والجواب: أن الاقتران المُعْتَبَر دليلاً في الإيماء هو اقتران وصفٍ ملفوظٍ أو مقدَّرٍ مع الحُكْم، والترتيب المأخوذ في التعريف معناه أن الحُكْم شُرِعَ لأجله من غير لزوم أن يكون مذكوراً معه أو مقدَّراً في نظم الكلام، ولو عمَّمْنا في الوصف المقترن في الإيماء بأن جعلناه شاملاً للمُسْتَنْبَطِ لزم أن يكون الإيماء في كلِّ صور العِلَّة (1).
3 - اعترض صفي الدين الهندي - أيضاً - على التعريف بأنه: غير جامع؛ لأنه لا يشمل الحكمةَ الظاهرةَ المنضبطةَ؛ فإنه يجوز التعليل بها عند صاحب هذا الحدِّ - أي: الآمدي - وهي مناسب، والوصفية غير متحقِّقةٍ فيها (2).
والجواب: أن الحكمة تُطْلَق بإطلاقين، تُطْلَق أوَّلاً على ما كانت واسطةً في ترتيب الحُكْم على الوصف كالمشقة، وتطلق ثانياً على المقصود للشارع من شرع الحُكْم كالتخفيف، والظاهر أن مرادهم بالحكمة التي يجوز التعليل بها هي الحكمة بالإطلاق الأول، وهي ما كانت ظاهرةً منضبطة، وحينئذٍ لا يُسَلَّم أنه لا يصدق عليها التعريف (3).
ومن خلال ما سبق يتقرر أن المناسب هو: " وصفٌ ظاهرٌ منضبطٌ يلزم من ترتيب الحُكْم على وَفْقِهِ حصولُ ما يصلح أن يكون مقصوداً من شرع ذلك الحُكْم".
ومثاله: الإسكار، فإنه وصفٌ ظاهرٌ لاخفاء فيه، منضبطٌ لا اضطراب فيه، يحصل من ترتيب الحُكْم على وَفْقِهِ جلبُ مصلحةٍ هي حفظ العقول، أو دفعُ مفسدةٍ هي زوال العقول (4).
وإذا كان المناسب بهذا المعنى فالمناسبة - باعتبارها دليلاً على العِلِّية ---------------------------------------------
(1) ينظر: نبراس العقول (1/ 272).
(2) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3291).
(3) ينظر: نبراس العقول (1/ 272).
(4) ينظر: المستصفى (3/ 620)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 239)، الردود والنقود للبابرتي (2/ 537)، البحر المحيط للزركشي (5/ 209)، شرح الكوكب المنير (4/ 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
هي: " كون الوصف ظاهراً منضبطاً يلزم من ترتيب الحُكْم على وَفْقِهِ حصولُ ما يصلح أن يكون مقصوداً من شرع ذلك الحُكْم".
وهذه المناسبة إذا ثبتت فإنها تُعْتَبَرُ دليلاً على كون ذلك الوصف عِلَّةً لذلك الحُكْم كما سيأتي بحثه (1)، ويُسمَّى هذا الدليل: " مسلك المناسبة "، وقد يُعبَّر عنها بالإخالة؛ لأنه بها يُخَالُ - أي: يُظَنُّ - أن الوصف عِلَّةٌ للحُكْم، كما يُعبَّرُ عنها- أيضاً - بالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد (2).
المطلب الثاني: أقسام المناسب بحسب اعتبار شهادة الشرع له بالملائمة وعدمها.
يُقَسِّم الأصوليون المناسب إلى أقسامٍ مختلفةٍ بحسب اعتباراتٍ عِدَّة (3)، وأهم هذه التقسيمات ما كان بحسب اعتبار شهادة الشرع له بالملاءمة وعدمه؛ لأن هذا التقسيم يتبيَّن به ما يصلح للتعليل من الأوصاف باتفاق، وما هو مردودٌ باتفاق، وما هو مختلَفٌ فيه.--------------------------------------------
(1) ينظر: (154 - 160).
(2) ينظر: شفاء الغليل (143)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 239)، البحر المحيط للزركشي (5/ 206)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 273)، شرح الكوكب المنير (4/ 152)، إرشاد الفحول (2/ 896).
(3) قسَّم الأصوليون المناسب باعتبار ذات المناسبة إلى: حقيقي وإقناعي، والحقيقي إلى: دنيوي وأخروي، والحقيقي الدنيوي إلى: ضروري، وحاجي، وتحسيني.
وقسَّموا المناسب باعتبار مراتب إفضائه إلى المقصود من شرع الحكم إلى: ما يكون حصول المقصود منه يقيناً، أو ظناً، أو يحتمل على السواء، أو يكون نفي الحصول أرجح، أو يكون فائتاً بالكلية.
وقسَّموا المناسب باعتبار شهادة الشرع له بالملاءمة وعدمه إلى: ما عُلِم من الشارع اعتباره، وما عُلِم من الشارع إلغاؤه، وما لم يُعْلَم من الشارع إلغاؤه ولا اعتباره.
وللأصوليين طرقٌ مختلفةٌ في ترتيب هذه الأقسام وتسمياتها تختلف باختلاف جهات النظر فيها.
ينظر: المستصفى (3/ 620 - 623)، المحصول (5/ 159 - 167)، الإحكام للآمدي (3/ 340 - 356)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 389 - 394)، شرح تنقيح الفصول (303 - 306)، نهاية السول (4/ 80 - 103)، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 114 - 130)، البحر المحيط للزركشي (5/ 208 - 220)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 276 - 285)، شرح الكوكب المنير (4/ 159 - 177)، فواتح الرحموت (2/ 311 - 313)، إرشاد الفحول (2/ 900 - 908).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
وينقسم المناسب باعتبار شهادة الشرع له بالملائمة وعدمها إلى ثلاثة أقسام (1):
القسم الأول: ما عُلِمَ اعتبار الشرع له.
والمراد بالاعتبار: إيراد الحكم على وفق الوصف، لا التنصيص عليه، ولا
الإيماء إليه، ولا ثبوته بالإجماع، وإلا لم تكن العلة مستفادة من طريق المناسبة (2).
ويُسمَّى هذا الوصف بـ: " المناسب الملائم "، وله أربعة أحوال (3):
الحالة الأولى: أن يعتبر نوع الوصف في نوع الحكم، كقياس القتل بالمثقَّل على القتل بالجارح في وجوب القصاص، بجامع كونه قتلاً عمداً عدواناً، فإنه قد عُرِف تأثير خصوص كونه قتلاً عمداً في خصوص الحكم، وهو وجوب القصاص في النفس في القتل بالمحدَّد.
الحالة الثانية: أن يُعتَبر نوع الوصف في جنس الحكم، كقياس تقديم الإخوة لأبوين على الإخوة لأب في النكاح على تقديمهم في الإرث، فإن الإخوة من الأب والأم نوعٌ واحدٌ في الصورتين، ولم يُعرَف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح، ولكن عُرِف تأثيره في جنسه، وهو التقدم عليهم، فيما ثبت لكل واحدٍ منهم عند عدم الأمر، كما في الإرث.
الحالة الثالثة: أن يُعتَبر جنس الوصف في نوع الحكم، كقياس إسقاط القضاء عن الحائض، على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر،--------------------------------------------
(1) ينظر: المحصول (5/ 163 - 166)، الإحكام للآمدي (3/ 353 - 356)، شرح تنقيح الفصول (305 - 306)، نهاية السول (4/ 91 - 96)، البحر المحيط للزركشي (5/ 213 - 216)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 282 - 285)، شرح الكوكب المنير (4/ 173 - 177).
(2) ينظر: شفاء الغليل (189)، نهاية السول (4/ 93 - 103)، البحر المحيط للزركشي (5/ 214)، إرشاد الفحول (2/ 904)، نبراس العقول (1/ 313).
(3) ينظر: المحصول (5/ 163 - 166)، الإحكام للآمدي (3/ 353 - 356)، شرح تنقيح الفصول (305 - 306)، نهاية السول (4/ 91 - 96)، البحر المحيط للزركشي (5/ 214 - 215)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 282 - 285)، شرح الكوكب المنير (4/ 173 - 177).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
بتعليل المشقة، والمشقة جنس، وإسقاط قضاء الصلاة نوعٌ واحد، ويُستعمَل على صنفين، إسقاط قضاء الكل، وإسقاط قضاء البعض.
الحالة الرابعة: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، وذلك كتعليل كون حدِّ الشرب ثمانين بأنه مَظِنَّة القذف؛ لكونه مَظِنَّة الافتراء، فوجب أن يُقام مقامه قياساً على الخلوة فإنها لما كانت مَظِنَّة الوطء أُقيمت مقامه.
القسم الثاني: ما عُلِمَ إلغاء الشرع له.
والمقصود بالإلغاء: إيراد الأحكام على عَكْسِه (1).
ويُسمَّى هذا الوصف بـ: " المناسب المُلْغَى "، وفي تسميته بالمناسب تجوُّز؛ لأن المناسبة - هنا - متوهَمة، وقد شهد الشرع ببطلانها، فيُعَدُّ الوصفُ ساقطَ الاعتبار، ولا يصح تعليل الأحكام به (2).
ومثاله: ما أفتى به يحيى الليثي (3) أحدَ حكامِ الأندلس عندما سُئِل عن الكفارة المترتِّبة على إفطاره في نهار رمضان بالجماع عَمْداً، فأفتاه بوجوب صوم شهرين متتابعين، فلما أُنِكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبةٍ مع اتساع مالِهِ قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبةٍ في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به (4).
فهذا الوصف الذي علَّلَ به الليثي فتواه وصفٌ ملغي؛ لأن الشارع لم يعتبره، حيث لم يفرِّق في الحُكْم بين مَلِكٍ وغيره، بل أوجب الكفارة مُرَتَّبَةً، فذكر العِتْقَ أَوَّلاً ثم الصيام ثانياً، فيكون تقديم الصوم على العِتْقِ على خلاف ما اعتبره الشارع، فيكون ساقطَ الاعتبار.--------------------------------------------
(1) ينظر: نهاية السول (4/ 91)، نبراس العقول (1/ 298).
(2) ينظر: المحصول (5/ 165)، الإحكام للآمدي (3/ 357)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 242)، نهاية السول (4/ 91)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 284)، شرح الكوكب المنير (4/ 179).
(3) هو: يحيى بن يحيى بن كثير بن وِسْلاس الليثي البربري المصمودي الأندلسي المالكي، عالم الأندلس وفقيهها في عصره، وصاحب الدرجة العليا في الحديث، توفي سنة (367 هـ).
ينظر في ترجمته: الديباج المذهب (2/ 357 - 358)، شجرة النور الزكية (63).
(4) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 357)، نهاية السول (4/ 92 - 93)، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 130)، شرح المحلي على جمع الجوامع (1/ 284)، شرح الكوكب المنير (4/ 180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
القسم الثالث: ما لم يُعْلَم من الشرع إلغاؤه ولا اعتباره.
والمراد بذلك: أن الوصف لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار، وهو- أي: الوصف - ملائمٌ لتصرفات الشارع في الجملة (1).
ويُسمَّى هذا الوصف بـ: "المناسب المرسل" (2).
وهو دليلٌ مستقلٌّ خارجٌ عن قياس العِلَّة؛ لأن القياس لابدَّ له من أصلٍ معينٍ يشهد له الشارع بالإلغاء أو الاعتبار، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها لا ترجع إلى أصلٍ معيَّنٍ ولكنها ترجع إلى أصلٍ كليٍّ عُلِمت ملائمته لتصرفات الشرع في الجملة (3).
ومن أمثلته: اتخاذ السجون، وضرب النقود، وتدوين الدواوين، وتسجيل العقود، وتشكيل الوزارات التي ترعى مصالح المسلمين (4).
وبهذا التقسيم للمناسب يتبين أن ما عُلِمَ من الشارع اعتباره فهو مقبولٌ ويصح التعليل به، وما عُلِمَ من الشارع إلغاؤه فهو مردودٌ ولا يصح التعليل به، وما لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار فهو من قبيل "المصالح المرسلة "، وسيأتي البحث في حجيته (5).
وهذا التقسيم للمناسب إنما هو بحسب اعتبار الشارع له وعدمه، وإلا فإن أقسام المناسب بحسب درجاته لا تكاد تنحصر.
قال الغزالي: " ولا يمكن ضبط درجات المناسبة أصلاً، بل لكلِّ مسألةٍ ذوقٌ آخر ينبغي أن ينظر فيه المجتهد " (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 633)، المحصول (5/ 167)، الإحكام للآمدي (3/ 357)، شرح تنقيح الفصول (305 - 306)، البحر المحيط للزركشي (5/ 215 - 216)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 284)، إرشاد الفحول (2/ 906 - 907).
(2) ينظر: المراجع السابقة.
(3) ينظر: شرح الكوكب المنير (4/ 170)
(4) ينظر في أمثلة المصلحة المرسلة: الاعتصام للشاطبي (612 - 625)، نشر البنود (2/ 190 - 191)، المصالح المرسلة للأمين الشنقيطي (36).
(5) ينظر: (377 - 380).
(6) المستصفى: (3/ 631 - 632).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
والأمر في ذلك يرجع إلى أنَّ من أجناس المناسب ما هو بعيد، ومنها ما هو أبعد، كما أنَّ منها القريب، ومنها ما هو أقرب، ومنها ما هو دون هذا وذاك، ولأجل ذلك تتفاوت درجات الظنِّ بحسب تفاوتها في القرب والبعد.
قال الغزالي: " للجنسية درجاتٌ متفاوتةٌ في القرب والبعد لا تنحصر، فلأجل ذلك تتفاوت درجات الظنّ، والأعلى مقدَّمٌ على الأسفل، والأقرب مقدَّمٌ على الأبعد في الجنسية، ولكلِّ مسألةٍ ذوقٌ مُفْرَدٌ ينظر فيه المجتهد، ومن حاول حصر هذه الأجناس في عددٍ وضبطٍ فقد كلَّفَ نفسه شططاً لا تتسع له قوة البشر" (1).
المطلب الثالث: حُجِّية مسلك المناسبة.
إذا ورد حُكْمٌ شرعي، ولم تثبت عِلَّتُه بنصٍّ أو إيماءٍ أو إجماعٍ، وغلب على ظنِّ المجتهد وجودُ وصفٍ مناسبٍ يحصل من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من جلب مصلحةٍ أو دفع مضرَّة، ولم يوجد غيره من الأوصاف الصالحة للعِلِّية:
فهل تعتبر المناسبة - في هذه الحالة - دليلاً على إثبات كون ذلك الوصف عِلَّةً لذلك الحُكْم؟
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن المناسبة تدلُّ على عِلِّية الوصف المناسب، وأنه يجب العمل بها (2)، واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أولاً: إنَّ الله تعالى شَرَعَ الأحكامَ لمصالح العباد تفضلاً وإحساناً--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (3/ 659).
(2) ينظر: البرهان (2/ 802)، المستصفى (3/ 620)، المحصول (5/ 157)، الإحكام للآمدي (3/ 357)، شرح تنقيح الفصول (303)، نهاية السول (4/ 91)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب … (2/ 242)، البحر المحيط للزركشي (5/ 207 - 208)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 272 - 273)، شرح الكوكب المنير (4/ 152)، إرشاد الفحول (2/ 898 - 899).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
منه عز وجل، وقد ثبت ذلك بأدلةٍ منها (1):
1 - الاستقراء، فمن استقرأ أحكامَ الشرع وجدها مقرونةً بتحصيل مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم.
2 - الإجماع، فأئمة الفقه مجمعون على أن أحكام الشرع لا تخلو عن حكمةٍ تعود على العباد بتحصيل المصالح ودفع المفاسد عنهم.
3 - المعقول، وهو أن العبث سَفَه، والسَّفَهُ صفةُ نقصٍ، والنقص على الله تعالى مُحَال، فثبت أنه لابدَّ من مصلحة، وتلك المصلحة يمتنع عودها إلى الله تعالى بالإجماع، فلابد من عودها إلى العبد، فثبت أنه تعالى شَرعَ الأحكامَ لمصالح العباد.
وإذا ثبت أن الله شرع الأحكامَ لمصالح العباد فالمناسب يحصل من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من جلب مصلحةٍ أو دفع مفسدة، وفي إبطال العمل بالمناسب الذي شهد له الشرع بالاعتبار مناقضةٌ لمقصود الشارع.
ثانياً: إن المناسبة تفيد حصول الظنِّ الغالب على أن ذلك الوصف المناسب عِلَّةً لذلك الحُكْم، والظنُّ يجب العمل به، فثبت أن المناسبة دليلٌ يفيد العِلِّية.
قال إمام الحرمين: " وإذا ثبت حُكْمٌ في أصل، وكان يلوح في سبيل الظنِّ استنادُ ذلك إلى أمر، ولم يناقض ذلك الأمرَ شيءٌ، فهذا هو الضبط الذي لا يُفْرَض عليه مزيد، فإذا أشعرَ الحُكْمُ في ظنِّ الناظر بمقتضىً استناداً إليه فذلك المعنى هو المظنون عَلَمَاً وعِلَّةً لاقتضاء الحكم، فإذا ظهر هذا وتبيَّن أن الظنَّ كافٍ، وتوقُّعَ الخطأ غيرُ قادحٍ، ولا مانعٍ من تعليق الحُكْم، كان ذلك كافياً بالغاً " (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: المحصول (5/ 172 - 175)، الإحكام للآمدي (3/ 357 - 359)، نهاية السول (4/ 97 - 98)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 238)، البحر المحيط للزركشي (5/ 207 - 208)، إرشاد الفحول (2/ 898 - 899 … ).
(2) البرهان: (2/ 804).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وقال الإسنوي: " وحينئذٍ فحيث ثبت حُكْمٌ في صورةٍ، وهناك وصفٌ مناسبٌ له متضمِّنٌ لمصلحة العبد، ولم يوجد غيره من الأوصاف الصالحة للعِلِّية، غلب على الظنِّ أنه عِلَّةً له؛ لكون الأصلِ عدمُ غيره، وإذا ثبت أنه عِلَّةً ثبت أن المناسبة تفيد العِلِّية " (1).
ثالثاً: إجماع الصحابة على العمل بمعنى المناسبة، فقد كانوا يُلْحِقون غيرَ المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنِّهم أنه يضاهيه لمعنىً أو يشبهه.
قال إمام الحرمين: " كلُّ حُكْمٍ أَشْعَرَ بعِلَّةٍ ومقتضى، ولم يدرأه أصلٌ في الشرع، فهو الذي يُقْضَى بكونه معتبر النظر، فإن الشارع ما أشار إلى جميع العِلَل، واستنبط نُظَّار الصحابة رضي الله عنهم، وكانوا يتلقون نظرهم مما ذكرتُه قطعاً " (2).
وبهذه الأدلة يتقرر عند جمهور الأصوليين أن الحُكْم الشرعي إذا ثبت في أصلٍ، ولم تثبت عِلَّتُه بنصٍّ أو إيماءٍ أو إجماعٍ، وغلب على ظنِّ المجتهد وجودُ وصفٍ مناسبٍ يحصل من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من جلب مصلحةٍ أو دفع مفسدة، ولم يوجد غيرُه من الأوصاف الصالحة للعِلِّية، فإن المناسبة تعتبر في هذه الحالة دليلاً على إثبات كون ذلك الوصف عِلَّةً لذلك الحُكْم.
وذهب الحنفية إلى أن المناسبة لا تكفي في إثبات كون الوصف عِلَّةً، بل لابد من إظهار التأثير بالنصِّ أو الإجماع (3).
ومقصودهم بالتأثير: أن يثبت بنصٍّ أو إجماعٍ اعتبارُ عين الوصف أو جنسه في عين الحُكْم أو جنسه (4).
واستدلوا على ذلك: بأن الإخالة يرجع حاصلُها إلى ما يقع في النفس،--------------------------------------------
(1) نهاية السول: (4/ 98).
(2) البرهان: (2/ 804 - 805).
(3) ينظر: أصول السرخسي (2/ 177)، التقرير والتحبير (3/ 159)، شرح التلويح على التوضيح للتفتازاني (2/ 158)، فواتح الرحموت (2/ 352 - 353).
(4) ينظر: التوضيح شرح التنقيح (2/ 153 - 154)، التقرير والتحبير (3/ 159)، فواتح الرحموت (2/ 352).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
ويشهد له القلب، وتطمئن النفس إليه، وهذا أمرٌ باطنٌ لا يمكن إثباته على الخصم، فإنه إذا قال: غلب على ظني هذا، فللخصم أن يقول: لم يغلب على ظني، فَتَحَكُّمُ القلبِ إنما يجوز عند فقد الأدلة الظاهرة، وعند تصادم الأدلة وانقسام مسالكها؛ للضرورة الداعية إليه (1).
وأجيب عن ذلك: بأن الإخالة لا يقصد بها مجرد الظنّ، بل نقصد بها معنىً معقولاً ظاهراً يمكن إثباته على الجاحد بتبيين معنى المناسبة على وجهٍ مضبوط، فإذا أَبْدَاهُ المعلِّلُ فلا يُلْتَفَتُ إلى جحده، ولا يَلْزَمُ المُسْتَدِل إلا ذلك (2).
المقارنة بين مذهب الجمهور ومذهب الحنفية:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن المناسبة تعتبر دليلاً على عِلِّيِّة الوصف المناسب، وذهب الحنفية إلى أن المناسبة لا تكفي في إثبات كون الوصف عِلَّةً، بل لابدَّ من إظهار التأثير بالنصِّ أو الإجماع.
وعند التأمل في حاصل المذهبين يتضح لي أنه لا خلاف حقيقي بين المذهبين في اعتبار المناسبة دليلاً على إثبات عِلَّية الوصف المناسب، وتقرير ذلك على النحو الآتي:
1 - اعتبر الحنفية المناسبة حُجَّةً في إثبات كون الوصف عِلَّةً بشرط تأثير الوصف، والتأثير - عندهم - يثبت باعتبارِ الشرعِ نوعَ الوصفِ في نوعِ الحُكْم أو جنسهِ، أو اعتبار جنسهِ في جنسِ الحُكْم أو نوعهِ.
والمناسبةُ بهذا المعنى حُجَّةٌ عند الحنفية (3) والجمهور، لأن الوصف الذي عُلِمَ من الشرعِ اعتبارُ نوعِه في نوعِ الحُكْم أو جنسهِ، أو عُلِمَ من الشرعِ اعتبارُ جنسِه في جنسِ الحُكْم أو نوعهِ، هو المناسب الذي يصلح أن يكون--------------------------------------------
(1) ينظر: تقويم الأدلة (311)، كشف الأسرار (2/ 357 - 358).
(2) ينظر: شفاء الغليل (143)، الإحكام للآمدي (3/ 339)، البحر المحيط للزركشي (5/ 206 - 207)، إرشاد الفحول (2/ 898).
(3) ينظر: التقرير والتحبير (3/ 159)، تيسير التحرير (3/ 325 - 326)، فواتح الرحموت (2/ 320).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
عِلَّةً للحُكْم كما تقدَّم ذكره في أنواع المناسب الذي عُلِمَ من الشرع اعتبارُه (1).
2 - اتفق الجمهور والحنفية على عدم قبول الوصف الذي ثبت اعتبار عينهِ في عينِ الحُكْم بمجرَّدِ ترتيبِ الحُكْم على وَفْقِهِ، ولكن لم يثبت بنصٍّ أو إجماعٍ اعتبارُ عينهِ في جنسِ الحُكْم، ولا جنسهِ في جنسِ الحُكْم أو عينهِ، وهو الوصف المُسَمَّى بـ: " المرسل الغريب " (2).
ومثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث بمعارضته بنقيض قصده في استعجال الحقِّ قبل أوانه، فَيُقَاسُ عليه توريثُ المطلقةِ ثلاثاً في مرض الموت؛ لأن الزوجَ قصدَ الفرارَ من توريثها، فَيُعَارَضُ بنقيض قصده، فهذا الوصفُ غريبٌ لم يلتفت الشرع إلى جنسهِ في موضعٍ آخر (3).
كما اتفقوا - أيضاً - على عدم قبول الوصف الذي شهد الشرع بإبطاله، وهو الوصف المسمَّى بـ: " معلوم الإلغاء " (4).
ومثاله: إيجاب صيام شهرين متتابعين على المَلِكِ المُرَفَّهِ الذي واقعَ أهلَه في نهار رمضان، مع قدرته على الإعتاق كما تقدَّم (5).
3 - يُنْسَبُ لجمهور الحنفية أنهم لا يَعْتَدُّون بالوصف الذي لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار وهو ملائمٌ لتصرُّفات الشارع في الجملة، ويُسَمَّى: " المناسب المرسل" أو" المرسل الملائم"، وذلك بحُجَّة أنه لم يشهد له دليلٌ مُعَيَّنٌ على الاعتبار (6).
وقد صرَّح بعض الحنفية بأن المحكي عنهم من نفي المرسل إنما هو في--------------------------------------------
(1) ينظر: (151).
(2) ينظر: شفاء الغليل (189)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 242 … )، بيان المختصر (3/ 127)، البحر المحيط (5/ 217)، التقرير والتحبير (3/ 150)، تيسير التحرير (3/ 314).
(3) ينظر: المراجع السابقة.
(4) ينظر: المستصفى (3/ 632)، المحصول (5/ 165)، الإحكام للآمدي (3/ 357)، البحر المحيط للزركشي (5/ 215)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 242)، التقرير والتحبير (3/ 150)، شرح الكوكب المنير (4/ 178 - 181)، فواتح الرحموت (2/ 315).
(5) ينظر: المراجع السابقة.
(6) ينظر: التقرير والتحبير (3/ 151)، تيسير التحرير (314 - 315).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
نفي ما عُلِمَ إلغاؤه والغريب المرسل، وأنه يجب على الحنفية قبول الملائم من المرسل (1).
والتحقيق أن المناسب المرسل -الذي لم يشهد له دليلٌ مُعَيَّنٌ بالإلغاء أو الاعتبار وهو ملائمٌ لتصرُّفات الشارع في الجملة- معتبرٌ في جميع المذاهب الأربعة، وإن صرَّحوا بخلاف ذلك كما سيأتي (2)، وهو المُسمَّى بـ: "المصلحة المرسلة".
قال القرافي: " وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصَّةٌ بِنَا، وإذا افتقَدتَّ المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرَّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرَّقوا، بل يكتفون بمُطْلَق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب" (3).
4 - يَعْتَبر الجمهورُ أن "الإخالة" من مُسَمَّيات "المناسبة"؛ لأن المجتهد يُخَال -أي: يُظَنّ- كون ذلك الوصف عِلَّةً لذلك الحُكْم؛ للملائمة بينهما (4).
بينما تُعْتَبر "الإخالة" عند الحنفية ظناً مجرداً عن اعتبار الشرع له بملائمة الحُكْم للوصف (5).
وبهذا يظهر أن مخالفة الحنفية للجمهور في اعتبار مسلك المناسبة إنما يرجع إلى تسميتها بـ: "الإخالة"، وهي تسميةٌ تُوهِمُ -ظاهراً- باعتماد المجتهد على الظنِّ المجرَّد في إبداء الملائمة بين الوصف والحُكْم، وهذا المعنى غير مقبولٍ مطلقاً عند الجمهور؛ حيث إنهم لا يقبلون دعوى المناسبة بمجرَّد الاعتماد على الظنّ، بل ينحصر المناسب المقبول عندهم في الوصف الذي اعتبر الشارعُ نوعَه في نوعِ الحُكْم أو جنسِه، أو اعتبر جنسَه في جنسِ الحُكْم أو نوعِه (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: التقرير والتحبير (3/ 151)، تيسير التحرير (3/ 315).
(2) ينظر: (377 - 378).
(3) شرح تنقيح الفصول: ( … 306).
(4) ينظر: (150).
(5) ينظر: (156).
(6) ينظر: (150 - 151).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
ولهذا قال الغزالي: " منشأُ الإشكال بيانُ حدِّ المناسبة، والإخالةُ عبارةٌ عنها" (1).
وإذا كانت " الإخالة " تُطْلَق على " المناسبة " المقبولة فلا اعتراضٍ حينئذٍ على المعنى الذي هو محلُّ وفاق، وتبقى التسمية اصطلاح، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.
فإذا اتضح أن الجمهور والحنفية لا يقبلون في المناسبة إلا الوصف " الملائم" الذي اعتبر الشارعُ نوعَه في نوعِ الحُكْم أو جنسِه، أو اعتبر جنسه في جنس الحُكْم أو نوعه، وأنهم اتفقوا على عدم قبول الوصف " الغريب " الذي لم يثبت بنصٍّ أو إجماعٍ اعتبارُ عينهِ في جنسِ الحُكْم، ولا جنسِه في جنسِ الحُكْم أو عينهِ، كما أنهم اتفقوا على عدم قبول الوصف " معلوم الإلغاء " الذي شهد الشرع بإبطاله، وأن … " المناسب المرسل " أو" المرسل الملائم " الذي لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار وهو ملائمٌ لتصرفات الشارع في الجملة معمولٌ به في جميع المذاهب الأربعة، فإنه حينئذٍ لا خلاف حقيقي بين الجمهور والحنفية في اعتبار مسلك المناسبة دليلاً تثبت به العِلِّية.
وعلى فرض تسليم الخلاف في " المناسب المرسل " فإن المصلحة المرسلة تعتبر دليلاً مستقلاً عن قياس العِلَّة، ولذلك سمَّوْها مصلحةً مرسلةً، ولم يسمُّوها قياساً؛ لأن القياس يرجع إلى أصلٍ معين، بخلاف هذه المصلحة، فإنها لا ترجع إلى أصلٍ معين، بل رأينا الشارع اعتبرها في مواضع من الشريعة فاعتبرناها حيث وجدت لِعلْمنا أن جنسها مقصودٌ له (2).
وقد تُسَمَّي المصلحة المرسلة " بالقياس الكلي"، مع ما في ذلك من تكلُّفٌ ظاهر.
قال الغزالي: " كلُّ مصلحةٍ ملائمةٍ فيتصور إيرادها في قالب قياس بجمعٍ متكلَّفٍ يعتمدُ التسويةَ في قضيةٍ عامةٍ لا تتعرَّض لعين الحكم" (3).--------------------------------------------
(1) شفاء الغليل: (143).
(2) شرح الكوكب المنير: (4/ 170).
(3) شفاء الغليل: (217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
وكلامنا في هذا الموضع عن المناسب الذي شهد له أصلٌ معينٌ بالاعتبار، حيث ثبت أن الشارع رتَّبَ الحُكْم على وَفْقِهِ، وهو الوصف الذي يصلح أن يكون عِلَّةً للحُكْم.
المطلب الرابع: صورة تخريج المناط بمسلك المناسبة.
تقدَّم أن تخريج المناط هو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (1).
كما تقدَّم أن المناسبة هي: ملاءمة الوصف للحُكْم بحيث يحصل عقلاً من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من جلب منفعةٍ أو دفع مضرَّة (2).
وإذا كان الأمر كذلك فإن تخريج المناط بمسلك المناسبة يعني: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً، وذلك بمجرَّد إبداء ملاءمة الوصف للحُكْم (3).
وصورته: أن يَحْكَم الشارعُ في محلٍّ بحُكْمٍ، ولا يتعرض لبيان عِلَّة ذلك الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيستخرج المجتهد وصفاً ظاهراً منضبطاً يحصل من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من جلب مصلحةٍ أو دفع مضرَّة، ولا يجد غيرَه من الأوصاف الصالحة للعِلِّيِّة مثلَه ولا أولى منه، ويغلب على ظنِّه كون ذلك الوصف عِلَّةً لذلك الحُكْم فيعينه مناطاً له، ثم يستدل على ذلك بإظهار ملاءمة الوصف للحكم (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: (128).
(2) ينظر: (149).
(3) ينظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 293)، البحر المحيط للزركشي (5/ 257)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 273)، تيسير التحرير (4/ 43)، شرح الكوكب المنير (4/ 152 - 153).
(4) ينظر: نهاية الوصول (7/ 3041 - 3042)، الإبهاج (3/ 83)، شرح المعالم لابن التلمساني (2/ 356)، سلم الوصول للمطيعي (4/ 142 - 143)، نشر البنود (2/ 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
ومثاله: تحريم الخمر في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
فالآية نصٌّ صريحٌ على تحريم الخمر، ولم يتعرَّض النصُّ لبيان عِلَّة الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيستخرج المجتهد وصفاً ظاهراً منضبطاً وهو " الإسكار"، يحصل من ترتيب الحُكْم عليه مصلحة المحافظة على العقول، ولا يجد غيرَه من الأوصاف الصالحة للعِلِّية مثلَه ولا أولى منه، فكونه سائلاً أو بلون كذا أو بطعم كذا كلها أوصافٌ غير ملائمةٍ للتحريم، فيعيِّن المجتهدُ وصفَ " الإسكار " مناطاً لحُكْم التحريم، ويستدِلُّ على ذلك بإظهار ملاءمته للحُكْم، وهو كون وصف " الإسكار" يحصل من ترتيب الحُكْم عليه جلب مصلحةٍ وهي حفظ العقول من الاضطراب، ولا يوجد وصفٌ غيرُه مثلُه ولا أولى منه في محلِّ الحكم (1).
وبهذا يتبيَّن أن مسلكَ المناسبة أحدُ الطرق المُعْتَبرة التي يَعْتَمِدُ عليها المجتهدُ في تخريج المناط، بل هي أهمُّها وأعظمُها شأناً.--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (4/ 620)، شفاء الغليل (145 - 146)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 239)، البحر المحيط للزركشي (5/ 219)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 273)، شرح الكوكب المنير (4/ 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
المبحث الثاني
تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: أقسام السَّبْر والتقسيم.
المطلب الثالث: حُجِّية مسلك السَّبْر والتقسيم.
المطلب الرابع: شروط صحة السَّبْر والتقسيم.
المطلب الخامس: صورة تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
المبحث الثاني
تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم
المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً.
تقدَّم أن السَّبْر في اللغة هو: التجربة، والاختبار، واستخراج كُنْه الأمر (1).
والتقسيم في اللغة هو: التفريق، والتجزئة (2).
كما تقدَّم أن السَّبْر والتقسيم لقبٌ مركبٌ من جزأين يُطْلَق في اصطلاح الأصوليين على مسلكٍ خاصٍّ من مسالك العِلَّة، وهو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (3).
فحصر الأوصاف الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل هو المعبَّر عنه بـ "التقسيم"، واختبار الأوصاف واحداً واحداً في صلاحيته للتعليل به، وإبطال ما لا يصلح منها للتعليل، فيتعين الوصف الباقي عِلَّةً هو المعبَّر عنه بـ: "السَّبْر".
وقد سُمِّيَ هذا المسلك بالسَّبْر وحَدْه، وبالتقسيم وحَدْه، وبالسَّبْر--------------------------------------------
(1) ينظر: ما سبق (103).
(2) ينظر: ما سبق (103).
(3) ينظر: ما سبق (103).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
والتقسيم مركَّباً عند أكثر الأصوليين (1).
ورغم أن " التقسيم " متقدمٌ في الوجود الخارجي على " السَّبْر" إلا أنه في لقب المسلك قُدِّم " السَّبْر" على " التقسيم "؛ لأن " السَّبْر" هو المقصد الأهمّ في الدلالة على العِلِّية، و " التقسيم " يُعْتَبر وسيلةً إليه، والعادة تقديم الأهمِّ على غيره، والمقصدِ على الوسيلة (2).
المطلب الثاني: أقسام السَّبْر والتقسيم.
يقسِّم الأصوليون السَّبْر والتقسيم إلى قسمين (3):
القسم الأول: التقسيم الحاصر.
وهو: ما يكون دائراً بين النفي والإثبات بحيث يحصر المجتهدُ جميعَ أوصاف الأصل المقيس عليه، ثم يختبرها ويبطل ما لا يصلح منها بدليله، فيتعيَّن الباقي عِلَّةً للحُكْم (4).
ومثاله:
أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار في النكاح: إما أن تكون مُعَلَّلَةً أو غير مُعَلَّلَة، والثاني باطلٌ بالإجماع، فتعيَّن كونها مُعَلَّلَةً.
وإذا كانت مُعَلَّلَةً فعِلَّتُها إما البكارة أو الصِغَر أو غيرها، وقد بطل بالإجماع كون غير الصِغَر أو البكارة عِلَّةً للولاية، فانحصرت العِلَّة في وصفي البكارة والصِغَر، ولكن وصف الصِغَر لا يصلح أن يكون عِلَّةً لولاية الإجبار في النكاح؛ لأن هذا الوصف لو جاز التعليل به لثبتت ولاية الإجبار--------------------------------------------
(1) ينظر: ما سبق (103).
(2) ينظر: ما سبق (104).
(3) ينظر: المحصول (5/ 217 - 218)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 128 - 133)، نهاية الوصول (8/ 3381 - 3363)، البحر المحيط للزركشي (7/ 283 - 286)، إرشاد الفحول (2/ 623 - 624).
(4) ينظر: المحصول (5/ 217)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية الوصول (8/ 3361)، نهاية السول (4/ 130)، البحر المحيط لزركشي (7/ 283)، إرشاد الفحول (2/ 623).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
على الثيب، وهذا باطلٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " الثيب أحقُّ بنفسها " (1)، وإذا بطل التعليل بالصِغَر تعيَّن التعليل بالبكارة لثبوت ولاية الإجبار، وهو المطلوب (2).
القسم الثاني: التقسيم غير الحاصر.
ويُسَمَّى " المنتشر " (3)، وعبَّر عنه البيضاوي بـ " السَّبْر غير الحاصر" (4).
وهو: ما لا يكون دائراً بين النفي والإثبات، أو كان دائراً بينهما ولكن الدليل على نفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن فيه ظنيٌّ (5).
ومثاله:
أن يقول المجتهد في تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً: العِلَّة في التحريم إما أن تكون الكيل أو الطَّعم أو القوت، ثم يختبر تلك الأوصاف، ويبطِل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً، ويتعيَّن الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، فيبطِل - مثلاً - الكيل؛ لأنه لو كان عِلَّةً لما وقع الرِّبا في القليل مما لا يُكال كالحفنة بحفنتين، ويبطِل القوت؛ لأنه لو كان عِلَّةً لما وقع الرِّبا في الملح، وهو واقعٌ بنصِّ الحديث " الملح بالملح " (6)، فلم يَبْقَ إلا أن يكون الطُّعم هو العِلَّة (7).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في " صحيحه"، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب بالنطق والبكر بالسكوت، رقم (4121).
(2) ينظر: الإبهاج (3/ 77 - 78)، نهاية السول (4/ 13 - 132)، البحر المحيط للزركشي (7/ 284).
(3) ينظر: المحصول (7/ 218)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية الوصول (8/ 3361 - 3363)، نهاية السول (4/ 133)، البحر المحيط للزركشي (2/ 286)، إرشاد الفحول (2/ 624).
(4) ينظر: منهاج الوصول (208).
(5) ينظر: المراجع السابقة.
(6) أخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب المساقات، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً، رقم (1587)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(7) ينظر: المحصول (5/ 218)، روضة الناظر (3/ 856 - 857)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 405)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 134)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 236)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 270)، شرح الكوكب المنير (4/ 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
وفي كلا القسمين: إما يكون الحصر والإبطال قطعياً، أو ظنياً، أو أحدهما يكون قطعياً والآخر ظنياً (1).
المطلب الثالث: حجية السَّبْر والتقسيم:
صور الحصر والإبطال بحسب قوة الدليل لا تخرج عن أربعة صور:
الصورة الأولى: أن يكون الحصر والإبطال قطعياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم ونفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المُعَيَّن قطيعاً.
الصورة الثانية: أن يكون الحصر والإبطال ظنياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم ونفي عِلَّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن ظنياً.
الصورة الثالثة: أن يكون الحصر قطعياً والإبطال ظنياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم قطعياً، والدليل الدال على نفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن ظنياً.
الصورة الرابعة: أن يكون الحصر ظنياً والإبطال قطعياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم ظنياً، والدليل الدال على نفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن قطعياً (2).
فإنْ كان الحصر والإبطال قطعياً كما في الصورة الأولى من صور الحصر والإبطال فقد اتفق الأصوليون على اعتبار هذا المسلك قطعياً في إفادة العِلِّيَّة،--------------------------------------------
(1) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3361 - 3363)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 132 - 133)، الغيث الهامع (3/ 710)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 271)، شرح الكوكب المنير (4/ 146)، إرشاد الفحول (2/ 623 - 624)، نشر البنود (2/ 166 - 167).
(2) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3361)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 132)، البحر المحيط للزركشي (8/ 3361)، تشنيف المسامع (3/ 277)، الغيث الهامع (3/ 710)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 271)، شرح الكوكب المنير (4/ 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
ويُعْتَبر حُجَّةً في العقليات والشرعيات، وهو في الشرعيات قليل (1).
وإن كان الحصر والإبطال أو أحدهما ظنياً فقد اختلف الأصوليون في حجيته واعتباره مسلكاً من مسالك العِلَّة على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنه حُجَّةٌ للمُسْتَدِل وهو الناظر، وللمعترِض وهو المناظِر.
وقد ذهب إلى ذلك أكثر الأصوليين من المالكية، والشافعية، والحنابلة (2).
ودليلهم: أن ذلك يثير غَلَبَة الظنّ، وما كان كذلك يجب العمل به، أما بالنسبة إلى الناظِر فظاهر، وأما المناظِر فوجه كونه حُجَّةً عليه أنه يفيد الظنَّ ما لم يدفعه، وما يفيد الظنَّ يجب العمل به، فإن كان المناظِر مجتهداً وجب عليه، وإن كان مقلِّداً توجَّه الإلزامُ على من قلَّده (3).
واعتُرِض عليه: بأن إفادة غَلَبَة الظنَّ بعِلِّيَّة هذا الوصف غير مُسَلَّمٍ؛ لأن من الأحكام ما لا يُعلَّل بدليل أن عِلِّيَّة العِلَّة غير مُعَلَّلَةً، وإذا ثبت أن من الأحكام ما لا يُعَلَّل فلا مانع أن يكون هذا الحُكْم من جملة ما لا يُعَلَّل، ولو سُلِّم كونه مُعَلَّلاً فلا نُسَلِّم الحصر، فيجوز أن يُكْوَن هناك وصفٌ لم يُذْكَر وهو العِلَّة، وبهذين الاحتمالين اللذين لا ينفكان عنه لا يفيد غَلَبَة الظن (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3361 - 3363)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 132 - 133)، الغيث الهامع (3/ 710)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 271)، شرح الكوكب المنير (4/ 146)، إرشاد الفحول (2/ 623 - 624)، نشر البنود (2/ 167).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 618)، المحصول (5/ 218 - 220)، شرح تنقيح الفصول (398)، نهاية الوصول (8/ 3361)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 133 - 134)، البحر المحيط للزركشي (7/ 286)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 271)، شرح الكوكب المنير (4/ 150)، إرشاد الفحول (2/ 624).
(3) ينظر: المحصول (2/ 219 - 220)، نهاية الوصول (8/ 3362)، الإبهاج (3/ 78)، البحر المحيط للزركشي (7/ 286)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 271)، شرح الكوكب المنير (4/ 146)، إرشاد الفحول (2/ 624).
(4) ينظر: المحصول (2/ 219 - 220)، نهاية الوصول (8/ 3363 - 3365)، الإبهاج (3/ 78)، نهاية السول (4/ 135)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)