المبحث الثاني
تعريف تحقيق المناط اصطلاحاً
اختلف الأصوليون في تعريف تحقيق المناط بناءً على اختلافهم فيما يندرج تحته من الصور وما لا يندرج، وبعد استقراء تلك التعريفات ظهر لي أنها ترجع إلى تعريفاتٍ خمسة، وهي على النحو الآتي مبتدأً بالأخصّ:
التعريف الأول:
عرَّفه صفي الدين الهندي بأنه: " النظر في معرفة وجود العِلَّة في الصورة التي يراد إثبات الحُكْم فيها بعد أن كانت معلومةً إما بنصٍّ أو إجماع " (1).
وعرَّفه ابن الهمام الحنفي بما هو في معناه مع اختلافٍ في العبارة، وهو: النظر في معرفة وجود العِلَّة في آحاد الصور بعد تعرُّفها بنصٍّ أو إجماع (2).
أما ابن السبكي في " الإبهاج " (3)، والزركشي (4)، والشوكاني (5)، فقد عرَّفوه بقولهم: " أن يُتْفَق على عِلِّيِّة وصفٍ بنصٍّ أو إجماعٍ، ويُجْتَهَد في وجودها في صورة النزاع ".
والمقصود بقولهم: " أن يُتْفَق على عِلِّيِّه وصف " أي: يتفق الخصمان--------------------------------------------
(1) نهاية الوصول: (7/ 3044).
(2) ينظر: التقرير والتحبير (3/ 192 - 193)، تيسير التحرير (4/ 42).
(3) ينظر: (3/ 82).
(4) ينظر: البحر المحيط للزركشي (5/ 256).
(5) ينظر: إرشاد الفحول ( … 2/ 920).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
-المُسْتَدِل والمناظِر- على عِلَّة حُكْم الأصل؛ لأنها المقدمة الأولى في تحقيق المناط، فلابدَّ من ثبوتها وفرضها مُسَلَّمَةً عند الخصمين، وإلا فلا يمكن تصُّور تحقيق المناط مع الاختلاف في تلك المقدمة (1)، وليس المقصود أنه يشترط في تحقيق المناط أن تثبت عِلَّة الحُكْم في الأصل بمسلك الإجماع؛ لأن العلماء اختلفوا في تحقيق مناطاتٍ لم تثبت بطريق الإجماع، بل ثبتت بطرق أخرى كالسَّبْر والتقسيم أو المناسبة كما تقدَّم بيانه في عِلَّة تحريم الرِّبا (2).
وحاصل هذه التعريفات أنها تدور حول معنىً واحد، وهو: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماع.
التعريف الثاني:
عرَّفه الآمدي بأنه: " النظر في معرفة وجود العِلَّة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها، وسواءٌ كانت معروفةً بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط" (3).
وعرَّفه القرافي بقوله: " أن يُتْفَق على عِلَّةٍ، ويُطْلَب تحقيقها في صورة النزاع " (4).
وعرَّفه ابن السُّبكي في " جمع الجوامع " (5) بأنه: " إثبات العِلَّة في آحاد صورها ".
وعرَّفه الإسنوي بأنه: " تحقيق العِلَّة المُتْفَق عليها في الفرع " (6)، أي: إقامة الدليل على وجودها فيه (7).
وظاهر تعريف القرافي وابن السبكي والإسنوي إطلاق القول في طريق معرفة عِلَّة حُكْم الأصل، سواءٌ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط.--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (5/ 414 - 418).
(2) ينظر: (165).
(3) الإحكام: (3/ 379).
(4) نفائس الأصول: (7/ 3088).
(5) (95).
(6) نهاية السول: (4/ 143).
(7) ينظر: المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
وعرَّفه التفتازاني (1)، والمرداوي (2)، وابن النجار الفتوحي (3) بنحو تعريف الآمدي مع اختلافٍ يسيرٍ في العبارة، وهو: النظر والاجتهاد في معرفة وجود العِلَّة في آحاد الصور بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط.
وحاصل هذه التعريفات أنها تدور حول معنىً واحد وهو: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط.
التعريف الثالث:
عرَّفه الطُّوفي (4) وابن بدران الدمشقي (5) بأنه: "إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، أو إثبات معنىً معلوم في محلٍّ خَفِيَ فيه ثبوت ذلك المعنى".
وهذا التعريف مبنيٌّ على أن " تحقيق المناط " يُطْلَق على نوعين من الاجتهاد فيكون أعمّ من القياس، وهما (6):
النوع الأول: أن يكون هناك قاعدةٌ شرعيَّةٌ مُتْفَقٌ عليها، أو منصوصٌ عليها وهي الأصل، فيتبين المجتهدُ وجودَها في الفرع، أي: يجتهد في تحقيق مقتضاها في الفرع.
ومثاله: أن يقال في حمار الوحش إذا قتله المُحْرِمُ مِثْلُه، وفي الضبع - أيضاً - يقتلها المُحْرِمُ مِثْلُها؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] والبقرة مثل حمار الوحش، والكبش مثل الضبع، فيجب أن يكون هو الجزاء، فوجوب المِثْل مُتْفَقٌ عليه، ثابتٌ بالنصِّ المذكور، وكون البقرة مثل حمار الوحش، والكبش مثل الضبع، ثابتٌ بالنظر والاجتهاد، وهو ما يُسمَّى بـ"تحقيق المناط".--------------------------------------------
(1) التلويح على التوضيح: (2/ 162 - 163).
(2) التحبير شرح التحرير: (7/ 3452 - 3453).
(3) شرح الكوكب المنير: (4/ 200 - 201).
(4) شرح مختصر الروضة: (3/ 236).
(5) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: (303).
(6) ينظر: روضة الناظر (3/ 801 - 802)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 232 - 236)، المدخل إلى
مذهب الإمام أحمد بن بدران (302 - 303).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
وقد اقتصر الغزالي في "المستصفى" (1) في بيان معنى تحقيق المناط على ضرب أمثلةٍ لهذا النوع، ثم قال: " فلنعبِّر عن هذا الجنس بـ" تحقيق مناط الحُكْم "؛ لأن المناط معلومٌ بنصٍّ أو إجماعٍ لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذَّرت معرفته باليقين، فاسُتُدِلَّ عليه بأماراتٍ ظنية، وهذا لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وهو نوع اجتهاد .. " (2).
ولهذا فقد صرَّح ابن قدامة (3) والطُّوفي (4) وابن بدران (5) أن هذا النوع لا يُعْتَبر من القياس؛ لأن تحقيق المناط اجتهادٌ أعمُّ من القياس.
النوع الثاني: أن تُعْرَف عِلَّة الحُكْم في الأصل بنصٍّ أو إجماع، فيتبين المجتهدُ وجودَها في الفرع.
ومثاله: أن يقال:
الطواف عِلَّةٌ لطهارة الهِرة، بناءً على قوله صلى الله عليه وسلم: " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عيكم والطوافات" (6)، والطواف موجودٌ في الفأرة ونحوها من صغار الحشرات، فإثبات وجود عِلَّة حُكْم الأصل -وهي: الطواف- في الفأرة ونحوها من صغار الحشرات، يطلق عليه مُسمَّى: "تحقيق المناط".
وقد اكتفى ابن قدامة في بيان معنى تحقيق المناط بذكر هذين النوعين مع ضرب الأمثلة عليها، دون أن يضع تعريفاً لهذا الاصطلاح (7).
التعريف الرابع:
عرَّفه ابن تيمية بقوله: "أن يعلِّق الشارع الحُكْمَ بمعنىً كليٍّ فينظر في--------------------------------------------
(1) ينظر: (3/ 485 - 487).
(2) المستصفى: (3/ 487).
(3) ينظر: روضة الناظر (3/ 802 - 803).
(4) ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 236).
(5) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (302 - 303).
(6) سبق تخريجه: (46).
(7) ينظر: روضة الناظر (3/ 801 - 803).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان " (1).
وهذا التعريف يشمل صورتين كما ظهر لي من خلال تتبع الأمثلة التي أوردها ابن تيمية وأطلق عليها مُسمَّى: " تحقيق المناط "، وهما على النحو الآتي:
الصورة الأولى: إدخال قضية معينةٍ تحت حُكْمٍ كليٍّ عام، وقد أوضح ذلك بقوله: " والناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه الذي يُحْتاج فيه إلى إدخال القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة التي نطق بها الكتاب والسُّنَّة، وهذا هو الذي يُسمَّى تحقيق المناط " (2).
ثم ضرب على ذلك أمثلةً منها: الاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه، والاجتهاد في عدل الشخص المُعَيَّن، والاجتهاد في مقدار النفقة بالمعروف للمرأة المُعَيّنة، والمِثْل لنوع الصيد أو للصيد المُعَيَّن (3).
وقال رحمه الله: " ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية مثل إيجاب الزكوات وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أمرُ أحدٍ بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله عنه إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية، وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن معه فعل مأمورٍ ولا ترك محظورٍ إلا بعلمٍ معينٍ بأن هذا المأمور داخلٌ فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخلٌ فيما نهى الله عنه، وهذا الذي يُسمَّى تحقيق المناط " (4).
الصورة الثانية: إثبات مقتضى لفظٍ عامٍّ في بعض أفراده.
وقد مثَّل رحمه الله لذلك بلفظ: " الخمر " و " الميسر " و " الرِّبا "، ونحو ذلك من الألفاظ العامة التي يحتاج المجتهد في العمل بمقتضاها إلى إثبات معانيها في الأفراد الداخلة تحتها.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى: (19/ 16).
(2) المرجع السابق: (7/ 336).
(3) ينظر: المرجع السابق: (7/ 336 - 337)، (13/ 61)، (13/ 111).
(4) المرجع السابق: (7/ 336).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
فلفظ " الخمر " يتناول تحريم كلِّ مسكرٍ من الأشربة والأطعمة كالحشيشة المسكرة من أي مادةٍ كانت، لقوله صلى الله عليه وسلم: " كلُّ مسكرٍ خمر" (1)، وإثبات هذا المعنى في بعض أفراد المسكرات المشروبة أو المطعومة يُعدُّ من صور تحقيق المناط (2).
ولفظ " الميسر " يتناول اللعب بالنرد والشطرنج، كما يتناول بيوع الغرر، فإن فيها معنى القمار الذي هو ميسر، إذ القمار معناه: أن يؤخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوضه أو لا يحصل؟ فإثبات هذا المعنى في بعض أفراده يُعدُّ من صور تحقيق المناط (3).
ولفظ " الرِّبا " يتناول رِبا النسيئة ورِبا الفضل، والقرضَ الذي يَجُرُّ منفعةً وغير ذلك، فإثبات معنى " الرِّبا " في بعض أنواعه أو أعيانه يُعدُّ من صور تحقيق المناط (4).
وحاصل ما ذكر رحمه الله من هذه الأمثلة يرجع إلى أن إثبات معنى لفظٍ عامٍّ في بعض أفراده يُطلق عليه مُسمَّى: " تحقيق المناط ".
التعريف الخامس:
عرَّفه الشاطبي بقوله: " أن يثبت الحُكْم بمُدْرَكِه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محلِّه " (5).
ومعناه: أن يثبت الحُكْم بدليلٍ شرعيٍّ، ويُجْتَهد في تطبيقه على الجزئيات والحوادث الخارجية، سواءٌ أكان نفس الحُكْم ثابتاً بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (6).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (47).
(2) ينظر: مجموع الفتاوى (19/ 16)، (19/ 282 - 283)، منهاج السنة (2/ 287).
(3) ينظر: مجموع الفتاوى (19/ 283)، منهاج السنة (2/ 287)، درء تعارض العقل والنقل (7/ 337).
(4) ينظر: مجموع الفتاوى (19/ 283 - 284)، درء تعارض العقل والنقل (7/ 337).
(5) الموافقات: (5/ 12).
(6) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (5/ 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
وهذا التعريف مبنيٌّ على أن كلَّ استدلالٍ له مقدمتان (1):
الأولى: تتعلق باستنباط الحُكْم من دليله الشرعي.
والثانية: تتعلق بتعيين محلِّ الحُكْم، أي: تطبيقه في الوقائع والجزئيات التي يشملها ذلك الحُكْم.
فالأولى ترجع إلى نفس الحُكْم الشرعي، والثانية ترجع إلى تعيين محلِّ الحُكْم الذي هو تحقيق المناط (2).
فالنظر في المقدمة الأولى يشمل كلَّ دليلٍ شرعي، والنظر في المقدمة الثانية يشمل مُتَعَلَّقَ كلِّ حُكْمٍ، سواء كان عِلَّةً أو غير ذلك، كأن يكون مُتَعَلَّقُ الحُكْم معنىً كلياً ثبت بالنصِّ أو الإجماعِ أو الاستقراءِ كما يتضح ذلك من خلال الأمثلة التي أوردها الشاطبي، ومنها:
- إذا شرع المكلَّف في تناول خمرٍ مثلاً، قيل له: أهذا خمرٌ أم لا؟ فلابدَّ من النظر في كونه خمراً أو غير خمر، فإذا وجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظرٍ مُعْتَبَر، قال: نعم، هذا خمر، فيقال له: كلُّ خمرٍ حرامُ الاستعمال، فيجتنبه (3).
- إذا أراد أن يتوضأ بماء، فلابدَّ من النظر إليه: هل هو مُطْلَق أم لا؟ وذلك برؤية اللون، وبذوق الطعم، وشمِّ الرائحة، فإذا تبين أنه على أصل خلقته وأنه مُطْلَقٌ فالوضوء به جائز (4).
- إذا قال الشارع: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] وثبت عندنا معنى العدالة شرعاً افتقرنا إلى تعيين مَنْ حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على حدٍّ سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً (5).
- إذا أوصى بماله للفقراء، فلا شك إن من الناس من لا شيء له،--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (3/ 231 - 234).
(2) ينظر: المرجع السابق (3/ 231).
(3) ينظر: المرجع السابق (3/ 232).
(4) ينظر: المرجع السابق (3/ 232).
(5) ينظر: الموافقات (5/ 12 - 13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية، ومنهم من لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصاباً، وبينهما وسائط، كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه: هل الغالب عليه حُكْم الفقر أو حُكْم الغنى؟ (1).
- من القواعد القضائية: " البيِّنة على المُدَّعِي واليمين على من أنكر" (2)، فالقاضي لا يمكنه الحُكْم في واقعة، بل لا يمكنه توجيه الحجاج ولا طلب الخصوم بما عليهم، إلا بعد فهم المُدَّعِي من المدَّعَى عليه، وهو أصل القضاء، ولا يتعين ذلك إلا بنظرٍ واجتهادٍ، وردِّ الدَّعاوى إلى الأدلة، وهو تحقيق المناط بعينه (3).
فهذه الأمثلة وأشباهها (4) التي أوردها الشاطبي تقريراً لمعنى تحقيق المناط عنده تُنَبِّه على انه اجتهادٌ لا يقتصر على إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، بل يشمل إثبات مُتَعَلَّقِ كلِّ حُكْمٍ في بعض جزئياته، ويستوي في ذلك أن يكون مُتَعَلَّقِ الحُكْم ثبت بالنصِّ أو الإجماعِ أو الاستقراءِ أو كان عِلَّةً أو معنىً كلياً.
مناقشة التعريفات والمقارنة بينها:
من خلال التأمل في التعريفات السابقة والموازنة بينها تبين لي الآتي:
أولاً: إن تعريفات الأصوليين لـ " تحقيق المناط " تمثِّل - في الجملة - اتجاهين:
الاتجاه الأول: يقصر أصحابُه تحقيقَ المناط على إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع.
ثم اختلفوا في نوع العِلَّة التي يُطْلَبُ إثباتها في الفرع، وذلك على مذهبين:--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (5/ 13 - 14).
(2) ينظر: القواعد للحصني (4/ 244)، الأشباه والنظائر للسيوطي (509).
(3) ينظر: الموافقات (5/ 15 - 16).
(4) كتقدير النفقات الواجبة، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات، واعتبار المثل في جزاء الصيد وغيرها.
ينظر: الموافقات (5/ 14 - 18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
المذهب الأول: يُقيِّد تحقيق المناط بما ثبتت عِلَّة حُكْم الأصل فيه بنصٍّ أو إجماع (1).
المذهب الثاني: يُطْلِق تحقيق المناط على ما ثبتت عِلَّة حُكْم الأصل فيه بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (2).
الاتجاه الثاني: يَعْتَبر أصحابُه تحقيقَ المناط من الاجتهاد الذي هو أعمّ من إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، فيدخُل تحته ثلاث صور (3):
الأولى: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع.
والثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ في بعض جزئياتها.
والثالثة: إثبات مقتضى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي في بعض افراده.
ويظهر لي - والله أعلم - أن الخلاف يرجع إلى الاصطلاح، فأصحاب الاتجاه الأول قصروا تحقيق المناط - اصطلاحاً - على إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، بينما اصطلح أصحاب الاتجاه الثاني على ما هم أعمّ من ذلك، فلا مشاحة في الاصطلاح.
ثانياً: إذا اعتبر أن " تحقيق المناط " اجتهادٌ هو أعمّ من إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع فإنه يتوجه الاعتراض على التعريف الأول بأنه غير جامع؛ لأنه قَصَرَ تحقيقَ المناط على ما ثبتت فيه عِلَّة حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماع، بينما تحقيق المناط يشمل ما ثبتت فيه عِلَّة حُكْم الأصل بأحد الطرق المستَنبطة للعِلَّة (4).
كما يتوجه الاعتراض - أيضاً - على التعريف الثاني بأنه غير جامع، لأنه قَصَرَ تحقيقَ المناط على ما ثبتت فيه عِلَّة حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماعِ أو--------------------------------------------
(1) ينظر: (184).
(2) ينظر: (185).
(3) ينظر: (186 - 190).
(4) ينظر: (184).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
الاستنباطِ، بينما تحقيق المناط يشمل ما إذا كان مُتَعَلَّق الحُكْم غير عِلَّة، كأن يكون معنى كليَّاً ثبت بالنصِّ أو الإجماعِ أو الاستنباط (1).
وقد يُعْتَذَر لأصحاب التعريف الأول والثاني بأنهم عرَّفوا " تحقيق المناط " ببعض أنواعه أو بالأخصِّ من أنواعه (2)، لأن الكلام كان يتعلَّق بأضرب الاجتهاد في العِلَّة، فاقْتُصِرَ على المعنى الذي له تَعَلُّقٌ بذلك.
ثالثاً: قيَّد الطُّوفي تعريفه " تحقيق المناط " بالمحلِّ الذي خفي فيه ظهور المعنى (3)، وهذا القيد غير معتبرٍ في كلِّ الصور، بل إن من الصور ما يتحقق فيه المناط بوضوحٍ وجلاء، ومنها ما يستوجب بذل الواسع في دركه لخفائه، كما سيأتي بيانه في أنواع تحقيق المناط باعتبار وضوحه وخفائه (4).
وبهذا يكون تعريف الطُّوفي غير جامع، إلا أن يكون القيد خَرَجَ مَخْرَجَ الغالب، وذلك باعتبار أن أكثر صور تحقيق المناط تظهر فيها الحاجة إلى بذل الوسع؛ لخفاء تحقيق المناط في تلك الصور.
رابعاً: إيراد لفظ " إثبات " في التعريف أولى من إيراد لفظ " تحقيق " كما في تعريف القرافي (5) والإسنوي (6)؛ لأنه قد يُعْتَرض على ذلك بأن فيه دَوْرَاً، وإن كان المراد بذلك المعنى اللغوي.
خامساً: اختلفت تعبيرات الأصوليين عن المحلِّ الذي يتوجه إليه النظر في تحقيق المناط.
فالآمدي (7) والتفتازاني (8)، وابن الهمام الحنفي (9)، والمرداوي (10)،--------------------------------------------
(1) ينظر: (185).
(2) ينظر: تعليقات الشيخ عبدالرزاق عفيفي على الإحكام للآمدي (3/ 379).
(3) ينظر: (186).
(4) ينظر: (200 - 202).
(5) ينظر: (185).
(6) ينظر: (185).
(7) ينظر: (185).
(8) ينظر: (185).
(9) ينظر: (184).
(10) ينظر: (185).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
وابن النجار (1)؛ عبُّروا عن ذلك بـ " آحاد الصور ".
ومنهم من عبَّر عنه بـ "آحاد صورها " أي: العِلَّة، كابن السبكي في" جمع الجوامع " (2).
وعبَّر صفي الدين الهندي عنه بـ" الصورة التي يُرَاد إثبات الحُكْم فيها" (3).
وابن السُّبكي في " الابهاج " (4)، والزركشي (5)، والشوكاني (6)، عبُّروا عن ذلك بـ " صورة النزاع ".
وعبَّر الطُّوفي (7)، والإسنوي (8) عن ذلك بـ " الفرع".
وعبَّر ابن تيمية عنه بـ " ببعض الأنواع أو بعض الأعيان " (9).
أما الشاطبي فقد عبَّر عن ذلك بـ " محلِّ الحُكْم " (10).
وكلها ألفاظٌ تؤدي إلى مقصودٍ واحد، وهو المحلُّ الذي يبين المجتهدُ في ثبوتَ ذلك المعنى المطلوب المعبَّر عنه بـ " المناط ".
التعريف المختار:
من خلال المقارنة بين التعريفات السابقة واستقراء الأمثلة التي أوردها الأصوليون ظهر لي أن" تحقيق المناط " يطلق على ثلاث صور:
الأولى: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع بعد معرفتها في نفسها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط.--------------------------------------------
(1) ينظر: (185).
(2): (95).
(3) ينظر: (184).
(4) ينظر: (3/ 82).
(5) ينظر: (184).
(6) ينظر: (184).
(7) ينظر: (186).
(8) ينظر: (185).
(9) ينظر: (187).
(10) ينظر: (189).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
وهذا هو الإطلاق المشهور.
الثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ في بعض جزئياتها.
الثالثة: إثبات معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده.
كما يظهر لي أن من قصر مدلول " تحقيق المناط " على إثبات عِلَّة حكم الأصل في الفرع كما هو في باب القياس إنما اكتفى بذكر أهم أفراد الكلي لا كل أفراده؛ لأن سياق بحثهم في ذلك الموضع كان يتعلَّق بأنواع الاجتهاد في العِلَّة القياسية.
ولهذا فإن أقرب تعريفٍ جامعٍ لتلك الصور الداخلة تحته وبعبارة موجزةٍ، هو أن يقال: " تحقيق المناط: إثبات مُتَعَلَّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده ".
فإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي عِلَّةً فإثباتها في بعض صورها داخلٌ في التعريف.
وإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي قاعدةً كليةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ فإثبات مقتضاها في بعض جزئياتها داخلٌ- أيضاً- في التعريف.
وإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي معنى لفظ عامُّ أو مطلقٍ فإثبات ذلك المعنى في بعض أفراده داخلٌ - أيضاً - في التعريف.
وحيث أطلق لفظ " تحقيق المناط" في هذا البحث فإني أقصد به هذا المعنى الذي يشمل تلك الصور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
المبحث الثالث
وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي
تقدَّم أن تحقيق المناط في اللغة يعني: إثبات الموضع الذي عُلَّق به الشيء (1).
كما تقدَّم أن تحقيق المناط في الاصطلاح يعني: إثبات مُتَعَلَّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده (2).
ومن خلال النظر في كلا التعريفين تظهر بينهما علاقة عمومٍ وخصوص مطلق، فالتعريف اللغوي أعمُّ من التعريف الاصطلاحي، حيث يُطْلَق تحقيق المناط على إثبات ما تعلق به الشيء مطلقاً، بينما تحقيق المناط في الاصطلاح يختص بإثبات المعنى الذي تعلَّق به الحُكْم الشرعيُّ في بعض أفراده.--------------------------------------------
(1) ينظر: (183).
(2) ينظر: (194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
الفصل الثاني
أقسام تحقيق المناط
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى نوع المناط.
المبحث الثاني: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى وضوحه وخفائه.
المبحث الثالث: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى مراتبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
المبحث الأول
أقسام تحقيق المناط بالنظر النظر إلى نوع المناط
تقدَّم أن تحقيق المناط يشمل ما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، أو كان المناط قاعدةً شرعيَّةً، أو كان المناط معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي (1).
وبناءً على هذا فإن تحقيق المناط ينقسم باعتبار النظر إلى نوع المناط المراد تحقيقه إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: تحقيق المناط باعتباره عِلَّةً، سواءً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (2).
وصورته: أن تثبت عِلَّة حُكْم الأصل بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ فيُجْتَهَد في التحقُّق من وجودها في فرعٍ ما.
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (3).
فالحديث يومئ إلى أن العِلَّة في الحُكْم بطهارة الهرة هي "الطواف"، فيبحث المجتهد في مدى تحققها في غير الهرة كالفأرة وصغار الحشرات (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: (194 - 195).
(2) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 379)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3044)، الإبهاج (3/ 82)، نهاية السول (4/ 143)، البحر المحيط للزركشي (5/ 256)، تيسير التحرير (4/ 42)، شرح الكوكب المنير (4/ 200 - 201).
(3) تقدم تخريجه: (46).
(4) ينظر: رسالة في أصول الفقة للعُكْبري (83)، روضة الناظر (3/ 802)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235)، التحبير شرح التحرير (7/ 3453).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
القسم الثاني: تحقيق المناط باعتباره قاعدةً شرعيَّة (1).
وصورته: أن تثبت قاعدةٌ شرعيَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، فيبحث المجتهد في مدى تحقق مقتضاها في بعض فروعها أو جزئياتها.
ومثاله: قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات "، فإن هذه القاعدة متفَقٌ عليها، غير إن التحقُّق من وجود مقتضاها في بعض الفروع أو الجزئيات يحتاج إلى اجتهاد (2).
القسم الثالث: تحقيق المناط باعتباره لفظاً عاماً تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ (3).
وصورته: أن يناط حُكْمٌ شرعيٌّ بلفظٍ عام، فيبحث المجتهد في تحقق معنى ذلك اللفظ العام في بعض أفراده.
ومثاله: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فلفظ (الرِّبا) لفظٌ عامٌّ أنيط به حُكْمٌ شرعيٌّ وهو التحريم، فيبحث المجتهد في مدى تحقق معنى ذلك اللفظ العام في صورةٍ بعينها هل هي داخلةٌ تحته فتأخذ حكمه أوْ لا (4)؟
القسم الرابع: تحقيق المناط باعتباره معنىً مطلقاً تعلَّق به حكمٌ شرعيُّ (5).
وصورته: أن يناط حكمٌ شرعيٌّ بمعنى مطلقٍ، فيبحث المجتهد في تحقُّق ذلك المعنى في بعض أفراده.
ومثاله: أناط الشارع رفع الحدث بالماء الطهور الباقي على أصل خلقته في حال وجوده والقدرة على استعماله، فيبحث المجتهد في تحقق ذلك المعنى المطلق - وهو كون الماء باقياً على أصل خلقته - في بعض أفراده هل ذلك الماء بعينه باقٍ على أصل خلقته فتصح به الطهارة أو لا؟ (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 487)، روضة الناظر (3/ 802 - 803)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 236) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (302 - 303).
(2) ينظر: المنثور في القواعد (2/ 317)، الاشباه والنظائر للسيوطي (84)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (85)، إيضاح المسالك (365).
(3) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 382 - 384)، منهاج السنة (2/ 287).
(4) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 283).
(5) ينظر: المرجع السابق (5/ 23 - 24).
(6) ينظر: المرجع السابق (3/ 232).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
المبحث الثاني
أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى وضوحه وخفائه
إن تحقيق المناط -بصوره المختلفة- ليس على رتبةٍ واحدةٍ من الوضوح والجلاء، فقد يظهر وجود المناط أو عدمه في بعض الفروع بجلاء، وقد لا يظهر في فروعٍ أخرى إلا بمزيدٍ اجتهاد؛ وذلك لخفائه وغموضه، وبين المرتبتين مراتبٌ لا تنحصر، بعضها ينجذب إلى الطرف الأول، وبعضها الآخر ينجذب إلى الطرف الثاني.
وقد أشار إلى ذلك الغزالي بقوله: "إذا بان لنا بالنصِّ -مثلاً- أن الرِّبا منوطٌ بوصف الطُّعم بقوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" (1)، أو بتصريحه -مثلاً- بأنه لأجل الطعام، فيتصدى لنا طرفان في النفي والإثبات واضحان، أحدهما: الثياب والعبيد والدُّور والأواني فإنها ليست مطعومةً قطعاً، وبينهما أوساطٌ متشابهةٌ ليس الحُكْم فيها بالنفي والإثبات جلياً: كدهن الكتَّان (2)، ودهن البنفسج (3)، والطين الأرمني (4)،--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (49).
(2) الكتان: نباتٌ زراعيٌّ من الفصيلة الكتانية، يزرع في المناطق المعتدلة، زهرته زرقاء جميلة، يزيد ارتفاعه على نصف متر، وثمرته عليقة مدورة تعرف باسم بزر الكتان يعتصر منها الزيت الحار، وهو المعبَّر عنه بدهن الكتان، ويتخذ من أليافه النسيج المعروف.
ينظر: تاج العروس (18/ 472)، والمعجم الوسيط (2/ 776)، " مادة: ك ت ن ".
(3) البنفسج: نباتٌ زهريٌّ من الفصيلة البنفسجية، يزرع للزينة، ولزهوره عطر الرائحة، ويستعمل في التداوي.
ينظر: تاج العروس (3/ 300)، والمعجم الوسيط (1/ 71).
(4) الطين الأرمني: من أنواع الطين نسبةً إلى أرمينية وهي بناحية الروم، وحسب جغرافيا العالم المعاصر: هي بلد جبلي تقع في القوقاز من أوراسيا، وقد كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً.
ينظر: تاج العروس (35/ 360)، معجم البلدان (1/ 159 - 160)، ومناسبة ذكره هنا أنه يؤكل دواءً فأشبه المطعومات كما ذكر السرخسي في المبسوط (3/ 181)، والشافعي في الأم (3/ 117)، وابن قدامة في المغني (6/ 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
والزعفران (1)، وأنها معدودةٌ من المطعومات أم لا؟ فيُحَتاج إلى نوعٍ من النظر في تحقيق معنى الطُّعم فيها أو نفيه عنها " (2).
وهذا المعنى لا يقتصر على تحقيق وجود العِلَّة في الفرع، بل يعمُّ سائر الصور التي يشملها الاجتهاد في تحقيق المناط بما في ذلك القواعد الكلية والألفاظ والمعاني المطلقة.
وقد مثَّل الشاطبي لذلك بتحقيق معنى العدالة في المكلَّفين، فإذا " ثبت عندنا معنى العدالة شرعاً افتقرنا إلى تعيين مَنْ حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على حدِّ سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً، فإذا تأملنا العدول وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة، طرفٌ أعلى في العدالة لا إشكال فيه … كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وطرفٌ آخر وهو أول درجةٍ في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحُكْم بمجرد الإسلام، فضلاً عن مرتكبي الكبائر المحدودين فيها، وبينهما مراتبٌ لا تنحصر، وهذا الوسط غامضٌ لابدَّ فيه من بلوغ حدِّ الوسع وهو الاجتهاد" (3).
وبهذا الاعتبار ينقسم الاجتهاد في تحقيق المناط إلى قسمين:
القسم الأول: تحقيق المناط الجلي.
وصورته: أن يثبت المناط في بعض أفراده ثبوتاً واضحاً لا احتمال فيه.
ومثاله: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر " (4).--------------------------------------------
(1) الزعفران: نباتٌ بصليٌّ منه أنواعٌ برِّيةٌ ونوعٌ صبغيٌّ طبيٌّ يستعمل للتداوي.
ينظر: تاج العروس (11/ 428)، المعجم الوسيط (1/ 394)، " مادة: ز ع ف ر ".
(2) أساس القياس: (38).
(3) الموافقات: (5/ 12 - 13).
(4) أخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر، رقم (3881).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
فهذا الحديث يدل على تحريم بيع الغرر، ومناط هذا الحُكْم هو الغرر، وقد ثبت هذا المناط وتحقق وجوده بجلاءٍ في بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والحمل في البطن (1).
القسم الثاني: تحقيق المناط الخفي.
وصورته: أن يتردد ثبوت المناط في بعض أفراده بين طرفي الإثبات والنفي.
ومثاله: قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} [المائدة: 38].
فهذه الآية تدل على وجوب قطع يد السارق، ومناط هذا الحُكْم هو السرقة، وقد تردد ثبوت هذا المناط في بعض الصور كالنَّبَّاش (2): هل يتحقق فيه مناط الحُكْم وهو السرقة فيجب فيه الحدُّ أوْ لا؟ (3).
وإذا تردد ثبوت المناط في بعض أفراده بين طرفي الإثبات والنفي احتيج حينئذٍ إلى بلوغ حدِّ الوسع في الاجتهاد؛ لإزالة ذلك الخفاء حسبما يأتي بيانه في مسالك تحقيق المناط (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: أساس القياس (40).
(2) النباش: هو من يكشف القبور عن الموت ليسرق أكفانهم.
ينظر: لسان العرب (6/ 350)، تاج العروس (17/ 397) " مادة: ن ب ش ".
(3) ينظر: بدائع الصنائع (7/ 65)، مغني المحتاج (4/ 158)، المغني (10/ 240).
(4) ينظر: (258 - 283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
المبحث الثالث
أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى مراتبه
ينقسم تحقيق المناط باعتبار مراتبه إلى: تحقيق المناط في الأنواع، وتحقيق المناط في الأشخاص أو الأعيان (1).
وللشاطبي رحمه الله قَصَبُ السَّبْق في توضيح هذا التقسيم، والتنبيه عليه، مع ذكر أمثلته (2).
وبيان هذين القسمين على النحو الآتي:
القسم الأول: تحقيق المناط في الأنواع.
ولعلَّ تسميته بذلك تغني عن تعريفه، وهو ما حدا بالشاطبي إلى الاقتصار على توضيحه بالأمثلة التي أوردها (3).
ومن خلال تأمل تلك الأمثلة يمكن بيان أن المراد به: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم - أي: مناطه - في الأنواع الداخلة تحته لا في أشخاصٍ معينة.
فإذا اعتبرنا أن مُتَعَلَّق الحُكْم جنساً فالاجتهاد في إلحاق الأنواع الداخلة تحت حكمه دون النظر إلى أشخاصٍ معينةٍ يُعْتَبر من تحقيق المناط في الأنواع.
ومثاله: إثبات مناط المِثْل في جزاء الصيد في بعض أنواعه.--------------------------------------------
(1) ينظر: الموافقات (5/ 22 - 23).
(2) ينظر: المرجع السابق (5/ 22 - 25).
(3) ينظر: المرجع السابق (5/ 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)