قال الشاطبي: "قصد الشارع من المكلَّف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصد الله في التشريع، والدليل على ذلك ظاهرٌ من وضع الشريعة، إذ قد مرَّ أنها موضوعةٌ لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلَّف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع" (1).
و"كلُّ من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شُرِعت له فقد ناقض الشريعة، وكلُّ من ناقضها فعملُه في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشْرَع له فعملُه باطل" (2)؛ وذلك لأنَّ "المشروعات إنما وُضِعَت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولِفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولِفت بها جلب مصلحةٍ ولا درء مفسدة" (3).
والتحُّيل هو: تقديم عملٍ ظاهر الجواز لإبطال حُكْمٍ شرعيٍّ، وتحويله في الظاهر إلى حُكْمٍ آخر (4).
فالمتحِّيل في فعله يرتكب محظورين (5):
الأول: أنه يقلب أحكام الأفعال ظاهراً، فيجعل الفعل المحرَّم في ظاهر الأمر جائزاً.
والثاني: أنه يهدم مقاصد الشرع من وضع تلك الأحكام، وذلك بجعل الأفعال التي قصد بها الشرع تحقيقَ المصلحة ودرءَ المفسدة وسائلَ إلى قلب تلك الأحكام.
وقد استدلَّ ابن تيمية على إبطال الحيل من أربعة وعشرين وجهاً (6)، وأوصل ابن القيم أدلتها إلى تسعةٍ وتسعين دليلاً (7).--------------------------------------------
(1) الموافقات: (5/ 23 - 24).
(2) المرجع السابق: (3/ 27 - 28).
(3) المرجع السابق: (3/ 28).
(4) المرجع السابق: (5/ 187).
(5) المرجع السابق: (3/ 106).
(6) ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل (34 - 283).
(7) ينظر: إعلام الموقعين (5/ 66 - 112)، إغاثة اللهفان (1/ 355 - 366).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
وأقوى الحجج وآكدها: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تحريم الحيل وإبطالها، وإجماعهم على ذلك حُجَّةٌ قاطعة (1).
ومن الأمثلة على ذلك:
- إبطال حيلة إسقاط الزكاة ببيع ما في اليد من النصاب قبل حلول الحول ثم استرداده بعد ذلك (2).
- تحريم بيع العينة، وهو أن يشتري سلعةً بثمنٍ مؤجَّلٍ ثم يبيعها إليه بثمن حالٍّ أقلَّ منه، فالبيع - هنا - صوري؛ إذا المقصود هو النقود وليس السلعة (3).
- إبطال نكاح المحلِّل؛ إذ مقصوده من إجراء عقد النكاح تحليل المرأة لزوجها الأول الذي طلَّقها طلاقاً بائناً، ولم يُقْصَد منه نكاح المرأة في الأصل لذاتها، وإنما اتخذ النكاح حيلةً ليطلقها بعد ذلك ثم ينكحها زوجها الأول (4).
ولا يفتأ أهل المكر والحيل المحُرَّمَة يُخْرِجون الباطل في القوالب المشروعة، ويأتون بصور العقود دون حقائقها ومقاصدها، ولاسيما في العصور المتأخرة التي تفشَّى فيها الغشُّ والخداع وضعفت فيها الديانة؛ لذا لابدَّ أن يكون المجتهد حَذِرَاً فَطِنَاً في تصرُّفات الناس، عالماً بأساليب خداعهم ومكرهم (5).
وحاصل القول أن الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام على أفعال المكلَّفين وأقوالهم يستلزم النظر في مقاصدهم من تلك التصرفات؛ لأن الأحكام تختلف بحسب اختلاف نياتهم ومقاصدهم في الأقوال والأفعال الصادرة عنهم.--------------------------------------------
(1) ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل (240)، إعلام الموقعين (5/ 90)، الموافقات (3/ 119).
(2) ينظر: إعلام الموقعين (5/ 195)، الموافقات (3/ 121 - 122).
(3) ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (69 - 71)، إعلام الموقعين (5/ 79 - 86)، إغاثة اللهفان لابن القيم (1/ 367 - 368).
(4) ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل (17 وما بعدها)، إغاثة اللهفان لابن القيم (1/ 365 - 366)، إعلام الموقعين (4/ 408 - 412)، الموافقات (3/ 125 - 127).
(5) ينظر: إعلام الموقعين (6/ 153 - 158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
المبحث الخامس
الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة
تقدَّم أن مقصود الشارع من وضع الأحكام هو جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها (1)، وهذا المقصد لابدَّ من اعتباره أثناء الاجتهاد في تعيين المصالح في الأحوال والأشخاص؛ وإلا عادت الأحكام على مقاصد الشرع بالنقض والإبطال (2).
وكلُّ ما يتضمن المحافظة على مقصود الشرع فهو مصلحةٌ لابدَّ من تحصليها، كما أنَّ كلَّ ما يتضمن تفويت مقاصد الشرع فهو مفسدةٌ لابدَّ من دفعها.
قال الغزالي: " نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكلُّ ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة " (3).
والمصالح والمفاسد تتفاوت - غالباً- في درجاتها، وهي ليست على رتبةٍ واحدة، فبعض المصالح أعظم من بعض، كما إنَّ بعض المفاسد أخطر من بعض، وعلى هذا التفاوت تترتَّب الفضائل والعقوبات (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: (236).
(2) ينظر: الإبهاج (1/ 8 - 9)، إعلام الموقعين (4/ 337 - 338)، الموافقات (5/ 41 - 43)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (183 - 188).
(3) المستصفى: (2/ 482).
(4) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 41 - 42)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (299).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
وقد يحدث بينها من الاجتماع والتعارض ما يقتضي الاجتهاد في الترجيح بينها، ولاسيما في الأزمنة المتأخرة التي اختلط فيها كثيرٌ من المفاسد بالمصالح، فلا يسع المكلَّفَ في كثيرٍ من الأحيان تحقيقُ مصلحةٍ مشروعةٍ إلا مع التلبُّس بمفسدةٍ عارضة.
قال ابن تيمية: " وتمام الورع أن يعلم الإنسانُ خيرَ الخيرين وشرَّ الشرَّين، ويعلم أنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعيَّة والمفسدة الشرعيَّة فقد يَدَعُ واجباتٍ ويفعل محرَّماتٍ، ويرى ذلك من الورع، كَمَنْ يَدَعُ الجهادَ مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك من الورع .. " (1).
والمراد بهذا الضابط: المقابلة بين المصالح والمفاسد المتعارضة في محلٍّ واحد، والترجيح بينها أثناء الاجتهاد في تعيين مصالح الأحكام في الأحوال والأشخاص المختلفة.
وهو فقهٌ دقيقٌ يحتاج إلى مزيد اعتناءٍ من المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام، وإلا أفسد المجتهدُ باجتهاده أكثر مما يصلح.
قال ابن تيمية: " والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسُّنَّة، كما يعرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسُّنَّة، فيفرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسُّنَّة، ليقدِّم ما هو أكثرُ خيراً، وأقلُّ شرَّاً على ما هو غيره، ويدفع أعظم الشرَّين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدِّين لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عَبَدَ الله بغير عِلْمٍ كان ما يفسد أكثر مما يصلح " (2).
والأدلة على اعتبار الشارع الترجيح بين المصالح والمفاسد المتعارضة كثيرةٌ، منها:--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى: (10/ 512 - 513).
(2) المرجع السابق: (20/ 305).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
1 - قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219].
فالآية تبيِّن أن المضارَّ والمفاسد الناتجة عن اقتراف الخمر والميسر من ذهاب العقل والمال وإثارة العداوة والبغضاء والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة وما يترتب على ذلك من الإثم أخطر من تحقيق بعض المنافع منهما، كتحقيق اللذة والربح العاجلين؛ لأن هذه المنافع لا توازي المضارَّ والمفاسد المترتبة على ذلك (1).
قال ابن كثير (2): " ولكن هذه المصالح لا توازي مضرَّته ومفسدته الراجحة؛ لتعلُّقها بالعقل والدِّين، ولهذا قال تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} " (3).
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " دعوه، وهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين " (4).
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بالكفِّ عنه رغم حصول المفسدة منه، وهي تنجيس بعض المسجد بالبول؛ وذلك لأن تلك المفسدةَ مرجوحةٌ في مقابل مفسدةٍ أعظم منها فيما لو قُطِعَ عليه بوله، وهي إيقاع الضرر به في صحته، وانتشار البول على ثيابه وبدنه ومواضع كثيرةٍ من المسجد، مع ما في ذلك من تنفيره عن ما جاء به الإسلام من الأحكام والآداب المرعية.
قال النووي: " وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفِّهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " دعوه "، قال العلماء: كان قوله صلى الله عليه وسلم: " دعوه " لمصلحتين، إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزءٍ يسيرٍ من المسجد، فلو أقاموه--------------------------------------------
(1) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 136)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (290).
(2) هو: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر البصري ثم الدمشقي، صاحب التفسير المشهور والمعروف بتفسير ابن كثير، اخذ عن الآمدي وابن تيمية، ونشأ في بيت علمٍ وأدب، كان إماماً محققاً في التفسير والحديث والتاريخ، من مؤلفاته: البداية والنهاية (ط)، وتفسير القرآن العظيم (ط)، وغيرهما، توفي بدمشق سنة (774 هـ).
ينظر في ترجمته: الدرر الكامنة (1/ 399)، شذرات الذهب (6/ 131)، الأعلام للزركلي (1/ 320).
(3) تفسير القرآن العظيم: (2/ 292).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم (220).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
في أثناء بوله لتنجَّست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد " (1).
3 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الجَدْرِ: أمِنَ البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فلِمَ لمْ يدخلوه في البيت؟ قال: إنَّ قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأنهُ بابه مرتفعاً، قال: فعل ذلك قومك ليُدْخِلوا من شاءوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبُهم لنظرتُ أن أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيت وأن أُلْزِق بابه الأرض" (2).
قال النووي (3):
" في هذا الحديث دليلٌ لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدةٌ وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بُدِئَ بالأهمّ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً؛ وذلك لِما كانوا يعتقدونه مَنْ فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيماً فتركها صلى الله عليه وسلم " (4).
4 - إن تقديم أرجح المصالح ودرء أعظم المفاسد من الأمور الجِبِليَّة التي طبع الله عليها نفوس الخلق، فلا يخفى على عقل عاقلٍ أنَّ تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمودٌ حسَن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمودٌ حسَن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمودٌ حسَن (5).
فالأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين بفوات أدناهما (6).
ولو خُيِّر الصبيُّ بين اللذيذ والألذِّ لاختار الألذ، ولو خُيِّر بين الحسَن والأحسَن لاختار الأحسَن، ولا يقدِّم الصالحَ على الأصلح إلا الجاهلُ بفضل--------------------------------------------
(1) شرح صحيح مسلم للنووي: (2/ 194).
(2) سبق تخريجه: (238).
(3) هو: أبو زكريا يحيى بن شرف الحوراني النووي، محي الدين، فقيهٌ شافعي، كان عالماً بالحديث، من مؤلفاته: شرح صحيح مسلم (ط)، ومنهاج الطالبين (ط) في فقه الشافعية، والمجموع شرح المهذب للشيرازي (ط) لم يكمله، توفي في نوا من قرى حوران بالشام سنة (676 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (5/ 165)، طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 266)، الأعلام للزركلي (8/ 149).
(4) شرح صحيح مسلم: (5/ 421).
(5) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 7 - 8).
(6) ينظر: المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
الأصلح، أو شقيُّ متجاهلٌ لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من تفاوت (1).
والموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة - غالباً- ما تكتنفها كثيرٌ من الملابسات، وهذا يستلزم إجراء الموازنة وفق ضوابط شرعيَّةٍ تُراعى فيها جميع الوجوه، وأن لا يُتْرَك الأمر للأذواق والأهواء المختلفة.
قال ابن تيمية: " اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تُعْوِز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام " (2).
وهذه الضوابط تنقسم بحسب أنواع تعارض المصالح والمفاسد إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ضوابط الموازنة بين المصالح المتعارضة.
الثاني: ضوابط الموازنة بين المفاسد المتعارضة.
الثالث: ضوابط الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القسم الأول: الموازنة بين المصالح المتعارضة.
إذا تعارضت عدَّة مصالح في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر تحصيلها فإنه يصار للترجيح بينها بحسب ما يأتي:
- إذا كانت المصالح المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كان بعضها ضرورياً، وبعضها حاجياً، وبعضها تحسينياً، فإنه تُقَدَّم المصالح الضرورية على الحاجية والتحسينية، وتُقَدَّم الحاجية على التحسينية؛ لأن المصالح الضرورية لابدَّ منها لقيام مصالح الدِّين والدنيا، وإذا فُقِدَت لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فسادٍ وتهارجٍ وفوات حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (1/ 9).
(2) مجموع الفتاوى: (28/ 129).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
والخسران المبين، والمصالح الحاجية إنما يفتقر إليها للتوسعة على المكلَّفين ورفع الضيق والحرج عنهم، ولا يترتب على فقدها ما يترتب على فقد الضروريات، أما المصالح التحسينية فلأنه لا يترتب على فقدها تلفٌ أو هلاك، ولا ينشأ عن فواتها حرجٌ ولا مشقة، وإنما يترتب على فقدها أن تصبح أحوال الناس غير مُستحسَنَةٍ عند ذوي العقول السليمة والفطر القويمة (1).
مثاله: تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلاة في أول وقتها؛ لأن إنقاذ الغرقى المعصومين تتحقق به مصلحةٌ ضروريةٌ وهي حفظ النفس، بينما أداء الصلاة في أول وقتها من المصالح التحسينية المندوب إلى فعلها (2).
- وإذا كانت المصالح المتعارضة متساويةً في الرتبة، ولكنها مختلفةٌ في النوع، بأن كانت من الضروريات، لكن بعضها يتعلَّق بحفظ الدين، وبعضها يتعلَّق بحفظ النفس، وبعضها يتعلَّق بحفظ العقل، وبعضها يتعلَّق بحفظ النسل، وبعضها يتعلَّق بحفظ المال، فإنه تقدم المصالح المتعلِّقة بحفظ الدين، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ النفس، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ العقل، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ النسل، ثم المصالح المتعلِّقة بحفظ المال، وذلك بحسب أهمية ما يترتب عليها في أحكام الشرع (3).
مثاله: تقديم إنقاذ الأنفس عند الأخطار على إنقاذ الأموال؛ لأن حفظ النفس أعظم رتبةً في الطلب من حفظ المال (4).
-وإذا كانت المصالح المتعارضة متساويةً في الرتبة والنوع، وكان بعضها عامَّاً، وبعضها خاصّاً، بأن كانت من الضروريات، وتتعلَّق بحفظ نوعٍ واحدٍ من الكليَّات الخمس، كالدِّين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وبعضها يُعْتَبر من المصالح العامة، وبعضها من المصالح الخاصة، فإنه تُقَدَّم المصلحة المتعلِّقة بالعموم على المصلحة المتعلِّقة بالخصوص؛ لأن اعتناء الشرع--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (2/ 17 - 23)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (300 - 308).
(2) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 96).
(3) ينظر: الموافقات (2 - 511 - 512)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (303 - 305).
(4) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 104 - 105)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (297).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
بالمصلحة العامة أكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة (1).
مثاله: العالِم الذي يعتزل الناس خوفاً من الرياء والعجب وحبِّ الرياسة، وكذلك السلطان أو الولي العدل الذي يصلح لإقامة تلك الوظائف، والمجاهد إذا قعد عن الجهاد خوفاً من قصده طلب الدنيا به أو المحمدة، وكان ذلك الترك مؤدياً إلى الإخلال بهذه المصلحة العامة، فالقول هنا بتقديم مصلحة العموم على الخصوص أولى؛ لأنه لا سبيل لتعطيل مصالح الخلق ألبتة (2).
والضابط الكُلِّيُّ الجامع في الموازنة بين المصالح المتعارضة في محلٍّ واحدٍ هو ترجيح أقوى المصلحتين وأعظمهما بحسب النظر إلى مقاصد الشرع لا من حيث أهواء النفوس.
القسم الثاني: الموازنة بين المفاسد المتعارضة.
إذا تعارضت عدَّة مفاسدٍ في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر درؤها جميعاً، فإنه يُصَار للترجيح بينها بحسب ما يأتي:
- إذا كانت المفاسد المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كان بعضها يفوِّت ضرورياً، وبعضها يفوِّت حاجيَّاً، وبعضها يفوِّت تحسينياً، فإنه يُقْدَم درء المفاسد التي يفوِّت الضروريات على المفاسد التي تفوِّت الحاجيات والتحسينيات، ويُقْدَم درء المفاسد التي تفوِّت الحاجيات على المفاسد التي تفوِت التحسينيات؛ لأن أعظم المفاسد ما يفوِّت الضروريات الخمس أو يُخِلُّ بها، ثم ما يفوِّت الحاجيات، ثم ما يفوِّت التحسينيات، فإذا تعارض بعضها في محلٍّ واحدٍ ولم يُمْكِن درؤهما جميعاً فإنه يدفع أعظمهما بارتكاب أدناهما (3).
قال ابن القيم: " فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما،--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (3/ 92 - 96)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (279 - 281).
(2) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 116)، الموافقات (3/ 94).
(3) ينظر: الموافقات (2/ 511)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (290 - 291).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه مَنْ أباه " (1).
مثاله: جواز كشف عورة المريض للتداوي؛ حيث تدفع أعظم المفسدتين وهي إهلاك النفس أو البدن بارتكاب أدناهما، وهي الإطلاع على عورة المريض لعلاجه؛ لأن المفسدة الأولى تفوِّت ضرورياً أو حاجياً، والثانية تفوِّت تحسينياً، فيُقَدِّم درء المفاسد التي تفوِّت الضروريات أو الحاجيات على ما يفوّت التحسينيات (2).
- وإذا كانت المفاسد المتعارضة متساويةً في الرتبة، ولكنها مختلفةٌ في النوع، بأن كانت من المفاسد التي تفوِّت الضروريات أو تُخِلُّ بها، لكن بعضها يتعلُّق بالدِّين، وبعضها يتعلُّق بالنفس، وبعضها يتعلُّق بالعقل، وبعضها يتعلُّق بالنسل، وبعضها يتعلُّق بالمال، فإنه يُقْدَم درء المفاسد المتعلِّقة بالدِّين، ثم المتعلِّقة بالنفس، ثم المتعلِّقة بالعقل، ثم المتعلِّقة بالنسل، ثم المتعلِّقة بالمال، وذلك بحسب درجاتها في الأهمية، وما يترتب عليها من تحقُّق مقاصد الشرع (3).
مثاله: إذا اضطر إلى أكل مال الغير إنقاذاً لنفسه من الهلاك فإنه يأكل منه؛ لأن حُرْمَة مال الغير أخفُّ من حُرْمَة النفس، وفوات النفس أعظم من إتلاف مال الغير ببدل (4).
قال الغزالي: " إذا تعارض شرَّان أو ضرران قَصَدَ الشرعُ دفع أشدِّ الضررين وأعظم الشرَّين " (5).
-وإذا كانت المفاسد المتعارضة متساويةً في الرتبة والنوع، ولكن بعضها عام، وبعضها خاص، كأن تكون من المفاسد التي تفوِّت ضرورياً أو تُخِلُّ به،--------------------------------------------
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: (222).
(2) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 155).
(3) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/ 52)، الموافقات (2/ 511)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (303 - 305).
(4) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 131).
(5) المستصفى: (2/ 496).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
وتتعلَّق بحفظ نوعٍ واحدٍ من الكليَّات الخمس كالدِّين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، إلا أن بعضها يتعلَّق بالعموم، وبعضها يتعلَّق بالخصوص، فإنه يُقْدَم درء المفاسد العامّة على المفاسد الخاصّة، ويُتَحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام (1).
مثاله: جواز التسعير إذا تواطأ التُّجار على رفع أسعار السلع الضرورية وبيعها بغنىً فاحش؛ وذلك لأنَّ المفسدة في رفع أسعار تلك السلع تتعلَّق بعموم الناس، ومفسدة التسعير بثمن المثل تتعلَّق بخصوص التُّجار، فَيُقَدَّم درء المفسدة العامَّة على المفسدة الخاصَّة (2).
والضابط الكليُّ الجامع في الموازنة بين المفاسد المتعارضة هو: دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما وأخفِّهما ضرراً، وذلك بحسب مقاصد النظر إلى الشرع لا من حيث أهواء النفوس.
القسم الثالث: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.
إذا تعارضت عدَّة مصالحٍ ومفاسد في محلٍّ واحدٍ، وتعذَّر تحصيل المصالح ودرء المفاسد معاً، فإنه يُصَار للترجيح بينها بحسب ما يأتي:
- إذا كانت المصالح والمفاسد المتعارضة مختلفةً في مراتبها، بأن كانت المصالح تتعلَّق - مثلاً - بالضروريات، والمفاسد تتعلَّق بالحاجيات أو التحسينيات، فإنه يُقَدَّم طلب المصلحة على درء المفسدة؛ لأنها أعظم رتبةً من الأخرى (3).
مثاله: جواز التلفُّظ بكلمة الكفر لمن أُكِره على ذلك وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان؛ لأن حفظ المُهَج والأرواج مصلحةٌ ضروريةٌ أكمل من مفسدة التلفُّظ--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (3/ 57 - 58)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (96)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1/ 40)، شرح القواعد الفقهية للزرقا (197).
(2) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/ 77)، الطرق الحكمية لابن القيم (208 - 209)، غمز عيون البصائر (1/ 282)، المدخل الفقهي للزرقا (2/ 995 - 996).
(3) ينظر: الإبهاج (3/ 65)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/ 538)، القواعد للمقَّري (2/ 443)، الموافقات (2/ 46)، (3/ 96 - 97).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
بكلمةٍ لا يعتقدها الجنان، ولو صبر عليها لكان أفضل؛ لما فيه من إعزاز الدِّين وإجلال رب العالمين (1).
أو كانت المفاسد -مثلاً- تتعلَّق بالضروريات، والمصالح تتعلَّق بالحاجيات أو التحسينيات، فإنه يُقْدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة؛ لأنها أعظم رتبةً من الأخرى، واعتناء الشرع بالمنهيات أشدُّ من اعتنائه بالمأمورات (2).
مثاله: تحريم بيع السلاح في زمن الفتنة بين المسلمين، فإنه وإن كان في بيعه مصلحةٌ حاجيَّةٌ للبائع إلا أنه قد يحصل بسبب ذلك إراقة الدماء، فيُقَدَّم درء المفسدة التي تتعلَّق بحفظ ضروريٍّ وهو النفس على جلب مصلحةٍ حاجيَّةٍ وهي تحقيق الربح للبائع (3).
- وإذا كانت المصلحة والمفسدة المتعارضتان متساويتين في مراتبهما، ولكنهما مختلفتان في النوع، بأن كانتا من الضروريات، لكن المصلحة تتعلَّق بحفظ الدين، والمفسدة تتعلَّق بحفظ النفس أو العقل أو النسل أو المال، فإنه يُقْدَّم جلب المصلحة المتعلِّقة بحفظ الدِّين على درء المفسدة المتعلِّقة بحفظ النفس أو العقل أو النسل أو المال (4).
مثاله: تقديم الجهاد في سبيل الله الذي يتعلَّق بحفظ الدِّين على درء المفسدة التي تتعلِّق بحفظ النفس؛ لأن حفظ الدِّين وقيامه أكمل مصلحةٍ من مفسدة فوات النفس (5).
قال الشاطبي: " وقد تكون المفسدة مما يُلغى مثلها في جانب عِظَمِ المصلحة، وهو ما ينبغي أن يُتَفَق على ترجيح المصلحة فيه " (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (1/ 137)، الموافقات (3/ 124).
(2) ينظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 105)، الموافقات (5/ 300)، الأشباه والنظائر للسيوطي (87)، الأشباه والنظائر لابن نجم (90)، شرح الكوكب المنير (4/ 447).
(3) ينظر: الموافقات (3/ 54)، إعلام الموقعين (5/ 63 - 64).
(4) ينظر: قواعد الأحكام (1/ 136 - 149).
(5) ينظر: الموافقات (2/ 64)، مقاصد الشريعة لابن عاشور (296).
(6) الموافقات: (3/ 96).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
أو قد تكون المفسدة تتعلَّق بحفظ النفس، والمصلحة تتعلَّق بحفظ العقل أو النسل أو المال، فإنه يُقْدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة (1).
مثاله: جواز شقِّ جوف المرأة عن الجنين المرجو حياته؛ لأن فوات حياته أعظم مفسدةً من مصلحة حفظ حُرْمَة أُمِّه، فيُقْدَّم درء المفسدة التي تتعلَّق بحفظ النفس على جلب المصلحة التي تتعلَّق بغير ذلك كالعقل أو النسل أو المال (2).
- وإذا كانت المصلحة والمفسدة المتعارضتان متساويتين في الرتبة والنوع، وكانت المصلحة تتعلَّق بالعموم، والمفسدة تتعلَّق بالخصوص، بأن كانت من الضروريات، وتتعلَّق بحفظ نوعٍ واحدٍ من الكليَّات الخمس كالدِّين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وكانت المصلحة عامَّة، والمفسدة خاصَّة، فإنه يُقْدَّم جلب المصلحة العامَّة على المفسدة الخاصَّة (3).
مثاله: تضمين الصُنَّاع إذا هلكت العين المؤجرة بأيديهم دون تعدٍ منهم أو تفريط، لأنَّ في ذلك مصلحةً عامَّةً للناس تتعلَّق بحفظ أموالهم، رغم أنَّ فيه مفسدةً خاصَّةً وهي تضمين الصانع ما تلف عنده (4).
أو كانت المفسدة عامَّة، والمصلحة خاصَّة، فإنه يُقَدَّم درء المفسدة العامَّة على جلب المصلحة الخاصَّة (5).
مثاله: منع بيع الحاضر للباد، فإن في ذلك رفعاً للأسعار تعود مصلحته للبادي وهي مصلحةٌ خاصَّة، إلا أنه يُلْحِق الضرر بعامَّة الناس بسبب احتكار السلعة والتحكُّم في سعرها، فيُقْدَّم درء المفسدة العامَّة على جلب المصلحة الخاصَّة (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: قواعد الأحكام (1/ 141 - 142)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (99)، الأشباه والنظائر للسيوطي (87).
(2) ينظر: المرجع السابق.
(3) ينظر: الموافقات (3/ 57 - 58).
(4) ينظر: المرجع السابق.
(5) ينظر: المرجع السابق.
(6) ينظر: المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
والضابط الكُلِّيُّ الجامع في الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة في محلٍّ واحدٍ هو: ترجيح الأعظم منها، فإن كانت جهة المصلحة أعظم كان جلب المصلحة أولى من درء المفسدة، وإن كانت جهة المفسدة أعظم كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وذلك بحسب مقاصد الشارع التي هي عماد الدِّين والدنيا لا بحسب أهواء النفوس، وعلى ذلك جرت تصرفات الشارع الحكيم (1).
قال ابن تيمية: "العمل إذا اشتمل على مصلحةٍ ومفسدةٍ فإن الشارع حكيم، فإن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَهُ، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه" (2).
وعلى هذا فإن الاجتهاد في إثبات مُتعلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ لأن مقصود الشريعة من وضع الأحكام هو جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا المقصد لابدَّ من اعتباره أثناء الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام في الأحوال والأشخاص.--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (2/ 64).
(2) مجموع الفتاوى: (11/ 623).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
الفصل الخامس
مسالك تحقيق المناط
ويشتمل على تمهيد ومبحثين:
المبحث الأول: المسالك النقلية.
المبحث الثاني: المسالك الاجتهادية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
الفصل الخامس (*)
مسالك تحقيق المناط
إنَّ الكشف عن مناط الحُكْم في الأصل يُعْتَبر مقدمةً ضروريةً للتحقُّق من ثبوته في بعض أفراده، وقد اعتنى الأصوليون بالمسالك النقلية والاجتهادية للكشف عن مناط الحُكْم بَيْد أن مسالك الكشف عن ثبوت ذلك المناط في بعض أفراده لم يَحْظَ بمثل ذلك الاعتناء، ولم أظفر في مصنفات الأصوليين بشيءٍ يتعلَّق بذلك سوى بعض الدقائق واللُّمع التي سطَّرها بعض المحقِّقين كالغزالي، وعزِّ الدين … ابن عبدالسلام، والقرافي، والشاطبي، وابن تيمية، وابن القيم رحمهم الله جميعاً.
ويُعْتَبر الغزالي أول من أشار إلى بعض المسالك الدَّالة على ثبوت المناط في الفرع بعد ثبوته في الأصل، وذلك في موضعين:
الموضع الأول: في كتابة: " شفاء الغليل " (1) عند بحثه في برهان الاعتلال الذي هو الجمع بين الفرع والأصل برابطة العِلَّة، وأنَّ شكل هذا البرهان يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، وبيانه أنك تقول: المغصوب مضمون، فهذه مقدمة، وتقول: العقار مغصوب، فهذه مقدمةٌ ثانية، فنتيجتهما: أنَّ العقار مضمون، وتقول: المطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم، فالرِّبا يجري في السفرجل (2).
ثم أوضح أنَّ النزاع قد يُفْرَض في المقدِّمة الأولى مع تسليم الثانية،--------------------------------------------
(1) ينظر: (435 - 439).
(2) ينظر: شفاء الغليل (435).
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (الرابع)، وهو غلط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
كقول الخصم: أُسَلِّمُ أنَّ السفرجل مطعوم، ولكن لا نُسَلِّم أنَّ الطعم عِلَّة الرِّبا، وقد يُسَلِّم المقدمة الأولى وينازِع في الثانية، كقوله: سَلَّمتُ أنَّ الغصب عِلَّة الضَّمان، ولكن لا نُسَلِّم وجود الغصب في العقار (1).
ثم ذكر أن النزاع إذا وقع في المقدِّمة الأولى لم تثبت إلا بالأدلة الشرعيَّة؛ لأن المُتَنَازَع فيه قضيةٌ شرعيَّة، وهو كون الطعم عِلَّةً مثلاً، فيثبت ذلك بالنصِّ أو الإيماء أو الإجماع أو المناسبة، ونحو ذلك من المسالك الشرعيَّة (2).
أمَّا إذا وقع النزاع في المقدِّمة الثانية - وهو: وجود العِلَّة في الفرع بعد تسليم كون الوصف عِلَّةً - فهذا يُعْرَف تارة بالحِسّ إن كان الوصف حِسِّياً، وقد يُعْرَف بالعُرْف، وقد يُعْرَف باللغة، وقد يُعْرَف بطلب الحِدِّ وتصور حقيقة الشيء في نفسه، وقد يُعْرَف بالأدلة الشرعيَّة النقلية (3).
وما ذكره - هنا - من الطرق التي يُسْتَدَل بها على وجود العِلَّة في الفرع هو ما أسميته: " مسالك تحقيق المناط ".
الموضع الثاني: في كتابه: " أساس القياس " (4) حيث نصَّ على أنَّ تحقيق مناط الحُكْم في فرعٍ ما يُدْرَك بأصولٍ خمسة، وهي: اللغة، والعُرْف، والنظر العقلي، كالنظر في اختلاف الأجناس والأصناف، والحِسّ، والنظر في طبيعة الأشياء وجبلتها وخاصيتها الفطرية (5).
وما ذكره الغزالي في الموضعين لا يُعْتَبر حصراً لهذه المسالك، وإنَّما اقتصاراً على أهمها، لأنَّه لا يُمْكِن حصرها ولا نهاية لها.
وقد أشار الغزالي إلى ذلك بقوله: " فهذه خمسة أصنافٍ من النظريات، وهي: اللُّغوية، والعُرْفية، والعقلية، والحِسِّية، والطبيعية، وفيه أصنافٌ أخرى--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (436).
(2) ينظر: المرجع السابق.
(3) ينظر: المرجع السابق.
(4) ينظر: (40 - 43).
(5) ينظر: المرجع السابق (41 - 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
يطول تعدادها. . ." (1).
والسبب في ذلك يعود إلى أن مسالك تحقيق المناط تُعْتَبَر من أدلة وقوع الأحكام، والأدلة الدَّالة على وقوع الأحكام غير منحصرة، وقد أوضح القرافي الفرق بين أدلة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام فقال: " أدلة مشروعية الأحكام محصورةٌ شرعاً تتوقف على الشارع، وأدلة وقوع الأحكام هي الأدلة الدَّالة على وقوع أسبابها وحصول شروطها وانتفاء موانعها، فأدلة مشروعيتها: الكتاب، والسُّنة، والقياس، والإجماع، . . . ونحو ذلك مما قُرِّر في أصول الفقه، وهي نحو العشرين، يتوقف كلُّ واحدٍ منها على مُدْرَكٍ شرعيٍّ يدلُّ على أن ذلك الدليل نَصَبَهُ صاحب الشرع لاستنباط الأحكام، وأما أدلة وقوعها فهي غير منحصرة، فالزوال - مثلاً - دليل مشروعيته سبباً لوجوب الظهر عند قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78]، ودليل وقوع الزوال وحصوله في العالَم الآلاتُ الدَّالة عليه وغيرُ الآلات كالأَسْطُرْلاب (2) ..
وغير ذلك من الموضوعات والمُخْتَرَعَات التي لانهاية لها، وكذلك جميع الأسباب والشروط والموانع لا تتوقف على نَصْبٍ من جهة الشرع، بل المتوقف سببية السبب وشروطية الشرط ومانعية المانع، أمَّا وقوع هذه الأمور فلا يتوقف على نَصْبٍ من جهة صاحب الشرع، ولا تنحصر تلك الأدلة في عدد، ولا يمكن القضاء عليها بالتناهي" (3).
وإذا تقرَّر أنَّ مسالك تحقيق المناط غير منحصرةٍ فيمكن القول بأن الضابط في ذلك: أنَّ كلَّ ما يدلُّ -غالباً- على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده يصح اعتباره مسلكاً من مسالك تحقيق المناط؛ لأن إيقاع الأحكام على الأعيان لا يلزم أن يُعْلَم بالأدلة الشرعيَّة النقلية، بل يُعْلَم بكلِّ ما يدل على وقوعها، ولا معارض له أرجح منه.
قال ابن تيمية: " الشارع بيَّن الأحكام الكليَّة، وأمَّا الأحكام المُعَيَّنات التي--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (42).
(2) الأَسْطُرْلاب هو: جهاز استعمله القدماء في تعيين ارتفاع الأجرام السماوية ومعرفة الوقت والجهات الأصلية.
ينظر: مفاتيح العلوم للخوارزمي (153)، المعجم الوسيط (17).
(3) ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي (2/ 129) في الفرق السادس عشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
تُسَمَّى: "تحقيق المناط" مثل كون الشخص المُعَيَّن عَدْلاً أو فاسقاً أو مؤمناً أو منافقاً أو وليَّاً لله أو عدوَّاً له، وكون هذا المُعَيَّن عدوَّاً للمسلمين يستحقُّ القتل، وكون هذا العقار ليتيمٍ أو فقيرٍ يستحقُّ الإحسان إليه، وكون هذا المال يُخَاف عليه من ظلم ظالمٍ فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله، فهذه الأمور لا يجب أن تُعْلَم بالأدلة الشرعيَّة العامة الكليَّة، بل تُعْلَم بأدلةٍ خاصةٍ تدلُّ عليها" (1).
وعلى هذا فالمسالك الدَّالة على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده قد ترجع إلى النقل المحضّ وهو قليل، وقد ترجع إلى الرأي والنظر وهو كثير.
ولذلك لمَّا ذكر الغزالي الأصول الخمسة التي يُدْرَكُ بها وجود المناط في الفرع قال: "وفيه أصولٌ أُخَر يطول تعدادها، وهو على التحقيق تسعة أعشار النظر الفقهي" (2).
وفيما ذكر الغزالي إشارةٌ إلى أن أكثر المسالك التي يُدْرَكُ بها ثبوت المناط في بعض أفراده ترجع إلى الاجتهاد والنظر.
وقال ابن تيمية: "فالرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط الذي لا خلاف بين الناس في استعمال الرأي والقياس فيه، فإنَّ الله أَمَرَ بالعدل في الحكم، والعدل قد يُعْرَف بالرأي، وقد يُعْرَف بالنصِّ" (3).
ولهذا فقد ارتأيت تقسيم المسالك التي يُدْرَك بها ثبوت المناط في بعض أفراده بعد ثبوته في الأصل إلى: مسالك نقلية، ومسالك اجتهادية.
والمراد بالمسالك النقلية: أن يدلَّ دليلٌ نقليٌّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
والمراد بالمسالك الاجتهادية: أن يدلَّ دليلٌ اجتهاديٌّ على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
وسأتناول في هذا الفصل أهمَّ المسالك النقلية والاجتهادية مع ذكر أمثلةٍ توضيحيةٍ لها، وذلك من خلال مبحثين:--------------------------------------------
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (10/ 478 - 479).
(2) ينظر: أساس القياس (42).
(3) ينظر: الاستقامة (1/ 7 - 8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
المبحث الأول
المسالك النقلية
وهي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، وقول الصحابي.
قال الغزالي: " .. وقد يُعْرَف - أي: ثبوت المناط في الفرع - بالأدلة الشرعيَّة النقلية " (1)، ثم ضَرَبَ على ذلك أمثلةً توضيحية كما سيأتي بيانه (2).
ولمَّا ذكر ابن تيمية أن الرأي كثيراً ما يكون في تحقيق المناط نبَّه إلى أنه كما يُعْرَف ثبوت المناط في مُعَيَّنٍ بالرأي فكذلك قد يُعْرَف بالنصّ (3)، أي: بالأدلة النقلية.
وبيان هذه المسالك على النحو الآتي:
المسلك الأول: الكتاب.
وهو أن يدلَّ القرآنُ الكريم على ثبوت مناط الحُكْم في بعض أفراده.
ومثاله: إباحة القرآن الكريم الزواجَ من غير المحرَّمات اللاتي ذُكِرْنَ في سورة النساء بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] ومن ذلك الزواج من مُطَلَّقَات الأدعياء، وقد حقَّق القرآن الكريم مناط هذا الحُكْم في إباحة زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش (4) رضي الله عنها لمَّا طلقَّها زيدٌ بن حارثة (5) الذي قد تبنَّاه الرسول صلى الله عليه قبل النبوة، وذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37].--------------------------------------------
(1) شفاء الغليل: (436).
(2) ينظر: المرجع السابق (437 - 438).
(3) ينظر: الاستقامة: (1/ 7 - 8).
(4) هي: زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، أم المؤمنين رضي الله عنها، كانت زوجة زيد بن حارثة واسمها " بَرَّة "، فلما طلقها زيد رضي الله عنه تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم وسماها " زينب "، توفيت سنة (20 هـ).
ينظر في ترجمتها: طبقات ابن سعد (8/ 101)، الاستيعاب (4/ 1849)، الأعلام للزركلي (3/ 66)
(5) هو: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، صحابي جليل، اشترته خديجة بن خويلد رضي الله عنها، ثم وهبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين تزوجها، فتبناه النبي عليه الصلاة والسلام قبل الإسلام، ثم أعتقه، استشهد رضي الله عنه في غزوة مؤتة سنة (8 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (3/ 40)، الاستيعاب (2/ 542)، الأعلام للزركلي (3/ 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)