المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها.
التصوُّر هو: حصول صورةٍ لشيءٍ في العقل، وإدراك ماهيته من غير أن يُحْكْم عليها بنفيٍّ أو إثبات (1).
والمراد بهذا الضابط: أن يحيط المجتهد بأطراف الواقعة، ومكوناتها، وأوصافها، وأسبابها، وآثارها، قبل إيقاع الأحكام الشرعيَّة عليها.
وهذا الضابط يشتمل على جانبين:
الأول: التصوُّر الصحيح لحقيقة الواقعة.
والثاني: التصوُّر التام للجوانب الأخرى المتعلِّقة بالواقعة.
وقد جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري (2) رضي الله عنهم ما يؤكد أهمية الفهم الدقيق للواقعة قبل الحُكْم عليها، حيث قال له: "ثم الفهم فيما أُدِلَى إليك مما ورد عليك مما ليس فيه قرآنٌ ولا سُنَّة" (3).
قال ابن القيم رحمه الله: "ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحُكْم بالحقِّ إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به عِلْمَاً.--------------------------------------------
(1) ينظر: التعريفات للجرجاني (83)، تحرير القواعد المنطقية للرازي (7)، شرح الأخضري على السلم في المنطق (24).
(2) هو: عبدالله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، من الشجعان الولاة الفاتحين، ولاة عمر بن الخطاب البصرة سنة (17 هـ)، وتوفي بالكوفة سنة (44 هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (4/ 105)، الاستيعاب (4/ 1762)، الأعلام للزركلي (4/ 114).
(3) أخرجه الدارقطني في سننه، رقم (4381)، وأخرجه البيهقي في سننه، رقم (20324)، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (2/ 163): " هذا كتابٌ جليل تلقاه العلماء بالقبول "، ثم أفاض في شرحه وبيان معانيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكْم الله الذي حَكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبِّق أحدهما على الآخر " (1).
وذلك أن الحُكْم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فالاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض جزيئاته، وإدراج ذلك الجزئي تحت حُكْم الكلي، مبنيٌّ على تصوُّر محلِّ ذلك الحُكْم الشرعي، ومعرفةِ حقيقته.
قال ابن السعدي (2): " جميع المسائل التي تحدث في كلِّ وقت، وسواءٌ حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تُتَصَوَّر قبل كلِّ شيء، فإذا عُرِفت حقيقتها، وشُخِّصَت صفاتها، وتصوَّرها الإنسان تصوُّراً تامّاً بذاتها ومقدماتها ونتائجها، طُبِّقَت على نصوص الشرع وأصوله الكلية " (3).
وكلُّ من يحْكُم على شيءٍ فإنما يحْكُم عليه بناءً على الصورة الحاصلة في ذهنه، فلابدَّ من مطابقة صورة الشيء الحاصلة في الذهن مع صورته في الخارج (4).
والتقصير في تصور الواقعة أو الخطأ في ذلك يؤدي - غالباً - إلى الخطأ في تنزيل الحُكْم الشرعي على تلك الواقعة.
ولهذا فإن أكثر أخطاء المجتهدين ترجع إلى التقصير أو الخطأ في تصوُّر محلِّ الحُكْم الشرعي.
قال الحجوي (5): " وأكثر أغلاط الفتاوى من التصورّ " (6).
ولا شك أن التصوُّر الصحيح التام للواقعة يجنِّب المجتهد الخلط بين المسائل المفضي إلى الخطأ في إجراء الأحكام على تلك الواقعات، فعلى المجتهد أن يبين حقائق الواقعات لاسيما التي قد تتشابه صورةً وتختلف معنى وحكماً، أو التي يكتنفها الالتباس في معرفة حقيقتها.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (2/ 165).
(2) هو: عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي التميمي النجدي، عالمٌ مفسِّر، من فقهاء الحنابلة، مولده ووفاته في عنيزة، وهو أول من أنشأ مكتبة فيها، له نحو 30 كتاباً، من مؤلفاته: تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن (ط)، والقواعد والأصول الجامعة النافعة (ط)، ورسالة في أصول الفقه (ط)، وغيرها، توفي سنة (1376 هـ).
ينظر في ترجمته: علماء نجد خلال ثماينة قرون (3/ 218)، مشاهير علماء نجد (256)، الأعلام للزركلي (3/ 340).
(3) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد: (90).
(4) ينظر: أبجد العلوم (209).
(5) هو: محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي الفاسي، من علماء المالكية السلفية بالمغرب، تولى سفارة المغرب بالجزائر، ثم ولي وزارة العدل فوزارة المعارف، من مؤلفاته: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (ط)، والتعاضد المتين بين العقل والعلم والدين (ط)، وغيرهما، توفي بالرباط، ودفن بفاس سنة (1376 هـ).
ينظر في ترجمته: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (4/ 199) بقلم المؤلف نفسه، الأعلام للزركلي (6/ 96).
(6) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: (4/ 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
والتمييز بين مشتبه الواقعات، والتفريق بينها في الأحكام، إنما يستند إلى صحة التصوُّر وتمامه لكلِّ واقعة، ومعرفة الفروق المؤثرة بينها وبين غيرها.
وقد نبَّه ابن القيم رحمه الله على صورٍ عديدةٍ من ذلك حيث قال:
" فالمفتي تَرِدُ إليه المسائل في قوالب متنوعةٍ جداً، فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال وإلا هلك وأهلك، فتارةً تُورد عليه المسألتان صورتهما واحدةٌ وحكمهما مختلف، فصورة الصحيح والجائز صورة الباطل والمُحَرَّم، ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق اللهُ ورسولُه بينه، وتارةً تُورد عليه المسألتان صورتهما مختلفةٌ وحقيقتهما واحدةٌ وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة فيفرِّق بين ما جمع الله بينه، وتارةً تُورد عليه المسألة مجمَلةً تحتها عدة أنواعٍ فيذهب وهْمُه إلى واحدٍ منها، ويذهل عن المسؤول عنه منها، فيجيب بغير الصواب " (1).
ومن لوازم التصوُّر الصحيح للوقائع أن ينظر المجتهد في حقائقها، وأن لا يغترَّ بمسمياتها الخادعة وقوالبها المزخرفة؛ إذ الأحكام الشرعيَّة إنما تتعلَّق بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
قال ابن القيم: " وتارةً تُورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالَبٍ مزخرَفٍ ولفظٍ حَسَنٍ فيجيب بغير الصواب، فيبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل " (2).
ولاسيما في مثل هذا العصر الذي غُيَّرت فيه كثيرٌ من المُسْمَّيات وسُمِّيت بغير اسمها.
فالرِّبا يُسمّى فائدةً أو تمويلاً أو تسهيلاتٍ بنكيةٍ ونحو ذلك، والخمر يُسمَّى مشروباً روحيَّاً، وألعاب القمار والميسر تُسمَّى مسابقات، والرشوة تسمى هديةً أو إكراميةً، وغير ذلك كثير.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (6/ 97).
(2) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
ومن لوازم التصور الصحيح للوقائع أن يستفصل المفتي من المستفتي في مسألته إذا كانت المسألة فيها تفصيلٌ وتختلف فيها الأحكام من صورةٍ إلى أخرى (1).
وقد " استفصل النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً (2) لما أقرَّ بالزنا، هل وُجِدَ منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنونٌ فيكون إقراره غير مُعْتَبَرٍ أم هو عاقل؟ فلما عَلِمَ عقله استفصله: بأن أمر باستنكاهه (3) ليُعْلَم هل هو سكرانٌ أو صاحٍ؟ فلما عَلِمَ أنه صاحٍ استفصله: هل أُحْصِنَ أم لا؟ فلما عَلِمَ أنه قد أُحِصنَ أقام عليه الحدّ" (4).
و" كذلك إذا سئل عن رجلٍ حَلَف لا يفعل كذا وكذا ففعله، لم يجز للمفتي أن يفتي بحنثه حتى يستفصله: هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختاراً في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختاراً فهل استثنى عقيب يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالِماً ذاكراً مختاراً أم كان ناسياً جاهلاً أو مُكْرَهاً؟ وإذا كان عالِماً مختاراً فهل كان المحلوف عليه داخلاً في قصده ونيته أو قَصَدَ عدمَ دخوله فخصَّصه بنيته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه، فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله " (5).
وإذا كانت الواقعة لها تعلُّقٌ بعلمٍ من العلوم غير الشرعيَّة لزم المجتهد الرجوع إلى أهل الاختصاص والخبرة في ذلك العلم؛ لتصوير الواقعة، ومعرفة حقيقتها، وأوصافها، وأثارها.
فالواقعة قد يكون لها تعلُّقٌ بعلم الطب أو الاقتصاد أو الفلك أو السياسة أو الإعلام أو غير ذلك من العلوم الأخرى، فحينئذٍ يرجع المجتهد إلى أهل--------------------------------------------
(1) ينظر: آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للنووي (45)، إعلام الموقعين (6/ 91).
(2) هو: ماعز بن مالك الأسلمي، صحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي اعترف على نفسه بالزنا تائباً منيباً، وكان محصناً فرجم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (4/ 324)، الاستيعاب (3/ 1345).
(3) الاستنكاه: طلب النكهة، وهي شم رائحة الفمّ.
ينظر: معجم مقاييس اللغة (5/ 474)، تاج العروس (36/ 531)
(4) إعلام الموقعين: (6/ 91).
(5) المرجع السابق: (6/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
الاختصاص والخبرة في ذلك العلم؛ لتوصيف الواقعة، وبيان حقيقتها، والملابسات المحيطة بها.
قال ابن السعدي: " فالطريق إلى الحُكْم العِلْمُ التامُّ بالواقع ليتمكن من الحُكْم عليه، وعند الاشتباه في الجزئيات يُرْجَع فيه إلى أهل الخبرة فيه" (1).
والرجوع إلى أهل الاختصاص والخبرة في تصوير الوقائع يحصل بالرجوع إليهم مباشرةً، وذلك بسؤالهم والإفادة منهم، أو الرجوع إلى دراساتهم الموثوقة حول تلك الواقعة، أو الرجوع إلى الموسوعات المتخصِّصة في العلم الذي له تعلُّقٌ بتلك الواقعة ومصطلحاتها، ولاسيما الموسوعات الصادرة عن الهيئات العلمية ومراكز الأبحاث المتخصِّصة.
وقد اعتبر مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة عشر أن من شروط الإفتاء: " الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصُّصات المختلفة لتصوُّر المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها " (2).
وإذا تقرر أن التصور التام للواقعة من مستلزمات تحقيق المناط، فإنه إذا لم يحصل للمجتهد تصورٌ تامُّ لواقعةٍ ما لزمه شرعاً أن يتوقف عن إصدار الحُكْم فيها، ولاسيما في الوقائع التي تحيط به ملابساتٌ كثيرةٌ ولم يسبق للمجتهد استكمال النظر فيها؛ لأن الحُكْم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، وإيقاعُ الأحكام على فروعٍ لم يحصل فيها تصوَّرٌ تامٌّ للمجتهد يُعْتَبر من القول على الله بلا علم.--------------------------------------------
(1) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد: (110).
(2) قرار رقم 153 (2/ 17) بشأن الإفتاء شروطه وآدابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
المبحث الثاني
مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة
إن الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام يستلزم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ واقعة، والأعراف التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ لأن الحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً، وقد يطرأ على الوقائع من اختلاف الأحوال وتغيُّر الأعراف بحسب الأزمنة والأمكنة ما يؤثر في اختلاف الأحكام، وهو ما يجب على المجتهد مراعاته في تحقيق المناط.
قال ابن عابدين (1): " كثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغيُّر عُرْفِ أهلِه، أو لحدوثِ ضرورة، أو لفسادِ أهلِ الزمان، بحيث لو بقي الحُكْم على ما كان عليه أوَّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف واليسر ودفع الظلم والفساد، لبقاء العالم على أتمِّ نظامٍ وأحسَن أحكام .. " (2).
وهذا الضابط مبنيٌّ على أنَّ اقتضاء الأدلة للأحكام الشرعيَّة بالنسبة إلى محالِّها على وجهين (3):
أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على المحلِّ مجرَّداً عن التوابع والإضافات، كالحُكْم بإباحة الصيد، والبيع، والإجارة، وسَنِّ النكاح، وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك.
والثاني: الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحلِّ مع اعتبار التوابع--------------------------------------------
(1) هو: محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز صالح الدين عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره، من مؤلفاته: رد المحتار على الدر المختار (ط) يعرف بحاشية ابن عابدين، والرحيق المختوم في الفرائض، ومجموعة رسائل نفيسة (ط)، توفي بدمشق سنة (1252 هـ).
ينظر في ترجمته: حلية البشر للبيطار (3/ 1230)، روض البشر للشطي (220)، الأعلام للزركلي (6/ 42).
(2) نشر العَرْف (2/ 125) ضمن رسائل ابن عابدين.
(3) ينظر: الموافقات (3/ 292).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
والإضافات، كالحُكْم بإباحة النكاح لمن لا أَرَبَ له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن غلب عليه اللهو.
فإنْ أَخَذَ المُسْتَدِلُ الدليلَ على الحُكْم مجرَّداً عن قيد الوقوع صح الاستدلال، وإن أخذه بقيد الوقوع - وهو التنزيل على مناطٍ معين- لم يصح استدلاله إلا بالنظر إلى توابعه والإضافات المقترنة به (1).
قال الشاطبي: " ومن اعتبر الأقضية والفتاوى الموجودة في القرآن والسُّنَّة وجدها على وفق هذا الأصل " (2).
وعلى هذا فالاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم أخذ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى ذلك المحل، وما يحيط به من أحوالٍ وملابسات (3).
قال الشاطبي: " وعند ذلك لا يصح للعالِم إذا سُئِل عن أمرٍ كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه؛ لأنه سُئِل عن مناطٍ مُعَيَّنٍ فأجاب عن مناطٍ غير مُعَيَّن " (4).
ومن الأمثلة على ذلك: أن يُسأل المستفتي عن حُكْم بيع الدرهم من سِكَّة كذا بدرهمٍ في وزنه من سِكَّةٍ أخرى، أو المسكوك بغير المسكوك وهو في وزنه؟ فيجيبه المسؤول بأن الدرهم بالدرهم سواءً بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإنه لا يحصل له جواب مسألته من ذلك الأصل؛ إذ له أن يقول: فهل ما سألتك عنه من قبيل الرِّبا أم لا؟
أما لو سأله: هل يجوز الدرهم بالدرهم وهو في وزنه وسِكَّتِه؟ فأجابه كذلك لحصل المقصود (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (3/ 292 - 293).
(2) المرجع السابق: (3/ 302).
(3) المرجع السابق: (3/ 300).
(4) المرجع السابق: (3/ 301).
(5) ينظر: المرجع السابق (3/ 301 - 302).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
وإذا كان الاجتهاد في إثبات متعلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم أخذَ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى ذلك المحل، فهذا يعني لزوم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ محلٍّ، فأحوال الضعف غير أحوال القوة، وأحوال الاضطرار وعموم البلوى غير أحوال السعة والاختيار.
ومما ذكره إمام الحرمين تخريجاً على هذا الأصل: " إن الحرام إذا طبق الزمان وأهله ولم يجدو إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة في حقِّ الناس كافَّة تُنَزَّل منزلة الضرورة في حقِّ الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته ولم يتعاط المَيْتَة لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة." (1).
كما يستلزم أخذُ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى كلِّ محلٍّ مراعاةَ اختلاف العوائد، فقد جرت سُنَّة الله تعالى على أن عوائد الناس تختلف باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم.
قال ابن خلدون (2): " إن أحوال العالَم والأمم وعوائدهم ونِحَلَهُم لا تدوم على وتيرةٍ واحدةٍ ومنهاجٍ مستقر، إنما هو اختلافٌ على الأيام والأزمنة، وانتقالٌ من حالٍ إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول {سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} (3) [غافر: 85].
وبناءً على هذا المعنى قرَّر الفقهاء قاعدة: " لا ينكر تغيُّر الاجتهاد بتغيُّر الزمان والمكان والحال " (4).
وعقد ابن القيم رحمه الله فصلاً ماتعاً في كتابه " إعلام الموقعين " (5) بعنوان:--------------------------------------------
(1) غياث الأمم في التياث الظلم: (479).
(2) هو: عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، ولي الدين، الإشبيلي، مولده ونشأته بتونس، ولي قضاء المالكية بالقاهرة، وكان عالماً بالتاريخ والعمران، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر (ط)، ووضع عليه مقدمة اشتهرت بمقدمة ابن خلدون (ط)، ورسالة في المنطق، توفي بالقاهرة سنة (808 هـ).
ينظر في ترجمته: الضوء اللامع (4/ 145)، شذرات الذهب (9/ 114)، الأعلام للزركلي (3/ 330).
(3) تاريخ ابن خلدون: (1/ 37 - 38).
(4) ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق (1/ 45)، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (231)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 271)، نشر العَرْف (2/ 131) ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1/ 47)، شرح القواعد الفقهية للزرقا (227).
(5) ينظر: (4/ 337).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
" فصلٌ في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيَّات والعوائد ".
وقال في بيان أهميته: " هذا فصلٌ عظيم النفع جداً، وقد وقع بسبب الجهل به غلطٌ على الشريعة أوجبَ من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعْلم أن الشريعة الباهرة التي هي أعلى رتب المصالح لا تأتي به" (1).
ثم أقام الأدلة على صحة ذلك، وذكر عليه أمثلةً كثيرةً من أبواب فقهية متفرِّقة (2).
ومن الأمثلة التي ذكرها على تغيُّر الفتوى بتغيُّر العرف والعادة: الاجتهاد في موجبات الأيمان والإقرار والنُّذور، وألفاظ الطلاق والعتاق والأوقاف والوصايا، وغيرها مما يتعلق اللفظ فيها بعُرْف المتكلِّمين به (3).
وقال رحمه الله: " لا يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق اللفظ بما اعتاده هو من فَهِمَ تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرْف أهلها والمتكلِّمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإلا كان مخالفاً لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلّ " (4).
ومما يتخرَّج - أيضاً - على هذا الأصل: تغيُّر بعض الأحكام المتعلِّقة بالنقود في المعاملات، والعيوب في البيوعات، وذلك بحسب تغيُّر العوائد في تلك الأحكام.
قال القرافي: " الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، فتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيَّرت العادة في النقد، والسِّكَّة إلى سِكَّةٍ أخرى لحُمِل الثمنَ في البيع عند الإطلاق على السِّكَّة التي تجدَّدت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عَيْبَاً في الثياب في عادةٍ رددنا به المبيع، فإذا--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) ينظر: المرجع السابق (4/ 337 - 552).
(3) ينظر: المرجع السابق (4/ 426 - 470).
(4) المرجع السابق: (6/ 151).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
تغيَّرت العادة، وصار ذلك محبوباً موجباً لزيادة الثمن لم تُرَدَّ به، وبهذا القانون تُعتَبر جميع الأحكام المترتِّبة على العوائد، وهو تحقيقٌ مُجْمَعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف فيه " (1).
وهذه القاعدة ليست على إطلاقها، إنما تختصُّ بالأحكام الاجتهادية التي تُبْنَى على المصلحة المرسلة أو العوائد المُعْتَبرة؛ لأن وجوه المصالح والعوائد تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة، أما الأحكام الثابتة بالنصِّ أو الإجماع كأصول الدين، وأركان الإسلام، وما عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، والحدود، والمقدَّرات الشرعيَّة، ونحو ذلك، فإنها لا تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة، وإلا أدَّى ذلك إلى إبطال الشرع بتحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله، تحت دعوى تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمنة والأمكنة (2).
وقد ذكر الشاطبي أن العادات على ضربين (3):
أحدهما: العوائد الشرعيَّة التي أقرَّها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أَمَرَ بها إيجاباً أو ندباً، أو نهى عنها كراهةً أو تحريماً، أو أَذِنَ فيها فعلاً أو تركاً.
والثاني: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا اتباعه دليلٌ شرعي.
فأمَّا الأول فثابتٌ أبداً كسائر الأمور الشرعيَّة، كالأمر بإزالة النجاسات، وستر العورات، فهذه العادات لا تبديل لها.
وأما الضرب الثاني فمنها: ما يكون مُتَبَدِّلاً في العادة من حُسْن إلى قُبْحٍ والعكس، مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد المشرقية، وغير قبيحٍ في البلاد المغربية،--------------------------------------------
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق: (1/ 176).
(2) ينظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (1/ 330)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (1/ 243)، نشر العُرْف (2/ 125) ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1/ 43)، المدخل الفقهي العام للزرقا (2/ 941).
(3) ينظر: الموافقات (2/ 488 - 491).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
فالحُكْم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح؛ لأن ما يختلف بحسب العادات يتنزَّل الحُكْم عليه بحسب … ذلك (1).
ومنها: ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها، كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجلِ كذا دون غيره، فالحُكْم أيضاً جارٍ على ذلك بحسب تلك العوائد (2).
وتغيُّر الاجتهاد أو الفتوى ليس راجعاً إلى خطاب الشارع في ذاته؛ لأن الحُكْم الشرعي لا يتغيَّر متى كان المناط واحداً في كلِّ صورة، وإنَّما يرجع التغيُّر هنا إلى اختلاف مناط الحُكْم، إما لاختلاف صورة المحكوم عليه، أو بسبب العوارض الطارئة عليه، فيكون داخلاً تحت أصلٍ شرعيٍّ آخر.
قال الشاطبي: " فاعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبديٌّ، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع على مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يُحُكْم به عليها " (3).
ولما كانت الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وهي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، اشْتُرط في المجتهد أن يكون عارفاً بعادات الناس وأحوالهم، وإلا عاد اجتهاده على مقاصد الشريعة بالإبطال.
قال ابن القيم: " فهذا - أي: معرفة الناس - أصلٌ عظيمٌ يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهاً فيه فقيهاً في الأمر والنهي، ثم يُطَبِّق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح .. " (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (2/ 489).
(2) ينظر: المرجع السابق (2/ 490).
(3) الموافقات: (2/ 491).
(4) إعلام الموقعين: (6/ 113).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
وإذا وَرَدَت على المفتي مسألةٌ يبنى فيها الحُكْم على عرف بلد المستفتي وجب على المفتي أن يفتيه بحسب عرف ذلك السائل إن كان يعلمه، أو يستفصل عن ذلك العرف إن كان يجهله.
قال ابن القيم: " مهما تجدَّد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عرف بلدك، وسَلْهُ عن عرف بلده فأَجْرِهِ عليه، وأَفْتِهِ دون عرف بلدك والمذكور في كتبك " (1).
بل اعتبر القرافي عدم مراعاة اختلاف العوائد في الاجتهاد خلاف الإجماع، ومن الجهالة في الدِّين حيث قال: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغيُّر تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالةٌ في الدين، بل كلُّ ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغيُّر الحُكْم فيه عند تغيُّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجدِّدة .. " (2).
وبناء على ذلك فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة عشر أن من شروط الإفتاء: " المعرفة بأحوال الناس وأعرافهم وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيُّرها فيما بُنِيَ على العرف المعتبر الذي لا يصادم النصّ " (3).
والمقصود مما تقدم بيانه أن الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام الشرعيَّة يستلزم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ واقعة، والعوائد التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ لأن الحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً، وقد يطرأ على الوقائع من اختلاف الأحوال وتغيُّر العوائد ما يقتضي اختلاف أحكامها.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (4/ 470).
(2) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام: (218).
(3) قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (153) في دروته (17).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
المبحث الثالث
اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين
باستقراء مصادر الشريعة ومواردها ثبت أن الأحكام التكليفية إنما وُضِعَت لتحقيق مصالح العباد وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها (1).
قال ابن تيمية: " إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها " (2).
وعلى هذا فإن الاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم اعتبار مقصود الشرع من وضع الأحكام والتكليف بها (3).
ومن أهم الأصول التي يلزم المجتهد مراعاتها للمحافظة على مقصود الشرع: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين.
بل من خصائص المجتهد الرَّباني الراسخ في العلم: " أنه ناظرٌ في المآلات قبل الجواب عن السؤالات " (4).
قال الشاطبي: " النظر في مآلات الأفعال مُعْتَبرٌ مقصودٌ شرعاً، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل" (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 9)، الموافقات (2/ 12 - 13)، إعلام الموقعين (4/ 337 - 338)، مفتاح دار السعادة لابن القيم (2/ 22 - 23).
(2) مجموع الفتاوى: (30/ 193).
(3) ينظر: الموافقات (5/ 24 - 25).
(4) المرجع السابق: (5/ 233).
(5) المرجع السابق: (5/ 177).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
وإنَّ عدم اعتبار نتائج الأفعال وعواقبها وآثارها المترتبة عليها قد يفضي إلى نقيض مقصود الشرع من وضع الأحكام؛ لأن " الأعمال الشرعيَّة ليست مقصودةً لأنفسها، وإنما قُصِد بها أمورٌ أُخَر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِعت لأجلها، فالذي عُمِل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات " (1).
والمراد بهذا الضابط: أن ينظر المجتهد إلى مآل الحُكْم عند تحقيق مناطه في بعض أفراده، فإن كان المآل غالباً يؤدي إلى مصلحةٍ راجحةٍ أَثْبَتَ الحُكْم، وإن كان يؤدي غالباً إلى مفسدةٍ راجحةٍ مَنَعَ الحُكْم.
وذلك لأن الفعل قد يكون مشروعاً لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَب أو لمفسدةٍ تُدْرأ، ولكن له مآلٌ على خلاف ذلك، فإذا أُطلق القول في الأول بالمشروعية فربَّما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدةٍ راجحة، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية فربَّما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدةٍ راجحةٍ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية (2).
والأدلة على صحة اعتبار مآلات الأفعال في الاجتهاد كثيرةٌ، منها:
أوّلاً: إن التكاليف مشروعةٌ لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيويةٌ أو أخروية، أما الأخروية فراجعةٌ إلى مآل المكلَّف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، وأما الدنيوية فإن الأعمال مقدِّماتٌ لنتائج المصالح، فإنها أسبابٌ لمسبَّباتٍ هي مقصودةٌ للشارع، والمُسَبَّبَات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات (3).
ثانياً: إن مآلات الأعمال إما أن تكون مُعتَبرةٌ شرعاً أو غير مُعتَبرة، فإن--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (3/ 120 - 121).
(2) ينظر: الموافقات (5/ 177 - 178).
(3) ينظر: الموافقات (5/ 178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
اُعتبِرت فهو المطلوب، وإن لم تُعْتَبر أمكن أن يكون للأعمال مآلاتٌ مضادَّةٌ لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح؛ لأن التكاليف مشروعةٌ لمصالح العباد، ولا مصلحةَ تُعْتَبر مطلقاً مع إمكان وقوع مفسدةٍ راجحة (1).
ثالثاً: باستقراء أدلة الشرع ثبت أن المآلات مُعتبَرةٌ في أصل المشروعية، ومن ذلك:
1 - قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
فسبُّ الأوثان سببٌ في تخذيل المشركين، وتوهين أمر الشِرْك، وإذلال أهله، ولكن لمَّا وجِد له مآلٌ آخر تُعْتَبر مراعاته أرجح - وهو سبُّهم اللهَ تعالى - نُهِىَ عن هذا العمل المؤدِّي إليه مع كونه سبباً في مصلحةٍ ومأذوناً فيه لولا هذا المآل (2).
2 - لمَّا أشير على النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المنافقين قال عليه الصلاة والسلام: " أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه " (3).
فموجِب القتل حاصل، وهو الكفر بعد النطق بالشهادتين، والسعي في إفساد حال المسلمين كافّة بما كان يصنعه المنافقون، بل كانوا أضرَّ على الإسلام من المشركين، فقتلهم فيه درءٌ لمفسدةٍ متحقِّقِة، ولكن وُجِدَ له مآلٌ آخر تُعْتَبر مراعاته أرجح، وهو التهمة التي تبعد الطمأنينة عمن أراد الدخول في الإسلام، وهي أشدُّ ضرراً على الإسلام من بقائهم (4).
3 - قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: " لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدْخِل الجدر في البيت، وأن أُلْصِق بابه--------------------------------------------
(1) ينظر: المرجع السابق (5/ 179).
(2) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (5/ 180).
(3) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب المناقب، باب ما ينهي من دعوى الجاهلية، رقم (3518)، من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (5/ 180 - 181).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
بالأرض" (1)، وفي رواية: "لَنَقَضْتُ البيت ثم بنيتُه على أساس إبراهيم عليه السلام" (2).
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم ترك ذلك الفعل لما قد يؤول إليه الأمر من حصول مفسدةٍ راجحةٍ، وهي أن تنكر العرب عليه ذلك ظنَّاً منهم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقصد هدم البيت وتغيير معالمه (3).
فهذه الأدلة وغيرها تثبت أن المآلات مُعْتَبرةٌ في الحُكْم على تصرفات المكلَّفين، وذلك بالنظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل من مصلحةٍ راجحةٍ أو مفسدةٍ راجحة.
بل إن الشاطبي حكى عن أبي بكر ابن العربي (4) اتفاق العلماء على اعتبار هذا الأصل في الاجتهاد (5).
والمآل المُعْتَبر عند تحقيق مناط الحُكْم في بعض أفراده هو ما كان يقينياً أو غلب على ظنِّ المجتهد حصوله بحسب العادات والتجارب والقرائن التي تفيد الظنون المُعْتَبرة كما سيأتي في مسالك تحقيق المناط (6).
فإذا تبيَّن للمجتهد يقيناً أو غلب على ظنِّه أنَّ فعلاً بعينه من أفعال المكلَّف يؤدي إلى مفسدةٍ راجحةٍ لزم المجتهد أن يَعْتَبر ذلك عند تحقيق مناط الحُكْم في ذلك الفعل.
وذلك لأن تصرُّفات المكلَّفين بالنظر إلى ما تؤول إليه من المفاسد لا تخلو من ثلاثة أقسام (7):
القسم الأول: تصرُّفٌ يفضي يقيناً إلى مفسدةٍ راجحة، كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه لا محالة، وشبه ذلك، فهذا تصرُّفٌ غير مشروعٍ اتفاقاً.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنياتها، رقم (1584)، وأخرجه مسلم في (صحيحه) بألفاظٍ أخرى، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، رقم (1333).
(2) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، رقم (1585).
(3) ينظر: تعليقات دراز على الموافقات (5/ 181).
(4) هو: أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد المعافري الإشبيلي، المعروف بابن العربي، فقيهٌ مالكي، من حفاظ الحديث، ولي قضاء إشبيلية، من مؤلفاته: أحكام القرآن (ط)، وعارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي (ط)، والمحصول في أصول الفقه (ط)، وغيرها، توفي قرب فاس، ودفن بها سنة (543 هـ).
ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان (4/ 296)، الديباج المذهب (281)، الأعلام للزركلي (6/ 230).
(5) ينظر: الموافقات (5/ 182).
(6) ينظر: (266 - 283).
(7) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/ 257 - 259)، إعلام الموقعين (4/ 554 - 555)، البحر المحيط للزركشي (6/ 85 - 86)، الموافقات (3/ 54 - 55)، إرشاد الفحول (2/ 1008 - 1009).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
القسم الثاني: تصرُّفٌ يفضي غالباً إلى مفسدةٍ راجحة، كبيع السلاح لأهل الحرب في زمن الفتنة بين المسلمين، وبيع العنب لمن يتخذه خمراً، ونحو ذلك، فهذا تصرُّفٌ غير مشروع، لأن غلبة الظنِّ تنزِّل منزلة القطع في الأحكام الشرعيَّة.
قال ابن فرحون (1): " ويُنزِّل منزلة التحقيق الظنُّ الغالب؛ لأن الإنسان لو وجد وثيقةً في تركة مورِّثه، أو وجد ذلك بخطِّة، أو بخطِّ من يثق به، أو أخبره عدلٌ بحقٍّ له، فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا، والحَلِف بمجرَّده، وهذا الأسباب لا تفيد إلا الظنَّ دون التحقيق، لكن غالب الأحكام والشهادات إنما تُبْنَى على الظنّ، وتنزَّل منزلة التحقيق" (2).
وذكر العز بن عبدالسلام أن من طرق معرفة المصالح والمفاسد الدنيوية: " الظنون المُعتَبرات " (3).
القسم الثالث: تصرُّفٌ يفضي نادراً إلى مفسدةٍ مرجوحة، كالقضاء بالشهادة في الدِّماء والأموال والفروج، مع إمكان الكذب والوهم والغلط، لكن ذلك نادرٌ فلم يُعْتَبر، واعتُبِرَت المصلحة الغالبة.
قال الشاطبي: " لأن المصلحة إذا كانت غالبةً فلا اعتبار بالندور في انخرامها؛ إذ لا توجد في العادة مصلحة عريَّةٌ عن المفسدة جملة، إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة، ولم يَعْتَبر ندور المفسدة؛ إجراءً للشرعيات مجرى العاديات في الوجود " (4).
وبهذا يتبين أن المآل المُعتَبر عند تحقيق مناط الحُكْم في بعض أفراده هو ما كان يقينياً أو غلب على ظنِّ المجتهد حصوله بحسب العادات والتجارب والقرائن التي تفيد الظنون المُعْتَبرة.
فإذا تبيَّن للمجتهد يقيناً أو غلب على ظنِّه أن فعلاً بعينه من أفعال--------------------------------------------
(1) هو: برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، فقيهٌ مالكي، مغربي الأصل، رحل إلى مصر والقدس والشام، وتولى القضاء بالمدينة، ومن مؤلفاته: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام (ط)، والديباج المذهب في تراجم أعيان المذهب (ط)، وغيرهما، توفي سنة (799 هـ).
ينظر في ترجمته: الدرر الكامنة (1/ 48)، نيل الابتهاج بتطريز الديباج (34)، الأعلام للزركلي (1/ 52).
(2) تبصرة الحكام: (1/ 148).
(3) قواعد الأحكام: (1/ 13).
(4) الموافقات: (3/ 74).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
المكلَّف يؤدي إلى مفسدةٍ راجحةٍ، لزم المجتهد أن يَعْتَبر ذلك عند تحقيق مناط الحُكْم في ذلك الفعل، وهو اجتهادٌ " صعبُ المورد، عذبُ المذاق، محمودُ الغِبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة " (1).--------------------------------------------
(1) الموافقات: (5/ 178).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
المبحث الرابع
مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين
إنَّ الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام على أقوال المكلَّفين وأفعالهم يستلزم من المجتهد مراعاةً اختلاف مقاصد المكلَّفين من تلك التصرفات؛ لأنَّ إجراء الأحكام على أفعال المكلَّفين وأقوالهم يختلف باختلاف قصد كلِّ مكلَّفٍ من إيقاع ذلك الفعل أو التلفُظ بذلك القول، وقد تتفق الأعمال في الصورة الظاهرة إلا أنها تتميَّز أحكامها بحسب مقاصد أصحابها.
قال ابن القيم: " وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حِلِّة وحرمته، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقدٍ تحليلاً وتحريماً، فيصير حلالاً تارةً وحراماً تارةً باختلاف النيَّة والقصد، كما يصير صحيحاً تارةً وفاسداً تارةً باختلافها .. " (1).
ثم أورد أمثلةً كثيرةً على اختلاف الأحكام باختلاف النيَّات والمقاصد رغم أن صورة الفعل واحدة، ومنها (2):
- الحيوان يَحِلُّ إذا ذُبِح لأجل الأكل، ويَحْرُم إذا ذُبِح لغير الله.
- غير المُحْرِم يصيد الصيد للمُحْرِم فيحْرُم عليه، ويصيده للحلال فلا يَحْرُم على المُحْرِم.
- عَصْرُ العنب بنيَّة أن يكون خمراً معصية، وعصره بنيَّة أن يكون خَلاًّ جائز.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (4/ 52).
(2) ينظر: إعلام الموقعين (4/ 520 - 521).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
- قوله لزوجته: "أنت عندي مثل أُمِّي" ينوي الطلاق فيكون ما نواه، وينوي به الظِهار فتحرم عليه، وينوي بها أنها في المنزلة والكرامة كأُمِّه فلا تحرم عليه.
والأمثلة على تقرير هذا المعنى تفوق الحصر، وهي تشمل العبادات والمعاملات والعادات.
قال ابن القيم: "وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات مُعتَبرةٌ في التصرُّفات والعبارات كما هي مُعتَبرةٌ في التقرُّبات والعبادات، فالقصد والنيَّة والاعتقاد يجعل الشيء حلالاً أو حراماً، وصحيحاً أو فاسداً، وطاعةً أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبةً أو مستحبةً أو محُرَّمَةً أو صحيحةً أو فاسدةً" (1).
وقد بنى الفقهاء على هذا الأصل القاعدة الشهيرة: "الأمور بمقاصدها" (2).
فمقاصد المكلَّفين تُمَيِّز بين ما هو عادةٌ وماهو عبادة، وفي العبادات تميِّز بين ما هو واجبٌ وغيرُ واجب، وفي العادات تميِّز بين الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرَّم والصحيح والفاسد، والعمل الواحد يُقْصَد به أمرٌ فيكون عبادة، ويُقْصَد به شيءٌ آخر فلا يكون كذلك، بل يُقْصَد به شيءٌ فيكون إيماناً، ويُقْصَد به شيءٌ آخر فيكون كُفْراً، كالسجود لله أو للصنم (3).
كما أن من أجلِّ تطبيقات هذا الأصل قاعدة: "إبطال الحيل" (4)؛ لأن قصد المكلَّف من الفعل يجب أن يكون موافقاً لقصد الشارع، وكلُّ مَنْ قصد غيرَ ما وُضِعت له الأحكام في الشرع فعمله باطل.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (4/ 499 - 500).
(2) ينظر: المجموع المذهب للعلائي (1/ 35)، الأشباه والنظائر للسيوطي (1/ 49)، غمز عيون البصائر (1/ 177)، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام (1/ 4).
(3) ينظر: الموافقات (3/ 8 - 9).
(4) ينظر: إبطال الحيل لابن بطة (112 - 125)، بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (32 - 284)، إعلام الموقعين (5/ 66 - 112)، إغاثة اللهفان لابن القيم (1/ 356 - 392)، الموافقات (3/ 109 - 119).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)