واجترءوا عليها، فقال له علي- رضي الله عنه: إن السكران إذا سَكَرَ هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حدَّ الفرية، فجعله عمر حدَّ الفرية ثمانين (1).
ولما" كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره" (2) ، عُدَّ قياسهم فيما لانصَّ فيه على ما فيه نصٌّ دليلاً من أقوى الأدلة على اعتبار القياس أصلاً من أصول أحكام الشرع (3).
قال ابن السمعاني: " واعلم أن الاحتجاج بإجماع الصحابة دليلٌ في نهاية الاعتماد، وهو مما يقطع العذر، ويزيح الشبهة، فليكن به التمسُّك" (4).
وقد فتحوا بذلك التصرُّف الاجتهادي رضي الله عنهم باباً للعلماء من أعظم أبواب الاجتهاد في الشريعة.
قال ابن القيم: " فالصحابة رضي الله عنهم مثِّلوا الوقائع بنظائرها، وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعضٍ في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبيَّنوا لهم سبيله" (5).
ولما كان الاجتهاد في الشرعيات يستند إلى الظنِّ الراجح ، كان الاستناد في الظنِّيات إلى قول الصحابي الذي لم يشتهر، ولم يُعْلَم له مخالفٌ أقوى في الرجحان من غيره.
قال ابن القيم: " من تأمل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية، وتدَّرب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سبلها ذللاً، وارتوى من مواردها عِللاً ونَهْلا، علم قطعاً أن كثيراً منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهرٍ مراد، أو قياسٍ صحيحٍ ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها الظواهر والأقيسة على وجهٍ يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى--------------------------------------------
(1) ينظر: إعلام الموقعين: (2/ 373 - 375).
(2) إعلام الموقعين: (2/ 354).
(3) ينظر: إعلام الموقعين (2/ 367 - 377).
(4) قواطع الأدلة: (4/ 53).
(5) إعلام الموقعين: (2/ 383).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
لا يبقى للظنِّ رجحانٌ بيَّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول، وأوفرها فإذا تلدَّدوا وتوقفوا، ولم يتقدموا، ولم يتأخروا لم يكن ذلك في المسألة طريقةٌ واضحةٌ ولا حُجَّةٌ لائحة؛ فإذا وُجِد فيها قولٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم والذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسُنَّة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة مَنْ بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدِّين كان الظنُّ والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم من أقوى الظنون، وهو أقوى من الظنِّ المستفاد من كثيرٍ من الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقلٌ مُنْصِفٌ، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأي سواه، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظنٌّ راجحٌ ولو استند إلى استصحابٍ أو قياس عِلَّةٍ أو دلالةٍ أو شَبَهٍ أو عمومٍ مخصوصٍ أو محفوظٍ مُطْلَق أو واردٍ على سبب؛ فلا شكَّ أن الظنَّ الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يُخالَف أرجح من كثيرٍ من الظنون " (1).
فإذا ثبت عن الصحابي قولٌ أو عملٌ في مسألةٍ شرعيَّة ، ولم يشتهر ، ولم يُعْلَم له مخالِفٌ من الصحابة كان حُجَّةً تُقدَّم على ما سواها من وجوه الاجتهاد الأخرى الصادرة عن غير الصحابة.
وقد ذكر الشافعي أن هذه الصورة قليلة الوقوع في الأحكام الشرعيَّة ، فقال: " وقلَّ ما يُوجَد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيرُه " (2).
وذلك لأن أكثر أقاويل الصحابة إما أن يثبت اشتهارها ولا تُسْتَنْكَر: فتكون من قبيل الإجماع السكوتي ، أو تُسْتَنْكَر: فيقع الاختلاف فيها ، وتكون موضع اجتهادٍ لايختصُّ به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين.
قال الشاطبي: " فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات؛ فالعمل عليه صواب، وهذا إن لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (6/ 17 - 18).
(2) الرسالة: (596).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
خلافٌ في المسألة، فإن خالف بعضهم؛ فالمسألة اجتهادية" (1).
وقال: " أما إذا عُلِم أن الموضع موضع اجتهادٍ لا يفتقر إلى ذينك الأمرين؛ فهم ومَنْ سواهم فيه شَرَعَ سواء؛ كمسألة العَوْل، والوضوء من النوم، وكثيرٍ من مسائل الرِّبا التي قال فيها عمر بن الخطاب: "مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيِّن لنا آية الرِّبا؛ فدعوا الرِّبا والريبة" (2)، أو كما قال؛ فمثل هذه المسائل موضع اجتهادٍ للجميع لا يختصُّ به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين" (3).
والصحابي في مذهبه قد يستند إلى القياس ،أو المصلحة المرسلة، أو العُرْف، أو سدِّ الذرائع ،ونحو ذلك من طرق الاجتهاد الأخرى ، والذي يخصُّ هذا الموضع من البحث هو مذهب الصحابي الذي استند فيه إلى القياس.
ثانياً: قول الصحابي يُعْتَبر من مسالك تحقيق المناط كما تقدَّم (4) ،فقد يدلَّ قول الصحابي على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
ثالثاً: قول الصحابي إذا ثبت فإنه مقدَّمٌ على العمل بالأقيسة؛ لأن قول الصحابي أعلى في الرتبة من القياس ، والأخذ بأقوى الدليلين متعيِّن (5).
قال الشافعي: " العلم طبقاتٌ شتى ، الأولى: الكتاب والسُّنَّة إذا ثبتت السُّنَّة ، ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتابٌ ولا سُنَّة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قولاً، ولا نعلم له مخالفاً منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والخامسة: القياس على بعض الطبقات، ولا يُصَار إلى شيءٍ غير الكتاب والسُّنَّة وهما موجودان، وإنما يؤخذ العلم من أعلى" (6).--------------------------------------------
(1) الموافقات: (4/ 128).
(2) أخرجه أحمد في "مسنده" (1/ 36) ، وابن ماجه في "سننه"،كتاب التجارات ، باب التغليظ في الرِّبا،
رقم (2276).
(3) الموافقات: (4/ 134).
(4) ينظر: (265).
(5) ينظر: أصول السرخسي (2/ 110 - 111) ،إعلام الموقعين (6/ 39 - 40).
(6) الأم: (7/ 280).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
وبهذا يتبيَّن أن الشافعي يقدِّم قول الصحابي الذي لايُعلَم له مخالف - سواءٌ اشتهر أو لم يشتهر - على العمل بالقياس.
وذكر ابن القيم أن الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد فتاويه خمسة وهي: (1)
أحدها: النصوص، فإذا وجد النصُّ أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ، ولا مَنْ خالفه كائناً من كان.
الثاني: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وُجِد لبعضهم فتوى لا يُعرَف له مخالفٌ منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها.
الثالث: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسُّنَّة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبيَّن له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
الرابع: الأخذ بالمُرْسَل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيءٌ يدفعه، وهو الذي رجَّحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ،ولا المنكر، ولا ما في روايته متَّهَم، بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسمٌ من أقسام الحَسَن، ولم يكن يقسِّم الحديث إلى صحيحٍ وحسَن وضعيف، بل إلى صحيحٍ وضعيف، والضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعَ على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس.
الخامس: القياس ، فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصٌّ ولا قول الصحابة، أو واحدٌ منهم ، ولا أثرٌ مُرْسَل ، أو ضعيف ، عَدَلَ إلى القياس.
وبهذا يتبيَّن أن الإمام أحمد كذلك يقدِّم قولَ الصحابي الذي لم يُعلَم له مخالف
-سواء اشتهر أو لم يشتهر- على القياس.
وإن عضده القياس ولو كان ضعيفاً فأولى أن يؤخذ به حتى عند القائلين بعدم حجِّية قول الصحابي (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: إعلام الموقعين (2/ 50 - 60).
(2) ينظر: الفقيه والمتفقه (1/ 525).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
قال الغزالي: "فإن لم يكن -أي: قول الصحابي- حُجَّةً فلا يبعد أن يقوى القياس به في ظنِّ مجتهد، إذ يقول إن كان ما قاله عن توقيفٍ فهو أولى، وإن كان قال ما قاله عن ظنٍّ وقياسٍ فهو أولى بفهم مقاصد الشرع مِنّا" (1).
رابعاً: قول الصحابي إذا ثبت ولم يُعلَم له مخالفٌ فإنه يخصِّص العموم الوارد في الكتاب والسُّنَّة (2).
والمراد: أن يَرِد نصٌّ عامٌّ في الكتاب أو السُّنَّة، فيخصّه الصحابي ببعض أفراده، سواءٌ كان هو الراوي في حال كونه خبراً، أو لم يكن هو راوي ذلك الخبر (3).
فمثال الأول حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه" (4) ،فإنَّ لفظ "مَنْ "عامٌّ يشمل المذكَّر والمؤنث ،وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في النساء إذا ارتددن عن الإسلام: "يُحبَسَنَّ ولا يُقتَلنَ"، فخصَّ الحديث بالرِّجال (5).
ومثال الثاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم صدقةٌ في عبده ولا في فرسه" (6).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه تخصيص الخيل بما يُغْزَى عليه في سبيل الله ،فأما غيرها ففيها الزكاة ، وعن عثمان رضي الله عنه تخصيصه أيضاً بالسائمة، وعن عمر رضي الله عنه نحوه أيضاً (7).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (3/ 330).
(2) ينظر في المسألة: المستصفى (3/ 330).
(3) ينظر: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (84) ، البحر المحيط للزركشي (3/ 398).
(4) أخرجه البخاري في "صحيحه"،كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، رقم (6922).
(5) ينظر: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (84) ، البحر المحيط للزركشي (3/ 399 - 400).
(6) أخرجه البخاري في "صحيحه"،كتاب الزكاة ، باب ليس على المسلم في عبده صدقةٌ، رقم (1464) ،
وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الزكاة، باب لازكاة على المسلم في عبده وفرسه، رقم (982).
(7) ينظر: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (85) ، البحر المحيط للزركشي (3/ 398).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية (1)، والحنابلة (2).
واستدلوا على ذلك بأدلةٍ ، منها:
الأول: أن قول الصحابي مقدمٌ على القياس، بدليل أنه يُترك له القياس؛ وإذا كان القياس يخصِّص العموم؛ فقول الصحابي أولى وأحرى (3).
الثاني: أن قول الصحابي يستلزم دليلاً، وإلا لكان مخالفاً لظاهر العموم من غير دليل، فيكون فاسقاً، وهو باطلٌ بالاتفاق، وحينئذٍ يكون التخصيص بدليل ، فيكون قول الصحابي مخصِّصاً للعموم (4).
وتخصيص العموم بقول الصحابي يتخرَّج على القول بأن مذهبه حُجَّة ، وإذا كان كذلك لم يَحْتَجْ إلى نصب استدلالٍ عليه لظهور المُدْرَك (5).
خامساً: قول الصحابي إذا ثبت ولم يُعلَم له مخالفٌ فإنه يقيِّد المُطْلَق الوارد في الكتاب والسُّنَّة (6).
والمراد: أن يرد نصٌّ مُطْلَق في الكتاب أو السُّنَّة ،فيقيِّده الصحابي ببعض أفراده، سواءٌ كان هو الراوي في حال كونه خبراً، أو لم يكن هو راوي ذلك الخبر.
و"التقيِّيد والإطلاق أمران اعتباريان، فقد يكون المقيِّد مُطْلَقاً بالنسبة إلى قيدٍ آخر، كالرقبة مقيَّدةٌ بالمِلك مُطْلَقَةٌ بالنسبة إلى الأَيمان، وقد يكون المُطْلَق مقيَّداً ،كالرقبة مُطْلَقَةٌ وهي مقيَّدةٌ بالرِّق، والحاصل أن كلَّ حقيقةٍ اعتُبِرت من حيث هي هي فهي مُطْلَقَةٌ، وإن اعتُبِرت مضافةٌ إلى غيرها فهي مقيَّدة" (7).--------------------------------------------
(1) ينظر: تيسير التحرير (1/ 326) ،فواتح الرحموت (1/ 372).
(2) ينظر: العدة (2/ 579) ، التمهيد للكلوذاني (2/ 119) ، البحر المحيط للزركشي (3/ 400).
(3) ينظر: العدة (2/ 579) ، التمهيد للكلوذاني (2/ 120).
(4) ينظر: شرح تنقيح الفصول (172) ،بيان المختصر للأصفهاني (2/ 333) ، الإبهاج (2/ 193) ،فواتح
الرحموت (1/ 372).
(5) ينظر: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (87).
(6) ينظر: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (87) ،شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 48 -
49) ، التقرير والتحبير (2/ 266) ، تيسير التحرير (3/ 73) ، شرح الكوكب المنير (3/ 395) ، نشر
البنود (1/ 266).
(7) شرح تنقيح الفصول للقرافي: (266).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
و"ضابط الإطلاق أنك تقتصر على مُسمَّى اللفظة المفردة، نحو رقبة ،أو إنسان، أو حيوان، ونحو ذلك من الألفاظ المفردة، فهذه كلها مُطْلَقَات، ومتى زدتَ على مدلول اللفظة مدلولاً آخر بلفظٍ أو بغير لفظٍ صار مقيَّداً ،كقولك: رقبةٌ مؤمنة، أو إنسانٌ صالح، أو حيوانٌ ناطق، وهذه المُطْلَقَات هي في أنفسها مقيَّداتٌ إذا أُخذت مسمياتها بالنسبة إلى ألفاظٍ أُخَر، فإن الرقبة هي إنسانٌ مملوكٌ وهذا مقيَّد، والإنسان حيوانٌ ناطقٌ وهذا مقيَّد، والحيوان جسمٌ حسّاسٌ وهذا مقيَّد، فصار التقيِّيد والإطلاق أمرين نسبيين بحسب ما يُنسب إليه من الألفاظ، فرُبَّ مُطْلَق مقيَّد، ورُبَّ مُقيَّدٍ مُطلَق" (1).
والكلام في تقييد المُطْلَق بقول الصحابي كالكلام المتقدِّم آنفاً في تخصيص العموم بقول الصحابي وفاقاً، وخلافاً، واستدلالاً.
قال العلائي: " وأما تقييد الصحابي الخبرَ المُطْلَق فهو كتخصيصه العامَّ من غير فرق، وذلك ظاهر" (2).
وقال ابن النجَّار الفتوحي: " وهما - أي: المُطْلَق والمقيَّد- كعامٍّ وخاصٍّ فيما ذُكِر من تخصيص العموم من مُتَفَقٍ عليه ومُختلَفٍ فيه ومختارٍ من الخلاف ، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسُّنَّة، وتقييد السُّنَّة بالسُّنَّة وبالكتاب، وتقييد الكتاب والسُنَّة بالقياس، ومفهوم الموافقة والمخالفة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره، ومذهب الصحابي ونحو ذلك، على الأصح في الجميع" (3).
سادسأً: إذا تعارضت عِلَّتان وكان مع إحداهما قولٌ لصحابي ترجحت العِلَّة التي تتفق مع قول الصحابي على العِلَّة الأخرى.
لأن قول الصحابي يصدر عن تعليله في مسائل الاجتهاد ، وعِلَّته أقوى من عِلَّة غيره؛ لأنه شهد التنزيل، وعرف التأويل ، فهو أعلم بتعليل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومواقع كلامه (4).--------------------------------------------
(1) شرح تنقيح الفصول للقرافي: (266).
(2) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة: (87).
(3) شرح الكوكب المنير: (3/ 395).
(4) ينظر: التمهيد للكلوذاني (4/ 228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
المبحث الرابع
علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان ، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الاستحسان لغةً، واصطلاحاً.
الاستحسان لغةً هو: عدُّ الشيء حسناً، حِسيِّاً كان أو معنوياً، وهو استفعالٌ من الحُسْن ، والحُسْن ضد القُبْح (1).
والاستحسان اصطلاحاً هو: العدول بحُكْم المسألة عن نظائرها لدليلٍ شرعيٍّ خاصٍّ يقتضي العدول عن الحُكْم الأول فيه إلى الثاني (2).
وهو"أجود تعريفٍ للاستحسان" (3) ، و"أحسَنُ ما قيل في تفسيره" (4)؛ لأنه يبين حقيقة الاستحسان الشرعي ، ويجمع الأنواع المندرجة تحته.
وله تعريفاتٌ أخرى ذكرها الأصوليون ، وهي إما أن تكون خارج محلِّ--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (5/ 2099) ، معجم مقاييس اللغة (2/ 57) ، لسان العرب (13/ 114 - 117) ، تاج العروس (34/ 418 - 423) مادة" ح س ن".
(2) ينظر: المستصفى (2/ 476) ، الإحكام (4/ 193) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 197) ،نهاية السول (4/ 400) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 91)، شرح الكوكب المنير (4/ 431).
(3) شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 197).
(4) البحر المحيط: (6/ 91).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
النزاع، أو تكون غير جامعةٍ لأنواع الاستحسان المُعْتَبرة (1).
والاستحسان بمعناه المتقدِّم له عدة أنواعٍ منها:
النوع الأول: الاستحسان بالنصِّ.
وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس لدليلٍ من الكتاب أو السُّنة.
ومثاله: جواز السَّلَم ، فالقياس يأبى جوازه باعتبار أن المعقود عليه معدومٌ عند العقد، لكنه تُرِك بالنصِّ (2).
وهو الرخصة الثابتة بقوله صلى الله عليه وسلم: " من أسلم في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلوم " (3).
النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع.
وهو أن يُترك العمل بمقتضى القياس لدليل الإجماع.
ومثاله: الاستصناع ، فالقياس يأبى جوازه؛ لأنه بيعٌ لمعدومٍ كالسَّلَم، بل هو أبعد جوازاً من السَّلم؛ لأن المُسْلَم فيه تحتمله الذِّمَّة لأنه دينٌ حقيقة ،والمُسْتَصْنَع عينٌ توجد في الثاني، والأعيان لا تحتملها الذِّمَّة ، فكان جواز هذا العقد أبعد عن القياس ، لكنه جاز؛ لأن الناس تعاملوا به في سائر الأمصار من غير نكيرٍ، فكان إجماعاً منهم على الجواز، فيُترَك القياس (4).
النوع الثالث: الاستحسان بالضرورة.
وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس لدليل الضرورة.--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (2/ 467 - 476) ، كشف الأسرار (4/ 3) ،شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 288) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 90 - 93) ، إرشاد الفحول (2/ 985 - 986).
(2) ينظر: أصول السرخسي (2/ 203) ،شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 199) ،كشف الأسرار (4/ 5) ، التقرير والتحبير (3/ 222) ، فواتح الرحموت (2/ 373 - 374).
(3) أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب السلم ،باب السلم في كيلٍ معلوم، رقم (2239) ،وأخرجه مسلم في "صحيحه"،كتاب المساقاة ، باب السلم، رقم (1604).
(4) ينظر: أصول السرخسي (2/ 203) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 199) ، كشف الأسرار (4/ 5) ، التقرير والتحبير (3/ 222) ، فواتح الرحموت (2/ 374).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
ومثاله: الحُكْم بطهارة الآبار والحياض بعدما تنجَّست، فإن القياس يأبى جوازه؛ لأن ما يَرِد عليه النجاسة يتنجَّس بملاقاته ، لكن حُكِم بطهارتها للضرورة المُحْوِجة إلى ذلك لعامَّة الناس، والحرج مدفوعٌ بالنصّ (1).
النوع الرابع: استحسان القياس الخفي.
وهو أن يُترَك العمل بمقتضى القياس الجلي لقياسٍ خفيٍّ قوي الأثر.
ومثاله: القياس المُستَحسَن في سؤر سباع الطير، فالقياس فيه النجاسة؛ اعتباراً بسؤر سباع الوحش، بعِلَّة حُرْمَة التناول، وفي الاستحسان لا يكون نجساً؛ لأن السباع غير مُحَرَّمٍ الانتفاع بها ،فعرفنا أن عينها ليست بنجسة، وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش باعتبار حُرْمَة الأكل؛ لأنها تشرب بلسانها وهو رطبٌ من لعابها ،ولعابها يتجلب من لحمها، وهذا لا يوجد في سباع الطير؛ لأنها تأخذ الماء بمنقارها ، ثم تبتلعه ، ومنقارها عظمٌ جافٌّ ، والعظم لا يكون نجساً من الميت، فكيف يكون نجساً من الحي، وتأيد هذا بالعِلَّة المنصوص عليها في الهِرَّة، فإن معنى البلوى يتحقَّق في سؤر سباع الطير؛ لأنها تَنْقَضُّ من الهواء، ولا يمكن صون الأواني عنها ،خصوصاً في الصحارى (2).
المطلب الثاني: حُجِّية الاستحسان.
الاستحسان بمعناه المتقدِّم المستندِ إلى دليلٍ معتبرٍ شرعاً مقبولٌ عند الأصوليين كافّة من حيث الجملة ، وإن اختلفوا في تسميته بالاستحسان ، واعتباره دليلاً مستقلاً بذاته.--------------------------------------------
(1) ينظر: أصول السرخسي (2/ 203) ،شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 199) ، كشف الأسرار (4/ 6) ، التقرير والتحبير (3/ 222) ، فواتح الرحموت (2/ 374).
(2) ينظر: أصول السرخسي (2/ 204) ،شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 200 - 201) ،المحصول لابن
العربي (131) ، كشف الأسرار (4/ 6) ، التقرير والتحبير (3/ 223) ، فواتح الرحموت (2/ 375).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
وقد ذهب إلى القول به، واعتباره دليلاً مستقلاً بذاته: الحنفية، والمالكية ، والحنابلة (1).
واستنكره الشافعية ،وشنَّعوا على القائلين به ، باعتبار أنه عملٌ بلا دليل (2).
وإذا تحرَّر معنى الاستحسان المُعتبَر عند القائلين به لم يَعُد استنكار الشافعية وتشنيعهم في محلِّه؛ لأن الكلَّ متفقٌ على العدول عن القياس بالنصِّ والإجماع والضرورة ، كما إنهم متفقون على عدم شرعيَّة الاستحسان بمجرَّد الرأي والهوى.
وعليه فلا خلاف بين الأصوليين في حُجيِّة الاستحسان بالنصِّ، أو الإجماع، أو الضرورة؛ لأنه بالاتفاق يُترَك القياس بهذه الأمور الثلاثة ، وإن اختلفوا في تسمية ذلك بالاستحسان.
قال الغزالي تعقيباً على ماذكره من أمثلة الحنفية في العدول بالمسألة عن حُكْم نظائرها بدليل الكتاب والسُّنَّة: " وهذا مما لا يُنْكَر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ ، وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحساناً من بين سائر الأدلة" (3).
وذكر الآمدي أن تفسير الاستحسان بالرجوع عن حُكْم دليلٍ خاصٍّ إلى مقابله بدليلٍ طارئٍ عليه أقوى منه ، من نصٍّ أو إجماعٍ أو غيره ، لا نزاع في صحة الاحتجاج به، وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان ، فحاصل النزاع راجعٌ فيه إلى الإطلاقات اللفظية، ولا حاصل له (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: أصول السرخسي (2/ 201 - 202) ، العدة (5/ 1604) ،روضة الناظر ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 197) ،شرح تنقيح الفصول (355) ، المحصول لابن العربي (131) ، كشف الأسرار (4/ 2 - 3) ، شرح الكوكب المنير (4/ 427).
(2) ينظر: الرسالة (504) المستصفى (2/ 467) ، المحصول (6/ 126) ، الإحكام (4/ 190 - 191) ، نهاية السول (4/ 399) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 87) ، إرشاد الفحول (2/ 986).
(3) ينظر: المستصفى (2/ 477).
(4) ينظر: الإحكام (4/ 193 - 194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
وإن كان الاستحسان تركاً لقياسٍ جليٍّ في مقابل قياسٍ خفيٍّ أدقَ منه، فهو محلُّ اتفاقٍ أيضاً؛ لأنه تَرْكُ قياسٍ مرجوحٍ إلى قياسٍ راجح، فليس فيه خروجٌ على القياس ، وإن اختلفوا في تسمية ذلك بالاستحسان.
والاختلاف في إطلاق مُسمَّى الاستحسان على تلك المعاني راجعٌ إلى الاصطلاح ، ولامشاحة في الاصطلاح.
ولهذا قال ابن الحاجب: " ولا يتحقَّق استحسانٌ مختلَفٌ فيه" (1).
وقال ابن السُّبكي: " وقد ذُكِر للاستحسان تفاسيرُ أُخر مزيفةٌ لا نرى التطويل بذكرها، وحاصلها يرجع إلى أنه لا يتحقَّق استحسانٌ مختلَفٌ فيه" (2).
وقال الأصفهاني بعد مناقشته الاختلافَ في تعريف الاستحسان: " فقد ثبت أن الاستحسان في الصور التي ذكرناها مما لا نزاع فيه" (3).
وقال المحلِّي: " فلم يتحقَّق معنىً للاستحسان مما ذُكِر يصلح محلّاً للنزاع" (4).
وخلاصة القول في الكلام عن حُجِّية الاستحسان أنه" لما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان، مع أنه قد يُطلَق لغةً على ما يهواه الإنسان ويميل إليه ،وإن كان مستقبَحاً عند الغير ،وكثُر استعماله في مقابلة القياس على الإطلاق ،كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسَناً حتى يتبين المراد منه؛ إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يُعرَف معناه، وبعدما استقرت الآراء على أنه اسمٌ لدليلٍ متفقٍ عليه - نصَّاً كان أو إجماعاً أو قياساً خفيِّاً- إذا وقع في مقابلة قياسٍ تسبق إليه الأفهام ، حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة ، فهو حُجَّةٌ عند الجميع من غير تصوُّر خلاف، ثم إنه غلب في اصطلاح الأصول على القياس الخفي خاصّة ، كما غلب اسم القياس على القياس الجلي؛ تمييزاً بين القياسين " (5).--------------------------------------------
(1) مختصر ابن الحاجب: (2/ 1192).
(2) الإبهاج: (3/ 190).
(3) بيان المختصر: (3/ 283 - 284).
(4) شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني: (2/ 353).
(5) شرح التلويح على التوضيح: (2/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان في جوانب عديدة، من أهمها ما يأتي:
أولاً: قد يكون المناط متحقِّقاً ظاهراً في فرعٍ ، والقياس يوجب الحُكْمَ به ، إلا أنه قد ثبت بدليلٍ آخر ما يقتضي العدول عن موجِب ذلك القياس إلى موجِب ذلك الدليل.
وهذا الدليل قد يكون نصَّاً من الكتاب أو السُّنَّة، وقد يكون إجماعاً ، وقد يكون الضرورة ، وقد يكون المصلحة، وقد يكون العُرْف ، كما تقدَّم (1).
فإذا ثبت ذلك الدليل عند المجتهد قَطَعَ المسألةَ - حينئذٍ - عن نظائرها ، وأجرى عليها حكماً خاصَّاً بها؛ لأن مناط الحُكْم فيها غير متحقِّقٍ في نظائرها.
ومن الأمثلة على ذلك: جواز قبول الشهادة بالسماع ممن يُوثَق بخبره في النَّسَب والموت والنكاح والدَّخول ، وذلك للضرورة ، بينما القياس يقتضي عدم جواز قبول شهادة الشاهد مالم يعاين المشهود به ، ولكن لو لم تقبل الشهادة فيها بالسماع لأدَّى ذلك إلى الضيق والحرج الشديد في أحكامٍ تمسُّ أكثرَ الناس (2).
ثانياً: من ضوابط تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد كما تقدم (3) ، والاستحسان في أصله الأخذ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابلة دليلٍ كلي.
قال الشاطبي: "ومقتضاه -أي: الاستحسان- الرجوع إلى تقديم الاستدلال المُرْسَل على القياس، فإن من استحسَن لم يرجع إلى مجرَّد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك--------------------------------------------
(1) ينظر: (365 - 367).
(2) ينظر: الهداية للمرغيناني (3/ 120).
(3) ينظر: (245 - 256).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
الأشياء المفروضة، كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمراً، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحةٍ من جهةٍ أخرى، أو جلب مفسدةِ كذلك .. " (1).
لذا كان من اللازم على المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام أن يراعي تحصيل أعلى المصالح ودرء أعظم المفاسد في كلِّ مسألةٍ على جهة الخصوص ، وقد يستلزم ذلك الأخذ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابل القياس.
قال ابن رشد (2): " ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة، والعدل" (3).
ومن الأمثلة على ذلك: جواز الاطلاع على العورات في التداوي ، مع وجوب التحرُّز قدر الإمكان ، وذلك لمصلحة الحفاظ على النفس، ودرء مفسدةٍ أعظم ، وهي تلف العضو أو فوات الروح ، وهو أخذٌ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابل أصلٍ كليٍّ يمنع من الاطلاع على العورات (4).
قال السرخسي: " المرأة عورةٌ مستورة، ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة ،فكان ذلك استحساناً؛ لكونه أرفق بالناس" (5).
وقال ابن عبد السلام: " ستر العورات والسوآت واجب، وهو من أفضل المروآت، وأجمل العادات، ولا سيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات" (6).
وهذا الاستثناء من الأصل جارٍ على طريقة الشرع في الترخيصات التي يتحقق فيها تحصيل أعلى المصالح ودرء أشدِّ المفاسد.
قال ابن عبدالسلام: " اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل--------------------------------------------
(1) الموافقات: (5/ 193).
(2) هو: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، الشهير بابن رشد الحفيد، تولى القضاء في قرطبة، وهو من أعيان المالكية، من مؤلفاته: فِصَل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال (ط)، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد (ط)، توفي سنة (595 هـ).
ينظر في ترجمته: الديباج المذهب (284)، شجرة النور الزكية (146)، الأعلام للزركلي (5/ 318).
(3) بداية المجتهد: (3/ 201)
(4) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 31) ، الموافقات (5/ 195) ،تكملة المجموع للنووي (15/ 17) ، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (4/ 17).
(5) المبسوط: (10/ 145).
(6) قواعد الأحكام: (2/ 286).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
مصالح عاجلةٍ وآجلةٍ تجمع كلُّ قاعدةٍ منها عِلَّةً واحدة، ثم استثنى منها ما في ملابسته مشقةٌ شديدةٌ أو مفسدةٌ تُربي على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء مفاسد في الدارين أو في أحدهما تجمع كلُّ قاعدةٍ منها عِلَّةً واحدة، ثم استثنى منها ما في اجتنابه مشقةٌ شديدةٌ أو مصلحةٌ تُربي على تلك المفاسد، وكلُّ ذلك رحمةٌ بعباده ونظر لهم ورفق، ويُعبَّر عن ذلك كلِّه بما خالف القياس، وذلك جارٍ في العبادات والمعاوضات وسائر التصرُّفات" (1).
ويتأكد العمل بهذا التصرُّف الاجتهادي فيما إذا لم يوجد نصٌّ ظاهرٌ في المسألة ، أو اعتمد النظر فيها على العلل المُستنْبَطة، فاطِّراد القياس في تلك الواقعات يُلْحِق الضرر والعنت بالمكلفين ، ويوقع المشقة البالغة عليهم، والاستحسان المُعْتبَر شرعاً يستلزم العدول عن ذلك القياس؛ رفعاً للحرج ، ودفعاً للمشقة.
قال السرخسي في توجيه ترك القياس في مسألة تطهير الآبار التي تقع فيها النجاسة: " تركناه للضرورة المُحْوِجة إلى ذلك لعامَّة الناس، فإن الحرج مدفوعٌ بالنصّ ،وفي موضع الضرورة يتحقَّق معنى الحرج لو أُخِذ فيه بالقياس ،فكان متروكاً بالنصّ" (2).
ثالثاً: من أظهر صور الاجتهاد في المناط الاجتهادُ في العلل القياسية ، وذلك لإلحاق الفروع بالأصول في الأحكام، ومن أدقِّ أنواع الاستحسان ترك القياس الجلي ، والأخذ بالقياس الخفي ، وذلك لقوة العِلَّة وثبوتها فيه.
وترجع حقيقته إلى الترجيح بين الأقيسة عند تَعَدُّدِ وجوه القياس وتعارضها في الواقعة الواحدة.
وبهذا فإن الاستحسان في بعض أنواعه قياسٌ خفيٌّ وقع في مقابلة القياس الظاهر ، وقد أُخِذ بالقياس الخفي لقوة أثره وصلاحيته (3).--------------------------------------------
(1) قواعد الأحكام: (2/ 283).
(2) أصول السرخسي: (2/ 203).
(3) ينظر: أصول السرخسي (2/ 204) ، كشف الأسرار (4/ 6) ، التقرير والتحبير (3/ 223) ، فواتح الرحموت (2/ 375).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
ومثاله: حُكْم سؤر سباع الطير يتجاذبه قياسان ، أحدهما جلي ، والآخر خفي، فمقتضى القياس الجلي الحُكْم بنجاسته قياساً على سؤر البهائم ، وسؤر البهائم نجسٌ لمخالطة لعابها الماء ، ولعابها متولِّدٌ من اللحم فيأخذ حكمه في النجاسة ، فيكون سؤرها نجساً، فيقاس عليه سؤر سباع الطير بجامع أن كلاً منهما لعابه نجس ،لأن كلاً منهما متولِّدٌ عن اللحم النجس.
ومقتضى القياس الخفي الحُكْم بطهارته ، لأنها تشرب بمنقارها على سبيل الأخذ ثم الابتلاع ، والمنقار طاهر؛ لأنه جافٌّ ليس فيه رطوبةٌ فلايتنجس الماء بمخالطة اللُّعاب ، فيكون سؤرها طاهراً قياساً على الآدمي ، لعدم وجود العِلَّة الموجِبة للنجاسة ،وهي الرطوبة النَّجِسة في المنقار (1).
وبهذا يترجح القياس الخفي على القياس الجلي ، لقوة العِلَّة وثبوتها فيه.
وتسميةُ أحد القياسين استحسانًا تمييزٌ له عن الآخر؛ لرجحانه عليه.
قال السرخسي: " فسمّوا ذلك استحساناً للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل، على معنى أنه يمُال بالحُكْم عن ذلك الظاهر لكونه مُستحسَناً لقوة دليله ،وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق لمعرفة المراد، فإن أهل النحو يقولون: هذا نُصِبَ على التفسير، وهذا نُصِبَ على المصدر، وهذا نُصِبَ على الظرف، وهذا نُصِبَ على التعجُّب، وما وضعوا هذه العبارات إلا للتمييز بين الأدوات الناصبة، وأهل العَروض يقولون: هذا من البحر الطويل وهذا من البحر المتقارِب وهذا من البحر المديد، فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين ، وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مُستحسَناً، ولكونه مائلاً، عن سَنَنَ القياس الظاهر " (2).
وحاصل الفرق بين القياس الظاهر والاستحسان: " أن الاستحسان أخصّ من القياس من وجه، وأعمّ منه من وجه، أما أنه أخصّ منه، فمن جهة رجحان مصلحته، وكونها أشد مناسبةً في النظر من مصلحة القياس، وأما أنه أعمّ ; فمن جهة--------------------------------------------
(1) ينظر: المراجع السابقة.
(2) أصول السرخسي: (2/ 200 - 201)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
أن القياس تابعٌ للعِلَّة على الخصوص، والاستحسان تابعٌ للدليل على العموم" (1).
رابعاً: من ضوابط تحقيق المناط اعتبار مآلات الأفعال في الأحكام كما تقدَّم (2) ، والاستحسان يرجع إلى النظر في مآلات الأفعال.
وقد صرَّح الشاطبي بأن قاعدة الاستحسان مبنيةٌ على أصل النظر في مآلات الأفعال ، فقال: " ومما ينبني على هذا- أي: النظر في مآلات الأفعال- قاعدة الاستحسان" (3).
فإذا كان موجِب الدليل في واقعةٍ ما يفضي إلى مآلٍ يتعارض مع مقصود الشارع من تحصيل أعظم المصالح ودرء أشدِّ المفاسد ، فإن المجتهد يعدل -حينئذٍ- عن الأخذ بمقتضى ذلك الدليل ، ويعمل بالدليل الأقوى ،وهو المصلحة المُعْتَبرة شرعاً.
وذلك "لأنَّا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدَّى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان من الواجب رعي ذلك المآل إلى أقصاه" (4).
وهذه المصلحة في الأصل تعود إلى اعتبار لوازم الأدلة وتحقيق مناطاتها كما قصد الشارع من وضعها.
قال الشاطبي: " الاستحسان غير خارجٍ عن مقتضى الأدلة، إلا أنه نظرٌ إلى لوازم الأدلة ومآلاتها" (5).
ومن الأمثلة التي توضح ذلك: تضمين الأجير المشترك ، حتى لايلحق الضرر بأموال الناس ، فالأصل أنه مؤتَمَن ، والأمين لايضمن إلا بالتعدِّي ، ولكن لما فسدت الذمم ، وغلب على الأُجَرَاء الخيانة والتعدِّي ، كان المُعتبَر استحساناً تضمينه، حتى لايدَّعي تلف الأشياء بحُجَّة أنه لايضمن ، وهو اجتهادٌ متفِقٌ مع مقاصد الشرع في حفظ الأموال (6).--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة للطوفي: (3/ 202)
(2) ينظر: (236 - 240).
(3) الموافقات: (5/ 193).
(4) الموافقات: (5/ 195).
(5) الموافقات (5/ 198 - 199).
(6) ينظر: المجموع للنووي (15/ 96) ،المغني لابن قدامة (5/ 388 - 289) ،بدائع الصنائع (4/ 211) ،بداية المجتهد (4/ 17) ، الموافقات (5/ 196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
المبحث الخامس
علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف المصلحة المرسلة لغةً، واصطلاحاً.
المصلحة لغةً: مأخوذةٌ من الصلاح ،وهو ضدُّ الفساد (1).
قال ابن فارس: "الصَّاد واللَاّم والحاء: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على خلاف الفساد، يقال: صلَح الشيء يصلح صلوحاً .. " (2).
والمصلحة: واحدة المصالح، والاستصلاح: نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه (3).
والمصلحة اصطلاحاً: المحافظة على مقصود الشرع (4).
ومقاصد الشرع خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (1/ 383) ، لسان العرب (2/ 517) ،تاج العروس (6/ 547 - 549).
(2) ينظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 303).
(3) ينظر: الصحاح (1/ 383) ، لسان العرب (2/ 517) ، تاج العروس (6/ 547 - 549).
(4) ينظر: المستصفى (2/ 482) ،البحر المحيط للزركشي (6/ 76) ، إرشاد الفحول (2/ 990).
(5) ينظر: المستصفى (2/ 482) ،المحصول (5/ 160) ،الإحكام للآمدي (3/ 343) ،شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 209) ،نهاية السول (4/ 82 - 83) ، الإبهاج (3/ 55)، الموافقات (2/ 20) ،البحر المحيط للزركشي (5/ 209) ،تيسير التحرير (3/ 306) ، شرح الكوكب المنير (4/ 159 - 160)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
قال الغزالي: " فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (1).
وتنقسم المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها إلى ثلاثة أقسام (2):
1 - مصلحة ضرورية ،وهي: التي لابدَّ منها في قيام مصالح الدِّين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامةٍ بل على فسادٍ وتهارجٍ وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم وحصول الخسران، وهي مايتوقف عليه حفظ الدين أو النفس أو العقل أو النَّسْل أو المال.
2 - مصلحة حاجية ، وهي: ما يُفتقَر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدِّي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ،كرخص السفر والمرض، وإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما هو حلالٌ في المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وكالبيع، وضرب الدِّية على العاقلة، ونحو ذلك.
3 - مصلحة تحسينية، وهي: الأخذ بما يليق من محاسن العادات والتجنب للأحوال المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات ، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، كالطهارة، وستر العورة ،وأخذ الزينة، والتقرب بنوافل العبادات، وكآداب الأكل والشرب واللباس، وعدم الإسراف او التقتير في المآكل والمشارب والملابس، وكمنع قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد.
والمصلحة المُرْسَلة هي: كل منفعةٍ ملائمةٍ لمقصود الشارع لم يشهد لها نصٌّ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء (3).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (2/ 482).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 482 - 485) ، المحصول (5/ 160 - 161) ، الإحكام للآمدي (3/ 343 - 345) ، نهاية السول (4/ 83 - 85) ، الموافقات (2/ 17 - 23) ، البحر المحيط للزركشي (5/ 208 - 212) ، تيسير التحرير (3/ 306 - 307) ،شرح الكوكب المنير (4/ 159 - 168).
(3) ينظر: المستصفى (3/ 633) ، المحصول (5/ 166) ، الإحكام للآمدي (3/ 357) ،شرح تنقيح الفصول
… للقرافي (350 - 351) ،الاعتصام (612) ، الموافقات (1/ 32) ،التقرير والتحبير (3/ 151).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
والإرسال لغة هو: مجرَّد الإطلاق، يقال: أرسل الناقة إذا أطلقها (1).
وقد سُمِّيت بالمصلحة المُرْسَلة لأنها مُطْلَقَةٌ لم يَرِدْ فيها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء، فهي مطلقةٌ من جهة الدليل الخاص لكنها مندرجةٌ تحت الدليل الكلي العام.
ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيودٍ تميِّز المصلحة المُرْسَلة عن غيرها من المصالح وهي:
الأول: أن لا يشهد لها نصٌّ خاصٌّ بالاعتبار، فيخرج بهذا القيد المصالح التي شهدت لها النصوص الخاصة بالاعتبار.
الثاني: أن لا يشهد لها نصٌّ خاصٌّ بالإلغاء، وهذا القيد يدل على عدم معارضتها للنصوص الشرعيَّة الخاصة.
الثالث: أن تكون ملائمةً لمقصود الشارع.
والمراد بملاءمة مقصود الشارع: أن لا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تعارِض نصَّاً أو دليلاً من أدلته، بل تكون مُتَفَقَةً مع المصالح التي قصد الشارع تحصيلها.
قال الغزالي: " فكلُّ مصلحةٍ لا ترجع إلى حفظ مقصودٍ فُهِمَ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرُّفات الشرع فهي باطلةٌ مطَّرَحَة" (2).
وما يلائم تصرُّفات الشارع" لا يخرج عن كونه شرعياً، وإن لم يرِد به نصٌّ معين ،إذ لا يلزم من عدم التنصيص عليه عدم شرعيته، ولو كان كلُّ حُكْمٍ يحتاج إلى نصٍّ معيَّنٍ للزم أن تضيق الشريعة، واللازم باطل؛ لأنها واسعة، فكذلك الملزوم" (3).
والمصلحة المُرْسَلة بهذه القيود تُعتبَر طريقاً للحُكْم يستند إلى الدليل--------------------------------------------
(1) ينظر: لسان العرب (11/ 285)، القاموس المحيط (1/ 1006).
(2) المستصفى: (2/ 502 - 503).
(3) عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للباني: (331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)