فالمِثْلُ وَرَدَ في الشرع مطلقاً، والمطلوب من المجتهد تعيين أنواعه، فإذا قيل: الكبش مثلاً للضبع، والعنز مثلاً للغزال، والعَنَاق (1) مثلاً للأرنب، فهذا من تحقيق المناط في الأنواع، حيث اعتبر مناط المثلية جنساً، ثم أُثْبِتَ هذا المناط في بعض أنواعه الداخلة تحته دون النظر إلى أشخاصٍ معينة (2).
فهذا القسم يتعلق النظر فيه بالاجتهاد في إرجاع كلِّ نوعٍ إلى جنسه ليشمله حكمه، حتى لا يبقى نوعٌ من الأنواع إلا ويتحقق مناطه بإدراجه تحت جنسٍ معين، ولا يتعلق النظر فيه بالاجتهاد في أشخاصٍ معينة.
القسم الثاني: تحقيق المناط في الأشخاص أو الأعيان.
ومن خلال تأمل الأمثلة التي أوردها الشاطبي (3) يمكن بيان أن المراد به: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم - أي: مناطه - في أشخاصٍ معينة.
وهو نوعان:
النوع الأول: تحقيقٌ عام، وهو: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم من حيث هو في مكلَّفٍ ما من غير التفاتٍ إلى شيءٍ غير القبول المشروع بالتهيئة الظاهرة (4).
وقد أوضح الشاطبي هذا المعنى بقوله: " وذلك أن الأول - أي: تحقيق المناط العام - نظرٌ في تعيين المناط من حيث هو لمكلَّفٍ ما؛ فإذا نظر المجتهد في العدالة مثلاً، ووجد هذا الشخص متصفاً بها على حسب ما ظهر له، أوقع عليه ما يقتضيه النصُّ من التكاليف المنوطة بالعدول من الشهادات، والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة " (5).
وهذا المعنى مبنيٌّ على أن الأصل في الأحكام أن تُنَزَّل على أفعال--------------------------------------------
(1) العَنَاق: الأنثى من أولاد المعز.
ينظر: لسان العرب (10/ 274)، تاج العروس (26/ 216) مادة: " ع ن ق ".
(2) ينظر: الموافقات (5/ 17).
(3) ينظر: الموافقات (5/ 23).
(4) ينظر: المرجع السابق (5/ 23).
(5) المرجع السابق: (5/ 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
المكلَّفين باعتبارها مطلقةً من كلِّ قيدٍ، فإذا تحقق المجتهد من وجود مناط الحُكْم في المكلَّفين والمُخَاطَبين على الجملة أوقع عليهم أحكامَ تلك النصوص من غير التفاتٍ إلى شيءٍ غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة، فالمكلَّفون كلهم في أحكام النصوص على سواءٍ في هذا النظر (1).
النوع الثاني: تحقيقٌ خاص، وهو: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في مكلَّفٍ ما بالنظر إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، أو بالنظر إلى ما يصلحه في نفسه بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حالٍ، وشخصٍ دون شخص (2).
وكما يتضح من التعريف أن هذا النوع له صورتان:
الصورة الأولى: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في مكلفٍ ما بالنظر إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يُتَعَرَّف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى، والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها المجتهد على ذلك المكلَّف مقيَّدةً بقيود التحرُّز من تلك المداخل (3).
وهذه الصورة تشمل مُطْلَق التكليفات الشرعيَّة، وهو ما عبَّر عنه الشاطبي بقوله: " هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره " (4).
ويعني بذلك: أن هذه الصورة من تحقيق المناط الخاص تشمل ما طلب الشارع فعله أو تركه طلباً جازماً أو غير جازم، فكلُّ المطلوبات الشرعيَّة اللازمة وغيرها يدخله العُجْبُ به، والرياء، والسمعة، والاعتماد على العمل، وهكذا من تحميل النفس فيهما ما لا قدرة لها عليه، فيدخل بذلك في الضرر أو الحرج، فهذه القيود تخلِّص له العمل من تلك الشوائب (5).
الصورة الثانية: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في مكلَّفٍ ما بالنظر إلى ما يصلحه--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (5/ 23).
(2) ينظر: المرجع السابق (5/ 24 - 25).
(3) ينظر: المرجع السابق (5/ 24 - 25).
(4) المرجع السابق: (5/ 25).
(5) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (5/ 25).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
في نفسه بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حال، وشخصٍ دون شخص (1).
وذلك لأن النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزانٍ واحد، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك، فَرُبَّ عملٍ صالحٍ - غير لازم - يدخل بسببه على شخصٍ ضررٌ أو فترة، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر، وَرُبَّ عملٍ يكون حظُّ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عملٍ آخر، ويكون بريئاً من ذلك في بعض الأعمال دون بعض (2).
ولما كانت النفوس تختلف مقاصدها، وتتفاوت مداركها، وتتباين قوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، كان اللائق بالمقصود الشرعي في تلقي التكاليف أن يحمل على كلِّ نفسٍ من أحكام الشرع ما يليق بها ويصلحها (3).
وهذه الصورة من تحقيق المناط الخاص تقتصر على التكاليف الشرعيَّة غير اللازمة، ولهذا صرَّح الشاطبي بأن هذا النوع من النظر يختصُّ بغير المنحتم من التكاليف (4)، وذلك باعتبار أن التكاليف اللازمة إذا وُجِدَ شرطها وانتقى مانعها فإنها لا تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال والأشخاص، فالمكلَّفون فيها سواءٌ كما تقدَّم (5).
ومن الأمثلة على ذلك: إذا تحقَّق المجتهد من عدالة مكلَّفٍ ما، فإن هذا لا يكفي في توليته المناصب الشرعيَّة كالقضاء والإمامة والجهاد؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص في استعداداتهم العلمية والنفسية والجسدية، وإلا لم يحصل المقصود من تلك الولايات، فلابد أن يتعرف منه على ما يحقق مصالحها على أتمِّ وجه، كما أنه لابدَّ من أن يتعرف على مداخل الشيطان--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (5/ 25).
(2) ينظر: المرجع السابق (5/ 25).
(3) ينظر: المرجع السابق (5/ 25).
(4) ينظر: المرجع السابق (5/ 25).
(5) ينظر: (204).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
والهوى والحظوظ العاجلة، وإلا عادت عليه تلك الولاية بفساد آخرته (1).
ولما كان هذا النوع من تحقيق المناط يتعلق بالنظر إلى كلِّ واقعةٍ بعينها، وكلِّ مكلَّفٍ بخصوصه في حالٍ دون حالٍ ووقتٍ دون وقتٍ، اعتُبِر من أدقِّ أنواع الاجتهاد في الشريعة، وهو ناشئٌ بعد تحصيل شرائطه عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] ومن رُزِق هذا النظر فقد أوتي الحكمة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] كما أشار إلى ذلك الشاطبي رحمه الله (2).
وهذا النوع من تحقيق المناط بُنِيَ الاجتهاد فيه على النظر في الأدلة الدالة على الأحكام مع اعتبار التوابع والإضافات الطارئة عليها، حيث إن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالِّها ينقسم إلى قسمين (3):
القسم الأول: الاقتضاء الأصلي قبل أن تطرأ العوارض، وهو الواقع على المحلِّ مجرَّداً عن التوابع والإضافات، كالحُكْم بإباحة الصيد، والبيع، وسُنَّية النكاح.
والقسم الثاني: الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحلِّ مع اعتبار التوابع والإضافات، كالحُكْم بإباحة النكاح لمن لا أَرَبَ له في النساء، ووجوبه على مَنْ خشي العَنَت.
فالنظر في تحقيق مناط الأشخاص يتعلق بالنظر إلى مكلَّفٍ بعينه وما يصلحه في نفسه، بحسبٍ وقتٍ دون وقتٍ، وحالٍ دون حال، وهذا مبنيٌّ على النظر إلى الأدلة الدالة على الأحكام مع اعتبار التوابع والإضافات التي طرأت عليها.--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (5/ 25).
(2) ينظر: الموافقات (5/ 23 - 24).
(3) ينظر: المرجع السابق (3/ 292).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
الفصل الثالث
حُكْم العمل بتحقيق المناط والأدلة على اعتباره
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حُكْم العمل بتحقيق المناط.
المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتحقيق المناط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
المبحث الأول
حُكْم العمل بتحقيق المناط
اتفق الأصوليون على إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، إذا كان المناط معلوماً ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ، ويجتهد في تحقيقه في الفرع.
وقد حكى الإجماع على ذلك: العُكْبَري (1)، والغزالي (2)، وابن قدامة (3)، والطُّوفي (4)، والآمدي (5)، وابن السُّبْكي (6)، وابن تيمية (7)، والزركشي (8)، والمرداوي (9)، وابن النَّجار (10)، والشوكاني (11).
ومثاله فيما إذا كان المناط معلوماً بالنصِّ: وجوب استقبال القبلة، فالمناط -وهو التوجُّه إلى القبلة- معلومٌ بالنصِّ، وهو قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، أمَّا إنَّ هذه جهة القبلة - مثلاً - في حالة الاشتباه فإنما يُدْرَك بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظنِّ عند تعذُّر اليقين (12).--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه (1/ 81).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 487)، شفاء الغليل (409).
(3) ينظر: روضة الناظر (3/ 802 - 803).
(4) ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 235).
(5) ينظر: الإحكام (3/ 380).
(6) ينظر: الإبهاج (3/ 83).
(7) ينظر: مجموع الفتاوى (13/ 11)، (19/ 16)، (22/ 329)، منهاج السنة النبوية (2/ 474).
(8) ينظر: البحر المحيط (5/ 256).
(9) ينظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3453).
(10) ينظر: شرح الكوكب المنير (4/ 210).
(11) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 920).
(12) ينظر: المستصفى (3/ 487)، الإحكام للآمدي (3/ 379)، الإبهاج (3/ 83)، البحر المحيط للزركشي (5/ 256)، التحبير شرح التحرير (7/ 3453)، شرح الكوكب المنير (4/ 201).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
ومثاله فيما إذا كان المناط معلوماً بالإجماع: وجوب المِثْل في قِيَم المُتْلَفَات، فالمناط - وهو المِثْل في القيمة - معلومٌ بالإجماع، أما المثلية في القيمة في بعض الصور الجزئية فمظنونٌ بقول المُقَوِمِين المبنيِّ على الاجتهاد والمقايسة، فمن أتلف فرساً فعليه ضمانه، والضمان هو المِثْل في القيمة، أما كون مائة درهمٍ مِثْلاً له في القيمة فإنما يُعْرَف بالاجتهاد (1).
وهذا النوع من الاجتهاد يُعْتَبر من ضرورات الشريعة؛ لأن الشارع لا يمكن أن ينصَّ على حُكْم كلِّ واقعةٍ أو شخص، فالتنصيص على عدالة كلِّ شاهد، وقدر كفاية كلِّ شخصٍ مُحَال، وإنما جاءت الشريعة بألفاظٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مُطْلَقَةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر (2).
قال ابن تيمية: " فهذا الاجتهاد - أي: تحقيق المناط - مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروريٌّ في كلِّ شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكليَّة، ثم يُحْتَاج إلى معرفة دخول ما هو أخصّ منها تحتها من الأنواع والأعيان " (3).
والمناط إذا ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ فالاجتهاد في تحقيقه في إحدى صوره الجزئية لا يُعْتَبر من القياس؛ لأنه نوع اجتهادٍ اتُفِقَ على العمل به بين الأُمَّة حتى عند مُنْكِرِي القياس؛ وذلك لأنَّ المناط ثبت بيقينٍ فلم يبقَ إلا الاجتهاد في إثبات محلِّه، وهذا من ضرورات الشريعة، وإلا بقيت الأحكام الشرعيَّة مقررةً في الأذهان، ولا وجود لها في الخارج (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 487)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 234)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3044)، الإبهاج (3/ 83).
(2) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (82)، المستصفى (3/ 487)، روضة الناظر (3/ 803)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235)، الإبهاج (3/ 83)، الموافقات (5/ 14)، نشر البنود (2/ 208)، نثر الورود (2/ 524 - 525).
(3) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 337).
(4) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (82)، المستصفى (3/ 487)، روضة الناظر (3/ 803)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235 - 236)، الإبهاج (3/ 83)، البحر المحيط للزركشي (5/ 13)، التحبير شرح التحرير (7/ 3454)، شرح الكوكب المنير (4/ 202)، الموافقات (5/ 19)، إرشاد الفحول (2/ 920)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (302).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
قال الغزالي: " وهذا النوع لا خلاف بين الأُمَّة في قبوله، وهو ضرورة كلِّ شريعة؛ لاستحالة التنصيص على عدالة كلِّ شخصٍ وكفايته، وهو نوع اجتهادٍ وليس بقياس؛ لأنه لا خلاف فيه، أما القياس فقد جرى فيه الخلاف " (1).
ونقل الزركشي عن العبدري أنه نازع الغزالي بأن الخلاف ثابتٌ فيه بين من يثبت القياس وينكره؛ لرجوعه إلى القياس (2).
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن نفاة القياس لابدَّ أن يعملوا بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط إذا كان المناط معلوماً بنصٍّ أو إجماع؛ لأنه لا يمكن إثبات حُكْم النوع أو العين إلا بمثل هذا النوع من الاجتهاد، وهو لا يُسمَّى قياساً عند القائلين به إذا كان المناط معلوماً ثبت بنصٍّ أو إجماع، وإن سُمِّيَ قياساً كان نزاعاً لفظياً؛ لأن من لم يصطلح على تسميته بالقياس اعتبر أن حُكْم الفرع مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته، لذلك أقرَّ به جماعةٌ من مُنْكِرِي القياس (3).
قال ابن بدران الدمشقي: " والحقُّ أنَّ الذين نفوا القياس لم يقولوا بإهدار كلِّ ما يُسمَّى قياساً، وإن كان منصوصاً على عِلَّته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، وما كان من باب فحوى الخطاب أو لَحْنِه على اصطلاح من يُسمِّي ذلك قياساً، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته " (4).
أما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بالاستنباط فقد اتفق القائلون بالقياس على--------------------------------------------
(1) شفاء الغليل: (409).
(2) ينظر: البحر المحيط (5/ 256).
(3) ينظر: أساس القياس (42)، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (7/ 337)، التحبير شرح التحرير (3454)، شرح الكوكب المنير (4/ 202)، نشر البنود (2/ 208)، نثر الورود (2/ 524 - 525)).
(4) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: (305).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، حيث لا فرق في ذلك - عندهم- بين ثبوت المناط بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (1)، إلا أن الحنفية لم يصطلحوا على تسميته بـ " تحقيق المناط " مع إثبات العمل بمقتضاه والاحتجاج به (2).
وقد يُتَصَوَّر الخلاف مع نفاة القياس - كالظاهرية - في صحة العمل به إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بالاستنباط، وذلك بناءً على ما ذهبوا إليه من إبطال تعليل الأحكام (3).
قال الآمدي: " ولا نعرف خلافاً في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، وإنما الخلاف فيه إذا كان مُدْرَك معرفتها الاستنباط " (4).
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه لا اعتبار لخلاف الظاهرية في أصل العمل بالقياس، سواءً ثبتت عِلَّته بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، وقد استقرَّ بحث الأصوليين على القول بتعليل الأحكام، والعمل بالقياس الصحيح، ولا عبرة بقول المخالف في ذلك؛ لكثرة الأدلة المتظافرة على إثبات التعليل في أحكام الشرع، وحجية دليل القياس (5).
وإذا ثبت تعليل الأحكام - كما تقدَّم (6) - فإن كثيراً من العِلَل والمعاني التي أنيطت بها الأحكام الشرعيَّة وجوداً وعدماً غير منصوصٍ أو مُجْمَعٍ عليها، فتُدْرَك حينئذٍ بمسلكٍ من المسالك الاجتهادية المُعْتَبرة، والقول بعدم جواز--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 491)، الإحكام للآمدي (2/ 379)، البحر المحيط للزركشي (5/ 257)، التلويح شرح التوضيح (2/ 162 - 163)، التحبير شرح التحرير (7/ 3453 - 3454)، شرح الكوكب المنير (4/ 200 - 201).
(2) ينظر: التقرير والتحبير (3/ 193)، تيسير التحرير (4/ 43)، فواتح الرحموت (2/ 350).
(3) ينظر: الإحكام لابن حزم (8/ 97 وما بعدها).
(4) الإحكام: (3/ 380).
(5) ينظر: المستصفى (3/ 494)، المحصول (5/ 26)، الإحكام للآمدي (4/ 9)، شرح تنقيح الفصول (385)، البحر المحيط للزركشي (5/ 16)، شرح الكوكب المنير (4/ 215)، تيسير التحرير (4/ 106).
(6) ينظر: (154 - 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
ذلك، والاكتفاء بالمعاني المنصوصة يفضي إلى إبطال الشرع جملةً.
قال ابن القيم (1): "وهل إبطاله الحِكَمَ والمناسباتِ والأوصافَ التي شُرِعت الأحكام لأجلها إلا إبطالٌ للشرع جملةً، وهل يمكن فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلَّم في الفقه مع اعتقاده بطلانِ الحِكْمَة والمناسبة والتعليل وقَصْدِ الشارع بالأحكام مصالحَ العباد؟ وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات، فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحِكَم والمصالح والعِلَل .. " (2).
وعلى هذا فإذا ثبت المناط بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ استلزم حينئذٍ الاجتهاد في التحقُّق من وجوده في الفروع والجزئيات الحادثة، وهو ما يُطْلَق عليه مُسمَّى: " الاجتهاد في تحقيق المناط ".
ولا يؤثر في أصل العمل بهذا النوع من الاجتهاد كونُ المناط ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط؛ لأنَّ المناط في هذه الصور ثبت بالدليل المعتبر من طريق الشرع، ولم يبق إلا الاجتهاد في التحقُّق من وجود ذلك المناط في بعض الصور والجزئيات التي تتجدَّد بتجدَّد الأزمنة والأمكنة والأحوال، فلا يؤثر في ذلك كون المناط مظنوناً أو معلوماً.
قال الزركشي: " إذا ظننا أو علمنا العِلَّة، ثم نظرنا وجودها في الفرع، وظننا تحقَّق المناط، فهو تحقيق المناط " (3).
وعلى هذا فلا يشترط أن تكون المقدِّمة الأولى قطعية، وهي كون المناط في حُكْم الأصل مقطوعاً به، بل يصح أن تكون المقدِّمة الأولى ظنية، لأنَّ الظنَّ يقوم مقام العِلْم - عند تعذُّرة- في وجوب العمل به (4).
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمثل" (5)، فإن هذا النصَّ لم يدلّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، كما لم يثبت--------------------------------------------
(1) هو: شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي الدمشقي الحنبلي، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتصر له فيما صدر عنه، وهذَّب كتبه ونشر علمه وكان شوكة في نحور المخالفين من أهل البدع والزندقة، من مؤلفاته الكثيرة: إعلام الموقعين (ط)، والصواعق المرسلة (ط)، وأحكام أهل الذمة (ط)، وغيرها، توفي بدمشق سنة (751 هـ).
ينظر في ترجمته: الدرر الكامنة (3/ 400)، النجوم الزاهرة (10/ 249)، ذيل طبقات الحنابلة (2/ 447).
(2) شفاء العليل: (205).
(3) البحر المحيط: (5/ 257).
(4) ينظر: البرهان (2/ 804)، أساس القياس (43)، قواعد الأحكام لابن عبدالسلام (2/ 21 - 22)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 4043).
(5) تقدَّم تخريجه: (49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
إجماعٌ في تعليل ذلك الحُكْم، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بأحد مسالك العِلَّة الاجتهادية، فيقال مثلاً: المناط في تحريم الرِّبا في البُرِّ هو " الطعم "، وقد ثبت ذلك بالظنِّ المستنِد إلى دليلٍ مُعْتَبَرٍ شرعاً في إدراك عِلَّة الحُكْم وهو مسلك السَّبْر والتقسيم (1)، والطعمُ موجودٌ في الأُرُز، فلا يجوز بيعُه إلا مِثْلاً بمِثْل (2).
فالمناط في هذا المثال ثبت بطريقٍ ظنيّ، ولم يؤثِّر ذلك في أصل العمل بالاجتهاد في تحقيق المناط وصحة الاحتجاج به؛ لأن الظنَّ يقوم مقام العِلْم في وجوب العمل به كما تقدَّم آنِفاً.--------------------------------------------
(1) ينظر: (165).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 490)، أساس القياس (37 - 38)، الإحكام للآمدي (3/ 381)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3047).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
المبحث الثاني
الأدلة على اعتبار العمل بتحقيق المناط
في هذا المبحث سأتناول الأدلة على إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، وهي على النحو الآتي:
الدليل الأول: إن الشريعة لم تنصّ على حُكْم كلِّ واقعةٍ بعينها أو كلِّ شخصٍ بعينه؛ لأن الوقائع والحوادث لا حصر لها.
قال الشهرستاني (1):
" وبالجملة نعلم قطعاً ويقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرُّفات مما لا يقبل الحصر والعدّ، ونعلم قطعاً أنه لم يَرِد في كلِّ حادثةٍ نصٌّ، ولا يُتَصَوَّر ذلك أيضاً " (2).
وإنما جاءت الشريعة في أكثر الأحكام بأدلةٍ كليَّةٍ وألفاظٍ عامَّةٍ أو مُطْلَقَةٍ يندرج تحتها أفرادٌ من الوقائع والجزئيات لا حصر لها، ونبَّهت على المعاني التي تتعلَّق بها تلك الأحكام وجوداً وعدماً.
قال الشاطبي: " ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنصّ على حُكْم كلِّ جزئيةٍ على حِدَتِها، وإنما أتت بأمورٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر " (3).
وإذا كان الأمر كذلك لم يَبْقَ حينئذٍ إلا الاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق تلك الأحكام في الوقائع المتجدِّدة والجزئيات الحادثة، سواءٌ كان ذلك المُتَعَلَّق عِلَّةً أو قاعدةً كليَّةً أو معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ كما تقدَّم (4)، فلا تبقى صورةٌ من--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن عبدالكريم بن أحمد، أبو الفتح، الشهرستاني، من كبار علماء الكلام كان مبالغاً في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم، من مؤلفاته: الملل والنحل (ط)، ونهاية الإقدام في علم الكلام، وغيرهما، توفي بشهرستان سنة (548 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (4/ 78)، وفيات الأعيان (4/ 273)، الأعلام للزركلي (6/ 215).
(2) الملل والنحل: (1/ 197).
(3) الموافقات: (5/ 14).
(4) ينظر: (194 - 195).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
الصور الحادثة إلا وللمجتهد فيها نظرٌ حتى يحقِّق تحت أيِّ دليلٍ تدخل، ولو لم يكن ذلك مشروعاً لما تحقَّق معنى العموم في الشريعة مع تجدُّد الأزمنة والأمكنة والأحوال، وتعدُّد الوقائع والحوادث.
قال ابن تيمية: " فالكتاب والسُّنَّة بيَّنا جميعَ الأحكام بالأسماء العامة، لكن يُحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهمٍ دقيقٍ ونظرٍ ثاقب لإدخال كلِّ معيَّنٍ تحت نوع، وإدخال ذلك النوع تحت نوعٍ آخر بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فكلٌّ من الحوادث شملها خطابُ الشارع، وتناولها الاعتبار الصحيح، وخطاب الشارع العام الشامل دلَّ عليها بطريق العموم الذي يرجع إلى تحقيق المناط " (1).
الدليل الثاني: إن المقصود من تقرير الأحكام الشرعيَّة تنزيلها على الوقائع والأشخاص المعينة في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا يمكن تصوُّر ذلك إلا بالاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام.
قال الشاطبي: " المقصود من وضع الأدلة تنزيل أفعال المكلَّفين على … حسبها" (2).
ولو فُرِضَ عدم صحة العمل بالاجتهاد في تحقيق المناط لبقيت الأحكام الشرعيَّة مُطْلَقَةً لا تُتَصَوُّر إلا في الأذهان، ولا وجود لها في الخارج.
قال الشاطبي: " ولو فُرِضَ ارتفاع هذا الاجتهاد لم تُنَزَّل الأحكام الشرعيَّة على أفعال المكلَّفين إلا في الذهن؛ لأنها مُطْلَقاتٌ وعمومات، وما يرجع إلى ذلك مُنَزَّلاتٌ على أفعالٍ مطلقاتٍ كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مُطْلَقَة، وإنما تقع مُعَيَّنَةً مُشَخّصَةً، فلا يكون الحُكْم واقعاً عليها إلا بعد معرفةٍ بأن هذا المُعَيَّن يشمله ذلك المُطْلَق أو ذلك العام " (3).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 342 - 343).
(2) الموافقات: (3/ 217).
(3) المرجع السابق: (5/ 17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
ولهذا اعتبر العلماء الاجتهاد في تحقيق المناط من ضرورات الشريعة (1).
قال ابن تيمية: " فهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروريٌّ في كلِّ شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكليَّة، ثم يُحْتَاج إلى معرفة دخول ما هو أخصّ منها تحتها من الأنواع والأعيان " (2).
الدليل الثالث: لو فُرِض التكليف مع إمكان ارتفاع الاجتهاد في تحقيق المناط لكان ذلك تكليفاً بالمُحَال، وهو غير ممكنٍ شرعاً، كما أنه غير ممكنٍ عقلاً؛ لأنه لا يتأتَّى امتثال التكليف إلا بمعرفة المكلَّف به، وهي لا تكون إلا بهذا النوع من الاجتهاد، حيث إن معرفة المكلَّف به شرطٌ لإمكان الامتثال، وفَقْدُه رافعٌ لهذا الإمكان، فيكون التكليف مع عدم إمكان الامتثال تكليفاً بالمُحَال، والتكليف بالمُحَال غير واقعٍ شرعاً، كما أنه غير واقعٍ عقلاً (3).
وبناءً على هذا فإن الاجتهاد في تحقيق المناط لا يقتصر على الحاكم والمفتي، بل يشمل كلَّ مكلَّفٍ في نفسه فيما كان واضحاً بالنسبة له، لأنه أَعْرَفُ بحال نفسه.
قال الشاطبي: " فالحاصل أنه لابدَّ منه بالنسبة إلى كلِّ ناظِرٍ وحاكِمٍ ومفتٍ، بل بالنسبة إلى كلِّ مكلَّفٍ في نفسه " (4).
ثم ضرب على ذلك مثالاً يوضحه فقال: " فإن العامِّي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهواً من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرةً فمغتفَرة، وإن كانت كثيرةً فلا، فوقعت له في صلاته زيادة، فلابدَّ له من النظر فيها حتى يردَّها إلى أحد القسمين، ولا يكون ذلك إلا باجتهادٍ ونظر، فإذا تعيَّن له قِسْمُها تحقَّق له مناط الحُكْم، فأجراه عليه،--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (82)، المستصفى (3/ 487)، شفاء الغليل (409)، روضة الناظر (3/ 803)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235)، الإبهاج (3/ 83)، نشر البنود (2/ 208).
(2) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 337).
(3) ينظر: الموافقات مع تعليقات دراز (5/ 17 - 18).
(4) الموافقات: (5/ 16).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وكذلك سائر تكليفاته " (1).
وذلك لأن تحقيق المناط من مستلزمات الامتثال لأحكام الشريعة؛ إذ لا يُتَصَوّر الامتثال بدون معرفة المكلَّف به، ومعرفةُ المكلَّف به منوطةٌ بإثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في ذلك الشيء، وهو الاجتهاد في تحقيق المناط (2).
قال الشاطبي في بيان منزلة هذا الدليل: " وهو أوضح دليلٍ في المسألة" (3).
الدليل الرابع: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي اختلاف الأحوال والأشخاص، وينزِّل الأحكام على كلِّ مكلَّفٍ بما يليق به، ويتحقَّق معه مقصود الشريعة في ذلك الحُكْم، وهذا يستلزم إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في محلٍّ ما، وهو تصرُّفٌ يدل على صحة اعتبار هذا النوع من الاجتهاد، ومن ذلك:
أولاً: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقاتٍ مختلفةٍ عن أفضل الأعمال فأجاب بإجاباتٍ مختلفةٍ، كلُّ إجابةٍ لو حُمِلت على إطلاقها أو عمومها لاقتضى ذلك التضادَّ مع غيره في التفضيل، ولكن التفضيل لم يقع مطلقاً، إنما كان بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص (4).
فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل: أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور" (5).
وعن ابن مسعود (6) رضي الله عنه قال: " سأَلْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيُّ؟ قال ثم … بِرُّ الوالدين، قلت: ثم--------------------------------------------
(1) الموافقات: (5/ 16 - 17).
(2) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (5/ 18).
(3) الموافقات: (5/ 17 - 18).
(4) ينظر: الموافقات (5/ 27).
(5) أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم (26)، وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم (83).
(6) هو: أبو عبدالرحمن عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي، صحابيٌّ جليل، يلقب بابن أم عبد، من السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم في حِلّة وترحاله وغزواته، توفي بالمدينة سنة (32 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (3/ 150 - 161)، الإصابة (6/ 214)، الإعلام للزركلي (4/ 137).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله " (1).
وعن أبي أمامة (2) رضي الله عنه قال: " أتيتُ رسولَ الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: مُرْني بأمرٍ آخُذُهُ عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له " (3).
وعن عبدالله بن عمرو (4) رضي الله عنهما: أن رجلاً سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلام خير؟ قال: تُطِعمُ الطعام، وتَقْرأ السلامَ على مَنْ عَرَفْت ومَنْ لم تَعْرفْ" (5).
فهذه الأحاديث التي أجاب فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال بأجوبةٍ مختلفة، لو حُمِلَت كلُّ إجابةٍ على الإطلاق أو العموم لاقتضى ذلك التضادَّ في التفضيل، ولكنَّ التفضيل لم يقع مطلقاً، إنما كان بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حال، وشخصٍ دون شخص.
قال الشاطبي: " جميعها يدلُّ على أن التفضيل ليس بمُطْلَق، ويشعِر إشعاراً ظاهراً بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل" (6).
ثانياً: دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه بكثرة المال حيث قال عليه الصلاة والسلام: " اللهم أَكْثِر مالَه وولَده، وبارك له فيما أعطيته " (7).
وقال لثعلبة بن حاطب (8) رضي الله عنه حين سأله الدعاء له بكثرة المال: " قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه " (9).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه"، كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم (527)، وأخرجه مسلم في " صحيحه"، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم (85).
(2) هو: صُديّ بن عجلان بن وهب الباهلي، أبو أمامة، صحابيٌّ جليل، كان مع علي رضي الله عنهما في صفين، وسكن الشام، وهو آخر من مات من الصحابة في الشام سنة (86 هـ).
ينظر في ترجمته: الاستيعاب (4/ 1602)، أسد الغابة (5/ 16)، الأعلام للزركلي (3/ 203).
(3) أخرجه النسائي في " سننه"، كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم، رقم (2219)، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، رقم (1893)، وأخرجه … ابن حبان في "صحيحه"، رقم (3425)، وصححه الألباني في " صحيح وضعيف سنن النسائي" (5/ 364).
(4) هو: عبدالله بن عمرو بن العاص، من قريش، صحابي جليل، كان يحسن السريانية، وكان عابداً من النساك، وشهد الحروب والغزوات، توفي سنة (65 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (2/ 373)، سير أعلام النبلاء (3/ 79)، الأعلام للزركلي (4/ 111)
(5) أخرجه البخاري في " صحيحه"، كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، رقم (12)، وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، رقم (39).
(6) الموافقات: (5/ 31).
(7) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة، رقم (6379)، وأخرجه مسلم في " صحيحه"، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أنس رضي الله عنه، رقم (2480) من حديث أم سليم رضي الله عنهما.
(8) هو: ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عوف بن مالك الأنصاري الأوسي، صحابي جليل، شهد غزوة بدر، وشهد أحداً، واستشهد فيها سنة (3 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (3/ 460)، الاستيعاب (1/ 209)، أسد الغابة (1/ 283).
(9) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير "، رقم (7873)، وأخرجه البيهقي في " الدلائل " (5/ 289).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم راعى اختلاف حال الشخصين، وما هو أصلح في حقِّ كلٍّ منهما في دنياه وآخرته.
ثالثاً: نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا ذرٍّ الغفاري (1) رضي الله عنه عن الإمارة والولاية على مال اليتيم حيث قال له: " يا أبا ذرٍّ إنيِّ أراك ضعيفاً وإني أُحِبُّ لك ما أُحِبَّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين ولا تولَّينَّ مالَ يتيم " (2).
ومعلومٌ أن كلا العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحقِّ الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين " (3).
وقال صلى الله عليه وسلم: " أنا وكافل اليتيم في الجَنَّة هكذا " وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (4).
ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أبا ذرٍّ رضي الله عنه عن هذين العملين لما علم له خصوصاً في ذلك من الصلاح في شأنه بترك ذلك، وكلُّ ولايةٍ لها شروطها التي قد تتوافر في شخصٍ دون آخر (5).
رابعاً: فرَّق النبيُّ صلى الله عيه وسلم في قبول الصدقات بين الصحابة رضي الله عنهم، حيث قَبِل صلى الله عليه وسلم من أبي بكر رضي الله عنه كلَّ مالِه (6)، ونَدَبَ كعباً (7) رضي الله عنه إلى استبقاء بعضه وقال: " أَمسِكْ عليك بعض مالِك فهو خيرٌ لك " (8)، وجاء آخر بمثل البيضة من--------------------------------------------
(1) هو: أبو ذر جُندب بن جُنادة بن سفيان الغفاري، صحابي جليل، كان خامس مَنْ أسلم، وكان زاهداً كريماً لا يخزن من المال قليلاً ولا كثيراً، ولما مات لم يكن في داره ما يكفن به، توفي بالربذة سنة (32 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (4/ 219)، الاستيعاب (1/ 252)، الأعلام للزركلي (2/ 140).
(2) أخرجه مسلم في " صحيحه"، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمامة بغير ضرورة، رقم (1826).
(3) أخرجه مسلم في " صحيحه"، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم (1827).
(4) أخرجه البخاري في " صحيحه"، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيماً، رقم (6005) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما.
(5) ينظر: الموافقات (5/ 33).
(6) أخرجه الترمذي في " جامعة "، أبواب الزكاة، باب في مناقب أبي بكر رضي الله عنه، رقم (3675)، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود في " سننه"، كتاب الزكاة، باب الرخصة في جواز التصرف بجميع المال، رقم (1678).
(7) هو: كعب بن مالك بن عمرو الأنصاري السلمي، صحابي جليل، من أكابر الشعراء في الإسلام، وشهد أكثر الوقائع مع النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة (50 هـ).
ينظر في ترجمته: الاستيعاب (3/ 1323)، أسد الغابة (4/ 187)، الأعلام للزركلي (5/ 228).
(8) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم (4418)، وأخرجه مسلم في " صحيحه"، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم (2769).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
الذهب فردَّها في وجهه، وقال: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يَسْتَكِفُّ الناسَ، خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنَى" (1).
ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم راعى في ذلك اختلاف أحوال الأشخاص، وما هو أصلح في حقِّ كلِّ واحدٍ منهم في دنياه وآخرته.
فهذه الأحاديث وغيرها كلُّها تدلُّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي اختلاف الأحوال والأشخاص، وينزِّل الأحكام على كلِّ مكلَّفٍ بما يليق به، وهذا لا يُتَصَوّر إلا بإثبات مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي في بعض أفراده، وهو تصُّرفٌ نبويٌّ يُعْتَبر من صور الاجتهاد في تحقيق المناط الخاص، كما أنه دليلٌ على اعتبار أصل هذا النوع من الاجتهاد جملة؛ لأنه مندرجٌ في عموم الاستدلال على إثبات العمل في تحقيق المناط (2).
قال الشاطبي: " وما تقدَّم وأمثاله كافٍ مفيدٌ للقطع بصحة هذا الاجتهاد" (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في " سننه "، كتاب الزكاة، باب الرجل يخرج من ماله، رقم (1673)، وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه"، رقم (2441)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم (3372)، والحاكم في "مستدركه" (1/ 413) وقال: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي.
(2) ينظر: الموافقات (5/ 26).
(3) المرجع السابق: (5/ 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
الفصل الرابع
ضوابط تحقيق المناط
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها.
المبحث الثاني: مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة.
المبحث الثالث: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين.
المبحث الرابع: مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين.
المبحث الخامس: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
الفصل الرابع
ضوابط تحقيق المناط
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها.
المبحث الثاني: مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة.
المبحث الثالث: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلفين.
المبحث الرابع: مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين.
المبحث الخامس: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)