Arabic source text

📘 আল-ইজতিহাদু ফী মানাতিল হুকমিশ শারয়ী দিরাসাতুন তাসীলিয়্যাতুন তাতবিকিয়্যাহ (বিলকাসিম আজ-জুবাইদি)

📘 الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية (بلقاسم الزبيدي)

📘 আল-ইজতিহাদু ফী মানাতিল হুকমিশ শারয়ী দিরাসাতুন তাসীলিয়্যাতুন তাতবিকিয়্যাহ (বিলকাসিম আজ-জুবাইদি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌المبحث الثالث
العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق
اختلفت اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، وحاصلها ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: يقصر تنقيح المناط على صورة الإلحاق بإلغاء الفارق، حيث يُقسِّم أصحاب هذا الاتجاه " إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه " إلى قسمين (1):
الأول: الإلحاق باستخراج الجامع.
والثاني: الإلحاق بإلغاء الفارق.
ويطلقون على القسم الثاني مُسَمَّى: " تنقيح المناط "، وهو الذي يُسَمِّيه الحنفية بـ " الاستدلال " كما سبق بيانه (2).
وقد ذهب إلى هذا الإتجاه: الرازي (3)، والبيضاوي (4)، والقرافي (5)، وصفي الدين الهندي (6)، والإسنوي (7)، والبدخشي (8) والشوكاني (9).--------------------------------------------
(1) ينظر: المحصول (5/ 229 - 230)، شرح تنقيح الفصول (388)، الفائق في أصول الفقه (4/ 319 - 320)، الإبهاج (3/ 80)، إرشاد الفحول (2/ 596).
(2) ينظر: (78).
(3) ينظر: المحصول (5/ 229 - 230).
(4) ينظر: منهاج الوصول (209).
(5) ينظر: شرح تنقيح الفصول (398).
(6) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الفائق في أصول الفقه (4/ 27).
(7) ينظر: نهاية السول (4/ 139).
(8) ينظر: مناهج العقول (3/ 99).
والبدخشي هو: محمد بن الحسن البَدَخْشي، فقيه، حنفي، أصولي، عالمٌ في المنطق والجدل، من مؤلفاته: مناهج العقول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي (ط)، وحاشية على تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية، توفي سنة (922 هـ).
ينظر ترجمته في: كشف الظنون (2/ 1063)، معجم المؤلفين (9/ 99) ولم أجد له ترجمة في المصادر المشهورة.
(9) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 641).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

وبناءً عليه فإن أصحاب هذا الاتجاه يُعَرِّفون تنقيح المناط - كما سبق - بأنه: الاجتهاد في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع (1).
وهو أن يقال: لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، وذلك لا مدخل له في الحُكْم ألبتة، فيلزم اشتراكها في الحُكْم.
الاتجاه الثاني: يغاير بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الغزالي (2)، والبروي (3)، وابن السبكي (4)، والزركشي (5)، وابن العطَّار (6).
وبناءً على المغايرة بينهما فإن أصحاب هذا الاتجاه يُعرِّفون "تنقيح المناط " - كما سبق- بـ: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية فتُحْذْف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي (7).
ويُعرِّفون " إلغاء الفارق " - كما سبق - بأنه: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (8).
ويُفرِّق أصحاب هذا الاتجاه بينهما بأن " تنقيح المناط ": اجتهادٌ في الحذف والتعيين؛ فهو اجتهادٌ في حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ عن الاعتبار وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو اجتهادٌ في حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، وفي--------------------------------------------
(1) ينظر: (65 - 67).
(2) ينظر: أساس القياس (68 - 69)، المستصفى (3/ 603).
(3) ينظر: المقترح في المصطلح (231 - 234).
(4) انظر: جمع الجوامع (95)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292 - 293)، الغيث الهامع (3/ 737).
(5) ينظر: البحر المحيط (7/ 326)، تشيف السامع (3/ 322).
(6) ينظر: حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 338).
(7) ينظر: (64 - 65).
(8) ينظر: (86).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

كلتا الصورتين لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة (1).
أما "إلغاء الفارق" فهو اجتهادٌ في إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع ببيان عدم تأثيره في الحُكْم، وليس فيه تعيينٌ للعِلَّة، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقَةٌ في الفرع من غير تعيين (2).
قال الزركشي: "ولهذا لم يَعُدُّه -أي: إلغاء الفارق- أحدٌ من الجدليين من مسالك العِلَّة" (3).
الاتجاه الثالث: يُعِتبر إلغاء الفارق قسماً من تنقيح المناط، حيث يُقسِّم أصحاب هذا الاتجاه تنقيح المناط إلى قسمين (4):
القسم الأول: الاجتهاد في إلغاء الفارق.
و"إلغاء الفارق" - كما سبق - هو: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (5).
قال ناظم "مراقي السعود" (6):
فمنه ما كان بإلغاء الفارق … وما بغيرٍ من دليلٍ رائق
قال شارحه: "يعني: أن إلغاء الفارق قسمٌ من تنقيح المناط وإن جعله السبكي العاشر من مسالك العِلَّة، ويُسمَّى حينئذٍ تنقيح المناط وإلغاء الفارق" (7).
وقال -أيضاً-: " وهو -أي: إلغاء الفارق- عند التحقيق قسمٌ من تنقيح المناط؛ لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق،--------------------------------------------
(1) ينظر: أساس القياس (68 - 69)، المستصفى (3/ 603)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292 - 293)، سلم الوصول للمطيعي (4 - 139 - 141)، نبراس العقول (384 - 385).
(2) ينظر: المراجع السابقة.
(3) البحر المحيط (7/ 326).
(4) ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 244 - 245)، نشر البنود (2/ 205 - 207)، نثر الورود (2/ 523 - 524)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (390).
(5) ينظر: (86).
(6): (16).
(7) نشر البنود: (2/ 205).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

وقد يكون بدليلٍ آخر " (1).
وقال الأمين الشنقيطي: "يعني: أن من تنقيح المناط قسماً يقال له إلغاء الفارق فُسُمِّيَ تنقيح المناط وإلغاء الفارق، خلافاً لمن جعل إلغاء الفارق مسلكاً عاشراً كالسبكي" (2).
وهذا الإطلاق يشمل جميع أقسام إلغاء الفارق التي تقدَّم ذكرها في المبحث السابق (3).
قال الأمين الشنقيطي: " اعلم أن نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنما هو قسمٌ من تنقيح المناط " (4).
القسم الثاني: الاجتهاد في الحذف والتعيين.
وصورته: الاجتهاد في حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم (5).
قال ناظم "مراقي السعود" (6):
من المناط أن تجي أوصافُ … فبعضها يأتي له انحذافُ
عن اعتباره وما قد بقيا … ترتب الحُكْم عليه اقْتُفِيا
قال شارحه: " يعني: أن هذا القسم من تنقيح المناط، وهو قسيمٌ للقسم الأول، وهو: أن تكون أوصافٌ في محلِّ الحُكْم فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف، وحاصله أن الاجتهاد في الحذف والتعيين " (7).
وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الطُّوفي (8)، وعبدالله الشنقيطي صاحب--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (2/ 200).
(2) نثر الورود: (2/ 523).
(3) ينظر: (64 - 65).
(4) مذكرة أصول الفقه: (390).
(5) ينظر: (64 - 65).
(6): (16).
(7) نشر البنود: (2/ 207).
(8) ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 244 - 245).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

مراقي السعود (1)، ومحمد الأمين الشنقيطي (2).
وبناءً على ما سبق فإنه يصح عندهم إطلاق مُسَمَّى " تنقيح المناط " على " إلغاء الفارق "، وذلك باعتباره قسماً من أقسامه.
قال الطُّوفي: " لا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحاً؛ إذ التنقيح هو التخليص والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف ويخلص للعِلِّية، فلا يكون هذا قولاً ثانياً في تنقيح المناط كما قال القرافي، بل يكون إلغاء الفارق ضرباً من تنقيح المناط" (3).

‌‌تحليل اتجاهات الأصوليين والترجيح بينها:
من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق تبين لي الآتي:
أولاً: إذا عمَّمنا النظر في إلغاء الفارق عند أصحاب الاتجاه الأول بحيث يشمل ما إذا تعينت العِلَّة بعد الإلغاء أو لم تتعين يكون تنقيح المناط عندهم أعمّ منه عند أصحاب الاتجاه الثاني؛ وذلك لأن تنقيح المناط عند أصحاب الاتجاه الثاني لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، والذي يظهر من تعريف أصحاب الاتجاه الأول لتنقيح المناط أنه غير مقيدٍ بتعيين العِلَّة أو عدمه، فيكون إلغاء الفارق أعمّ من تنقيح المناط عند أصحاب الاتجاه الثاني الذين يغايرون بينهما (4).
ثانياً: اعتبر أصحاب الاتجاه الثاني الذين يُفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق أن المقصود الأصلي المنظور إليه في إلغاء الفارق هو بيان أن الوصف الفارق بين الأصل والفرع لا تأثير له فيلزم اشتراكهما في الحُكْم، إلا--------------------------------------------
(1) ينظر: نشر البنود (2/ 205 - 207).
عبدالله الشنقيطي هو: عبدالله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي، فقيهٌ مالكي، تجرَّد أربعين سنة لطلب العلم في الصحاري والمدن، وأقام بفاس، ثم حج وعاد إلى بلاده شنقيط، من مؤلفاته: مراقي السعود (ط) نظمٌ في أصول الفقه، ونشر البنود على مراقي السعود (ط)، وغيرهما، توفي بشنقيط سنة (1235 هـ).
ينظر ترجمته في: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (38)، الأعلام للزركلي (4/ 65).
(2) ينظر: نثر الورود (2/ 523 - 524)، مذكرة أصول الفقه (390).
(3) شرح مختصر الروضة (3/ 244 - 245).
(4) ينظر: الإبهاج (3/ 81)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292 - 293)، حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 338)، سلم الوصول للمطيعي (4/ 139 - 141)، نبراس العقول (384).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

أنه بالتأمل يلزم عن ذلك تبعاً حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ الذي هو أحد صور تنقيح المناط كما سبق (1)، فإلحاق الأَمَة بالعبد في السراية بناءً على إلغاء الوصف الفارق وهو أن العبد مُذَكَّرٌ وأن الأَمَة مؤنَّثٌ يلزم عنه حذف خصوصية الوصف وهو الذكورة في العبد، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ وهو العبودية، ولكن ذلك غير منظورٍ إليه بالقصد الأصلي عند أصحاب الاتجاه الثاني؛ لأن المقصود - عندهم - هو إلغاء تأثير الوصف الفارق في الحُكْم ليس إلا، ولا ينفي ذلك حصول الجمع بين الصورتين، ولكن بالقصد الثاني (2).
قال صفي الدين الهندي: " تُعْلَم العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع، فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني" (3).
أما أصحاب الاتجاه الثالث الذين يُعتبرون إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط فإنهم نظروا إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، ولذلك قسَّموا تنقيح المناط إلى قسمين كما سبق (4)، قسمٌ يكون فيه تنقيح المناط بإلغاء الفارق، وقسمٌ يكون فيه تنقيح المناط بالحذف والتعيين (5).
فمن نظر إلى أن المقصود من إلغاء الفارق هو إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع ببيان أنه لا أثر له في الحُكْم، وليس فيه تعيينٌ للعِلَّة، فرَّق بناءً على ذلك بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.--------------------------------------------
(1) ينظر: (64).
(2) ينظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292 - 293)، حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 338)، سلم الوصول للمطيعي (4/ 139 - 141)، نشر البنود (2/ 205 - 206)، نثر الورود (2/ 523 - 524).
(3) نهاية الوصول: (7/ 3179).
(4) ينظر: (64 - 65).
(5) ينظر: نشر البنود (2/ 205 - 206)، نثر الورود (2/ 523 - 524)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (390).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

ومن نظر إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعم، اعتبر إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط.
ثالثاً: الذي يفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق بناءً على تعيين العِلَّة وعدمه لا ينفون عن إلغاء الفارق تصوُّر المعنى الجامع على الإجمال.
قال الغزالي: " وهذا يدلُّك على أن هذا الطريق وإن كان راجعاً إلى التعرُّض للفارق فليس يخلو عن توسُّم المعنى الجامع على إجمالٍ من غير تفصيل " (1).
ولذلك استدلَّ القرافي على حجية تنقيح المناط باعتباره اجتهاداً في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فقال: "الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحداً، فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم. . . فوجب كونه دليلاً على عِلِّية المشترك على سبيل الإجمال وإن كنا لا نُعيِّنَه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العِلَّة" (2).
وقال الزركشي: "فإنه -أي: نفي الفارق- لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةٌ، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقةٌ في الفرع من غير تعيين" (3).
بل إن الغزالي يُعِتبر توسُّم المعنى المشترك على سبيل الإجمال ذلك شرطاً في جواز الإلحاق بإلغاء الفارق دون تحديد المناط أوتعيينه.
قال رحمه الله: "اعلم أن حذف تأثير الفارق وإن جوَّزنا الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، ولكن الحقّ فيه أن ذلك لا يُتجاسر عليه--------------------------------------------
(1) أساس القياس: (69).
(2) شرح تنقيح الفصول: (399).
(3) البحر المحيط: (7/ 326).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

إلا بعد استنشاق رائحة المعنى الذي هو مناط الحُكْم، وإن لم يُطلَّع بَعْدُ على تحديدْه أو تعيينه " (1).
ولهذا المعنى عَدَّ ابن السبكي " إلغاء الفارق " ضمن مسالك العِلَّة، وذكر أنه يرجع إلى ضرب شبه؛ لأنه يحصل به ظن العِلِّية في الجملة (2).
وإذا كان "إلغاء الفارق "لا يخلو من وجود معنىً جامعٍ مجملٍ بخلاف "تنقيح المناط" الذي لابد فيه من تعيين المعنى الجامع، فقد قيَّد الغزالي المواضع التي يُحْذَف فيها تأثير الفارق، ويجوز الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، حيث قال: "والطريق الأول الذي هو التعرُّض للفارق ونفيه ينتظم: حيث لم تُعْرف عِلَّة الحُكْم، بل ينتظم في حُكْمٍ لا يُعَلَّل، وينتظم حيث عُرِف أنه مُعَلَّل، لكن لم تتعين العِلَّة، فإنا نقول: الزبيب في معنى التمر في الرِّبا قبل أن يتعين -عندنا- عِلَّة الرِّبا أنه الطعم أو الكيل أو القوت، وينتظم حيث ظهر أصل العِلَّة وتعيَّن -أيضاً- ولكن لم تتلخَّص بَعْدُ أوصافه، ولم تتحرَّر بَعْدُ قيوده وحدوده" (3).

‌‌الترجيح بين الاتجاهات السابقة:
من خلال ما سبق من المقارنة بين اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق فإنه يترجَّح -والعلم عند الله- أن "إلغاء الفارق" إذ أُظْهِر معه حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً، وأنيط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ بعد تعيينه، فهو أحد صور تنقيح المناط.
قال الغزالي: " وإنما الشأن في تنقيح المناط وتلخيصه وتجريده عن كلِّ ما لا مدخل له في الاعتبار، وتقييده بكلِّ وصفٍ له دَخْلٌ في الاعتبار، حتى يصير محدوداً مميزاً لا يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج منه ما هو مناطٌ--------------------------------------------
(1) أساس القياس: (68 - 69).
(2) ينظر: جمع الجوامع (95)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 293).
(3) المستصفى: (3/ 603).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

للحُكْم أصلاً" (1).
ومن الأمثلة التي توضح ذلك: إلغاء الوصف الفارق وهو الذُّكورة بين العبد والأَمَة في قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] وذلك بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عليِّته وهو " الأنوثة "، وتعيين وصف " الرِّق " مناطاً للحُكْم الذي هو تشطير الحدِّ، فوجب استواؤهما فيه (2).
ففي هذا المثال لم يُقْتَصَر على التعرُّض لنفي الفارق وهو "الذكورة"، بل تعيَّن مناط الحُكْم وهو "الرِّق" بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته وهو "الأنوثة"، فحينئذٍ يصدق على هذه الصورة تسميتها بـ " تنقيح المناط "؛ لأن مناط الحُكْم -هنا- تعيَّن وتميَّز.
أما إذا اقْتُصِرَ على إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع، ولم تُعَيَّن فيه العِلَّة وتتميَّز كما لو كان ذلك في الحالات التي ذكرها الغزالي (3) فإنه لا يُعَدُّ إلغاء الفارق في هذه الصورة من تنقيح المناط؛ لأن "تنقيح المناط" يعني: تهذيب العِلَّة وتمييزها، فإذا لم تُعيَّن العِلَّة وتُهَذَّب لم تصدق التسمية بذلك.--------------------------------------------
(1) أساس القياس: (51).
(2) ينظر: شرح تنقيح الفصول (388)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (5/ 288)، نثر الورود (2/ 522)، نشر البنود (2/ 205).
(3) ينظر: (99 - 100).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

‌‌الفصل الرابع
العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً.
المبحث الثاني: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

‌‌المبحث الأول
تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً
سأتناول في هذا المبحث تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً، وذلك من خلال مطلبين:

‌‌المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً.
السَّبْر في اللغة هو: التجربة، والاختبار، واستخراج كُنْه الأمر.
وسَبَرَ الشيء سَبْرَاً: حَزَرَه وخَبَرَه.
وسَبَرَ الجرح: إذا نظر مقداره وقاسه ليعرف غَوْره.
والمِسْبار: ما سُبِر به وقُدِّر غَوْرُ الجراحات (1).
والتقسيم في اللغة هو: التفريق، والتجزئة.
وقسَّم الشيء: إذا جزَّأه وفرَّقه.
وقسَّمهم الدهر فتقسَّموا، أي: فرَّقهم فتفرَّقوا (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (2/ 675)، معجم مقاييس اللغة (3/ 127)، لسان العرب (7/ 109)، تاج العروس (3/ 252) " مادة: س ب ر ".
(2) ينظر: الصحاح (5/ 2011)، معجم مقاييس اللغة (5/ 86)، لسان العرب (12/ 102 - 103)، تاج العروس (12/ 103) " مادة: ق س م ".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

‌‌المطلب الثاني: تعريف السَّبْر والتقسيم اصطلاحاً.
السَّبْر والتقسيم لقبٌ مركبٌ من جزأين يُطلق في اصطلاح الأصوليين على مسلكٍ خاصٍّ من مسالك العِلَّة، وهو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (1).
وسُمِّي هذا المسلك بالسَّبْر وحَدْه، وبالتقسيم وحَدْه، وبالسَّبْر والتقسيم مركَّباً عند أكثر الأصوليين (2).
فالسَّبْر والتقسيم - كما هو ظاهرٌ من التعريف - يشتمل على أمرين (3):
أحدهما: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل، وهو المُعبَّر عنه بـ " التقسيم ".
وثانيهما: اختبار الأوصاف واحداً واحداً في صلاحيته للتعليل به، وإبطال ما لا يصلح منها للتعليل، فيتعين الوصف الباقي للعِلِّية، وهو المُعبَّر عنه بـ" السَّبْر".
قال الجويني: " إن الناظر يبحث عن معانٍ مجتمعةٍ في الأصل، ويتتبعها واحداً واحداً، ويبيِّن خروج آحادها عن صلاح التعليل به إلا واحداً يراه ويرضاه" (4).
ومثاله: أن يقول المجتهد: إن تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً ثبت لعِلَّة،--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 618)، المحصول (5/ 218)، الإحكام للآمدي (3/ 333)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 236)، البحر المحيط للزركشي (7/ 284)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 270)، تيسير التحرير (4/ 46)، شرح الكوكب المنير (4/ 142)، إرشاد الفحول (2/ 623).
(2) ينظر: الضياء اللامع (2/ 351)، شرح الكوكب المنير (4/ 142)، نشر البنود (2/ 159)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (400).
(3) ينظر: شرح تنقيح الفصول (398)، نهاية الوصول (8/ 3361)، الإبهاج (3/ 77)، نهاية السول (4/ 129)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 270)، تيسير التحرير (4/ 46)، إرشاد الفحول (2/ 623)، نثر الورود (2/ 485).
(4) البرهان: (2/ 534).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

وهذه العِلَّة إما أن تكون " الكيل" أو " الطُّعْم" أو " القوت "، ثم يختبر تلك الأوصاف ويُبطل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً، والباقي من الأوصاف يتعين عِلَّةً للحُكْم، فيبطل - مثلاً - " القوت " و " الكيل " فلا يبقى إلا " الطُّعم " فيكون عِلَّةً للحُكْم، أو يبطل - مثلاً - " الطُّعم "، و" الكيل " فلا يبقى إلا " القوت " فيكون عِلَّةً للحُكْم (1).
ورغم أن " التقسيم " متقدمٌ في الترتيب الخارجي على " السَّبْر" إلا أنه في اصطلاح الأصوليين كما هو ظاهرٌ في لقب المسلك قُدِّم " السَّبْر" على " التقسيم "؛ لأن " السَّبْر" هو المقصد الأهم في الدلالة على العِلِّية، و" التقسيم " يُعْتَبر وسيلةً إليه، والعادة تقديم الأهمِّ على غيره، والمقصد على الوسيلة (2).
قال الطُّوفي: " ولو حملنا قولهم: " السَّبْر والتقسيم " على معنى سَبْر العِلَّة بتقسيم الأوصاف لعاد إلى ما قاله - أي: القرافي - إذ ذلك يفيد أن التقسيم سببٌ للسَّبْر " (3).
أو يُقال: إن السَّبْر وإن تأخر عن التقسيم فهو متقدِّم عليه أيضاً؛ لأنه أولاً يَسْبُر المحلَّ هل فيه أوصافٌ أم لا ثم يقسِّم، ثم يَسْبُر ثانياً، فقُدِّم " السَّبْر" في اللفظ باعتبار السَّبْر الأول (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 618)، المحصول (5/ 217)، الإبهاج (4/ 134)، نهاية السول (4/ 134)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 236)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 270)، شرح الكوكب المنير (4/ 144)، إرشاد الفحول (623).
(2) ينظر: نفائس الأصول (8/ 3524)، شرح تنقيح الفصول (398)، شرح الكوكب المنير (4/ 143)، نشر البنود (2/ 164 - 165)، نبراس العقول (369).
(3) شرح مختصر الروضة (3/ 411).
(4) ينظر: تشنيف المسامع (3/ 275 - 276)، الغيث الهامع (3/ 709)، حاشية زكريا الأنصاري على شرح جمع الجوامع (3/ 344)، شرح الكوكب المنير (4/ 143)، نشر البنود (2/ 164).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

‌‌المبحث الثاني
العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم
تقدَّم أن تنقيح المناط هو: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي (1).
كما تقدَّم أن السَّبْر والتقسيم هو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (2).
فهل يوجد فرقٌ بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم، وما العلاقة بينهما؟
اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: ذهب إلى أن تنقيح المناط يختصُّ بالأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، أما السَّبْر والتقسيم فإنه يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة الصالحة للعِلِّية، حيث لا يوجد نصٌّ يدل على مناط الحُكْم صراحةً أو إيماءً.
قال زكريا الأنصاري (3):
"السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية، ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعيَّ عِلِّيته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ" (4).
وقال ابن العطَّار: " والفرق بين المسلك بهذا المعنى ومسلك السَّبْر: أن--------------------------------------------
(1) ينظر: (71).
(2) ينظر: (103).
(3) هو: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري المصري الشافعي، كان قاضياً، ومفسِّراً، ومن حفاظ الحديث، له تصانيف كثيرة، منها: غاية الوصول (ط) في أصول الفقه، ولب الأصول (ط) في أصول الفقه اختصره من جمع الجوامع، وحاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع (ط)، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب (ط) في الفقه، وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (926 هـ).

ينظر في ترجمته: الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة (1/ 196)، الأعلام للزركلي (3/ 46 - 47).
(4) حاشية زكريا الأنصاري على شرح المحلي على جمع الجوامع: (3/ 392).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعيَّ عِلِّيته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وإن كان الحصر فيه أيضاً موجودٌ لكنه غير ملاحَظٍ فهو حاصلٌ غير مقصود، وحينئذٍ فلا يقال مع عدم الحصر لا يتأتَّى معرفة الصالح للعِلِّية من غيره حتى يُحذْفَ غير الصالح عن الاعتبار" (1).
الاتجاه الثاني: ذهب إلى أن تنقيح المناط لا يجب فيه تعيين العِلَّة، أما السَّبْر والتقسيم فلابد من تعيين الجامع، والاستدلال على العِلِّية.
وهذا مبنيٌّ على تعريف تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما المشترك بين الأصل والفرع أو المختصُّ بالأصل، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فيتعيَّن الأول، فيلزم ثبوت الحُكْم في الفرع لثبوت عِلِّيته فيه (2).
قال ابن السبكي: " فإن قلت: هذه الطريقة بعينها هي طريقة السَّبْر والتقسيم، قلت: كذا قال الإمام، ولكن يمكن أن يُفرَّق بينهما بأن السَّبْر والتقسيم لابدَّ فيه من تعيين الجامع والاستدلال على العِلِّية، وأما هذا فلا يجب فيه تعيين العِلَّة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة، بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير " (3).
وقال الشوكاني: "وقد زعم الفخر الرازي أن هذا المسلك هو مسلك السَّبْر والتقسيم فلا يحسُنُ عدُّه نوعاً آخر، ورُدَّ عليه بأن بينهما فرقاً ظاهراً، وذلك أن الحصر في دلالة السَّبْر والتقسيم لتعيين العِلَّة إما استقلالاً أو اعتباراً، وفي تنقيح المناط لتعيين الفارق وإبطاله، لا لتعيين العِلَّة " (4).
الاتجاه الثالث: ذهب إلى أن تنقيح المناط هو استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر والتقسيم.--------------------------------------------
(1) حاشية ابن العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع: (2/ 337).
(2) ينظر: (65 - 67).
(3) الإبهاج: (3/ 81).
(4) إرشاد الفحول: (2/ 641).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

وهذا مبنيٌّ - أيضاً - على تعريفهم تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابد له من مؤثِّر، وذلك المؤثِّر إما القدر المشترك بين الأصل والفرع، أو القدر الذي امتاز به الأصل عن الفرع، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فثبت أن المشترك هو العِلَّة، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحُكْم (1).
قال الفخر الرازي: " فهذا طريقٌ جيد، إلا أنه استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر؛ لأنَّا قلنا: حُكْم الأصل لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما جهة الإشتراك أوجهة الامتياز، والثاني باطل، فتعيَّن الأول، وجهة الاشتراك حاصلةٌ في الفرع، فعِلَّة الحُكْم حاصلةٌ في الفرع، فيلزم تحقُّق الحُكْم في الفرع، فهذا هو طريقة السَّبْر والتقسيم من غير تفاوتٍ أصلاً " (2).
أما الشيخ الأمين الشنقيطي فقد اعتبر النوع الثاني فقط من تنقيح المناط هو بعينه طريق السَّبْر والتقسيم (3).
قال- رحمه الله: "النوع الثاني من تنقيح المناط هو بعينه السَّبْر والتقسيم" (4).
والنوع الثاني - كما تقدَّم (5) هو: " أن يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي ".

‌‌تحليل اتجاهات الأصوليين والترجيح بينها:
من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في بيان الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم والعلاقة بينهما تبيَّن لي الآتي:
أولاً: إن أصحاب الإتجاه الأول يعتبرون السَّبْر والتقسيم مسلكاً مستقلاً في إثبات العِلِّية، ويفرِّقون بينه وبين تنقيح المناط بأن السَّبْر والتقسيم يختصُّ--------------------------------------------
(1) ينظر: (65 - 67).
(2) المحصول: (5/ 123 - 231).
(3) ينظر: نثر الورود (2/ 524)، مذكرة أصول الفقه (390).
(4) نثر الورود: (2/ 524).
(5) ينظر: (64 - 65).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

بالأوصاف المستنبَطة، حيث لا يوجد نصٌّ صريحٌ أو مومئٌ يدل على مناط الحُكْم، أما تنقيح المناط فيختصُّ بالأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ.
واعتبار السَّبْر والتقسيم مسلكاً مستقلاً في إثبات العِلِّية يختصُّ بالأوصاف المستنبطة فيه نظر؛ لأن السَّبْر والتقسيم ليس دليلاً مستقلاً على العِلِّية يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة، بل يصلح الاستدلال به في أكثر طرق إثبات العِلَّة بوجهٍ أو بآخر، ومن ذلك مسلك النصِّ ومسلك الإيماء والتنبيه اللَّذَان تعلَّق بهما الاجتهاد في تنقيح المناط.
قال الأبياري: " السَّبْر يرجع إلى اختبارٍ في أوصاف المحلِّ وضبطها، والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله فيها، فإذاً لا يكون من الأدلة بحال، وإنما تسامح الأصوليون بذلك؛ لأن المراد بالدليل هو الذي دلَّ على أن العِلَّة في جملة الأوصاف، والدليل الثاني دلَّ على التعيين، وإلا فالسَّبْر والتقسيم ليس هو دليلاً " (1).
وقال البروي: " واعلم أن دلالة السَّبْر تدخل في كثيرٍ من الأدلة، مثل تخريج المناط على شيوعه في المناظرات لا يتم إلا بدلالة السَّبْر، فإن من علَّل بمناسبٍ مقرونٍ بالحُكْم لا يستقل ما ذكره عِلَّةً إلا بتقدير انتفاء مناسبٍ آخر، ولا يُعْتَمد في نفيه إلا السَّبْر .. " (2).
ونقل الزركشي عن أبي العباس القرطبي (3) أنه قال: " أكثر النُظَّار عدَّوا هذا المسلك أي: السَّبْر والتقسيم - دليلاً على التعليل، وفيه نظر؛ وذلك أن ما ينفيه السَّبْر لابدَّ وأن يكون ظاهر المناسبة وهو قياس العِلَّة، أو صالحاً لها وهو الشبه، فالتحقيق أن يقال على التعليل هنا هو المناسبة غير أن السَّبْر عيَّنَ دليلَ الوصف، فالسَّبْر إذاً شرطٌ لا دليل، وكذلك في سائر المسالك النظرية، فليس مسلكاً بنفسه، بل هو شرط المسالك النظرية" (4).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط للزركشي: (7/ 288).
(2) المقترح في المصطلح: (230).
(3) هو: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي، فقيهٌ مالكي، من رجال الحديث، من مؤلفاته: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (ط)، ومختصر الصحيحين، وغيرهما، توفي بالإسكندرية سنة (656 هـ).
ينظر ترجمته في: الوافي بالوفيات (7/ 295)، تذكرة الحفاظ (4/ 1438)، الأعلام للزركلي (1/ 186).
(4) البحر المحيط: (7/ 287).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

ولهذا المعنى ردَّ الحنفية التقسيم الحاصر وتنقيح المناط إلى النصِّ، أو الإجماع، أو المناسبة.
قال صدر الشريعة: " وعلماؤنا رحمهم الله لم يتعرَّضوا لهذين - أي: التقسيم الحاصر وتنقيح المناط - فإنه على تقدير قبولهما يكون مرجعهما إلى النصِّ أو الإجماع أو المناسبة " (1).
وإذا تبيَّن أن السَّبْر والتقسيم قد يدخل في أكثر الطرق الاجتهادية للنظر في العِلَّة، ولا يُعْتَبر دليلاً مستقلاً في إثبات العِلِّية، فإنه قد يكون طريقاً من طرق تنقيح المناط خادماً للاجتهاد في تهذيب العِلَّة وتعيينها بعد إثباتها بمسلك الإيماء والتنبيه، وعلى هذا يكون السَّبْر والتقسيم من طرق تنقيح المناط الذي تعلَّق الاجتهاد فيه بمسلكي النصِّ والإيماء والتنبيه؛ وذلك لأنه يَعُمُّ مسالك العِلَّة المنصوصة والمستنبَطة، ويصلح الاستدلال به لإثبات العِلَّة بوجهٍ أو بآخر إذا انضمَّ إلى أحد مسالكها المُعْتَبرة.
ولهذا لمّا ذكر الطُّوفي قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان (2)، واعتبره مثالاً على تنقيح المناط قال: " فالنبيُّ أَمَرَه بالكفارة في جواب قوله: " واقعت أهلي في رمضان " مع مجيئه على الصفات المذكورة، فربما خُيِّل للسامع أن مجموع الصفات المذكورة مع الوقاع في رمضان هي مناط وجوب الكفارة وعِلُّته، لكن من جملتها ما ليس بمناسبٍ لكونه عِلَّةً ولا جزء عِلَّة، فاحتيج إلى إلغائه وتنقيح العِلَّة وتخليصها بالسَّبْر والتقسيم." (3).
بل إن دليل السَّبْر والتقسيم دليلٌ عامٌّ لا يقتصر الاستدلال به على إثبات العِلَل؛ لأن المُسْتَدِل يذكر الاحتمالات التي لا يخرج عنها موضع النزاع، ثم يبيَّن بطلانها كلها إلا واحداً.
وقد أَكْثَرَ الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله من ذكر أمثلة هذا الدليل كما ورد--------------------------------------------
(1) التنقيح في أصول الفقه مع شرحه التوضيح (2/ 174).
(2) سبق تخريجه: (48).
(3) شرح مختصر الروضة: (3/ 238).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

في القرآن الكريم وغيره، وذَكَرَ بعض آثاره العقائدية والتاريخية في كتابه: " أضواء البيان" (1) عند كلامه في سورة مريم على قوله تعالى: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)} [مريم: 78]، وهو من الشواهد الظاهرة على اعتبار دليل السَّبْر والتقسيم دليلاً عاماً لا يقتصر الاستدلال به على إثبات العِلَل.
ثانياً: إن أصحاب الاتجاه الثاني يعتبرون تنقيح المناط هو الإلحاق بإلغاء الفارق، ولذلك يفرِّقون بينه وبين السَّبْر والتقسيم بأن تنقيح المناط لا يجب فيه تعيين العِلَّة، ولا يُحْتَاج فيه إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة، بل يُتعرَّض فيه للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير، أما السَّبْر والتقسيم فلابدَّ فيه من تعيين الجامع والاستدلال على العِلِّية.
وقد تَقَدَّمت مناقشة ذلك وبيان الفرق بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، وأن تنقيح المناط هو تهذيب العِلَّة وتمييزها، فلابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، وإلا لم تصدق تسمية ذلك بـ" تنقيح المناط "، أما في إلغاء الفارق فيُكْتَفى بإبطال الوصف الفارق بين الأصل والفرع، وبيان أن لا مدخل له في التأثير (2).
ثالثاً: إن أصحاب الاتجاه الثالث يعتبرون أن تنقيح المناط هو نفسه استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر والتقسيم؛ لأنه يقال في طريقة إيراد تنقيح المناط - بناءً على تعريفهم تنقيح المناط بأنه: إلغاء الفارق -: حُكْم الأصل لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما جهة الاشتراك أوجهة الامتياز، والثاني باطل، فيتعين الأول، وجهة الاشتراك حاصلةٌ في الفرع، فعِلَّةُ الحُكْم حاصلةٌ في الفرع، فيلزم تحقيق الحُكْم في الفرع.
وهذه الطريقة يعتبرها أصحاب الاتجاه الثالث هي طريقة السَّبْر والتقسيم من غير تفاوت.
وقولهم هذا غير مسلَّم؛ لأمورٍ ثلاثة:--------------------------------------------
(1) ينظر: (4/ 365 - 384).
(2) ينظر: (97 - 101).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

الأول: أن تنقيح المناط هو تهذيب العِلَّة وتعيينها، لا استخراجها، كما تقدَّم بيانه (1).
الثاني: أن هناك فرقاً بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، فتنقيح المناط لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، أما إلغاء الفارق فيُكْتَفَى فيه بإبطال الوصف الفارق بين الأصل والفرع وبيان أن لا مدخل له في التأثير، فبناء الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم على أن تنقيح المناط هو إلغاء الفارق دون تعيينٍ للعِلَّة لا يصح؛ لأن وظيفة المجتهد في تنقيح المناط هي تهذيب العِلَّة وتمييزها كما تقدَّم (2).
الثالث: أن تنقيح المناط له صورتان (3):
الصورة الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعِّم.
فهذه الصورة ليس فيها سَبْرٌ ولا تقسيم، وإنما يُكتفى فيها بحذف خصوص الوصف عن الاعتبار، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ.
الصورة الثانية: أن يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلَّية فَتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي.
فهذه الصورة وإن احِتيج فيها إلى السَّبْر والتقسيم إلا أنه غير منظورٍ إليه بالقصد الأصلي؛ لأن النظر متوجِّهٌ إلى تهذيب العِلَّة، وتعيينها من بين الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ.
ولهذا قال ابن العطَّار: " -والفرق بين المسلك بهذا المعنى - أي: النوع الثاني من تنقيح المناط - ومسلك السَّبْر أن السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية، ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعِيَّ عِلَّته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وإن كان--------------------------------------------
(1) ينظر: (67).
(2) ينظر: (100 - 101).
(3) ينظر: (71).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)