وقد قسمت هذا الباب إلى خمسة عشر مبحثاً ، وجعلت كلَّ مسألةٍ في مبحثٍ مستقل ، ورتبتها بحسب موقعها في الأبواب الفقهية أو تعلقها بها.
ولمَّا كانت الدراسة تهدف إلى إبراز العلاقة بين الجانب النظري والتطبيقي في موضوع البحث ، وأهمية الربط بينهما ، ولم تكن تهدف إلى الاستيعاب ، فقد اكتفيت بالتطبيق على بعض النوازل والمستجدات المنتشرة في أبوابٍ فقهيةٍ متفرِّقة، وهي تشمل: العبادات ، والمعاملات ، والنكاح وتوابعه ، والحدود والجنايات.
كما إني اقتصرت في تلك النوازل والمستجدات الفقهية على مالَه علاقةٌ بموضوع البحث، واستندت في أحكام تلك التطبيقات على قرارات الفتوى في بعض مؤسسات الاجتهاد الجماعي الموثوقة، كالمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية، ولم أتوسع في ذكر الخلاف وأدلة المخالفين ومناقشتها؛ لأن محلها دراسات الفقه المقارن.
وحتى يكون البحث في هذه المسائل مُتَّسِقاً ، ومحقِّقاً للمقصود منه ، فقد اتبعت المنهج اللآتي في عرضها:
أبدأ أولاً بذكر عنوان المسألة ، ثم أُعرِّف بها وأوضح صورتها ، ثم أبيِّن الحُكْم الشرعي فيها من خلال القرارات الصادرة عن مؤسسات الاجتهاد الجماعي الموثوقة، والتي أشرت إليها آنفاً ، ثم أوضِّح أوجه التطبيق على الجانب التأصيلي المتعلِّق بالاجتهاد في المناط في تلك المسألة.
وقد بلغ عدد تلك المسائل التطبيقية (15) مسألة ، مرتبةً حسب المباحث الآتية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
المبحث الأول
استخدام مياة الصرف الصحي المُعالَجة في الطهارة
مياه الصرف الصحي هي: المياه الناجمة عن مختلف الاستخدامات المنزلية، وكلُّ ما يمكن أن يَصُبّ في شبكة مجاري المدينة (1).
وتتألف هذه المياه من عنصرين: (2)
الأول: الماء الطاهر الذي يشكِّل حوالي (99%) من هذه المياة.
والثاني: الملوثات الضارَّة والنجاسات، وهي تشكلَّ (1%).
وتنقية هذه المياه ومعالجتها تتم من خلال عدة مراحل، وذلك بحسب الغرض منها، ومن ثَمّ يتحدد نوع الاستخدام لهذه المياه بعد المعالجة، وهذه المراحل على النحو الآتي: (3)
المرحلة الأولى: المعالجة الابتدائية.
وتهدف هذه المرحلة إلى إزالة المواد الصلبة، كالرمال، والمعادن ، والزجاج؛ حمايةً للأجهزة والمضخات المختلفة التي ستستخدم في المراحل اللاحقة، وحتى لاتتسبب في إعاقة عمليات المعالجة، وذلك من خلال صفايات ومناخل وأجهزة تفتيت.--------------------------------------------
(1) ينظر: منظومات الصرف الصحي ومعالجة مياه المجاري (2).
(2) ينظر: منظومات الصرف الصحي ومعالجة مياه المجاري (18 - 34) ، وأسس معالجة مياه الصرف
الصحي (69 - 77).
(3) ينظر: منظومات الصرف الصحي (95 - 160)، وأسس معالجة مياه الصرف الصحي (79 - 251).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
المرحلة الثانية: المعالجة الأولية (الفيزيائية).
وتهدف هذه المرحلة إلى تخفيض قيم الملوثات الموجودة في مياة المجاري، ولاسيما المواد العضوية كالزيوت والشحوم والبروتينات، والمواد الصلبة غير العضوية القابلة للفصل كالقلويات والمعادن الثقيلة والكبريت، حيث يتم ترسيب هذه المواد من خلال أحواض الترسيب الأولي.
المرحلة الثالثة: المعالجة الثانوية (البيولوجية أو الأحيائية).
وتهدف هذه المرحلة إلى تحليل المركبات العضوية إلى مواد غازية تتطاير، وتحويلها إلى مركباتٍ مستقرة، وكتلةٍ حيوية، تتألف في معظمها من البكتيريا، وبعض الكائنات الدقيقة التي يكون وزنها أكبر قليلاً من الوزن النوعي للماء، مما يسهل ترسيبها في أحواض الترسيب الثانوي، وفصلها عن المياة ومعالجتها على انفراد، مما يؤدي إلى الحصول على مياه خاليةٍ عملياً من التلوث العضوي.
المرحلة الرابعة: (الترشيح، والتعقيم).
وهذه المرحلة تعتمد على وحدتين متتاليتين للمعالجة، هما:
1 - الترشيح: وتهدف هذه العلمية إلى فصل وإزالة المواد العالقة العضوية وغير العضوية، وجميع الشوائب التي لم يتم فصلها في حوض الترسيب الثانوي، وهذا من خلال المرشحات الرملية، التي يتم غسلها باستمرار عن طريق حركة المياة العكسية.
2 - التعقيم: وتهدف هذه العملية إلى القضاء على البكتيريا والأحياء الأخرى الدقيقة التي تسبب عدة أمراض معدية وخطيرة، ويستخدم غاز الكلور المحقون في مياه الصرف الصحي لإحداث عملية التعقيم، كما يستخدم -أيضاً- التعقيم بالأوزون والأشعة فوق البنفسجية، وذلك لتهديم البنية الجرثومية.
فإذا تمت معالجة مياه الصرف الصحي من خلال المراحل المذكورة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
هل يجوز حينئذٍ استخدامها في الطهارة الشرعيَّة، كالوضوء لرفع الحدث الأصغر، أوكالغسل لرفع الحدث الأكبر؟
مياه الصرف الصحي قبل معالجتها تعتبر نجسة؛ لأن المياة الطاهرة فيها اختلطت بنجاساتٍ غيَّرت طعمها ولونها ورائحتها ، والماء إذا تغيَّرت أوصافه بنجاسةٍ صار نجساً ، فلايجوز حينئذٍ استخدامها في الطهارة ، فهي لاترفع حدثاً ، ولاتزيل نجساً.
أما مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها التنقية الكاملة بالطرق المذكورة أو مايماثلها ، والتي لايبقى معها أثرٌ للنجاسة في الطعم واللون والرائحة ، فإنها تُعتبَر طاهرة، ويجوز حينئذٍ استخدامها في رفع الأحداث وإزالة النجاسات ، وتحصل بها الطهارة الشرعيَّة.
وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراراً في دورته الحادية عشرة بجواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها في الطهارة ، ومما جاء في نصِّ القرار: " ماء المجاري إذا نُقِّي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثرٌ في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به" (1).
كما أصدرت هيئة كبار العلماء بالسعودية - أيضاً - قراراً في دورتها الثالثة عشرة بجواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها في الطهارة ، ومما جاء في نصِّ القرار: " وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلُّص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يُعْتَبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يبذل كثيرٌ من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات .... لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا فيها تغيُّر بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا--------------------------------------------
(1) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي (258) ،مجلة البحوث الإسلامية (العدد 49، ص 365 - 366).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
ريحٍ، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها ومنها" (1).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: المناط الذي علَّق الشارع به حُكْم طهورية الماء هو أن يبقى الماء على أصل خلقته لم يتغيَّر طعمه أو لونه أو رائحته بنجاسة ، فإذا تغيَّر لونه أو طعمه أو رائحته بنجاسةٍ صار نجساً، وقد ثبت هذا المناط بمسلك الإجماع.
قال ابن المنذر (2): "أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيَّرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحةً أنه نجسٌ ما دام كذلك" (3).
وقال ابن حزم: " واتفقوا على أن الماء الذي حلَّت فيه نجاسةٌ فأحالت لونه أو طعمه فإنَّ شُربَه لغير ضرورةٍ والطهارة به على كلِّ حالٍ لايجوز" (4).
وعلى هذا فالحُكْم على الماء بالطهارة أو النجاسة يدور مع الوصف الذي علَّق به الشارع ذلك الحُكْم وجوداً وعدماً، فإن بقي الماء على أصل خلقته لم يتغيَّر طعمه أو لونه أو رائحته بنجاسةٍ وقعت فيه فهو طاهر ، وإن تغيَّرت أحد أوصافه بنجاسةٍ فهو نجس.
ثانياً: لمَّا ثبت مناط الحُكْم في طهورية الماء ونجاسته بمسلك الإجماع اجتهد فقهاء العصر في تحقيق ذلك المناط في مياه الصرف الصحي.
وانبنى على ذلك: القولُ بأن مياه الصرف الصحي قبل المعالجة تُعتَبَر--------------------------------------------
(1) أبحاث هيئة كبار العلماء: (6/ 216 - 217).
(2) هو: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، فقيهٌ مجتهدٌ من الحفاظ، كان شيخ الحرم بمكة، من مؤلفاته: الإجماع (ط)، والإقناع (ط)، والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (ط)، وغيرها، توفي سنة (319 هـ).
ينظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء (4/ 490)، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (2/ 126)، الأعلام للزركلي (5/ 294).
(3) الإجماع: (35).
(4) مراتب الإجماع: (1/ 19).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
نجسةً؛ لأن الماء لم يبق على أصله، حيث اختلطت به النجاسات - وإن كانت نسبتها قليلة - فتغيَّر طعمه ولونه ورائحته بتلك النجاسات.
و"كلُّ نجاسةٍ ينجس بها الماء يصير حكمه حكمها؛ لأن نجاسة الماء ناشئةٌ عن نجاسة الواقع، وفرعٌ عليها، والفرع يثبت له حُكْم أصله" (1).
كما انبنى على ذلك أن مياه الصرف الصحي إذا تمت معالجتها وتنقيتها ، وعاد الماء إلى أوصافه الطبيعية ، ولا أثر للنجاسة في طعمه أو لونه أو رائحته ، فإنه حينئذٍ يُعْتَبر طاهراً؛ لأن الماء إذا انفكت عنه آثار النجاسة فلم يبق لها أثرٌ في طعمه ولونه ورائحته عاد إلى أصله وهو الطهورية.
والشرع قد رتَّب حُكْم النجاسة بناءً على الأوصاف والمعاني التي قامت بتلك الأعيان، فإذا انتفت هذه الأوصاف والمعاني عن تلك الأعيان فقد انتفى عنها حُكْم النجاسة، ولا عبرة بالأصل الذي استحالت منه (2).
والإجماع منعقِدٌ على أن الخمر إذا تخلَّلَت بنفسها وانقلبت إلى خَلّ ،فإنها تَحِلُّ وتطهر بهذه الاستحالة (3).
قال ابن القيم رحمه الله: "وعلى هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة (4)
على وفق القياس، فإنها نجسةٌ لوصف الخبث، فإذا زال الموجِب زال الموجَب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها … وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت (5) .... والثمار إذا--------------------------------------------
(1) المغني: (1/ 46).
(2) ينظر: بدائع الصنائع (1/ 85) ، مجموع الفتاوى (21/ 70 - 71).
(3) ينظر: مجموع الفتاوى (29/ 331).
(4) الاستحالة تعني: انقلاب العين إلى عينٍ أخرى تغايرها في صفاتها وتتحول حينئذٍ المواد النجسة أو المتنجسة إلى مواد طاهرة. ينظر: حاشية ابن عابدين (1/ 316) ، ثبت أعمال ندوة رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحية (1080) ضمن توصيات الندوة الفقهية الطبية الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت.
(5) اختلف الفقهاء في طهارة النجاسات بالاستحالة على قولين:
القول الأول: يطهر الشيء باستحالته عن النجاسة ، وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية، والمالكية ،ورواية عن الحنابلة، واختاره ابن تيمية.
القول الثاني: النجاسات لاتطهر بالاستحالة ، وقد ذهب إلى ذلك: أبويوسف من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
ينظر: بدائع الصنائع (1/ 85) ، المغني لابن قدامة (1/ 97) مغني المحتاج (1/ 236) ، مجموع الفتاوى (21/ 70 - 71) ، مواهب الجليل (1/ 97).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
سُقيت بالماء النجس ثم سُقيت بالطاهر حلَّت لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثاً صار نجساً ،كالماء والطعام إذا استحال بولاً وعذرة، فكيف أثَّرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثاً ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيباً؟ والله- تعالى- يخرج الطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه، ومن الممتنع بقاء حُكْم الخبث وقد زال اسمه ووصفه، والحُكْم تابعٌ للاسم والوصف، دائرٌ معه وجوداً وعدماً" (1).
وقال ابن حزم: " إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحُكْم فيه، وانتقل إلى اسمٍ آخر واردٍ على حلالٍ طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا الحرام، بل قد صار شيئاً آخر ذا حُكْمٍ آخر … والأحكام للأسماء ، والأسماء تابعةٌ للصفات" (2).
وتخريجاً على ذلك فقد أناط مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها بالوصف الذي أناط الشارع به طهورية الماء حيث ورد في نصِّ القرار أن: ماء المجاري إذا نُقِّي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثرٌ في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهوراً يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به" (3).
وكذا أعضاء هيئة كبار العلماء أناطوا جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها بالوصف الذي أناط الشارع به الحُكْم على الماء بالطهورية حيث ورد في نصِّ القرار أن: " المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (3/ 183).
(2) المحلى: (1/ 143 - 144).
(3) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي: (258).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يُرى فيها تغيرٌ بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا ريحٍ، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها ومنها" (1).
ثالثا: الاجتهاد في تحقيق مناط النجاسة في مياه الصرف الصحي قبل المعالجة يثبت عادةً بمسلك الحسّ ، حيث من رأى تلك المياه أدرك تغيُّر لونها ، وكذا من اشتمَّ رائحتها شمَّ فيها رائحة النجاسة ، وإذا تمَّ تحليل هذه المياه في المختبرات المختصة وُجِد أنها تحوي نسبةً كبيرةً من البكتيريا والكائنات الحية الدقيقة الضارَّة.
وكذا الاجتهاد في تحقيق مناط الطهارة في مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها فإنه يثبت بمسلك الحسّ أيضاً، حيث يُدرِك من رأى تلك المياه أو اشتمَّ رائحتها أنه لا أثر للنجاسة على لونها أو طعمها أو رائحتها ، وأنها مياه طاهرةٌ نقيَّة.
وقد جاء في نصّ قرار هيئة كبار العلماء أن: " المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يُرى فيها تغيرٌ بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا ريح .. " (2).
ومسلك الحسِّ من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (3).
كما يمكن إثبات ذلك -أيضاً- بمسلك قول أهل الخبرة من المختصِّين في تنقية المياة ومعالجتها ، فإذا أثبتوا أن مياه الصرف الصحي بعد معالجتها بالطرق المذكورة أو مايماثلها تصير مياه نقيَّةً خاليةً من النجاسات والملوِثات اُعتُبِر حينئذٍ قولهم، وبُنيَ عليه القول بطهورية تلك المياة، وجواز استخدامها في رفع الأحداث وإزالة النجاسات.
ومسلك قول أهل الخبرة من مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (4).--------------------------------------------
(1) أبحاث هيئة كبار العلماء: (6/ 216 - 217).
(2) أبحاث هيئة كبار العلماء: (6/ 216 - 217).
(3) ينظر: (268 - 269).
(4) ينظر: (269 - 272).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
وقد بنى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراره في جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها على قول أهل الخبرة ، حيث ورد في القرار مانصُّه: "بعد مراجعة المختصِّين بالتنقية بالطرق الكيماوية، وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربعة، هي: الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثرٌ في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدول، وموثوقٌ بصدقهم وأمانتهم. . ." (1).
وكذا أعضاء هيئة كبار العلماء بنوا قرارهم في جواز استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتنقيتها على قول أهل الخبرة ، حيث ورد في القرار مانصُّه: " وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلُّص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يُعْتَبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يُبذَل كثيرٌ من الأسباب المادية لتخليص هذه المياة من النجاسات، كما يشهد بذلك ويقرِّرُه الخبراء المختصُّون بذلك ، مما لا يتطرق الشكُّ إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم" (2).--------------------------------------------
(1) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي (258) ، مجلة البحوث الإسلامية: (العدد 49، ص 365 - 366).
(2) أبحاث هيئة كبار العلماء: (6/ 216 - 217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
المبحث الثاني
تحديد أوقات الصلاة في البلدان الواقعة على خطوط العرض العالية (1).
الصلاة هي عمود الدين ، ودخول الوقت من آكد شروطها ، وقد حدَّد الله مواقيت الصلوات المفروضة ، ونَصَبَ علاماتٍ ظاهرةً على تلك المواقيت ،وجعلها سبباً في وجوبها ،وشرطاً لصحة أدائها (2) ، ووردت أحاديث صحاحٌ في بيان أوائل وأواخر هذه الأوقات ، ومن ذلك:
ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمَّني جبريلُ عليه السلام عند البيت مرتين ، فصلَّى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشِراك (3) ،ثم صلَّى العصر حين كان كلُّ شيءٍ مِثلَ ظِلِّه ، ثم صلَّى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ، ثم صلَّى العشاء حين غاب الشفق ، ثم صلَّى الفجر حين بَرَقَ الفجر وحَرُم الطعام على الصائم ،وصلَّى المرَّة الثانية الظهر حين كان ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه لوقت العصر بالأمس ، ثم صلَّى العصر حين كان ظِّلُّ--------------------------------------------
(1) رسم العلماء خطوطًا وهمية طولية وعرضية على مجسم الكرة الأرضية في اتجاه شرقي غربي بمحاذاة خط الاستواء وتسمى خطوط العرض ، وفي اتجاه شمالي جنوبي تبدأ من نقطة القطب الشمالي وتنتهي بنقطة القطب الجنوبي متعامدة على دوائر العرض وتسمى خطوط الطول، وهذه الخطوط تفيد في تحديد المواقع ومعرفة التوقيت في أي نقطة على سطح الأرض ، وخطوط العرض العالية هي التي تتجاوز خط العرض 48 شمالاً أو جنوباً. ينظر: المرشد لاتجاهات القبلة، والمواقيت للصلاة (14).
(2) ينظر: بدائع الصنائع (1/ 121) ، المغني لابن قدامة (2/ 8) ، مغني المحتاج (1/ 298) ،مواهب الجليل (1/ 381).
(3) الشِراك هو: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. ينظر: المجموع للنووي (3/ 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)
كلِّ شيءٍ مثليه ، ثم صلَّى المغرب لوقته الأول ، ثم صلَّى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلَّى الصبح حين أسفرت الأرض ، ثم التفَتَ إليَّ جبريلُ فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت فيما بين هذين الوقتين" (1).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظِلُّ الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبْ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان» (2).
وقد حدَّد المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة العلامات الفلكية للأوقات الشرعيَّة للصلوات الخمس المفروضة، وذلك بناءً على ماثبت شرعاً في تحديد مواقيت الصلاة ، وهي على النحو الآتي (3):
- الفجر: ويوافق بزوغ أول خيطٍ من النور الأبيض وانتشاره عرضًا في الأفق (الفجر الصادق) ، ويوافق الزاوية (18) درجة تحت الأفق الشرقي.
2 - الشروق: ويوافق ابتداء ظهور الحافة العليا لقرص الشمس من تحت الأفق الشرقي، ويُقَدَّر بزاويةٍ تبلغ (50) دقيقة زاوية تحت الأفق.
3 - الظهر: ويوافق عبور مركز قرص الشمس لدائرة الزوال، ويمثل أعلى ارتفاع يومي للشمس يقابله أقصر ظل للأجسام الرأسية.
4 - العصر: ويوافق موقع الشمس الذي يصبح معه ظلُّ الشيء مساويًا--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في "جامعه"، أبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في مواقيت
… الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (149) ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، وصححه الألباني في …
... " إرواء الغليل " (1/ 268).
(2) أخرجه مسلم في " صحيحه" ، كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس ، برقم (602).
(3) ينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (200 - 201) ، القرار السادس في الدورة التاسعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)
لطوله مضافًا إليه في الزوال، وزاوية هذا الموقع متغيرة بتغير الزمان والمكان.
5 - المغرب: ويوافق اختفاء كامل قرص الشمس تحت الأفق الغربي، وتُقدَّر زاويته بـ (50) دقيقة زاوية تحت الأفق.
6 - العشاء: ويوافق غياب الشفق الأحمر حيث تقع الشمس على زاوية قدرها (17) تحت الأفق الغربي.
وهذه العلامات الفلكية لأوقات الصلوات تظهر غالباً في البلدان التي يتمايز فيها الليل والنهار كما في أغلب بلدان العالم، ولذلك أنيط بها دخول وقت الصلاة.
أما المناطق القطبية الشمالية والجنوبية فقد يستمر فيها النهار ستة أشهر، ويستمر فيها الليل ستة أشهرٍ أخرى، فلا تطلع فيها الشمس إطلاقاً، أو لا تغيب، أو يكون الليل أو النهار قصيراً جداً، أو يتداخل ويتَّحِد فيها وقتا العشاء والفجر في بعض أشهر السَّنَة، وهي البلاد التي تتجاوز خط العرض 48 شمالاً أو جنوباً ، وتسمى: " المناطق ذات الدرجات العالية حسب خطوط العرض"، ويكون طول النَّهار وقصره أكثر كلَّما ابتعدنا شمالاً أو جنوباً عن خط الاستواء. (1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " فكلما كان البلد أدخل في الشمال؛ كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر، وما كان قريباً من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك، وليله في الصيف أطول من ليل ذاك؛ فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي" (2).
وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن تحديد مواقيت الصلوات الخمس المفروضة في تلك المناطق التي قد تغيب فيها بعض العلامات الفلكية لشهرٍ أو أكثر ، وقد تعدم في بعضها كلياً؟
لقد بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي هذا الموضوع في دورته--------------------------------------------
(1) ينظر: المرشد لاتجاهات القبلة والمواقيت للصلاة (68).
(2) مجموع الفتاوى: (5/ 475).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)
التاسعة وأصدر قراراً بهذا الشأن، وهو على النحو الآتي (1):
تقسيم المناطق ذات الدرجات العالية حسب خطوط العرض إلى ثلاثة أقسام:
المنطقة الأولى: وهي التي تقع مابين خطي العرض (45) درجةً و (48) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتتميز فيها العلامات الفلكية الظاهرة للأوقات في أربعٍ وعشرين ساعة، طالت الأوقات أوقصُرت.
والحُكْم فيها: أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعية، عملاً بالنصوص الشرعيَّة الواردة في تحديد أوقات الصلاة ، حيث تشملهم طالت الأوقات أو قصرت.
المنطقة الثانية: وتقع مابين خطي عرض (48) درجةً و (66) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتعدم فيها بعض العلامات الفلكية الظاهرة للأوقات في عددٍ من أيام السنة، كأنَّ لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ العشاء، وتمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر.
والحُكْم فيها أن يعين وقت صلاة العشاء والفجر بالقياس النسبي على نظيريهما، في ليل أقرب مكانٍ تتميز فيه علامات وقتي العشاء والفجر، ويقترح مجلس المجمع خط (45) درجة، باعتباره أقرب الأماكن التي تتيسر فيها العبادة أو التمييز، فإذا كان العشاء يبدأ مثلاً بعد ثلث الليل في خط عرض (45) درجة يبدأ كذلك بالنسبة إلى ليل خط عرض المكان المراد تعيين الوقت فيه، ومثل هذا يقال في الفجر.
المنطقة الثالثة: وتقع فوق خط عرض (66) درجةً شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الفلكية الظاهرة للأوقات في فترةٍ طويلةٍ من السُّنَة نهارًا أو ليلاً.
والحُكْم فيها: أن تُقَدَّر جميع الأوقات بالقياس الزمني على نظائرها في--------------------------------------------
(1) ينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (201 - 202) ، القرار السادس في الدورة التاسعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 502)
خط عرض (45) درجة، وذلك بأن تقسم الأربع والعشرون ساعةً في المنطقة من (66) درجةً إلى القطبين، كما تقسم الأوقات الموجودة في خط عرض (45) درجةً يساوي (8) ساعات، فإذا كانت الشمس تغرب في الساعة الثامنة، وكان العشاء في الساعة الحادية عشرة جُعِل نظير ذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه، وإذا كان وقت الفجر في خط عرض (45) درجة في الساعة الثانية صباحًا كان الفجر كذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه، وبُدِئ الصوم منه حتى وقت المغرب المُقدَّر.
ثم بحث مجلس المجمع الفقهي الإسلامي هذا الموضوع مرةً أخرى في دورته التاسعة عشر ، وأصدر فيها قراراً يؤكد القرار السابق مع زيادةٍ توضيحيةٍ تتضمن الإشارة إلى رخصة الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لمن كان يشُقُّ عليه انتظار دخول وقت العشاء في المناطق التي تظهر فيها العلامات الفلكية لكن يتأخر غياب الشفق فيها كثيراً.
وقد جاء في القرار مانصُّه: " إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً، فيرى المجمع وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدَّد شرعاً، لكن من كان يشُقُّ عليه الانتظار وأداؤها في وقتها - كالطلاب والموظفين والعُمَّال أيام أعمالهم - فله الجمع. . . على ألا يكون الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد، طيلة هذه الفترة " (1).
كما أصدرت هيئة كبار العلماء بالسعودية في دورتها الثانية عشرة قراراً في هذا الموضوع يتوافق في مضمونه مع قرارات المجمع الفقهي الإسلامي المتعلقة بذلك، حيث ورد في القرار الصادر عن هيئة كبار العلماء أن " من كان يقيم في بلادٍ يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجرٍ وغروب شمس، إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ويقصُر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي--------------------------------------------
(1) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، الدورة التاسعة عشر، القرار الثاني: (ص 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)
الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا .. " (1).
و" من كان يقيم في بلادٍ لا تغيب عنها الشمس صيفًاً، ولا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو في بلادٍ يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كلِّ أربعٍ وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها، معتمدين في ذلك على أقرب بلادٍ إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض" (2).
ويمكن إبراز أوجه تطبيق الاجتهاد في المناط على هذه المسألة فيما يأتي:
أولاً: النصُّ من أهم المسالك الدالة على مناط الحُكْم كما تقدم (3) ،ومناط الحُكْم في هذه المسألة ثبت بنصّ السُّنَّة، حيث إن مناط وجوب الصلاة وهو دخول الوقت المُحَدَّد قد دلَّت عليه صراحةً أحاديث كثيرة ، وقد تقدم ذكر بعضها (4).
ثانياً: قول أهل الخبرة من أهم مسالك تحقيق المناط كما تقدم (5) ، وأهل الخبرة في هذه المسألة هم علماء الفلك.
وقد أصدر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قراره المتعلِّق بتحديد العلامات الفلكية لأوقات الصلوات، وتحويل هذه العلامات إلي حساباتٍ فلكيةٍ متصلةٍ بموقع الشمس في السماء فوق الأفق أو تحته ،وتحديد أوقات الصلوات في البلدان الواقعة على خطوط العرض العالية، بناءً على قول أهل الخبرة في هذا الشأن ، حيث ورد في القرار مانصُّه: " … وبناءً على ما أفادت به لجنة الخبراء الفلكيين، قرر المجلس في هذا الموضوع ما يلي:--------------------------------------------
(1) مجلة البحوث الإسلامية: (25/ 31).
(2) مجلة البحوث الإسلامية: (25/ 32 - 33).
(3) ينظر: (262 - 264).
(4) ينظر: (424 - 425).
(5) ينظر: (269 - 272).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 504)
دفعًا للاضطرابات والاختلافات الناتجة عن تعدد طرق الحساب، يُحدَّد لكلِّ وقتٍ من أوقات الصلاة العلامات الفلكية التي تتفق مع ما أشارت الشريعة إليه، ومع ما أوضحه علماء الميقات الشرعيون في تحويل هذه العلامات إلي حساباتٍ فلكيةٍ متصلةٍ بموقع الشمس في السماء فوق الأفق أو تحته كما يلي:
1 - الفجر: ويوافق بزوغ أول خيطٍ من النور الأبيض وانتشاره عرضًا في الأفق (الفجر الصادق) ، ويوافق الزاوية (18) درجةً تحت الأفق الشرقي.
2 - الشروق: ويوافق ابتداء ظهور الحافة العليا لقرص الشمس من تحت الأفق الشرقي، ويُقدَّر بزاويةٍ تبلغ (50) دقيقةً زاوية تحت الأفق.
3 - الظهر: ويوافق عبور مركز قرص الشمس لدائرة الزوال ويمثل أعلى ارتفاعٍ يومي للشمس يقابله أقصر ظل للأجسام الرأسية.
4 - العصر: ويوافق موقع الشمس الذي يصبح معه ظلُّ الشيء مساويًا لطوله مضافًا إليه في الزوال، وزاوية هذا الموقع متغيرةٌ بتغير الزمان والمكان.
5 - المغرب: ويوافق اختفاء كامل قرص الشمس تحت الأفق الغربي، وتقدر زاويته بـ (50) دقيقةً زاوية تحت الأفق.
6 - العشاء: ويوافق غياب الشفق الأحمر حيث تقع الشمس على زاوية قدرها (17) تحت الأفق الغربي" (1).
ثالثاً: الحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً ، فوجوب صلاةٍ بعينها يدور مع دخول وقتها المُحَدَّد وجوداً وعدماً.
وقد اعتبر المجمع الفقهي الإسلامي ذلك في الحُكْم المتعلِّق بالمناطق التي تقع مابين خطي العرض (45) درجة و (48) درجة شمالاً وجنوبًا، والتي تتميز فيها العلامات الظاهرية للأوقات في أربعٍ وعشرين ساعة، طالت الأوقات أوقصرت ، فالحُكْم فيها أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعيَّة حسب علاماتها الفلكية الظاهرة؛ عملاً بالنصوص الشرعيَّة التي تشمل المناطق--------------------------------------------
(1) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي: (200 - 201).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)
التي تقصر فيها تلك الأوقات أو تطول، والحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً (1).
كما ورد في نصِّ القرار الصادر عن هيئة كبار العلماء في دورته الثانية عشرة بخصوص هذه المسألة أن "من كان يقيم في بلادٍ يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجرٍ وغروب شمسٍ، إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا" (2).
وذلك لعموم الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً، ولم تُفَرِّق بين طول النهار وقِصَرِه، وطول الليل وقِصَرِه، ما دامت أوقات الصلوات متمايزةً بالعلامات التي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
أما المناطق التي تقع مابين خطي عرض (48) درجةً و (66) درجةً شمالاً وجنوبًا، وتعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عددٍ من أيام السَّنَة، كأن لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ وقت العشاء ،ويمتد آخر وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر، وكذا المناطق التي تقع فوق خط عرض (66) درجةً شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الظاهرية للأوقات في فترةٍ طويلة من السَّنَة نهارًا أو ليلاً ، فإنه يُصار حينئذٍ إلى تحديد أوقات الصلوات فيها بناءً على العلامات الفلكية الظاهرة في أقرب البلدان إلى تلك المناطق؛ لأن تلك العلامات هي المعرِّفة لمناط الحُكْم وهو دخول الوقت ، إما حقيقةً في حال وجودها كما في أغلب بلدان العالم، أو تقديراً في حال عدمها أو عدم بعضها كما في البلدان القطبية الشمالية والجنوبية، فيكون من باب إعطاء المعدوم حُكْم الموجود (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (201 - 202) ، وقد تم التأكيد على ذلك أيضاً في الدورة التاسعة عشرة لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي في القرار الثاني.
(2) مجلة البحوث الإسلامية (25/ 31).
(3) ينظر: مجلة البحوث الإسلامية (25/ 31 - 32).
(4) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (2/ 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 506)
قال ابن الهمام: "ولا يرتاب متأملٌ في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض وبين عدم سببه الجعلي الذي جُعِل علامةً على الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدُّد المُعَرِّفات للشيء، فانتفاء الوقت انتفاءٌ للمُعَرِّف، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليلٍ آخر ، وقد وُجِد ،وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء من فرض الله الصلاة خمسًا بعدما أمروا أولاً بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعًا عامًّا لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قُطْرٍ وقُطْر" (1).
ولما كانت الصلاة واجبةً على المكلَّف في كلِّ مكان ، ولاتسقط عنه بحالٍ من الأحوال إلا إذا رُفِع عنه التكليف بها ، فقد شمل وجوبها كلَّ مكلَّفٍ سواءً كان في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية الدالة على دخول الوقت ، أوفي البلدان التي تعدم فيها بعض تلك العلامات أو كلها في بعض الأيام أو طيلة عدة أشهر.
وإذا تقرر وجوب الصلاة على المكلَّف بها في كلِّ مكانٍ فإنه يلزم تقدير وجود العلامات الفلكية للأوقات الشرعيَّة في البلدان التي تعدم فيها تلك العلامات أو بعضها.
ويؤيد القول بالتقدير أنه لما سَأَل الصحابةُ رضي الله عنهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن مدة لبث الدجال في الأرض ، قال عليه الصلاة والسلام": أربعون يومًا، يومٌ كسنة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله، اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره" (2).
ومعنى "اقدروا له قدره" أي: " أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كلَّ يومٍ فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك--------------------------------------------
(1) فتح القدير: (1/ 226).
(2) أخرجه مسلم في"صحيحه" ، كتاب الفتن ، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، رقم (2937).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنةٍ كلها فرائض مؤداة في وقتها، وأما اليوم الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فقياس اليوم الأول أن يُقدَّر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه" (1).
وتقدير وجود علامات الوقت بناءً على ظهور العلامات الفلكية في أقرب البلدان إلى تلك المناطق أولى من غيره؛ لأنه لما تعذَّر اعتبارها بنفسها اعتُبرت بأقرب الأماكن شبهاً بها مما يتمايز فيها الليل والنهار ، وتظهر فيها العلامات الفلكية لأوقات الصلوات (2).
قال النووي: "أما الساكنون بناحيةٍ تقصر لياليهم، ولا يغيب عنهم الشفق، فيصلون العشاء إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلاد إليهم" (3).
رابعاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام مراعاة أحوال المكلَّفين ، وقد راعى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي الأحوال التي تصحبها مشقةٌ تلحق بالمكلَّفين في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية ولكنها تتأخر ، فنبَّه المجلس في قرارٍ توضيحي أصدره في الدورة التاسعة عشر وجاء فيه مانصُّه: " إذا كانت تظهر علامات أوقات الصلاة، لكن يتأخر غياب الشفق الذي يدخل به وقت صلاة العشاء كثيراً، فيرى المجمع وجوب أداء صلاة العشاء في وقتها المحدَّد شرعاً، لكن من كان يشُقُّ عليه الانتظار وأداؤها في وقتها - كالطلاب والموظفين والعُمَّال أيام أعمالهم - فله الجمع عملاً بالنصوص الواردة في رفع الحرج عن هذه الأمة؛ ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جمع رسول الله - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته: على ألا يكون--------------------------------------------
(1) شرح صحيح مسلم للنووي: (18/ 66).
(2) ينظر: مواهب الجليل (1/ 388) ،مجموع فتاوى الشيخ العثيمين (12/ 198).
(3) روضة الطالبين: (1/ 182).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
الجمع أصلاً لجميع الناس في تلك البلاد، طيلة هذه الفترة، لأن ذلك من شأنه تحويل رخصة الجمع إلى عزيمة، ويرى المجمع أنه يجوز الأخذ بالتقدير النسبي في هذه الحال من باب أولى" (1).
خامساً: ردَّ المجلسُ الاجتهادَ في تحقيق مناط المشقة في البلدان التي تظهر فيها العلامات الفلكية ولكنها تتأخر إلى مسلك العرف ، حيث جاء في القرار مانصُّه: " وأما الضابط لهذه المشقة فمردُّه إلى العرف، وهو مما يختلف باختلاف الأشخاص والأماكن والأحوال" (2).
والعرف من أهم مسالك الاجتهاد في تحقيق المناط كما تقدم (3).--------------------------------------------
(1) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، الدورة التاسعة عشر ، القرار الثاني: (ص 12).
(2) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ،الدورة التاسعة عشر، القرار الثاني: (ص 12).
(3) ينظر: (266 - 269).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)