قال القرافي: " الله تعالى نصب زوالَ الشمس سببَ وجوب الظهر، وكذلك بقيَّة الأوقات، لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 76] أي: لأجله، وكذلك قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} [الروم: 17 - 18] قال المفسرون: هذا خبرٌ معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات، حين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الصبح، وعشيَّاً: العصر، وحين تُظْهِرُون: الظهر، والصلاة تُسمَّى سبحة، ومنه سبحة الضحى، أي صلاتها، فالآية أمرٌ بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات، وغير ذلك من الكتاب والسُّنَّة الدَّال على أن نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريقٍ كان لزمه حكمُه، فلذلك اعْتُبِرَ الحسابُ المفيدُ للقطع في أوقات الصلاة .. " (1).
وهذا مبنيٌّ على أنَّ الله أودع في هذا الكون سُنَنَاً وقوانينَ ثابتةً لا تتغيَّر ولا تتبدَّل بإذن الله تعالى، ومن ذلك حركة الشمس والقمر والأفلاك.
قال القرافي: " الله تعالى أجرى عادته بأن حركات الأفلاك، وانتقالات الكواكب السبعة السيَّارة على نظامٍ واحدٍ طول الدهر بتقدير العزيز العليم، قال الله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)} [يس: 39] وقال تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)} [الرحمن: 5] أي: هما ذوا حساب، فلا ينخرم ذلك أبداً، وكذلك الفصول الأربعة لا ينخرم حسابها، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، كما أنَّا إذا رأينا شيخاً نجزم بأنه لم يولد كذلك بل طفلاً؛ لأجل عادة الله تعالى بذلك، وإلا فالعقل يُجِّوز ولادته كذلك، والقطع الحاصل فيه إنَّما هو لأجل العادة، وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يُعْتَمد عليه كأوقات الصلاة … " (2).--------------------------------------------
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق: (2/ 179) في الفرق الثاني والمائة.
(2) المرجع السابق: (2/ 178 - 179) في الفرق الثاني والمائة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
الباب الرابع
علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة الشرعيَّة
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المتفق عليها.
الفصل الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المختلف فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
الفصل الأول
علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المتفق عليها
ويشتمل على أربعة مباحث
المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب.
المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة.
المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع.
المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
المبحث الأول
علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب، وذلك من خلال ثلاثة مطالب، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الكتاب لغةً واصطلاحاً.
الكتاب لغةً: مصدر من كَتَبَه كَتْباً وكَتْبَةً وكتابةً بمعنى الجمع والضمّ (1).
قال ابن فارس: " الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على جمع الشيء إلى شيء " (2).
وكَتَبَهُ: خَطَّهُ، ومعناه: جَمَعَ الحروف إلى بعضها، ومنه: تَكَتَّبَ بنو فلانٍ إذا اجتمعوا (3).
والكتاب: اسم جنسٍ يُطْلَق على كتابةٍ ومكتوب، ثم غلب في عُرْف أهل الشرع إطلاقه على القرآن المُثْبَت في المصاحف (4).
وأما تعريف الكتاب اصطلاحاً فهو: كلام الله تعالى المُنَزَّل على--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (1/ 208)، لسان العرب (1/ 698 - 699)، تاج العروس (4/ 101 - 102) "مادة: ك ت ب ".
(2) معجم مقاييس اللغة: (5/ 158) " مادة: ك ت ب ".
(3) ينظر: المراجع السابقة.
(4) شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 223)، شرح الكوكب المنير (2/ 7)، إجابة السائل شرح بغية الآمل (1/ 63)، إرشاد الفحول (1/ 169) حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 223).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
محمدٍ صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر، المُعْجِز بنفسه، المُتَعَبَّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المُخْتَتَم بسورة الناس (1).
المطلب الثاني: حُجِّيَّة الكتاب.
دليل الكتاب حُجَّةٌ مُتَفَقٌ عليها عند المسلمين كافّة، والأدلة على ذلك قطعية، ولهذا توجَّه اعتناء الأصوليين إلى البحث في دلالته على الحُكْم لا في حُجِّيته أو ثبوته؛ لأنه لا أحد من المسلمين ينكر ذلك، ومن أنكره فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم (2).
قال الشاطبي: " إن الكتاب قد تقرر أنه كليّة الشريعة، وعمدة المِلَّة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيءٍ يخالفه، وهذا كُلُّه لا يحتاج إلى تقريرٍ واستدلالٍ عليه؛ لأنه معلومٌ من دين الأُمَّة " (3).
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب في جوانب عديدةٍ من أهمها مايأتي:
أولا: الكتاب هو المصدر الأول الذي يجب أن يفزع إليه المجتهد في سائر أنواع الاجتهاد بمافي ذلك الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة.--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (2/ 9)، الإحكام للآمدي (1/ 215 - 216)، نهاية السول (2/ 3 - 4) البحر المحيط للزركشي (1/ 441 - 442)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 18)، شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 223 - 224) تيسير التحرير (3/ 3)، شرح الكوكب المنير (2/ 7 - 8)، فواتح الرحموت (2/ 9)، إرشاد الفحول (1/ 169).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 1)، الإحكام للآمدي (1/ 211 - 212)، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 8)، البحر المحيط للزركشي (1/ 41)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/ 339)، التحبير شرح التحرير (3/ 1229)، شرح الكوكب المنير (2/ 5).
(3) الموافقات: (4/ 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
وذلك لأنه أصل الأدلة ، وكلُّها ترجع إليه ، فهي إما تابعةٌ له، أو متفرِّعةٌ عنه (1).
قال أبوبكر الجصاص (2): " فما بيِّنه الرسولُ فهو عن الله عز وجل ، وهو من تبيان الكتاب له؛ لأمر الله إيانا بطاعته ، واتباع أمره ، وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضاً عن الكتاب؛ لأن الكتاب قد دلَّ على صحة حُجِّيته الإجماع، وأنهم لا يجتمعون على ضلال ، وما أوجبه القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد جميع ذلك من تبيان الكتاب؛ لأنه قد دلَّ على ذلك أجمع ، فما من حُكْمٍ من أحكام الدِّين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ذكرنا" (3).
وقال الغزالي " إذا حقَّقنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى؛ إذ قول الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحُكْمٍ ولا ملزم، بل هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى أنه حَكَم بكذا وكذا ، فالحُكْم لله تعالى وحده، والإجماع يدل على السُّنة، والسُّنَّة على حُكْم الله تعالى " (4).
وقال الآمدي في سياق كلامه عن أنواع الأدلة: " وكلُّ واحدٍ من هذه الأنواع، فهو دليلٌ لظهور الحُكْم الشرعي عندنا به ، والأصل فيها إنما هو الكتاب ; لأنه راجعٌ إلى قول الله تعالى المشرِّع للأحكام، والسُّنَّة مُخْبِرةٌ عن قوله تعالى وحُكْمِه، ومستندُ الإجماع فراجعٌ إليهما ، وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النصِّ أو الإجماع، فالنصُّ والإجماع أصل، والقياس والاستدلال فرعٌ تابعٌ لهما " (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: قواطع الأدلة (1/ 32) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 807)، الموافقات (4/ 182)، البحر المحيط للزركشي (1/ 441)، التجيير شرح التحرير (3/ 1231). .
(2) هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، من أهل الرأي، سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رئاسة الحنفية في عصره، وخوطب ي أن يلي القضاء فامتنع، من مؤلفاته: أصول الفقه (ط)، وأحكام القرآن (ط)، توفي سنة (370 هـ).
ينظر في ترجمته: الجواهر المضيئة (1/ 220)، الفوائد البهية (28)، الأعلام للزركلي (1/ 171).
(3) أحكام القرآن: (3/ 246).
(4) المستصفى: (2/ 2).
(5) الإحكام: (1/ 212).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
وقال الشاطبي: " فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى" (1).
ولمَّا كان الكتاب هو أصل الأدلة بدأ به الأصوليون وقدَّموه على سائر الأدلة في الاعتبار والنظر (2).
ثانيا: يُعْتَبر الكتاب هو المَعين الذي لا ينضب للمعاني والأوصاف التي أنيطت بها الأحكام في الشريعة؛ لأن أكثر ورود الأحكام في القرآن جاء على وجهٍ كليٍّ يندرج تحته من الجزئيات في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ما لا ينحصر.
قال الشاطبي: " تعريف القرآن الكريم بالأحكام الشرعيَّة أكثره كليٌّ لا جزئي، وحيث جاء جزئياً فمأخذه على الكليُّة إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل، إلا ما خصَّه الدليل، مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم" (3).
فكلُّ ما يُسْتَجَد في حياة الناس ومعاملاتهم وأحوالهم فهو مندرِجٌ تحت معنىً كليٍّ نصَّ عليه القرآنُ الكريم، أو دلَّ عليه ، علِمه من علِمه ، وجهلِه من جهلِه.
ولذلك جاء الكتاب {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] إما نصَّاً أو دلالة (4).
قال الشافعي: " فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها" (5).
وأُورِد عليه: بأن من الأحكام ماثبت بالسُّنَّة أو غيرها (6).--------------------------------------------
(1) الموافقات: (3/ 230).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 2) ، الإحكام للآمدي (1/ 215) ، روضة الناظر (1/ 266) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 8) ، البحر المحيط للزركشي (1/ 441) ، شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 222) ، شرح الكوكب المنير (2/ 6) ، إرشاد الفحول (1/ 169).
(3) الموافقات: (4/ 180).
(4) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (3/ 246) ، الموافقات (4/ 184 - 188).
(5) الرسالة: (1/ 20).
(6) ينظر: قواطع الأدلة (1/ 32)، البحر المحيط للزركشي (1/ 441).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
وأجيب عنه: بأن ذلك مأخوذٌ من كتاب الله في الحقيقة؛ لأن كتاب الله تعالى أوجب علينا إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفرضَ علينا الأخذ بقوله ، وحذَّرنا من مخالفته (1).
والاجتهاد في استخراج المعاني والأوصاف التي أنيطت بها الأحكام في الكتاب، وتنقيحها ، والتحقُّق من ثبوتها في الأفراد والجزئيات غير المتناهية ، من أكمل مراتب تحصيل العلم بمسائل الأحكام.
قال الشاطبي: " لابدَّ في كلِّ مسألةٍ يُراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه أن يُلْتَفَت إلى أصلها في القرآن، فإن وُجدت منصوصاً على عينها أو ذُكِر نوعها أو جنسها؛ فذاك، وإلا فمراتب النظر فيها متعدِّدة" (2).
ثالثاً: إن مناط الحُكْم لابدَّ له من دليلٍ يشهد له بالاعتبار (3).
وهو ماعبَّر عنه الأصوليون ب "مسالك العِلَّة"، أي: الطرق الدالة على العِلَّة، وتنحصر في ثلاثة أنواع: النصّ، والإجماع، والاستنباط (4).
والنصُّ يشمل الكتاب والسُّنَّة وهو نوعان:
النصُّ الصريح في التعليل، وهو: " أن يُذْكَر دليلٌ من الكتاب أو السُّنَّة على التعليل بالوصف بلفظٍ موضوعٍ له في اللغة من غير احتياجٍ فيه إلى نظرٍ واستدلال " (5).
قال الآمدي: " وهو قسمان: الأول: ما صرَّح فيه بكون الوصف عِلَّةً أو سبباً للحُكْم الفلاني، وذلك كما لو قال: العِلَّة كذا أو السبب كذا، القسم الثاني: ما ورد فيه حرفٌ من حروف التعليل كاللام، وكي، ومن، وإنَّ، والباء" (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجعين السابقين.
(2) الموافقات: (4/ 197).
(3) ينظر البحر المحيط للزركشي: (5/ 184).
(4) ينظر: المرجع السابق.
(5) الإحكام للآمدي: (3/ 317).
(6) الإحكام: (3/ 317).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
ومثاله قوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7] أي: كي لا تبقى الدُّولة بين الأغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم ، فعلَّل سبحانه قسمة الفيء بين الأصناف بتداوله بين الأغنياء دون الفقراء (1).
والنصُّ الظاهر في التعليل، وهو: " كلُّ ما ينقدح حملُه على غير التعليل أو الاعتبار إلا على بُعْد" (2).
ومعناه: أن يحتمل اللفظ غير العليَّة احتمالاً مرجوحاً.
وعبَّر عنه الآمدي بمسلك "التنبيه والإيماء" (3).
وله صورٌ عديدة، منها: ترتيب الحُكْم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب (4).
ومثاله: كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
وهذا " يدل على أن ما رُتِّب عليه الحُكْم (بالفاء) يكون عِلَّةً للحُكْم؛ لكون (الفاء) في اللغة ظاهرةً في التعقيب، ولهذا فإنه لو قيل: " جاء زيدٌ فعمرو " فإن ذلك يدل على مجيء عمرو عقيب مجيء زيدٍ من غير مهلة، ويلزم من ذلك السببية؛ لأنه لا معنى لكون الوصف سبباً إلا ما ثبت الحُكْم عقيبه، وليس ذلك قطعاً بل ظاهراً؛ لأن (الفاء) في اللغة قد تَرِد بمعنى (الواو) في إرادة الجمع المطلق، وقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المُهْلة" (5).
قال الزركشي: " فالفاء للجزاء، والجزاء مُسْتَحَقٌّ بالمذكور السابق، وهو السرقة مثلاً؛ لأن التقدير: إنْ سَرَقَ فاقطعوه" (6).
و" القرآن وسُنَّة رسول الله مملوآن من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح،--------------------------------------------
(1) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 318) ، البحر المحيط للزركشي (5/ 188).
(2) البحر المحيط للزركشي: (5/ 189).
(3) الإحكام: (3/ 319 - 320).
(4) ينظر: الإحكام (3/ 320).
(5) الإحكام للآمدي: (3/ 320 - 321).
(6) البحر المحيط للزركشي: (5/ 193).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شَرَعَ تلك الإحكام، ولأجلها خَلَقَ تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسُّنَّة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنَّه يزيد على ألف موضعٍ بطرقٍ متنوعةٍ، فتارةً يذكر لام التعليل الصريحة، وتارةً يذكر المفعول لأجله الذي هو المقصود بالفعل، وتارةً يذكر" مِنْ أجل" الصريحة في التعليل، وتارةً يذكر أداة كي، وتارةً يذكر الفاء وإنَّ، وتارةً يذكر أداة لعلَّ المتضمنة للتعليل المجرَّدة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارةً ينبِّه على السبب يذكره صريحاً، وتارةً يذكر الأوصاف المشتقَّة المناسبة لتلك الأحكام، ثم يرتِّبها عليها ترتيب المسبَّبات على أسبابها." (1).
ويُعْتَبر نصُّ الكتاب أهم المسالك الدالة على مناطات الأحكام ، وهو مقدَّمٌ على غيره من المسالك الأخرى.
" قال الشافعي رضي الله عنه: متى وجدنا في كلام الشارع ما يدل على نَصْبِه أدلةً أو أعلاماً ابتدرنا إليه، وهو أولى ما يُسْلَك " (2).
وإذا تقرَّر ماسبق ، وثبت مناط حُكْمٍ بنصِّ الكتاب كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] لم يبق حينئذٍ إلا الاجتهاد في إثبات وجود ذلك المناط - وهو وصف السرقة- على بعض أفراده الدَّاخلة تحته ، كتحقيق أن النبَّاش سارق، فيجب عليه الحدُّ وهو القطع.
رابعاً: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام، وهو يشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة ، وما عُلِمَ من عادتهما في شرع الأحكام.
والمناط لا يتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ ما لا يُعْتَبر فيه، وجامعاً لجميع ما هو معتبرٌ فيه إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشارع كما تقدم بيانه (3).--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة: (2/ 22).
(2) البحر المحيط: (5/ 186).
(3) ينظر: (116 - 117).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
قال ابن تيمية: " وهنا نوعٌ ثانٍ يُسمَّى تنقيح المناط، وهو أن يكون الشارع قد نصَّ على الحُكْم في عينٍ معيَّنة، وقد عُلِمَ بالنصِّ والإجماع أنَّ الحُكْم لا يختصُّ بها، بل يتناولها وغيرَها، فيحتاج أن ينقَّح مناط الحكم، أي يمَّيز الوصف الذي تعلَّق به ذلك الحكم، بحيث لا يُزداد عليه ولا يُنْقَص منه" (1).
ومن الأمثلة التي توضح ذلك: إلغاء الوصف الفارق وهو الذُّكورة بين العبد والأَمَة في قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] وذلك بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عليَّته وهو" الأنوثة "، وتعيين وصف " الرِّق " مناطاً للحُكْم الذي هو تشطير الحدِّ، فوجب استواؤهما فيه؛ لما عُلِمَ من عادة الشرع التسوية بين الذَّكَرِ والأنثى في ذلك (2).
خامساً: إن الكتاب من المسالك المُعْتَبرة في تحقيق مناطات الأحكام (3).
ولكن ذلك قليل جداً؛ لأن أكثر أحكام الكتاب - كما تقدَّم - كلي (4).
قال ابن تيمية: " الشرائع جاءت بالأحكام الكليَّة مثل إيجاب الزكوات وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أَمْرُ أحدٍ بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله عنه إن لم يُعْلَم دخوله في تلك الأنواع الكليَّة، وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن معه فعل مأمورٍ ولا ترك محظورٍ إلا بعلمٍ معينٍ بأن هذا المأمور داخلٌ فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخلٌ فيما نهى الله عنه، وهذا الذي يُسمَّى تحقيق المناط " (5).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 338).
(2) ينظر: شرح تنقيح الفصول (388)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (5/ 288)، نثر الورود (2/ 522)، نشر البنود (2/ 205).
(3) ينظر: (262 - 263).
(4) ينظر: (288 - 289).
(5) درء تعارض العقل والنقل: (10/ 172).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
سادساً: قد يثبت الحُكْم بنصِّ الكتاب دون أن يتعرَّض لمناطه نصَّاً ولا إيماءاً، فيُجْتَهَد حينئذٍ في استخراجه بأحد المسالك الاجتهادية ، كالمناسبة أو السَّبْر والتقسيم أو الدوران.
ومثاله: تحريم الخمر في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] فالآية نصٌّ صريحٌ على تحريم الخمر، ولم يتعرَّض النصُّ لبيان عِلَّة الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيستخرج المجتهد وصفاً ظاهراً منضبطاً وهو " الإسكار "، يحصل من ترتيب الحُكْم عليه مصلحة المحافظة على العقول، ولا يجد غيرَه من الأوصاف الصالحة للعِلِّية مثلَه ولا أولى منه، فكونه سائلاً أو بلون كذا أو بطعم كذا كلها أوصافٌ غير ملاءمةٍ للتحريم، فيعيِّن المجتهدُ وصفَ " الإسكار " مناطاً لحُكْم التحريم، ويستدِلُّ على ذلك بإظهار ملاءمته للحُكْم، وهو كون وصف "الإسكار " يحصل من ترتيب الحُكْم عليه جلب مصلحةٍ وهي حفظ العقول من الاضطراب، ولا يوجد وصفٌ غيرُه مثلُه ولا أولى منه في محلِّ الحكم (1)
سابعاً: من ضوابط تحقيق المناط الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لأن الغرض من الاجتهاد في تحقيق المناط موافقة قصد الشارع في الأحكام ، وهذا يستلزم معرفة مراتب المصالح والمفاسد في الشرع ، ويُعْتَبر الكتاب هو منبع العلم بالمصالح والمفاسد ومراتبها؛ لأن " معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها " (2).
وإذا كان الأمر كذلك؛ " لزم ضرورةً لمن رام الاطلاع على كليَّات الشريعةـ وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها، أن يتخذه - أي: القرآن الكريم - سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مرِّ الأيام والليالي؛ نظراً وعملاً" (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (4/ 620)، شفاء الغليل (145 - 146)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 239)، البحر المحيط للزركشي (5/ 219)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 273)، شرح الكوكب المنير (4/ 155).
(2) قواعد الأحكام لابن عبدالسلام: (1/ 11 - 12).
(3) الموافقات: (4/ 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
المبحث الثاني
علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة ، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف السُنَّة لغةً واصطلاحاً.
السُّنَّة في اللغة تعني: السيرة والطريقة سواءٌ كانت حسنَةً أو قبيحة (1).
قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها مِنْ بعدِه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (2).
والسُّنَّة في اصطلاح الأصوليين: ماصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (5/ 2139) ، معجم مقاييس اللغة (3/ 61) ، لسان العرب (13/ 225) ، تاج العروس (13/ 230 - 231) مادة " س ن ن".
(2) أخرجه مسلم في "صحيحه" ، كتاب الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، رقم (1017) من حديث المنذر بن جرير عن أبيه.
(3) ينظر: الإحكام للآمدي (1/ 227) ، الإبهاج (2/ 288) ، نهاية السول (3/ 3) ، البحر المحيط للزركشي (4/ 164) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 22) ، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 94) ، تيسير التحرير (3/ 19) ، شرح الكوكب المنير (2/ 160 - 166) ، إرشاد الفحول (1/ 186).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
المطلب الثاني: حُجِّيَّة السُّنَّة.
أجمع المسلمون على أن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية التي قُصِد بها التشريع والاقتداء حُجَّةٌ في الدِّين يجب قبولها ، ودليلٌ من أدلة أحكام الشرع يجب العمل بها، وهو من ضروريات الدِّيانة.
قال ابن أمير بادشاه: " حُجِّية السُّنَّة سواءٌ كانت مفيدةً للفرض أو الواجب أو غيرهما (ضرورةٌ دينية) ، كلُّ من له عقلٌ وتمييزٌ حتى النساء والصبيان يعرف أن من ثبتت نبوته صادقٌ فيما يُخْبِر عن الله تعالى ، ويجب اتباعه" (1).
وقد قامت أدلةٌ كثيرةٌ على حجيتها ، ومن ذلك:
أولاً: وردت آياتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم تنصُّ صراحةً على وجوب اتباع أمره صلى الله عليه وسلم ، ولزوم طاعته ، وردِّ كلِّ أمرٍ إليه، وعدم التقدَّم عليه، وأن ما يصدر عنه إنما هو وحيٌ من الله.
ومنها: قوله تعالى {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} [آل عمران: 32]
وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)} [آل عمران: 132] [آل عمران: 132].
وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الفرقان: 63]
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)} [الحجرات: 1]
وقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3، 4].
فهذه الآيات وغيرها تدل على لزوم طاعته صلى الله عليه وسلم، واتِّباع هديه، واقتفاء أثره ، ولولم تكن سُنَّته عليه الصلاة والسلام حُجَّةً يجب قبولها لما أمر الله--------------------------------------------
(1) تيسير التحرير: (3/ 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقرنها بطاعته ، وحذَّر من مخالفة أمره.
قال الشافعي: " وضع الله رسوله من دينه وفرْضِه وكتابه، الموضعَ الذي أبان - جل ثناؤه - أنه جعله عَلَمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحرَّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قَرَن من الإيمان برسولَه مع الإيمان به" (1).
ثانياً: إن لزوم العمل بالقرآن يقتضي لزوم العمل بالسُّنَّة؛ لأنها بيانٌ للقرآن ، فهي تخصِّص عمومه ، وتقيِّد مُطْلَقَه ، وتوضِّح مُشْكِلَه ، وتفصِّل مُجْمَلَه ،ولايمكن الاستغناء بحالٍ عن السُّنَّةُ في فهم القرآن الكريم.
قال الشاطبي: " السُّنَّةً راجعةٌ في معناها إلى الكتاب؛ فهي تفصيل مُجْمَلِه، وبيان مُشْكِلِه، وبَسْطِ مُخْتَصَرِه؛ وذلك لأنها بيانٌ له .. " (2).
قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].
وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن يشمل أنواع البيان كافّة ، سواءً كان بالأقوال ، أو الأفعال ، أو التقريرات (3).
ومن ذلك: أن القرآن الكريم تضمَّن فرائض مُجْمَلَةً تحتاج إلى البيان في كيفياتها ، ومقاديرها ، ومواقيتها ، ونحو ذلك ، كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها ، فجاءت السُّنَّة القولية والفعلية والتقريرية ببيان كيفياتها ، ومقاديرها ، ومواقيتها (4).
وهذا المعنى يستلزم القول بحُجِّية السُّنَّة؛ لأنه لايمكن العمل بالفرائض المُجْمَلَة في القرآن إلا بالعلم بالسُّنَّة، والعملِ بمقتضاها في تلك الفرائض ، فدلَّ ذلك على اعتبارها دليلاً على الأحكام الشرعيَّة لايجوز الحيد عنه.
ولهذا فإنه: "لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه وهو السُّنَّة؛ لأنه إذا كان كليَّاً وفيه أمورٌ جُمْليَّةٌ كما في شأن--------------------------------------------
(1) الرسالة: (73).
(2) الموافقات: (4/ 314).
(3) ينظر: إعلام الموقعين (4/ 98 - 104)، شرح الكوكب المنير (2/ 183 - 691) ، إرشاد الفحول (2/ 742).
(4) ينظر: الرسالة للشافعي (21 - 22) ، إعلام الموقعين (4/ 98 - 104).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
الصلاة والزكاة والحجِّ والصوم ونحوها؛ فلا محيص عن النظر في بيانه" (1).
ثالثاً: عمل الصحابة رضي الله عنهم في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد مماته ، ومن بعدهم التابعون والمجتهدون في كلِّ عصرٍ ومصر ، حيث كانوا لايقدِّمون على القرآن والسُّنَّة شيئاً ، وإذا بلغتهم سُنَّةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعوها وعملوا بمقتضاها.
فهذه الأدلة وغيرها تقتضي اعتبار السُّنَّة دليلاً كليَّاً على الأحكام الشرعيَّة ، يلزم قبوله والعمل به.
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة.
تظهر علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة في جوانب عديدةٍ من أهمها ما يأتي:
أولاً: إن مناط الحُكْم لابدَّ له من دليلٍ يشهد له بالاعتبار ، ومن أقوى الأدلة المُعْتَبرة مسلك النصّ والإيماء الذي يشمل الكتاب والسُّنَّة (2).
وأعني بالنصِّ: " ماتكون دلالته على العليِّة ظاهرةً سواءً كانت قاطعةً أو محتمَلة" (3).
وعبَّر بعض الأصوليين كالآمدي وصفي الدين الهندي عن النصِّ القاطع بالصريح، وهو: وهو ما وضع لإفادة التعليل، بحيث لا يحتمل غير العِلَّة، وله ألفاظٌ منها: كي ، ولأجل كذا ، ومن أجل كذا ، ولعِلَّة كذا (4).
وعبَّروا عن النصِّ المُحْتَمَل بالظاهر، وهو ما يحتمل غير العليِّة احتمالاً مرجوحاً ، مثل: "اللام"، و"إنّ"، و"الباء"، حيث نصَّ أهل اللغة على أن أصل الاستعمال فيها أنها للتعليل إلا لقرينة (5).--------------------------------------------
(1) الموافقات: (4/ 183).
(2) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 356) ، شرح الكوكب المنير (4/ 117).
(3) المحصول: (5/ 139).
(4) ينظر: شرح الكوكب المنير (4/ 118 - 117).
(5) ينظر: الإبهاج (3/ 43 - 44) ، شرح الكوكب المنير (4/ 121 - 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
قال الآمدي: " فهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل، إلا أن يدلَّ الدليل على أنها لم يُقْصَد بها التعليل فتكون مجازاً فيما قُصِد بها " (1).
أما الإيماء فهو: "اقتران الوصف بحُكْمٍ لو لم يكن الوصف - أو نظيره - للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيداً من فصاحة كلام الشارع، وكان إتيانه بالألفاظ في غير مواضعها، مع كون كلام الشارع منَّزهاً عن الحشو الذي لا فائدة فيه" (2).
ومن الأمثلة على النصِّ الصريح الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنة النبوية:
- قوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن أكل لحوم الأضاحي في أول الأمر: "إنما نهيتكم من أجل الدَّافَّة فكلوا وادَّخروا وتصدَّقوا " (3).
أي: لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام التشريق، وهم قومٌ وردوا عُرْباً، فأمرهم أن لا يدَّخروا لحوم الأضاحي توسعةً عليهم (4).
والدَّافَّة بتشديد الفاء: قومٌ يسيرون جميعاً سيراً خفيفاً ، ودفَّ يدِفُّ بكسر الدال، ودَّافَّة الأعراب: من يَرِدُ منهم المِصْر، والمراد هنا مَنْ وَرَدَ من ضعفاء الأعراب للمواساة (5).
فقوله صلى الله عليه وسلم: " من أجل الدَّافَّة" نصٌ صريحٌ على مناط الحُكْم، وهو النهي عن أكل الأضاحي ثلاثة أيام.
ومن الأمثلة على النصِّ الظاهر الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنة النبوية:--------------------------------------------
(1) الإحكام: (3/ 319).
(2) شرح الكوكب المنير: (4/ 125).
(3) أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الأضاحي ، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، رقم (1971) من حديث عبدالله بن واقد رضي الله عنه.
(4) ينظر: الإبهاج (3/ 43 - 44) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 359) ، شرح الكوكب المنير (4/ 118)
(5) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (13/ 129) ، فتح الباري لابن حجر (10/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
- قوله صلى الله عليه وسلم في المُحْرِم الذي وقصته (1) ناقته: " اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه (2)، فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبياً" (3).
وقد اختلفوا في التعليل " بإنّ " المشدَّدة المكسورة هل هو صريح، أو ظاهر، أو إيماء، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيَّاً "؟
ذهب الآمدي (4)، وابن الحاجب (5) إلى أنه صريحٌ في التعليل، خصوصاً فيما لحقته الفاء؛ فإنها يزاد بها تأكيداً لدلالتها على أن ما بعدها سببٌ للحُكْم قبلها.
وعند البيضاوي (6) ، وابن السُّبكي (7): أن التعليل بـ "إنّ" من قسم الظاهر.
قال ابن العطَّار: " قوله «فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيا» عِلَّةً لقوله «لا تمسُّوه طيباً، ولا تخمِّروا رأسه» ، فإن النهي يفيد التحريم الذي هو من الأحكام الشرعية" (8).
وهذه العِلَّة إنما ثبتت لأجل الإحرام فتعمّ كلَّ مُحْرِم (9).
قال ابن حجر (10): " وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام ، كاستبقاء دم الشهيد" (11).--------------------------------------------
(1) الوقص: كسر العنق. ينظر: فتح الباري لابن حجر (3/ 136).
(2) أي: لا تغطوه. ينظر: فتح الباري (3/ 136).
(3) أخرجه البخاري ، كتاب الجنائز ، باب الكفن في ثوبين ، رقم (1265) ، وأخرجه مسلم ، كتاب الحج ،
باب مايفعل بالمحرم إذا مات ، رقم (1206) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) ينظر: الإحكام (3/ 318 - 319).
(5) ينظر: مختصر ابن الحاجب (2/ 1072).
(6) ينظر: منهاج الوصول (58).
(7) ينظر: جمع الجوامع (88).
(8) حاشية ابن العطَّار على شرح المحلي على جمع الجوامع: (2/ 307).
(9) ينظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 368) ، فتح الباري لابن حجر (3/ 137).
(10) هو: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، شهاب الدين ابن حجر، من أكابر فقهاء المحدثين، عالمٌ محقِّق، ولي قضاء مصر مرات ثم تركه، من مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري (ط)، والإصابة في معرفة الصحابة (ط)، ولسان الميزان (ط) في علم الجرح والتعديل، توفي بالقاهرة سنة (852 هـ).
ينظر في ترجمته: الضوء اللامع (2/ 36)، البدر الطالع (1/ 87)، الأعلام للزركلي (1/ 178).
(11) فتح الباري (3/ 137).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
ومن الأمثلة على الإيماء والتنبيه الكاشف عن مناطات الأحكام في السُّنَّة النبوية:
- قوله صلى الله عليه وسلم: " من اقتنى كلباً إلا كلب صيدٍ أو ماشيةٍ نقص من أجره كلَّ يومٍ قيراطان " (1).
حيث رتَّب الحُكْم الذي هو نقصان الأجر على الوصف الذي هو اقتناء الكلب -لا لصيدٍ أو ماشية- بصيغة الجزاء ، فتكون العِلَّة في نقصان الأجر هو الاقتناء لغير حاجة ، وهو من أنواع الإيماء بالعِلَّة؛ لأن الجزاء يعقب شرطه ويلازمه، ولا معنى للسبب إلا ما يثبت عقب الحُكْم ويوجد بوجوده (2).
ثانيا: النصُّ من أهم المسالك المُعْتَبرة في تنقيح مناطات الأحكام ، وهويشمل نصوص الكتاب والسُّنَّة ، وماعُلِم من عادتهما في شرع الأحكام.
وقد تقدَّم أن تنقيح المناط له صورتان: (3)
الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصف ، فيُحذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار ، ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعم.
والثانية: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصاف، فيُحذَف بعضها عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
وحاصل هاتين الصورتين أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين كما تقدَّم (4)، وكلاهما لابدَّ أن يُسْتَنَدُ فيه إلى دليلٍ شرعي؛ لأن الشرع كما اختصَّ بتقرير الأحكام فقد اختصَّ - أيضاً- باعتبار الأوصاف المؤثرة في تلك الأحكام وعدم اعتبارها كذلك ، فلزم الرجوع إلى شواهد الشرع (5).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب المساقاة ، باب الأمر بقتل الكلاب ، رقم (1574) من حديث عبدالله ابن
عمر رضي الله عنهما.
(2) ينظر: روضة الناظر (3/ 842) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 366 - 367) ، البحر المحيط للزركشي (5/ 201 - 202) ، التحبير شرح التحرير (7/ 3329) ، شرح الكوكب المنير (4/ 129).
(3) ينظر: (71).
(4) ينظر: (71).
(5) ينظر: المستصفى (3/ 598) ، شفاء الغليل (412) ، أساس القياس (50) ،المقترح للبروي (215 -
216) ، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3179) ، شرح الكوكب المنير (4/ 203) ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
قال الغزالي: " ومُدْرَكُه - أي: تنقيح المناط - شواهد الشرع" (1).
وعلى هذا فإن مناط الحُكْم لايتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ مالا يُعْتَبر فيه، وجامعاً لكلِّ ماهو معتبرٌ فيه "إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشرع" (2).
وجهة الشرع منحصرةٌ في الكتاب والسُّنَّة نصَّاً ودلالة ، وبهذا تكون السُّنَّة القولية والفعلية والتقريرية من أدلة تنقيح المناط.
والاستدلال بالسُّنَّة على تنقيح مناطات الأحكام لايقتصر على دلالة النصِّ فحسب، بل يشمل دلالات الألفاظ بأنواعها ، والأفعال، وقرائن الأحوال ، وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم التي جرت مجرى العادة في الأحكام إثباتاً ونفياً.
قال الغزالي: " تعريفات الشارع مختلفةٌ بالإضافة إلى ما به التعريف؛ فتارةً يُعْرَفُ بالقول وتارةً بالفعل، ثم إذا عُرِفَ لا بالقول: تارةً يكون بإشارةٍ، وتارةً بسكوتٍ، وتارةً باستبشارٍ، وتارةً بإظهار آثار كراهيةٍ، وعلى الجملة: قرائن أحواله في تصريفاته وإشاراته وهيئة وجهه في الفرح والكراهية يجوز أن تكون معرِّفاتٍ جاريةً في إفادة التعريف مجرى القول، فيكون ذلك توقيفاً .. " (3).
ومن الأمثلة على ذلك:
- أن السُّنَّة جاءت بأحكامٍ كثيرةٍ تتعلَّق بالعتق: من تطرق القرعة إليه ، واستحقاقه بسبب القرابة ، وكيفية نفوذه من المريض ، وكيفية تعلُّق الولاية ، وكيفية كونه سبباً في الولاية ، ونحو ذلك ، والسُّنَّة في تلك الأحكام كلها تُجْرِي الذكورَ مجرى الإناث ، ولاتلتفت إلى الاختلاف بينهما أصلاً ، فعدم تعرُّض السُّنَّة لهذا الاختلاف في تلك الأحكام دليلٌ على أن مدخل الذكورة--------------------------------------------
(1) شفاء الغليل: (430).
(2) أساس القياس: (52).
(3) المرجع السابق: (52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)