Arabic source text

📘 আল-ইজতিহাদু ফী মানাতিল হুকমিশ শারয়ী দিরাসাতুন তাসীলিয়্যাতুন তাতবিকিয়্যাহ (বিলকাসিম আজ-জুবাইদি)

📘 الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية (بلقاسم الزبيدي)

📘 আল-ইজতিহাদু ফী মানাতিল হুকমিশ শারয়ী দিরাসাতুন তাসীলিয়্যাতুন তাতবিকিয়্যাহ (বিলকাসিম আজ-জুবাইদি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
كذلك؛ لأنه من الأمور الحادثة، وما لا يفتقر أرجح من المفتقِر، فيكون البقاء أرجح من العدم وهو المدَّعى، والثاني: أن عدم الباقي يقل بالنسبة إلى عدم الحادث؛ لأن عدم الحادث يصدق على ما لا نهاية له، وأما عدم الباقي مشروطٌ فمتناه؛ لأن عدم الباقي بوجود الباقي، والباقي متناه، وإذا كان عدم الباقي أقلَّ من عدم الحادث كان وجوده أكثر من وجوده فيكون راجحاً (1).
رابعاً: لو لم يكن الظنُّ حاصلاً ببقاء ما تحقَّق، ولم يُظَنَّ له معارض، لكان الشَّكُّ في الزوجية ابتداء كالشك في بقاء الزوجية في التحريم والجواز، والتالي باطل، أما الملازمة ; فلأنه حينئذٍ لا فرق فيهما، وأما بطلان التالي فلأنّ التفرقة بينهما في التحريم والجواز ثابتةٌ بالإجماع، فإنَّ مَدَّ اليد إليها حرامٌ في الأول، بخلاف الثاني فإنه جائز.
وإنما حكموا بالتحريم في الأول ; لأن الحُرْمَة ثابتةٌ قبل الشَّك، والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، وبالجواز في الثاني ; لأن الجواز ثابتٌ قبل الشك، والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه (2).

‌‌المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب في جوانب عديدة، من أهمها ما يأتي:
أولاً: إن المجتهد لا يأخذ بدليل الاستصحاب إلا بعد البحث التامِّ في أدلة الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس (3).
قال ابن تيمية: " إذا كان المُدْرَكُ الاستصحابَ ونفيَ الدليل الشرعي فقد--------------------------------------------
(1) ينظر: الإبهاج (3/ 172 - 173) ، نهاية السول (4/ 370 - 372).
(2) ينظر: الإبهاج (3/ 172) ، بيان المختصر (3/ 264) ، نهاية السول (4/ 369 - 370).
(3) ينظر: الفقيه والمتفقه (1/ 526) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 17).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)

أجمع المسلمون، وعُلِم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز لأحدٍ أن يعتقد ويفتي بموجِب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصَّة إذا كان من أهل ذلك، فإنَّ جميع ما أوجبه الله ورسوله، وحرَّمه الله ورسوله مُغيِّراً لهذا الاستصحاب، فلا يُوثَق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك" (1).
وقال ابن القيم: " لايجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لا يعرف الأدلة الناقلة" (2).
وقال الزركشي: " وهو- أي: الاستصحاب- حُجَّةٌ يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حُجَّةً خاصَّة" (3).
ولهذا يُعْتَبر الاستصحاب " آخر مدار الفتوى" (4)، و" آخر متمسك … الناظر" (5) ، و"آخر قَدَمٍ يخطو بها المجتهد إلى تحصيل حُكْم الواقعة" (6).
وذلك لأن " المفتي إذا سُئِل عن حادثةٍ يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السُّنَّة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردُّد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان في ثبوته فالأصل عدم ثبوته " (7).
وهذه الأدلة التي يلزم الرجوع إليها لا تثبت بها الأحكام إلا متعلِّقةً بمناطاتها، إمَّا نصَّاً أو استنباطاً ، فلامناصَ -حينئذٍ- من الاجتهاد في المناط تنقيحاً وتخريجاً وتحقيقاً.
قال الخطيب البغدادي: " ليس يلزمه - أي: المجتهد- الانتقال عن--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى: (29/ 165 - 166).
(2) إعلام الموقعين: (3/ 105).
(3) البحر المحيط: (6/ 17).
(4) المرجع السابق: (6/ 17).
(5) البرهان: (2/ 1135).
(6) إجابة السائل شرح بغية الآمل: (217).
(7) البحر المحيط: (6/ 17).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)

استصحاب الحال إلا بدليلٍ شرعيٍّ ينقله عنه ، فإن وجد دليلاً من أدلة الشرع انتقل عنه، سواءٌ كان ذلك الدليل نُطْقاً أو مفهوم نصٍّ أو ظاهراً؛ لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليلٍ شرعي ، فأيُّ دليلٍ ظهر من جهة الشرع حَرُم عليه استصحاب الحال بعده " (1).
وهذا يستلزم بذل الجهد في البحث والطلب عن معاني النصوص ومناطات الأحكام، حتى يتحقَّق للمجتهد العلمُ أو الظنُّ الغالب إما بانتفاء الدليل المغيِّر للحُكْم فيستند - حينئذٍ- إلى دليل الاستصحاب ، أو بوجود الدليل الناقل عنه ، فيَحْرُم حينئذٍ العمل بالاستصحاب ، ويجب المصير إلى مقتضى الدليل الناقل عنه (2).
قال ابن القيم: " وبالجملة فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل، فإن قطعَ المستدلُّ بانتفاء الناقل قطعَ بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأنها غير منسوخة، وإن ظنَّ انتفاء الناقل أو ظنَّ انتفاء دلالته ظنَّ انتفاء النقل" (3).
وبهذا يكون الاستصحاب قطعياً إذا قُطِع بانتفاء الدليل الناقل ، ويكون الاستصحاب ظنيَّاً إذا ظُنَّ انتفاء الدليل الناقل.
والقطع بانتفاء الدليل المغيِّر للحُكْم ، أو دعوى غلبة الظنِّ في ذلك ، لا تُقبَل إلا من الباحث المجتهد المطَّلِع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء.
قال الغزالي: " يجوز للباحث المجتهد المطَّلِع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على التردُّد في بيته لطلب متاعٍ إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع أو يدِّعي غلبة الظنّ، أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يُبْصِر ما فيه فليس له أن يدَّعي نفي المتاع من البيت" (4).--------------------------------------------
(1) الفقيه والمتفقه: (1/ 526).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 410 - 411) ، الإبهاج (3/ 170).
(3) إعلام الموقعين: (3/ 105).
(4) المستصفى: (2/ 408 - 409).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)

ولما ذكر ابن القيم مذاهب المنكرين للقياس وتعليل الأحكام أوضح أشنع أخطائهم التي وقعوا فيها بسبب ذلك، ومنها: " تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقّه، وجزمهم بموجبه، لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علماً بالعدم" (1).
ولهذا فإن أكثر الأصوليين يذكرون الاستصحاب عقب مباحث القياس، وذلك ضمن الأدلة المختلف فيها (2).
ثانياً: إذا رتَّب المجتهد حكماً شرعياً بالنظر إلى تحقُّق مناطه في بعض أفراده، فالأصل دوامه واستمراره وتكرُّره بتكرُّر سببه، ما لم يتخلف مناط ذلك الحُكْم أو يتغَّير سببه.
فإذا تغَّيرت أوصاف الواقعة ، أو أسبابها، أو احتفَّت بها أحوالٌ أخرى مؤثِّرة، لزم عدم الاستناد إلى الاستصحاب، والبحث عن حُكْمٍ يختصُّ بتلك الواقعة متعلِّقاً بمناط ذلك الحكم.
وهو من استصحاب الحُكْم الذي دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه (3).
قال الغزالي: " ومن هذا القبيل: الحُكْم بتكرُّر اللزوم والوجوب إذا تكرَّرت أسبابها ، كتكرُّر شهود شهر رمضان، وأوقات الصلوات ،ونفقات الأقارب عند تكرُّر الحاجات، إذا فُهِمَ انتصاب هذه المعاني أسباباً لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرَّد العموم عند القائلين به ،أو بالعموم وجملةٍ من القرائن عند الجميع، وتلك القرائن تكريراتٌ وتأكيداتٌ وأماراتٌ عَرَفَ حملةُ الشريعة قصدَ الشارع إلى نصبها أسباباً إذا لم يمنع مانع، فلولا دلالة الدليل على كونها أسباباً لم يجز استصحابها" (4).--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (3/ 99).
(2) ينظر: البرهان (2/ 1135) ، المعتمد (2/ 884) ، الإحكام للآمدي (4/ 155) ، المحصول (6/ 109) ، منهاج الوصول (67) ، شرح تنقيح الفصول للقرافي (351) ،مختصر ابن الحاجب (2/ 1173) ، جمع الجوامع (108) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 7).
(3) ينظر: المستصفى (2/ 410) ، الإبهاج (3/ 169) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 20).
(4) المستصفى: (2/ 410).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)

ولما ذكر الزركشي استصحاب الحُكْم الذي دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه قال: " ومن صوره: تكرُّر الحُكْم بتكررُّ السبب " (1).
ثالثا: استصحاب العموم حتى يَرِدَ المُخصِّص أمرٌ معمولٌ به بالإجماع، كما حكى ذلك الزركشي (2) ، والشوكاني (3).
ومن أنواع الاجتهاد في تحقيق المناط - كما تقدم - (4): تحقيق مناط الحُكْم الثابت بنصٍّ عامٍّ في بعض أفراده الداخلة تحته.
وإثبات وجود مناط ذلك الحُكْم الثابت بنصٍّ عامٍّ في بعض أفراده يستند فيه المجتهد ابتداءاً إلى استصحاب عموم النصِّ الذي ثبت به مناط ذلك الحُكْم ، ولايمنع المجتهد من استصحاب ذلك العموم إلا إذا ثبت تخصيصه بدليلٍ مُعتبَر.
ومثال ذلك: أن الرِّبا ثبت تحريمه بالكتاب والسُّنَّة والإجماع ، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ولفظ"الرِّبا" من ألفاظ العموم؛ لأن الألف واللَاّم لاستغراق الجنس فتفيد العموم، فيستصحب عموم هذا النصِّ مالم يَرِد مُخصِّصٌ له.
واستناداً إلى هذا النوع من الاستصحاب يُجتهَد -حينئذٍ- في إثبات متعلَّق ذلك العموم في بعض أفراده الداخلة تحته ، فيقال: يتحقَّق مناط تحريم الرِّبا الثابت بنصٍّ عامٍّ في ربا النسيئة ، وربا الفضل ، والقرض الذي جرَّ نفعاً، ونحو ذلك ، حيث لم يَرِد مايخصِّص هذا الأفراد الداخلة تحت العموم بحُكْمٍ آخر (5).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط: (6/ 20).
(2) ينظر: البحر المحيط (6/ 21).
(3) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 977).
(4) ينظر: (199).
(5) ينظر: مجموع الفتاوى (19/ 283)، منهاج السنة (2/ 287)، درء تعارض العقل والنقل (7/ 337).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)

‌‌المبحث الثاني
علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قَبْلَنا
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط وبشرع مَنْ قَبْلَنا ، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:

‌‌المطلب الأول: تعريف شرع مَنْ قَبْلَنا لغةً، واصطلاحاً.
الشرع لغةً:
قال ابن فارس: " الشين والراء والعين أصلٌ واحد، وهو شيءٌ يُفْتَح في امتدادٍ يكونُ فيه، من ذلك الشريعة، وهي مورد الشاربة الماء، واشْتُّق من ذلك الشِرْعة في الدِّين والشريعة " (1).
قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} 1 [المائدة: 48].
وقال جل في علاه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ} [الجاثية: 18].
والإبل الشروع: التي شرعت ورويت، ويقال: أشرعت طريقاً، إذا أنفذته وفتحته (2).
والشَّرع: نهج الطريق الواضح (3).
قال الكفوي: " والشريعة: هي مورد الإبل إلى الماء الجاري، ثم استعير--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة: (3/ 262) "مادة: ش ر ع".
(2) ينظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 262) "مادة: ش ر ع".
(3) ينظر: المفردات للراغب الأصفهاني (258) مادة "ش ر ع".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)

لكلِّ طريقةٍ موضوعةٍ بوضعٍ إلَهيٍّ ثابتٍ من نبيٍّ من الأنبياء" (1).
والشرع اصطلاحاً: كلُّ ما شرعه الله من العقائد والأعمال (2).
والمقصود بشرع مَنْ قَبْلَنا في اصطلاح الأصوليين: "ما ثبت من الأحكام في شرع مَنْ مضى من الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- السابقين على بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم" (3).

‌‌المطلب الثاني: حُجِّيَّة شرع مَنْ قَبْلَنا.
شرع مَنْ قَبْلَنا إذا ثبت بطريق الوحي في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة ولم يقع التصريح بالتكليف به، أو إنكاره، أو نسخه: فهو حُجَّةٌ مُعتَبرةٌ في الاستدلال به على إثبات الأحكام الشرعية، ويلزم العمل بمقتضاه (4).
وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية (5) ، والمالكية (6) ، وبعض--------------------------------------------
(1) الكليات: (524).
(2) ينظر: الإحكام لابن حزم (1/ 46) ، مجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 306).
(3) التحبير في شرح التحرير: (8/ 3767).
وحسب اطلاعي لم أعثر عند الأصوليين على تعريف محدَّد لهذا الاصطلاح؛ وذلك لظهور معناه ، وقد اكتفوا بإيراد لقب المسألة ، وتحرير محل النزاع فيها، ونقل مذاهب الأصوليين في ذلك.
(4) اختلف الأصوليون في حجية شرع مَنْ قَبْلَنا على قولين:
القول الأول: أنه شرعٌ لنا ، وهو حجةٌ يلزم العمل به.
وقد ذهب إلى ذلك: الحنفية ، والمالكية، وبعض الشافعية، والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه، واختاره: … ابن الحاجب.
القول الثاني: أنه ليس بشرعٍ لنا ، ولايصح الاحتجاج به، وقد ذهب إلى ذلك: الشافعية، والإمام أحمد في رواية عنه، واختاره: الغزالي ، والآمدي.
ينظر: البرهان (1/ 503 - 504) ، العدة (3/ 753 - 757) ، المستصفى (2/ 438 - 439) ، قواطع الأدلة (2/ 209 - 211) ، المحصول (3/ 265 - 266) ،الإحكام للآمدي (4/ 172) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 41 - 45) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 287) ،شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 352) ، شرح الكوكب المنير (4/ 412) ، تيسير التحرير (3/ 131) ، فواتح الرحموت (2/ 229) ، إرشاد الفحول (2/ 982 - 985).
(5) ينظر: أصول السرخسي (2/ 99) ، كشف الأسرار (3/ 214) ، تيسير التحرير (3/ 131) ، فواتح
… الرحموت (2/ 229)
(6) ينظر: شرح تنقيح الفصول (279).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)

الشافعية (1) ،والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه (2).
واختاره: ابن الحاجب (3) ، وابن تيمية (4).
واستدلوا على ذلك بأدلةٍ كثيرة، ومن أقواها دلالةً على المطلوب مايأتي:
أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في قصة الربيع بنت النضر بالقصاص في السِّنّ، وقال: "كتاب الله القصاص" (5) ،وليس في القرآن: السِّنّ بالسِّنِّ إلا ما حكي فيه عن التوراة بقوله عز وجل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] فدلَّ على أنه عليه الصلاة والسلام قضى بحُكْمٍ في شرع مَنْ قَبْلَه، ولولم يكن شرعاً له لما قضى به ، ولما صحَّ هذا الاستدلال منه صلى الله عليه وسلم (6).
ثانياً: أن النبي عليه الصلاة والسلام استدلَّ على وجوب قضاء الصلاة المنْسيَّة عند ذكرها بقوله تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} [طه: 14] وإنما الخطاب فيها لموسى عليه السلام على ما دلَّ عليه سياق القرآن، وذلك لمَّا نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً، فنام فيه وأصحابه، حتى فات وقت صلاة الصبح أمرهم، فخرجوا عن الوادي، ثم صلَّى بهم الصبح، واستدلَّ بالآية ، ولولا التعبُّد بعد البعثة بشرع مَنْ قَبْلَه، لما قرأها الرسول--------------------------------------------
(1) ينظر: البرهان (1/ 503 - 504) ،قواطع الأدلة (2/ 209 - 211) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 41 - 45) ، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 352) ، إرشاد الفحول (2/ 982 - 985).
(2) ينظر: العدة (3/ 753) ،التمهيد للكلوذاني (2/ 416) ، شرح الكوكب المنير (4/ 412).
(3) ينظر: مختصر ابن الحاجب (2/ 1183).
(4) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 462 - 464).
(5) أخرجه البخاري في " صحيحه" ، كتاب الصلح ، باب الصلح في الدية ، رقم (2703) ، وأخرجه مسلم في "صحيحه" ، كتاب القسامة والمحاربين ، باب إثبات القصاص في الأسنان ومافي معناها، رقم (1675).
(6) ينظر: العدة (3/ 760) ، روضة الناظر ، الإحكام للآمدي (4/ 175) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 171) ، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 271) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 287) ، التقرير والتحبير (2/ 309) ، شرح الكوكب المنير (4/ 417) ، إرشاد الفحول (2/ 983 - 984).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)

- عليه الصلاة السلام - في معرض الاستدلال به (1).
ثالثاً: إن الحُكْم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه، حتى يَرِدَ دليلٌ بنسخه وإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب نسخ جميع الأحكام التي قبله، فإن النسخ إنما يكون عند التنافي، وليس فيه منافاةٌ لتلك الأحكام، فوجب التمسُّك بتلك الأحكام، والعمل بها حتى يَرِدَ ما ينافيها ويزيلها (2).

‌‌المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قَبْلَنا.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط وبشرع مَنْ قَبْلَنا في جوانب عديدة، من أهمها مايأتي:
أولاً: إن من أهم صور الاجتهاد في المناط ما كان متعلِّقاً بنصوص الكتاب والسُّنَّة، ومعانيها، تنقيحاً وتخريجاً وتحقيقاً (3).
ويندرج تحت ذلك: الاجتهاد في مناطات الأحكام الواردة في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة التي تُثْبِت شرع مَنْ قَبْلَنا، وليس فيها تصريحٌ بالتكليف به أو إنكاره أو نسخه.
لأن " موضع الخلاف في المسألة: أن الله تعالى إذا أخبر في القرآن -أو السُنَّة- أنه شَرَع لبعض الأمم المتقدِّمة شيئاً، وأطلق الإخبار، ولم يذكر أنه شرعٌ لنا، ولا أنه لم يشرعه لنا، ولا أنه نسخه، هل يجب علينا العمل به، أم لا؟ " (4) ،وقد ثبتت حجيَّة العمل بشرع مَنْ قَبْلَنا إذا كان كذلك (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: روضة الناظر ، الإحكام للآمدي (4/ 176) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 171 - 172) ، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 271 - 272) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 287) ،التقرير والتحبير (2/ 309) ، شرح الكوكب المنير (4/ 416 - 417) ، إرشاد الفحول (2/ 984).
(2) ينظر: العدة (3/ 760 - 761) ، كشف الأسرار (3/ 214) ،شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 287).
(3) ينظر: (290 - 292).
(4) نفائس الأصول: (6/ 2490).
(5) ينظر: (346 - 347).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)

وبناءً على هذا فما قيل في أهمية علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب والسُّنَّة يقال مثله هنا ، ولا داعي لإعادة ذلك (1).
وذلك لأن المعتمد في شرع مَنْ قَبْلَنا ما ورد بطريق الوحي من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحة.
ثانياً: قد يثبت حُكْمٌ في شرع مَنْ قَبْلَنا بنصِّ الكتاب أو السُّنَّة ،ويُجْتهَد في تحقيق مناطه في بعض أفراده.
ومثاله: قوله تعالى على لسان الخضر في قصته مع موسى عليه السلام لمَّا
أنكر عليه خرق السفينة {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)} [الكهف: 79].
قال ابن كثير: " هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى عليه السلام، وما كان أنكر ظاهره وقد أظهر الله الخضر عليه السلام على باطنه، فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرُّون بها على مَلِكٍ من الظَلَمَة {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} صالحة، أي: جيدة {غَصْبًا} فأردُّت أن أعيبها لأردّه عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيءٌ ينتفعون به غيرها" (2).
وفيه: جواز إفساد بعض المال إذا كان فيه صلاحٌ لأكثره (3).
وقد اجتهد العلماء في تحقيق مناط هذا الحُكْم في مسألة: مصالحة ولي اليتيم السلطانَ على أخذ بعض مال اليتيم؛ وذلك خشيةَ ذهابه بجميعه، فأجازوا بذل بعض مال اليتيم من أجل المحافظة على أكثره في حال طمع السلطان في أخذه كلِّه أو أكثره (4).
قال القرطبي: " في خرق السفينة دليلٌ على أن للولي أن يُنْقِصَ مال اليتيم إذا رآه صلاحاً، مثل أن يخاف على ريعه ظالماً فيخرب بعضه " (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: (286 - 306).
(2) تفسير القرآن العظيم (5/ 184).
(3) ينظر: فتح الباري لابن حجر (8/ 422).
(4) ينظر: المرجع السابق.
(5) الجامع لأحكام القرآن: (11/ 19).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)

ففي هذا المثال ثبت حُكْمٌ في شرع مَنْ قَبْلَنا بنصِّ الكتاب، وليس فيه تصريحٌ بالتكليف به، أو إنكاره، أو نسخه، فثبت الاحتجاج به.
ثم اجتهد في تحقيق مناطه في مسألة: مصالحة ولي اليتيم السلطان على أخذ بعض مال اليتيم خشية ذهاب مُعْظَمِه.
وقد روعي في ذلك ضابطٌ من أهم ضوابط تحقيق المناط ، وهو: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارِضة، وارتكاب أخفِّ الضررين لدفع أشدِّهما (1).--------------------------------------------
(1) ينظر: (245 - 256).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)

‌‌المبحث الثالث
العلاقة بين الاجتهاد في المناط وقول الصحابي
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي ، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:

‌‌المطلب الأول: تعريف الصحابي لغةً، واصطلاحاً.
الصحابي لغةً: مصدر صَحِبَ يَصحُبُ صُّحبَةً فهو صاحب، والصحبة: المعاشرة ، وذلك يقع على القليل والكثير (1).
والصحابي اصطلاحاً -عند الأصوليين-: من رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يختصّ به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته (2).
وعرَّفه ابن السبكي بقوله: " الصحابي: من اجتمع مؤمناً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يرو، ولم يُطل " (3).
وقد عدل ابن السبكي في تعريفه عن لفظ: " من رأى النبي صلى الله عليه وسلم "؛ وذلك ليشمل التعريفُ الأعمى والبصير من الصحابة (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (1/ 161) ، معجم مقاييس اللغة (3/ 335) ، لسان العرب (1/ 519) ، تاج العروس (3/ 185) "مادة: ص ح ب".
(2) ينظر: العدة (3/ 987 - 988)، الإحكام للآمدي (2/ 112)، التمهيد للكلوذاني (3/ 172 - 173)، مختصر ابن الحاجب (1/ 599)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 2909).
(3) جمع الجوامع (73).
(4) ينظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 166)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)

واستدلُّوا على ذلك بثلاثة أمور:
الأول: أن الصَّاحب اسمٌ مشتقٌّ من الصُّحبة، والصُّحبة تعمّ القليل والكثير، ومنه يقال: صَحِبتُه ساعة، وصَحِبتُه يوماً وشهراً، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلانٌ كلَّمني وحدَّثني وزارني، وإن كان لم يكلِّمه ولم يحدِّثه ولم يَزُرْه سوى مرةً واحدة (1).
الثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلاناً في السفر، أو ليصحبنّه، فإنه يبرّ ويحنث بصحبته ساعة (2).
الثالث: أنه لو قال قائلٌ: صَحِبتُ فلاناً، فيصح أن يقال: صَحِبتُه ساعةً أو يوماً أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا؟ ولولا أن الصحبة شاملةٌ لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصَّةً بحالةٍ منها، لما احتيج إلى الاستفهام (3).

‌‌المطلب الثاني: حُجيَّة قول الصَّحابي.
إذا قال الصَّحابي قولاً، أو فعل فعلاً ، في مسألةٍ اجتهادية ، ولم ينتشر ذلك القول أو الفعل، أو لا يُعْلَم انتشاره، ولم يُعْلَم له مخالفٌ من الصحابة ، فهو حُجَّةٌ مُعتبَرةٌ في الأحكام الشرعية (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: العدة (3/ 988) ،الإحكام للآمدي (2/ 112 - 113) ، التمهيد (3/ 173) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 186) ، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 2909) ، بيان المختصر للأصفهاني (1/ 716).
(2) ينظر: الإحكام للآمدي (2/ 113) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 186) ، بيان المختصر للأصفهاني … (1/ 716).
(3) ينظر: العدة (3/ 988 - 989) ، الإحكام للآمدي (2/ 113) ، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 2909).
(4) اختلف الأصوليون في حجية قول الصحابي إذا لم يشتهر، ولم يؤثر عن غيره من الصحابة مخالفةٌ له في ذلك ، على أقوال:
أحدها: أنه حجة مطلقا.
والثاني: أنه ليس بحجة مطلقا.
والثالث: أن الحجة قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما دون غيرهما.
والرابع: أن الحجة قول الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم فقط.
والخامس أن قول الصحابي حجة فيما لا يدرك قياسا ، أي: إذا خالف القياس.
والسادس: إن كان من أهل العلم والإجتهاد فقوله حجة، وإلا فلا.
ينظر: البرهان (2/ 1358 - 1363) ،قواطع الأدلة (3/ 289 - 291) ،المستصفى (2/ 450 - 451) ،الواضح … لابن عقيل (5/ 210) ، ، المحصول (6/ 129) ، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (8/ 3981 - 3982) ،إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (35 - 42) ،كشف الأسرار (3/ 217 - 219) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 54 - 64) ، إرشاد الفحول (2/ 995 - 996).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)

وقد ذهب إلى ذلك: الأئمة الأربعة (1) ، والقاضي أبويعلى (2) ، والسرخسي (3) ،
والقرافي (4) ، والشاطبي (5)، وابن القيم (6) ، وابن النجار الفتوحي (7) ، والأمين الشنقيطي (8).
قال ابن القيم: " وأئمة الإسلام كلُّهم على قبول قول الصَّحابي" (9).
والمقصود بقول الصَّحابي -هنا-: مذهبه في مسائل الاجتهاد، قولاً كان أو فعلاً ، حاكماً كان أو مفتياً (10).
ولايُنْسَب ذلك إلا إلى العالِم منهم؛ لأن الصحابة كلَّهم عدول ،وعدالة مَنْ ليس عالماً منهم تمنعه أن يقول في الشرع بلا مستند (11).--------------------------------------------
(1) ينظر: الرسالة للشافعي (597 - 598) ،العدة (5/ 1181) ،الإحكام للآمدي (4/ 182) ، شرح تنقيح الفصول (445) ،البحر المحيط للزركشي (6/ 54) ، ، تيسير التحرير (3/ 132 - 133) ،شرح الكوكب المنير (4/ 422) ، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (119) ، وقد حقق ابن القيم قولي الإمام الشافعي في القديم والجديد وأصح الروايتين عن الإمام أحمد في المسألة. ينظر: إعلام الموقعين (5/ 550 - 556).
(2) ينظر: العدة (5/ 1178).
(3) ينظر: أصول السرخسي (2/ 108).
(4) ينظر: شرح تنقيح الفصول (445).
(5) ينظر: الموافقات (4/ 446).
(6) ينظر إعلام الموقعين (5/ 550)
(7) ينظر: شرح الكوكب المنير (4/ 422).
(8) ينظر: مذكرة أصول الفقه (256 - 257).
(9) إعلام الموقعين: (5/ 554).
(10) ينظر: إجابة السائل شرح بغية الآمل (221) ، نشر البنود (2/ 263) ، نثر الورود (575).
(11) ينظر: منع الموانع عن جمع الجوامع (451).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)

وعلى هذا يكون إطلاق لفظ" الصَّحابي" في تلقيب المسألة أولى من تقييده ب"العالِم"؛ لأن إضافة القول إليه مُنْبِئةٌ عن ذلك ، فإنَّ غيرَ العالِم لاقول له (1).
واستدلُّوا على حُجِّية قول الصَّحابي بأدلةٍ منها (2):
أولاً: قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة: 100].
فالله تعالى في هذه الآية مدح الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما استحقَّ التابعون لهم هذا المدح على اتِّباعهم بإحسان من حيث الرجوع إلى رأيهم؛ لأن في ذلك استحقاق المدح باتباع مادلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، وذلك إنما يكون في قولٍ وُجِد منهم ولم يظهر من بعضهم فيه خلاف، فأما الذي فيه اختلافٌ بينهم فلا يكون موضع استحقاق المدح، فإنه إن كان يستحقُّ المدح باتباع البعض يستحقُّ الذمَّ بترك اتباع البعض ، فوقع التعارض فكان النصُّ دليلاً على حُجِّية قول الصَّحابي إذا لم يظهر بينهم اختلافٌ ظاهر (3).
وثناء الله في الآية على من اتَّبعهم يعمّ اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كلِّ ممكن؛ فمن اتَّبع جماعتهم إذا اجتمعوا ، واتَّبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم، فقد صدق عليه أنه اتبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال " اتَّبع السابقين "؛ لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرَّة، وهذا مرَّة (4).
ثانياً: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من وجوهٍ متعددةٍ أنه قال:--------------------------------------------
(1) ينظر: منع الموانع عن جمع الجوامع (451).
(2) وانفرد ابن القيم بذكر ستة وأربعين وجهاً للاستدلال على حجية قول الصحابي. ينظر: إعلام
الموقعين (5/ 556 - 6/ 30).
(3) ينظر: ميزان الأصول للسمرقندي (. . .) ، كشف الأسرار (3/ 222) ، إعلام الموقعين (5/ 556 - 557) ، إجمال
الإصابة في أقوال الصحابة (57) ،التقرير والتحبير (2/ 312) ،تيسير التحرير (3/ 135).
(4) إعلام الموقعين: (5/ 562).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)

«خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (1) ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقاً، وذلك يقتضي تقديمهم في كلِّ بابٍ من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقاً، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حُكْمٍ وسائرهم لم يفتوا بالصواب، وإنما ظفر بالصواب من بعدهم، وأخطئوا هم ، لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خيرٌ من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدَّد في مسائل عديدة؛ لأن من يقول " قول الصَّحابي ليس بحُجَّة" يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كلِّ مسألةٍ قال فيها الصَّحابي قولاً، ولم يخالفه صحابيٌّ آخر، وفات هذا الصواب الصَّحابة، ومعلومٌ أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، فكيف يكونون خيراً ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العدَّ والإحصاء مما أخطئوا فيه؟ (2).
ثالثاً: إنَّ الصحابة رضي الله عنهم انفردوا عن غيرهم بأنهم كانوا أبرَّ الأُمَّة قلوباً، وأعمقهم علماً، وأقلِّهم تكلَّفا، فقد خصّهم الله بتوقَّد الأذهان وفصاحة اللسان، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزةٌ في فِطَرِهم وعقولهم ، وقد حضروا التنزيل، وسمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مباشرة، وشاهدوا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الحوادث، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص ،وهم أعلم بالتأويل ، وأعرف بالمقاصد، وأقرب عهداً بنور النبوة، وأكثر تلقياً من تلك المشكاة النبوية ، لذلك كان اجتهادهم أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الخطأ ، فلزم العمل باجتهادهم دون اجتهاد غيرهم (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه"، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، رقم (3651) ،وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، رقم (2533).
(2) ينظر: إعلام الموقعين (5/ 574 - 575).
(3) ينظر: العدة (5/ 1187) ، الفقيه والمتفقه (1/ 437) ، أصول السرخسي (2/ 108 - 109) ، الإحكام
… للآمدي (4/ 188) ، إعلام الموقعين (6/ 21 - 23) ، إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (64).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)

رابعاً: إنَّ التابعين أجمعوا على اتِّباع الصَّحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به ، من غير نكيرٍ من أحدٍ منهم، ولولا أنهم رأوا ذلك حُجَّةً ، وإلا لما أطبقوا على الاتِّباع هذا الإطباق (1).
قال العلائي: "ومن أمعن النظر في كتب الآثار وجد التابعين لا يختلفون في الرجوع إلى أقوال الصَّحابي فيما ليس فيه كتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا إجماع، ثم هذا مشهورٌ أيضاً في كلِّ عصرٍ لا يخلو عنه مستدِلٌ بها ،أو ذاكِرٌ لأقوالهم في كتبه" (2).
ولا يقال: فيكون المخالِف في ذلك خارقاً للإجماع؛ لأن مخالفة الإجماع الاستدلالي والظنيِّ لا يقدح، وما ذكر آنفا يُعْتَبر من ذلك (3).
وقال ابن القيم: " لم يزل أهل العلم في كلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ يحتجُّون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكرٌ منهم، وتصانيف العلماء شاهدةٌ بذلك، ومناظراتهم ناطقةٌ به" (4).

‌‌المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي في جوانب عديدة، من أهمها مايأتي:
أولاً: الصَّحابة رضي الله عنهم أعرف الناس بمعاني الكتاب والسُّنَّة، وأعلمهم بمناطات الأحكام ، وأكثرهم تأهلاً للاجتهاد؛ وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أنهم باشروا الوقائع والنوازل ، وشاهدوا تصرُّفات الرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الحوادث ، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها--------------------------------------------
(1) ينظر: البرهان (2/ 1360) ، إعلام الموقعين (6/ 27 - 29) ، إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (66).
(2) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (67).
(3) ينظر: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (67).
(4) إعلام الموقعين: (6/ 29).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)

النصوص، والمحالَّ التي تتغيَّر باعتبارها الأحكام ، ووقفوا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومراده من كلامه على مالم يقف عليه غيرهم ، فهم أعرف بالتأويل، وأعلم بالمقاصد (1).
ولذلك " فهم أقعد في فهم القرائن الحالية ، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (2).
الوجه الثاني: أنهم عربٌ فصحاء، لم تتغيَّر ألسنتهم، ولم تنزَّل فصاحتهم عن رتبتها العليا ، فهم من أعرف الناس باللسان العربي الذي جرى عليه خطاب الشريعة (3).
وبهذين الوجهين" كانوا أقعد بمفهوم الأحوال ، ودلالات الأقوال" (4).
وبناءً على ذلك فإنه متى ثبت عن الصَّحابي قولٌ أو عملٌ يقع مواقع الاجتهاد في الشريعة، ولم يُعْلَم له مخالفٌ من الصَّحابة، لزم العمل به، والاعتماد عليه؛ لأن فهمهم في الشريعة أتمُّ وأحرى بالتقديم (5).
وقد كانوا رضي الله عنهم: " أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته" (6).
ولهذا كان" السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثَّرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين؛ فتجدهم إذا عيَّنوا مذاهبهم قوُّوها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من--------------------------------------------
(1) ينظر: العدة (5/ 1187) ، الإحكام للآمدي (4/ 188) ، الموافقات (4/ 128) ، إجمال الإصابة في أقوال
الصحابة (64).
(2) الموافقات (4/ 128).
(3) ينظر: الموافقات (4/ 128).
(4) بداية المجتهد: (2/ 67).
(5) ينظر: الموافقات (4/ 128 - 132).
(6) مجموع الفتاوى: (7/ 503).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)

تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكِبَرِ شأنهم في الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه " (1).
ومن صور ذلك: بيانهم لمعاني الكتاب والسُّنَّة.
قال الشاطبي: " فإذا جاء في القرآن أو في السُنَّة من بيانهم ما هو موضوعٌ موضعَ التفسير، بحيث لو فرضنا عدمه لم يُمْكِن تنزيل النصِّ عليه على وجهه؛ انحتم الحُكْم بإعمال ذلك البيان" (2).
وأقوال الصحابة وأعمالهم أحسَن مايستدلُّ به على معاني الكتاب والسُّنَّة.
قال ابن تيمية: " انظر في عموم كلام الله ورسوله لفظاً ومعنى، حتى تعطيه حقه، وأحسَن ما تستدلَّ به على معناه: آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده، فإنَّ ضَبْطَ ذلك يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول الثابتة" (3).
ولهذا كان من عادة الإمام مالك بن أنس في "موطَّئه" الإتيان بالآثار عن الصحابة مبيِّناً بها السُّنن، وما يُعْمَل به منها وما لا يُعْمَل به، وما يُقَيَّد به مطلقاتها، أو يُخْصَّص بها عمومها (4).
ومن الأمثلة التي أوردها الشاطبي على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر" (5)؛ فهذا التعجيل يحتمل أن يُقْصَد به إيقاعه قبل الصلاة، ويحتمل أن لا؛ فكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما يصلِّيان المغرب قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة؛--------------------------------------------
(1) الموافقات: (4/ 457).
(2) الموافقات: (4/ 132).
(3) القواعد النورانية: (223).
(4) ينظر: الموافقات (4/ 131).
(5) أخرجه البخاري في "صحيحه" ، كتاب الصوم ، باب تعجيل الفطر، رقم (1957) ، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام ،باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، رقم (1098) ، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)

بياناً أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد الصلاة فهو تعجيلٌ أيضاً (1).
والكلام في بيان الصَّحابي لمعاني الكتاب والسُّنَّة كالكلام في فتواه سواء، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك، وهو أن لا يكون في المسألة نصٌّ يخالفه، ويقول في الآية أو الحديث قولاً لا يخالفه فيه أحدٌ من الصحابة، سواءٌ عُلِمَ لاشتهاره أو لم يُعلَم؛ لأنه من الممتنع أن يقول أحدهم في كتاب الله أو في سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، ، فالمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطقٍ بالصواب واشتماله على ناطقٍ بغيره فقط ، فهذا هو المحال (2).
ومن ذلك: استعمالهم القياس في الوقائع والنوازل التي لانصَّ فيها، وإن كانوا لايسمُّون ذلك قياساً بحسب تسمية الأصوليين.
قال ابن القيم: " الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر، ولا يُلتفت إلى من يقدح في كلِّ سندٍ من هذه الأسانيد وأثرٍ من هذا الآثار، فهذه في تعدُّدها واختلاف وجوهها وطرقها جاريةٌ مجرى التواتر المعنوي الذي لا يُشك فيه" (3).
ومن الأمثلة على ذلك:
- أن الصحابة رضي الله عنهم جعلوا العبد على النصف من الحُرِّ في النكاح والطلاق والعدَّة؛ قياساً على ما نصَّ الله عليه (4) من قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25].
- قياس الصحابة حدَّ الشرب على حدِّ القذف، حيث إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الناس في حدِّ الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (4/ 129).
(2) ينظر: إعلام الموقعين (6/ 36 - 37).
(3) المرجع السابق: (2/ 377).
(4) ينظر: إعلام الموقعين (2/ 367).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)