
والدليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا ما يلي:
1 - قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام90].
وجه الاستدلال: أن الله أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء الذين سبقوه، وأمر الرسول أمر لأمته.
2 - قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل123].
وجه الاستدلال: أن الله أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وملته دينه وشرعه.
3 - قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى13].
وجه الاستدلال: أن الله بين أنه قد شرع لنا ما شرعه لنوح عليه السلام، فثبت أن شرعه شرع لنا ما لم ينسخ.
أمثلة على الاستدلال بشرع من قبلنا:
1 - الاستدلال على الجعالة بقوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} [يوسف72] وقد ذكر هذا في أكثر كتب الحنابلة الفقهية، وذكره الزركشي في البحر المحيط.
2 - الاستدلال على مشروعية الضمان بقوله تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
[يوسف72] أي: كفيل وضامن. وهذا ذكره الزركشي في البحر المحيط ونسبه للشافعي، وهو مذكور في أكثر كتب الفقه الحنبلي.
3 - الاستدلال على جواز مصانعة السلطان ببعض مال اليتيم حتى يسلم الباقي إذا خشي ولي اليتيم أن يأخذ السلطان المال كله أو يتلفه؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} [الكهف71] فإن الخضر خرق السفينة لعلمه أن الملك الظالم كان يأخذ السفينة الصالحة، فرأى أن انتفاعهم بها بعد إصلاحها أفضل من ذهابها {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف79] والمعنى: كل سفينة صالحة (1).
4 - الاستدلال على عدم تضمين الراعي إذا ذكى الشاة المشرفة على الهلاك، بالقياس على خرق الخضر السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة (2).--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي 11/ 19.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 30/ 253 - 254.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
الاستحسان
تمهيد:
ظهرت كلمة الاستحسان بكثرة على لسان الإمام أبي حنيفة، وهو في الغالب يذكرها في مقابلة القياس فيقول: القياس كذا ولكن الاستحسان كذا، وقال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يناظر أصحابه في المقاييس فينتصفون منه ويعارضونه حتى إذا قال: أستحسن لم يلحقه أحد منهم لكثرة ما يورد في الاستحسان من مسائل.
ونقل عن الإمام مالك وتلاميذه الأخذ بالاستحسان حتى قال مالك: الاستحسان تسعة أعشار العلم (1).
ومع ذلك فلم نجد عند أولئك الأئمة تعريفا للاستحسان، ولذلك أنكره الإمام الشافعي أشد الإنكار، وقال: من استحسن فقد شرع، وألف كتاب إبطال الاستحسان، وبين فيه انحصار الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن من قال بالاستحسان فقد جعل عقله مشرعا، وكذلك فعل داود الظاهري فأنكر الاستحسان كما أنكر القياس.
وأما الإمام أحمد فهو يعتمد على السنة والأثر، ولا يلجأ إلى القياس إلا عند انعدام الدليل من الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة، ولكن الأصوليين من أتباع الإمام أحمد ذكروا أنه يحتج بالاستحسان، نص على ذلك ابن قدامة وصفي الدين البغدادي وغيرهما.--------------------------------------------
(1) الموافقات 4/ 209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
ولما ألف الإمام الشافعي إبطال الاستحسان والرسالة وغيرهما من كتبه اضطر علماء الحنفية للدفاع عن إمامهم فلم يبحثوا عن أدلة تؤيد الاستحسان الذي أنكره الشافعي، وإنما لجأوا إلى تفسير الاستحسان الذي عمل به إمامهم بما لا يجعله مجرد ميل نفسي لا يمكن إقامة دليل عليه، أو «دليل ينقدح في ذهن المجتهد يعسر التعبير عنه» (1)، كما فسره بذلك بعضهم.
ولهذا عرف الحنفية الاستحسان بأنه: كل دليل في مقابلة القياس الظاهر (2). أو أنه: ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس (3).
وجعله السرخسي في أصوله نوعين رئيسين هما:
1 - العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما لم يقدره الشارع، كالنفقة والمتعة.
2 - الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة (4).
ومما ذكروه في تعريف الاستحسان وأنواعه وأمثلته يتبين أنه ليس بدليل مستقل، وإنما هو راجع إلى أحد الأدلة الأخرى، أو أنه ترجيح لدليل على دليل آخر.--------------------------------------------
(1) المستصفى 1/ 281.
(2) التحرير مع شرحه التيسير 4/ 78، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 2/ 320، مطبوع بذيل المستصفى.
(3) المبسوط 10/ 145.
(4) أصول السرخسي 2/ 200.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
أنواع الاستحسان عند الحنفية:
يتنوع الاستحسان بحسب ما يستند إليه إلى ستة أنواع:
1 - استحسان سنده النص:
وهو ترك الحكم الذي يقتضيه القياس أو النص العام، والعمل بمقتضى نص خاص.
مثاله: أن الأصل أن لا يبيع الإنسان ما ليس عنده، هذا مقتضى النص والقياس، أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام رضي الله عنه: «لا تبع ما ليس عندك» (رواه الخمسة وحسنه الترمذي وصححه ابن حزم والألباني في إرواء الغليل).
وأما القياس فلأن بيع ما ليس عنده مثل بيع حبل الحبلة أي: ولد الحمل الذي لم يولد بعد، لأن كلا منهما غير معلوم الوصف للبائع والمشتري.
ولكن ورد الدليل بإباحة السلم، وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد، مثل أن يبيع المزارع مائة صاع من التمر الموصوف تسلم بعد شهر أو شهرين بمائتي ريال مدفوعة حالا في مجلس العقد، فينتفع المزارع بالنقد فإذا حل الأجل دفع التمر للمشتري.
فهذا النوع من البيوع يسمى السلم، وقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم … ).
وتسمية هذا النوع استحسانا غير مسلمة عند من ينكر العمل بالاستحسان؛ لأن هذا عمل بالنص الخاص، وترك لمقتضى العموم، فهو ترك نص لنص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
أقوى منه.
2 - استحسان سنده الإجماع:
وهو ترك مقتضى القياس أو العموم في مسألة جزئية لأجل الإجماع.
مثاله: الإجماع على جواز عقد الاستصناع، وجواز شرب الماء من أيدي السقاة من غير تحديد قيمته، ودخول الحمام من غير تحديد مدة البقاء فيه ولا مقدار الماء المستعمل ولا الأجرة، فالإجماع منعقد على جوازه مع أن القياس يقتضي عدم جوازه.
3 - استحسان سنده الضرورة:
ومثاله: الحكم بطهارة الآبار بنزحها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو ريح، وطهارة الحوض بصب الماء فيه حتى يذهب أثر النجاسة أيضا.
ووجه الاستحسان في ذلك أن الآبار والحياض لو قيس تطهيرها علىتطهير الآنية لما أمكن؛ لأنه لا يمكن غسل البئر والحوض كما يغسل الإناء والثوب.
فكل ماء يصب في البئر أو الحوض يتنجس بملاقاة الماء النجس، وكذا لو أريد نزحه فإن الماء الذي ينبع من القاع يلاقي النجاسة فيتنجس.
ولأجل الضرورة قلنا إن البئر تطهر بالنزح منها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو رائحة، والأحواض تطهر بالمكاثرة أي بإضافة الماء إليها حتى يذهب أثر النجاسة.
4 ـ استحسان سنده القياس الخفي:
مثاله: الحكم بطهارة سؤر سباع الطير المحرمة كالحدأة والصقر، مع أن القياس الظاهر يقتضي نجاسته كسؤر سباع البهائم، مثل الذئب، والأسد، والنمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
ووجه الاستحسان: أن القياس الظاهر على سباع البهائم معارض بقياس خفي أولى بالاعتبار، وهو أن سباع البهائم حكم بنجاسة سؤرها لاختلاطه بلعابها، ولعابها نجس، وسباع الطير تشرب الماء بمناقيرها والمناقير لا رطوبة فيها فلا تلوث الماء فهي كالدجاج السائب الذي ربما أكل النجاسة بمنقاره فلا يحكم بنجاسة سؤرها وإن كان قد يقال بكراهة استعماله.
5 - استحسان سنده المصلحة:
ومثاله: الحكم بتضمين الأجير المشترك، وهو الذي لا يعمل لشخص بعينه، بل يقدم خدمة لكل من يحتاجه مقابل أجرة معينة كالصباغ والغسال والخياط.
فالأصل أن الغسال إذا أعطي الثوب ليغسله فتلف عنده من غير تفريط لا ضمان عليه؛ لأن هذا مقتضى عقد الإجارة، ولأنه قبضه بإذن صاحبه فهو مؤتمن عليه، ولكنهم عدلوا عن مقتضى ذلك القياس وقالوا يضمن ما تلف عنده إلا أن يكون تلف بقوة قاهرة ظاهرة كالحريق ونحوه.
وسند هذا الاستحسان المصلحة، وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع؛ نظرا لكثرة الخيانة بين الناس وقلة الأمانة. ولو لم يضمن الأجير لامتنع كثير من الناس من دفع أمتعتهم إليه خوفا عليها من الضياع أو التلف أو الخيانة.
6 - استحسان سنده العرف:
ومثاله: أن الأصل أن من حلف لا يأكل اللحم يحنث بأكل السمك لأنه لحم، فالله قد سماه لحما فقال: ومن كل تأكلون لحما طريا، ولكن قالوا: لا يحنث استحسانا؛ لأن العرف جرى على التفريق بين اللحم والسمك، وأن السمك لا يسمى لحما في العرف، ولا يفهم من إطلاق لفظ اللحم دخول السمك فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
حكم العمل بالاستحسان:
إذا نظرنا إلى التعريف المختار للاستحسان، وعرفنا أنواعه، يتبين لنا أن الأنواع الثلاثة الأولى منه لا خلاف فيها بين العلماء، غير أن منهم من لا يسميها استحسانا.
وأما النوع الرابع فمن خالف فيه فإنما يخالف في رجحان القياس الخفي على القياس الظاهر، فهو عنده من باب تعارض الأقيسة والترجيح بينها.
وأما النوع الخامس فالنزاع فيه مبني على النزاع في مستنده وهو المصلحة المرسلة هل تعد دليلا؟ وكذا الشأن في النوع السادس.
والاستدلال بالاستحسان بأنواعه المتقدمة مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة.
وأما الشافعي فقد نقل عنه إنكاره، وأنه كان يقول: من استحسن فقد شرع، أي: جعل نفسه مشرّعا.
والظاهر أن الشافعي لا ينكر الاستحسان بمعناه الذي ذكرناه، بل ينكر الاستحسان بمجرد الهوى من غير دليل، أو ينكر الاستحسان الذي مستنده المصلحه المرسلة والعرف فقط. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الاستصحاب
تعريفه:
الاستصحاب في اللغة: طلب الصحبة.
وفي الاصطلاح: هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتا في الزمان الأول.
ومعنى التعريف: أنه إذا ثبت حكم بدليل معين في وقت معين يبقى ذلك الحكم ثابتا حتى يرد دليل يرفعه.
ووجه تسميته استصحابا: أن المجتهد يستصحب الحكم الأول حتى يرد ما يدل على ارتفاعه.
مثال ذلك: إذا توضأ ثم شك في وجود ما ينقض الوضوء فإنه يستصحب الحكم السابق، وهو كونه طاهرا حتى يثبت خلافه.
أنواع الاستصحاب:
يتنوع الاستصحاب إلى أربعة أنواع هي:
1ـ استصحاب البراءة الأصلية:
أي: براءة ذمة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المالية، حتى يقوم دليل على شغلها بشيء من ذلك. فالحكم بعدم فرضية صلاة سادسة، وبعدم وجوب صوم شعبان معلوم بالبراءة الأصلية، وكذا الحكم ببراءة ذمته من الديون التي لم يقم دليل على تعلقها بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
2 ـ استصحاب الحكم الذي دل الدليل على ثبوته ولم يقم دليل على تغييره:
مثل الحكم بثبوت الزوجية بناء على عقد النكاح الصحيح من غير أن يطالَب الزوج بدليل على بقاء العقد؛ لأن الأصل بقاؤه ما لم يرد دليل يغير ذلك الأصل، فلو ادعت الزوجة الطلاق فالأصل عدمه وعليها البينة.
3 ـ استصحاب الدليل مع احتمال المعارض:
مثل استصحاب حكم الدليل العام حتى يرد ما يخصصه، واستصحاب النص حتى يرد ما يدل على نسخه.
وقد منع بعض العلماء تسمية هذا النوع استصحابا؛ لأن العمل به عمل بالنص لا بدليل الاستصحاب، وخالف بعضهم في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص كما سيأتي بيانه في العام.
4 ـ استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف:
مثاله: إذا تيمم من فقد الماء ثم شرع في صلاته وفي أثنائها رأى الماء أو قدم به خادمه، هل تصح صلاته إذا استمر فيها؟ فمن قال بصحة صلاته استدل باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف فقال: صحة صلاة من تيمم لفقد الماء ثابتة بالإجماع حتى يدل دليل على أن رؤية الماء في أثناء الصلاة مبطلة لها، ولا دليل على ذلك.
فصحة الصلاة قبل رؤية الماء متفق عليها، وبعد رؤية الماء مختلف فيها، والمستدل استصحب الإجماع في محل الخلاف، أي: استدل بالإجماع في الصورة المتفق عليها علىالصورة المختلف فيها.
ومن أمثلة هذا النوع قول الظاهرية ومن وافقهم: يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع منعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل أن يطأها سيدها وتنجب منه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)