الكلي ، وليست في ذاتها دليلاً مستقلاً في إثبات الأحكام، ولذلك يصح إدراجها ضمن الأدلة التبعية.
المطلب الثاني: حُجِّية المصلحة المُرْسَلة.
المصلحة المُرْسَلة دليلٌ مُعتَبرٌ وحُجَّةٌ تثبت بها الأحكام الشرعيَّة متى استوفت شروط العمل بها.
وقد ذهب إلى ذلك: الإمام مالك (1).
وعند التحقيق نجد أن الفقهاء جميعاً في مختلف المذاهب يعملون بها.
قال الغزالي: " وإذا فسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتِّباعها، بل يجب القطع بكونها حُجَّة" (2).
وقال القرافي: " وأما المصلحة المُرْسَلة فالمنقول أنها خاصَّةٌ بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرَّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرَّقوا، بل يكتفون بمُطْلَق المُناسبَة، وهذا هو المصلحة المُرْسَلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب" (3).
وقال ابن دقيق العيد: " نعم، الذي لا شك فيه أن لمالِك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيحٌ في الاستعمال على غيرهما " (4).
والمصلحة بهذا الاعتبار لم يختلف أحدٌ باتخاذها أصلاً من أصول الشرع، ولكن اختلاف العلماء كان بالأسماء لا بالمُسمَّيات، بمعنى أنه اختلافٌ لفظي؛ لأن من أنكر الأخذ بالمصلحة المُرْسَلة لم يقصد هذا المعنى (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: شرح تنقيح الفصول (350 - 351) ، الموافقات (3/ 285) ،الاعتصام (608) ، نشر البنود (2/ 189).
(2) المستصفى: (2/ 503).
(3) شرح تنقيح الفصول: (306).
(4) البحر المحيط: (6/ 77).
(5) ينظر: عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للباني: (331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
أولاً: عمل الصحابة رضي الله عنهم بالمصلحة المرسلة حتى حُكِيَ في ذلك إجماعهم ، حيث إن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً لمُطْلَق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ بالاعتبار، نحو: كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمرٌ ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيها أمرٌ ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين ، وعمل السّكة للمسلمين ،واتخاذ السجن ، وهدّ الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، وذلك كثيرٌ جداً، وإنما عملوا ذلك لمُطْلَق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ معينٍ بالاعتبار (1).
ثانياً: أنه ثبت بالاستقراء أن هذه الشريعة مبنيَّةٌ على المصالح للخلق في الدنيا والآخرة، وبناء الأحكام على المصالح المُرْسَلة فيه تحقيقٌ لمصالح الخلق فتكون حُجَّةً.
قال العز بن عبدالسلام: " التكاليف كلها راجعةٌ إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم" (2).
وقال الفخر الرازي: " لما تأملنا الشرائع وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين لا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك معلومٌ بعد استقرار أوضاع الشرائع " (3).
والقائلون باعتبار المصلحة المرسلة دليلاً تثبت به الأحكام الشرعيَّة لم يقولوا بذلك على إطلاقه ، بل قيدوا ذلك بشروطٍ تضع هذا الدليل في موضعه الصحيح ، وتحفظ أحكام الشرع من اتباع الأهواء.
وشروط العمل بالمصلحة المرسلة هي:--------------------------------------------
(1) ينظر: شرح تنقيح الفصول (351) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 213) ،الاعتصام (612 - 616) ،
… الموافقات (3/ 41) ،نشر البنود (2/ 189 - 192).
(2) قواعد الأحكام: (2/ 126).
(3) المحصول: (5/ 179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
1 - أن تكون المصلحة ملائمةً لتصرفات الشارع، وذلك بأن يكون لها جنسٌ اعتبره الشارع في الجملة بغير دليلٍ خاص، فكل مصلحةٍ لا تلائم تصرفات الشارع فهي باطلةٌ مطرحة (1).
2 - أن لا تصادم المصلحة نصَّاً خاصَّاً من كتابٍ أو سُنَّة، أو تصادِم الإجماع.
قال الغزالي: "وكلُّ ذلك حُجَّةٌ بشرط أن لايكون غريباً بعيداً، وبشرط أن لا يصدم نصَّاً ،ولا يتعرَّض له بالتغيير" (2).
3 - أن تكون معقولة المعنى في ذاتها.
قال الطوفي: "وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات دون العبادات وشبهها؛ فإن العبادات حقّ الشارع وخاصُّ به، ولا يمكن معرفة حقِّه كمَّا وكيفاً وزماناً ومكاناً إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رُسِمَ له، ولهذا لما تقيد الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع اسخطوا الله عليهم وضلوا وأضلوا، وهذا بخلاف حقوق المكلَّفين، فإن أحكامها سياسيةٌ شرعيةٌ وُضِعَت لمصالحهم، وكانت هي العبرة، وعلى تحقيقها المعمول" (3).
وقال الشاطبي: " وأيضاً؛ فالمصالح المرسلة -عند القائل بها- لا تدخل في التعبدات ألبتة، وإنما هي راجعةٌ إلى حفظ أصل المِلَّة، وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية" (4).
4 - أن لا تعارض مصلحةً أرجحَ منها، أو يترتَّب على العمل بها مفسدةٌ أرجحُ منها، أو مساويةٌ لها (5).
وبتحقُّق هذه الشروط ينضبط القول بالمصلحة المرسلة، ويتحقَّق مقصود الشرع باعتبارها، دون إفراطٍ يفضي إلى تغيير الأحكام، أو تفريطٍ يفضي إلى التضييق والحرج في أحكام الشرع.--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (2/ 502 - 503).
(2) شفاء الغليل: (210 - 211).
(3) رسالة الطوفي في المصلحة: (143).
(4) الموافقات: (3/ 285).
(5) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 214 - 217) ،نشر البنود (2/ 191 - 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة.
يُعْتَبر دليل المصلحة المرسلة من أوثق الأدلة الشرعيَّة صلةً بالاجتهاد في المناط ، وتظهر العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة ، من أهمها ما يأتي:
أولاً: تقدَّم أن المناط اصطلاحاً يعني: العِلَّة، وهي: ما أناطَ الشارعُ الحُكْم به وأضافه إليه (1).
والمجتهد قد يجد عند بحثه عن العِلَّة في حُكْم الأصل وصفاً ظاهراً منضبطاً يمكن تعديته إلى الفرع، فلايعدل حينئذٍ عن إجراء القياس.
وقد لايجد إلا معنىً مناسباً يلائم تصرُّفات الشارع في تحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، فيفزع حينئذٍ للاستنجاد به، وبناء الأحكام عليه في النوازل والمستجدات.
وذلك لأن المجتهد عندما يبحث في حُكْم النازلة فإنه إما أن يجد لها نظيراً في الكتاب أو السُّنَّة فيقيس ما لم يَرِدَ حكمه على ما ورد حكمه بجامعٍ مشترك.
وإما أنه لا يجد لتلك النازلة نظيراً بعينه في الكتاب أو السُّنَّة يقيس عليه، فيلجأ إلى النظر في المعاني الكليَّة التي جرت عليها تصرُّفات الشارع، فيحكم بها على تلك النازلة.
وهذا الاجتهاد يشمل المعاني الجزئية والكليَّة التي أناط الشارع الأحكام عليها وجوداً وعدماً.
قال الشافعي: " "كلُّ حُكْمٍ لله أو لرسوله وجدت عليه دلالةٌ فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حُكِمَ به لمعنىً من المعاني، فنزلت نازلةٌ ليس فيها نصُّ حُكْمٍ - حُكِمَ فيها حُكْمُ النازلة المحكوم فيها، إذا كانت في معناها" (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: (31 - 33).
(2) الرسالة: (512).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
والفرق بين الصورتين أن المعاني في القياس ترجع إلى أصلٍ معين، بينما المعاني في المصالح المُرْسَلة لاترجع إلى أصلٍ معين، وإنما ترجع إلى أصولٍ كليَّة.
قال الغزالي: " كلُّ مصلحةٍ رجعت إلى حفظ مقصودٍ شرعيٍّ عُلِمَ كونه مقصوداً بالكتاب والسُنَّة والإجماع فليس خارجاً من هذه الأصول، لكنه لا يُسمَّى قياساً بل مصلحة مُرْسَلة، إذ القياس أصلٌ معيَّن، وكون هذه المعاني مقصودةً عُرِفَت لا بدليلٍ واحد، بل بأدلةٍ كثيرةٍ لا حصر لها من الكتاب والسُّنَّة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، تُسمَّى لذلك مصلحةً مُرْسَلة" (1).
وقد تقدَّم أن العِلَّة هي: الوصف الظاهر المنضبط المُعَرِّف للحكم بوضع الشارع (2)، فمثلًا: أوجب الشارع قطع يد السارق، وإذا بحثنا عن عِلَّة هذا الحُكْم نجد أنها: السرقة، والسرقة من الأوصاف الظاهرة التي لا تخفى على أحد، كما أنها منضبطةٌ لا تختلف من شخصٍ لآخر أو من مكانٍ لآخر.
أما الحكمة فهي: المصلحة التي قصد الشارع من تشريع الحُكْم تحقيقها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحُكْم دفعها أو تقليلها، فإذا كانت العِلَّة في قطع يد السارق هي: السرقة، فإن الحكمة من تشريع هذا الحدِّ: حفظ أموال الناس وحمايتها وصيانتها.
وبهذا يتبين أن حِكْمَة الحُكْم: هي الباعث على تشريعه، أما عِلَّة الحُكْم فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بنى الشارع الحُكْم عليه، وربطه به وجودًا وعدمًا; لأن من شأن إناطة الحُكْم به تحقُّق حِكْمَة تشريع الحُكْم منه.
ومن أنواع التعليل المُعتبَرة: "التعليل بالحِكْمَة الظاهرة المنضبطة" (3).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (2/ 502 - 503).
(2) ينظر: (36).
(3) اختلف الأصوليون في جواز تعليل الحكم بالحِكْمَة المقصودة من تشريع الحكم، على أقوال:
القول الأول: لا يجوز التعليل بالحكمة مطلقاً، سواءٌ كانت منضبطةً أو غير منضبطة، ظاهرةً أو خفية، وهو قول اكثر الأصوليين.
القول الثاني: الجواز مطلقاً ، وهو اختيار الرازي والبيضاوي.
القول الثالث: التفصيل، فيجوز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة، ولا يجوز التعليل بها إن كانت مضطربةً أو خفية ، وهو اختيار الآمدي، وصفي الدين الهندي. ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 254 - 255) ،شرح تنقيح الفصول (306) ،نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (8/ 3494 - 3495) ،الإبهاج (3/ 140) ، نهاية السول (4/ 260 - 262) ،شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 238) ،البحر المحيط (5/ 133) ،تيسير التحرير (4/ 88) ،شرح الكوكب المنير (4/ 47 - 48) ،إرشاد الفحول (2/ 872).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
وذلك لأن الحُكْم إذا اقترن بوصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ مشتمِلٍ على حِكْمَةٍ غير منضبطةٍ بنفسها فإنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحِكْمَة الخفية، فإذا كانت الحِكْمَة وهي المقصود من شرع الحُكْم مساويةً للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها (1).
ومن صور التعليل بالحِكْمَة التعليل بالأوصاف الملائمة لتصرُّفات الشارع التي لم يشهد لها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء، وهو ما يُطْلَق عليه مُسمَّى: … " المصلحة المُرْسَلة" كما تقدَّم " (2).
وقد بنى الصحابة رضوان الله عليهم كثيراً من تصرُّفاتهم الاجتهادية على التعليل بالمصلحة المرسلة، مثل: ضرب النقود، ووضع الخراج على الأراضي الزراعية، وإنشاء الدواوين، واتخاذ السجون، وغير هذا من المصالح التي وضعوا الأحكام بناءًعليها (3).
ثانياً: قد يتفق المجتهدون على أصل المصلحة المقصودة شرعاً، ولكنَّهم يختلفون في تحقيق مناطها في بعض الصور والجزئيات، فقد يرى بعضهم أن المصلحة متحقِّقةٌ في صورةٍ معيَّنةٍ، ويرى آخرون أنها غير متحقِّقةٍ، أو يعارضها ماهو أرجحُ منها.
فالمقدِّمة الأولى وهي اعتبار المصلحة الكليَّة المقصودة شرعاً وقعت--------------------------------------------
(1) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 255).
(2) ينظر: (152 - 153).
(3) ينظر: شرح تنقيح الفصول (351) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 213) ،الاعتصام (612 - 616) ، الموافقات (3/ 41) ،نشر البنود (2/ 189 - 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
مُسَلَّمَة، ولكن وقع الاختلاف في الحُكْم بثبوتها في صورةٍ معيَّنةٍ، مابين مُثْبِتٍ لوجود تلك المصلحة في تلك الصورة بعينها، وبين نافٍ لوجودها فيها، وهي المقدِّمة الثانية.
وبهذا يكون محلُّ النظر والتأمل والاجتهاد هو المقدمة الثانية.
قال الشاطبي: "والذي يقال فيه أن خاصية المقدِّمة النقلية أن تكون مُسَلَّمَةً إذا تحقَّق أنها نقلية؛ فلا تفتقر إلى نظرٍ وتأملٍ إلا من جهة تصحيحها نقلاً، ونظير هذا في العقليات المقدَّمات المُسَلَّمَة، وهي الضروريات وما تنزَّل منزلتها مما يقع مُسَلَّمَاً عند الخصم؛ فهذه خاصيَّة إحدى المقدِّمتين، وهي أن تكون مُسَلَّمَة" (1).
وقد تقدَّم أن الشريعة لم تنصُّ على حُكْم كلِّ جزئيةٍ على حِدَتِها، وإنما أتت بأمورٍ كليَّةٍ وعبارات مُطْلَقَةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر (2).
وقد شملت هذه الكليَّات مصالح الخلق في العاجل والآجل ، ولم يتبق إلا الاجتهاد في تحقيق مناطاتها في الفروع والجزئيات الحادثة.
وإذا حصل خلافٌ ممن هو أهلٌ للاجتهاد في تحقيق مناطات تلك المصالح الكليَّة في بعض الصور والجزئيات فلاحرج حينئذٍ" لأن الأمر في ذلك راجعٌ إلى أمرٍ ظنِّيِّ مُجْتَهَدٍ فيه" (3).
والعبرة في تحقيق مناطات المصالح الكليَّة تحقُّق الظنِّ الراجح الذي لا يعارضه ما هو أقوى منه.
قال ابن عبد السلام: " لمَّا كان الغالب صدق الظنون بُنيَت عليها مصالح الدنيا والآخرة ; لأن كذبها نادر، ولا يجوز تعطيل مصالح صدَّقها الغالب خوفاً من وقوع مفاسد كذَّبها النادر، ولا شك أن مصالح الدنيا والآخرة مبنيَّةٌ على الظنون " (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات: (3/ 233 - 234).
(2) ينظر: (215).
(3) الموافقات: (5/ 409).
(4) قواعد الأحكام: (2/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
وأكثر المصالح والمفاسد إنما تُعْرَف بالتقريب لا بالتحديد.
قال ابن عبدالسلام: " أكثر المصالح والمفاسد لا وقوف على مقاديرها وتحديدها، وإنما تُعرف تقريباً؛ لعزة الوقوف على تحديدها" (1).
ولا يشترط فيها القطع " إذ لو شُرِط فيها العلم لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية" (2).
ولذلك يقع الخلاف كثيراً بين المجتهدين في تحقيق مناطات المصالح والمفاسد ، ولاسيما التي لم يرد بشأنها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو بالإلغاء، وهي المصالح المُرْسَلة.
ثالثاً: الأحكام الشرعيَّة مطَّرَدةٌ لا تختلف ولا تتغيَّر ، وإنما الذي يتغيَّر هو محل ذلك الحُكْم الذي يتحقَّق فيه المناط أو يتخلَّف عنه، إما لفقدان شرطٍ أو لوجود مانع.
و" حُكْم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان وتطوّر الأحوال وتجدّد الحوادث، فإنه ما من قضيةٍ كائنةً ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم نصَّاً أو ظاهراً أو استنباطاً، أو غير ذلك، عَلِم ذلك من عَلِمَه وجَهِله من جَهِله ، وليس معنى ما ذكره العلماء من تَغَيُّر الفتوى بتغيُّر الأحوال ما ظنَّه مَن قَلّ نصيبهم - أو عُدِم - مِن معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنَّوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية وأغراضهم الدنيوية وتصوراتهم الخاطئة الوَبِيّة، ولهذا تجدهم يُحَامُون عليها، ويجعلون النصوص تابعةً لها منقادةً إليها مهما أمكنهم، فيُحَرّفون لذلك الكَلِم عن مواضعه، وحينئذٍ مَعنى تَغَيُّر الفتوى بتغيُّر الأحوال والأزمان مُراد العلماء منه ما كان مُسْتَصْحَبةً فيه الأصول الشرعيَّة والعِلل المرعية، والمصالح التي جِنسها مُراد لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم" (3).--------------------------------------------
(1) القواعد الصغرى: (100).
(2) قواعد الأحكام: (1/ 206).
(3) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم: (12/ 288).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
فأحكام الشرع ثابتةٌ لا تتغيَّر ، وستظلُّ كذلك إلى قيام الساعة، ولا يجوز اعتقاد غير ذلك.
ولذلك" لا تجد فيها بعد كمالِها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحُكْمٍ من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمانٍ دون زمان، ولا حالٍ دون حال، بل ما أُثْبِت سبباً فهو سببٌ أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً فهو أبداً شرط، وما كان واجباً فهو واجبٌ أبداً، أو مندوباً فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبُّدل، ولو فُرِض بقاء التكليف إلى غير نهايةٍ لكانت أحكامها كذلك " (1).
والذي يتغيَّر هو محلُّ الحُكْم ، فإنه قد يطرأ عليه من الأحوال والحيثيات ما يجعله مختلِفاً عن محلٍّ آخر، فيقتضي تحقيق مناطٍ مختلِفٍ عن غيره.
فقد يطرأ على محلٍّ من الأحوال والحيثيات ما يتحقَّق معه مناط المصلحة المقصودة شرعاً ، وقد يطرأ عليه من الأحوال والحيثيات ما يتخلَّف عنه مناط المصلحة المقصودة شرعاً.
وعلى هذا فإن المصالح المُرْسَلة قد تختلف بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال، فما يكون مصلحةً في حالٍ لا يلزم أن يكون كذلك في حالٍ آخر ، وعلى المجتهد أن يراعي ذلك في تحقيق مناط المصلحة على آحاد الوقائع والجزئيات المتجدِّدة ، ولاسيما التي لم يَرِدْ بشأنها دليلٌّ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء.
ومن الأمثلة على ذلك: أن الله أمر المسلمين بإعداد القوة التي ترهب عدوهم، وتقوى بها شوكة المسلمين.
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
وصور القوة التي تتحقَّق بها مصلحة إرهاب العدو تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال.--------------------------------------------
(1) الموافقات: (1/ 109 - 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
فقد كانت أكمل صور القوة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تكمن في الرمي بالسهام كما قال عليه الصلاة والسلام: " ألَا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ، ألَا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ" (1).
أما في هذا الزمن فإن أكمل صور القوة التي تتحقق بها مصلحة إرهاب العدو تتمثل في: امتلاك الصواريخ، والطائرات الحربية، والمدفعيات، والدبَّابات، والقنابل، ونحو ذلك (2).
وذلك لأن مناط الحُكْم هو إرهاب العدو ، والصور التي يتحقَّق فيه هذا المناط تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال (3).
قال ابن السعدي: "ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 6] وهذه العِلَّة موجودةٌ فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحُكْم يدور مع عِلَّته ،فإذا كان شيءٌ موجودٌ أكثرَ إرهاباً منها، كالسيارات البرِّية والهوائية، المُعَدَّة للقتال التي تكون النكاية فيها أشدّ، كانت مأموراً بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب" (4).
وبناءً على ذلك" فالواجب على المسلمين في هذا العصر بنصِّ القرآن صُنْعُ المدافع بأنواعها، والبنادق، والدبابات، والطيارات، والمناطيد، وإنشاء السفن الحربية بأنواعها، ومنها الغَّواصات التي تغوص في البحر، ويجب عليهم تعلُّم الفنون والصناعات التي يتوقَّف عليها صنع هذه الأشياء، وغيرها من قوى الحرب" (5).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، رقم (1917) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(2) ينظر: التحرير والتنوير (10/ 55).
(3) ينظر: تفسير المنار (10/ 53).
(4) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/ 324).
(5) تفسير المنار: (10/ 53 - 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
المبحث السادس
علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف سدِّ الذرائع لغةً واصطلاحاً.
السدُّ لغةً: المنع والإغلاق (1).
والذرائع لغةً: جمع ذريعة، والذريعة هي: الوسيلة ، والسبب الموصل إلى الشيء (2).
والذريعة اصطلاحاً-أي: التي تُسدُّ- هي: "الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلةٌ إلى فعل المحرَّم" (3).
وبهذا يكون سدُّ الذرائع في اصطلاح الأصوليين يعني: منع الوسائل المباحة في ظاهرها المفضية غالباً إلى مفاسد راجحة (4).
قال ابن عاشور: "هذا المركَّب لقبٌ في اصطلاح الفقهاء لإبطال--------------------------------------------
(1) ينظر: لسان العرب (3/ 207) ، المصباح المنير (2/ 270) "مادة: س د د".
(2) ينظر: الصحاح (3/ 1211) ، لسان العرب (8/ 96) ،تاج العروس (21/ 12) "مادة: س د د".
(3) بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية: (254).
(4) ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي (2/ 32) ، إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 554) ، الموافقات للشاطبي (5/ 183).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
الأعمال التي تؤول إلى فسادٍ مُعتبَر ، وهي في ذاتها لامفسدةَ فيها" (1).
ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيودٍ ينضبط بها معنى سدِّ الذرائع عند الأصوليين ، وهي:
الأول: أن الوسيلة المتوسَّل بها في أصلها مباحة؛ لأن الوسائل المحُرْمَة في ذاتها إنما حُرِّمت لكونها في نفسها فساداً فلايخالف في ذلك أحد ، وليست هذه الصورة مما نحن فيه (2).
والثاني: أن الأمر المتوسَّل إليه لابدَّ أن يكون محظوراً في الشرع؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما حصل منع الوسيلة المفضية إليه.
والثالث: أن الوسيلة لابدَّ أن تفضي غالباً إلى مفسدةٍ راجحة؛ لأن العبرة بغالب الظنّ ، وغالب الظنِّ يجري مجرى العلم في الأحكام (3).
فإذا كانت الوسيلة تفضي نادراً إلى مفسدةٍ فإنها لاتُمْنَع؛ لأن النادر لاحُكْم له (4).
قال الشاطبي: " ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً فهو على أصله من الإذن؛ لأن المصلحة إذا كانت غالبةً فلا اعتبار بالندور في انخرامها، إذ لا توجد في العادة مصلحةٌ عريَّةٌ عن المفسدة جملة، إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة، ولم يُعْتَبر ندور المفسدة إجراءً للشرعيات مجرى العاديات في الوجود" (5).
وكذلك إذا كانت الوسيلة تفضي إلى مفسدةٍ مرجوحةٍ فإنها تُمنَع؛ لأن المصالح الراجحة مقدَّمةٌ على المفاسد المرجوحة (6).--------------------------------------------
(1) مقاصد الشريعة لابن عاشور: (365)
(2) ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (254).
(3) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/ 257) ، إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 554) ، قواعد الأحكام (1/ 138).
(4) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبد السلام (1/ 138) ، إعلام الموقعين (5/ 76).
(5) الموافقات: (3/ 74).
(6) ينظر: الفروق للقرافي (2/ 33) ، بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (254) ،إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 554 - 555) ،إغاثة اللهفان (1/ 370).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
ويستوي الحُكْم في ذلك سواءً قصد المكلَّفُ التوسَّلَ بالمباح إلى المنهي عنه أم لم يقصد، مع إن القصد إلى ذلك أشنع.
قال ابن القيم: " والشارع حرَّم الذرائع، وإن لم يُقصَد بها المحرَّم؛ لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرَّم نفسَه؟ " (1).
المطلب الثاني: حُجِّية سد الذرائع.
قاعدة سدِّ الذرائع حُجَّةٌ مُعْتَبَرةٌ في الأحكام الشرعيَّة ، وأصلٌ جرى التصرُّف به في الكتاب والسُنَّة وعَمِل به الصحابة.
وقد ذهب إلى ذلك: المالكية (2)، والحنابلة (3).
وأصل سدِّ الذرائع معتبرٌ من حيث العمل به عند المذاهب الأربعة كافة، وإن حُكيَ الخلاف فيه (4).
قال الشاطبي: "إنَّ سدَّ الذَّرائع أصلٌ شرعيٌّ قطعيٌّ متفقٌ عليه في الجملة، وإن اختلف العلماء في تفاصيله، وقد عمل به السَّلف بناءً على ما تكرَّر من التَّواتر المعنويّ في نوازل متعدِّدة دلّت على عموماتٍ معنويّة، وإنْ كانت النَّوازل خاصّةً ولكنها كثيرة" (5).
ونفى القرافي أن يكون أصلاً خاصاً بمذهب مالك فقال: " فليس سدُّ الذرائع خاصّاً بمالك رحمه الله بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدِّها مجمعٌ عليه" (6).--------------------------------------------
(1) إغاثة اللهفان: (1/ 361).
(2) ينظر: الإشارة في معرفة الأصول للباجي (314) ، شرح تنقيح الفصول للقرافي (353) ، الموافقات (5/ 188) ، نشر البنود (2/ 265).
(3) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 214) ،إعلام الموقعين (4/ 353) ، شرح الكوكب المنير (4/ 434)
(4) ينظر: الموافقات (4/ 68) و (5/ 185) ، شرح تنقيح الفصول للقرافي (353) ،شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 214) ،البحر المحيط للزركشي (6/ 82 - 83).
(5) الموافقات: (2/ 45).
(6) الفروق: (2/ 33).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
ونقل الزركشي عن القرطبي قوله: " وسدُّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه ، وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً" (1).
ومن أهم الأدلة على اعتبار قاعدة سدِّ الذرائع في الأحكام مايأتي:
أولاً: جاء الشرع بتحريم وسائل لاشكَّ في إباحتها لو تجرَّدت عما أفضت إليه، وقد تتجرَّد فترجع إلى أصل الإباحة، وانما حرَّمها الشارع، لعِلَّة إفضائها إلى مُحَرَّم ، ومن ذلك:
- قوله تعالى {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
فالله عز وجل حرّم سبَّ آلهة الكفار مع أنه عبادة، وعلَّل هذا المنع بكونه ذريعةً إلى سبِّهم له -جلَّ وعلا- فمصلحة تركهم سبّ الله - سبحانه - راجحةٌ على مصلحة سبِّنا لآلهتهم (2).
- تركُه صلى الله عليه وسلم قتلَ المنافقين، مع أنَّ في قتلهم مصلحةً كبيرة، وذلك لئلا يكون ذريعةً إلى قول الناس: "إنَّ محمداً يقتل أصحابه" (3) وهذا القول يوجب النفور عن الإسلام ، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل (4).
- قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "لولا قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لنقضتُ الكعبةَ فجعلت لها بابين، بابٌ يدخل منه الناس، وبابٌ يخرجون" (5).
فكان تركُه صلى الله عليه وسلم لذلك سدَّاً للذريعة؛ حتى لايوجب استنكار الناس، وربما أدّى ذلك إلى ارتداد بعض مَن دخل في الإسلام حديثاً.--------------------------------------------
(1) البحر المحيط: (6/ 82).
(2) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 265) ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/ 61) ، بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (256) ،إعلام الموقعين (5/ 5).
(3) سبق تخريجه: ( … 238).
(4) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (7/ 159) ،بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (257)، إعلام الموقعين (5/ 7).
(5) سبق تخريجه: (238).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
قال النووي: "إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدةٌ، وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم مصلحة، ولكن تُعارِضُه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوف فتنةِ بعضِ مَنْ أسْلَمَ قريباً؛ وذلك لِما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيماً ، فتركها صلى الله عليه وسلم" (1).
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُرَ فَهْمُ بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه" (2).
ثانياً: أنَّ الله عز وجل توعَّد بالعقاب من يحتال إلى الممنوع بفعلٍ جائز، فدلَّ ذلك على تحريم الفعل الجائز إذا كان يُتوسَّل به إلى ممنوع، وهذا هو عين سدِّ الذرائع (3).
ومن ذلك: أن الله - جل وعلا- ذمَّ أصحاب السبت؛ لأنهم احتالوا على ما حرَّمه عليهم من صيد الحيتان يوم السبت، وابتلاهم الله عز وجل بأن جعل الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرَّعاً، ولا تكون على هذه الحالة باقي الأيام، فاحتالوا على ذلك؛ بأن حفروا لها حفراً في البحر تحجزها ليسهل عليهم صيدها في باقي الأيام (4).
قال تَعَالَى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)} [الأعراف: 163].--------------------------------------------
(1) شرح صحيح مسلم: (9/ 89).
(2) صحيح البخاري: كتاب العلم ، باب رقم (48) ، حديث رقم (126).
(3) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 331) ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/ 307)، إعلام الموقعين …
(5/ 62 - 63).
(4) ينظر: جامع البيان للطبري (10/ 509 - 510) ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/ 493).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع.
يُعْتَبر دليل سدِّ الذرائع من أوثق الأدلة الشرعيَّة صِلةً بالاجتهاد في المناط ، وتظهر العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة ، من أهمها مايأتي:
أولاً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلفين (1).
وقاعدة سدَّ الذرائع راجعةٌ في الأصل إلى اعتبار المآل.
فالأصل في سدّ الذَّرائع هو النَّظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذُ الفعلُ حكماً يتفق مع ما يؤول إليه، سواءٌ أكان يقصد ذلك الذي آل إليه الفعل أو لا يقصده، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مقصدٍ مطلوبٍ شرعاً فهو مُعْتَبَر، وإنْ كان يؤدي إلى خلافه فهو غير مُعْتَبَر.
وقد بنى الشاطبي قاعدة سدّ الذَّرائع على قصد الشَّارع إلى النَّظر في مآلات الأفعال سواءٌ أكانت موافقةً أو مخالِفة؛ لأنَّ المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصَّادرة عن المكلّفين بالإقدام أو الإحجام إلَاّ بعد النَّظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل (2).
والفعل قد شُرِع إما لاستجلاب مصلحةٍ أو لدرء مفسدة ، ثم قد يكون له مآلٌ على خلاف ماقُصِد منه، فإذا أُطلق القول فيه بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدةٍ تساوي تلك المصلحة أو تزيد عليها (3).
والوسائل المشروعة في أصلها قد يترتَّب عليها في بعض الأحوال حصولُ مفسدةٍ إما قطعيةٌ أو راجحة ، فإذا كانت كذلك مَنَعَ المجتهدُ المكلَّفَ حينئذٍ من مباشرتها قولاً كانت أو فعلاً ، وسواءً قصد المكلَّفُ تلك المفسدة أو--------------------------------------------
(1) ينظر: (236 - 240).
(2) ينظر: الموافقات: (5/ 182).
(3) ينظر: الموافقات (5/ 177 - 178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
لم يقصدها ، وذلك عملاً بقاعدة سدِّ الذرائع في الأحكام ، وهي في الأصل نظرٌ في مآلات تلك الوسائل.
ومن الأمثلة على ذلك: مَنْعُ عمر رضي الله عنه بعضَ الصحابة من الزواج بالكتابيات مع إباحة الشرع لذلك بصريح الكتاب ،وهو قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5].
وذلك " حذراً من أن يقتدي بهم الناس في ذلك، فيزهدوا في المسلمات " (1).
فكان هذا التصرُّف الاجتهادي من عمر رضي الله عنه عملاً بقاعدة سدِّ الذرائع ، حيث نظر إلى ماسيؤول إليه الفعل من مفسدةٍ راجحةٍ لو بقي الأمر على ظاهر الإباحة ، فكان القول بمنعه في تلك الحالة أولى ، وهو من الاجتهاد في تحقيق المناط الذي من ضوابطه اعتبار مآلات الأفعال.
ثانياً: من ضوابط الاجتهاد في تحقيق المناط مراعاة مقاصد المكلَّفين في التصرُّفات (2).
ومن الذرائع التي يجب سدُّها ما قصد المكلَّف فيه بالمباح التحايُّلَ على مقصود الشارع ، فينتج عن ذلك مفسدةٌ راجحة.
وقد سبقت الإشارة إلى أن سدَّ الذرائع يشمل ما قصد المكلَّف فيه المفسدة وما لم يقصد ، وأن الحيل ما قصد المكلَّف فيه المفسدة بفعل المباح، وهي مخالَفةٌ للشرع أشنع من الأولى وأقبح عياذاً بالله.
قال ابن تيمية: "الذرائع حرَّمها الشارع وإن لم يقصد بها المُحَرَّم خشية إفضائها إلى المُحْرَّم، فإذا قصد بالشيء نفسَ المُحْرَّم كان أولى بالتحريم من الذرائع" (3).--------------------------------------------
(1) جامع البيان للطبري: (3/ 715).
(2) ينظر: (241 - 244).
(3) الفتاوى الكبرى: (6/ 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
وحقيقة الحيل: " تقديم عملٍ ظاهرِ الجواز لإبطال حُكْمٍ شرعيٍّ وتحويله في الظاهر إلى حُكْمٍ آخر، فمآل العمل فيها خَرْمُ قواعد الشريعة" (1).
وهي كلُّ ما تضمَّن إسقاط واجبٍ، أو استحلال محرَّمٍ، أو أدى إلى إظهار الحقِّ في صورة باطلٍ، أو إظهار الباطل في صورة حقٍّ.
قال ابن تيمية: "صارت - أي: الحيل- في عُرف الفقهاء إذا أُطلقت قُصِد بها الحيل التي يُستحلُّ بها المحارِم كحيل اليهود، وكلُّ حيلةٍ تضمَّنت إسقاط حقِّ الله، أو الآدمي، فهي تندرج فيما يُستحلُّ بها المحارِم، فإنَّ تَرْكَ الواجب من المحارِم" (2).
وقد استدل العلماء على تحريم الحيل بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة (3).
ولاريب "أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضةً ظاهرة، فإنَّ الشارع سدَّ الطريق إلى ذلك المحرَّم بكلِّ طريق، والمحتال يريد أن يتوسَّل إليه، ولهذا لما اعتبر الشارع في البيع والصَّرف والنكاح وغيرها شروطاً سدَّ ببعضها التذَّرع إلى الزِنا والرِّبا، وكمَّل بها مقصودَ العقود، لم يُمكِن المحتال الخروجَ عنها في الظاهر، فإذا أراد الاحتيال ببعض هذه العقود على ما منع الشارع منه أتى بها مع حيلةٍ أخرى توصِله بزعمه إلى نفس ذلك الشيء الذي سدَّ الشارع ذريعته، فلا يبقى لتلك الشروط التي تأتي بها فائدةٌ ولا حقيقة" (4).
والمكلَّف إذا احتال على الشرع لتحليل ماحرَّم الله ،أو لإسقاط ما أوجب الله ، كان مناقضاً لمصالح الشرع ،ساعياً في دين الله بالفساد.
قال ابن القيم: "الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضَّمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء--------------------------------------------
(1) الموافقات: (5/ 187).
(2) الفتاوى الكبرى: (6/ 106).
(3) ينظر في الأدلة على ذلك: بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (285 - 387) ، إعلام
… الموقعين (5/ 70 - 93).
(4) الفتاوى الكبرى: (6/ 181).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
الذي لابدَّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله، وإسقاط ما فرض الله، وتعطيل ما شرع الله، كان ساعياً في دين الله بالفساد من وجوه:
أحدها: إبطاله ما في الأمر المُحتال عليه من حكمة الشارع ،ونقض حكمته فيه، ومناقضته له.
والثاني: أن الأمر المُحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، بل هو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصوداً له، والمقصود له هو المُحْرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ فيما يقصد الشارع؛ فإن المُرابي مثلاً مقصوده الرِّبا المُحْرَّم، وصورة البيع الجائز غير مقصودةٍ له، وكذلك المتحيل على إسقاط الفرائض بتمليك مالِه لمن لا يهبه درهماً واحداً حقيقةُ مقصودِه إسقاطُ الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودةٍ له.
الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم، وإلى شريعته التي هي غذاء القلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلاً تحيَّل حتى قَلَبَ الغذاء والدواء إلى ضدِّه، فجعل الغذاءَ دواءً والدواءَ غذاءً، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته لأهلك الناس، فمن عمد إلى الأدوية المُسهِلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس، أو عمد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها وصورتها وجعلها أدوية، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها وصورها؛ كان ساعياً بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساعٍ بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصورها" (1).
ولهذا اعتبر الشاطبي الضابط في الحيل المْحُرَّمَة ماعاد على مقاصد الشرع بالنقض والهدم فقال "فالحيل التي تقدَّم إبطالها وذمُّها والنهي عنها: ما هدم أصلاً شرعياً وناقض مصلحةً شرعية" (2).--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (5/ 101 - 102).
(2) الموافقات: (3/ 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
ومن الأمثلة على ذلك: من كان في يده نصاب زكاةٍ فباعَه أو وهبَه قبل تمام الحول، ثم استردَّه، فهذه حيلةٌ مُحَرَّمَةٌ باطلة، ولا يُسْقِط ذلك عنه فرضَ الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيَّعه وأهمله، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مَكْرٌ وخِداعٌ لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة (1).
فالمجتهد في هذه الصورة اعتبر مقصود المكلَّف من تصرُّفه وتحايله على ما أوجب الله في ماله من الزكاة لإسقاطه ، فأبطل تصرُّفه ولم يُبْرِأ ذمَّتَه من الواجب الذي في مالِه؛ لأنه كان يتذرَّع بذلك الفعل لإسقاط الزكاة الواجبة عليه في ذلك المال، وهو من صور الاجتهاد في تحقيق المناط الذي من ضوابطه مراعاة مقاصد المكلَّفين في التصرُّفات سدَّاً للذرائع المفضية إلى تعطيل مقاصد الشرع في الأحكام.
قال الشاطبي: " لما ثبت أن الأحكام شُرِعت لمصالح العباد كانت الأعمال مُعْتَبَرةً بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبيَّن، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافِقاً والمصلحة مخالِفة؛ فالفعل غير صحيحٍ وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعيَّة ليست مقصودةً لأنفسها، وإنما قُصِد بها أمورٌ أُخَر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات" (2).
ثالثاً: قد يتفق المجتهدون على العمل بقاعدة سدِّ الذرائع، ولكن يختلفون في تحقيق مناط هذه القاعدة في بعض الصور والجزئيات الحادثة التي قد لا يظهر فيها رجحان المصالح أو المفاسد بشكلٍ جلي ، وهو من أكثر صور الاختلاف بين المجتهدين في النوازل والمستجدات.
وتوضيح ذلك أن الذرائع منها ما يتبيَّن للمجتهد إفضاؤها للمفسدة غالباً ،--------------------------------------------
(1) ينظر: إعلام الموقعين (5/ 195).
(2) الموافقات: (3/ 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)