وأضاف الحُكْم إليها، ونصبها علامةً عليه وجوداً وعدماً، ناسب تسميتها بـ"المناط".
قال الطُّوفي: " ومعنى كونها مناطاً كما سبق بيانه، وهو أن الحُكْم يُناط بها، أي: يُعلَّق " (1).
وقال ابن دقيق العيد: " وتعبيرهم عن العِلَّة بالمناط من باب المجاز اللغوي؛ لأن الحُكْم لما عُلِّق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلَّق بغيره، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يُفْهَمُ عند الإطلاق غيره " (2).
وقال القرافي: " والعِلَّة رُبِطَ بها الحُكْم وعُلِّق عليها، فسُمِّيَت مناطاً على وجه التشبيه والاستعارة " (3).--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة: (3/ 316).
(2) البحر المحيط: (7/ 322).
(3) شرح تنقيح الفصول: (388).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
المبحث الثالث
تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه
ويشتمل على مطلبين مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد في المناط.
المطلب الثاني: أنواع الاجتهاد في المناط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
المبحث الثالث
تعريف الاجتهاد في المناط وبيان أنواعه
سأتناول في هذا المبحث تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه، وذلك من خلال مطلبين:
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد في المناط.
" الاجتهاد في المناط " مصطلحٌ يُمْكِن أن يُعرَّف باعتبارين:
الأول: باعتباره مُركَّباً إضافياً يتكوَّن من كلمتين: " الاجتهاد " و " المناط"، وتعريفه بهذا الاعتبار يستلزم تعريف جزئيه، فيُعرَّف كلُّ لفظٍ - على حِدَة - لغةً واصطلاحاً، ثم يُبيّن وجه العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي في كلٍّ منهما، وقد تقدَّم ذلك في المبحثين الأول (1) والثاني (2).
الثاني: باعتباره مُركَّباً وصفياً أو لقباً يُطلق على معنىً بخصوصه في علم أصول الفقه لا يُفْهَمُ عند الإطلاق غيره.
ومن خلال استقرائي لما كتبه الأصوليون بشأن "الاجتهاد في المناط" لم أجد - حسب اطلاعي - لأحدٍ من العلماء الأقدمين أو الباحثين المعاصرين تعريفاً لمصطلح " الاجتهاد في المناط " بهذا الاعتبار، وقد اقتصرت جهودهم على بيان أنواعه، وتعريفها، وضرب الأمثلة عليها، دون وضعٍ حدٍّ أو رسمٍ--------------------------------------------
(1) ينظر: (21 وما بعدها).
(2) ينظر: (30 وما بعدها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
لمصطلح "الاجتهاد في المناط" كما هو شأنهم مع باقي الاصطلاحات الدائرة في هذا العلم.
وقد اسْتُعمِل هذا المصطلح في مؤلفات أصول الفقه منذ زمنٍ مُبَكِّر، وحسب استقرائي تبين لي أن أقدم كتابٍ مطبوعٍ في أصول الفقه وَرَدَ فيه ذكر أنواع الاجتهاد في المناط هو كتاب: "رسالة في أصول الفقه" لأبي علي الحسن بن شهاب العُكْبَري الحنبلي المتوفَّى سنة (428 هـ) أي في القرن الخامس الهجري، حيث عرَّف "الاجتهاد"، ثم ذكر أنه على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، ثم عرَّف كلَّ نوع، وساق مثالاً عليه يوضح المقصود منه (1).
ثم جاء من بعده أبو حامد الغزالي المتوفَّى سنة (505 هـ) فوضع مقدمتين على كتاب القياس في "المستصفى"، عَنْوَنَ للمقدمة الثانية بقوله: " مقدمةٌ في حصر مجاري الاجتهاد في العِلَل " (2)، وذكر أن المقصود بالعِلَّة في الشرعيات: مناط الحُكْم.
ثم أوضح أنواع الاجتهاد في العِلَّة فقال " والاجتهاد في العِلَّة: إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم، أو في تنقيح مناط الحُكْم، أو في تخريج مناط الحُكْم " (3)، ثم عرَّف الأنواع الثلاثة، وذكر أمثلةً عليها (4).
وبهذا يكون الغزالي حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى" الاجتهاد في العِلَّة "، وليس كما صنع أبوعلي العُكْبَري حيث أطلق لفظ " الاجتهاد " ولم يقيده بالعِلَل، ثم ذكر تحته أنواع الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة المتعلِّقة بالأقيسة، وربما أن العُكْبَري قد تسامح في إطلاق لفظ " الاجتهاد " على القياس كما يصنع بعض الفقهاء (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (79 - 87).
(2) المستصفى: (1/ 485).
(3) المرجع السابق: (1/ 485).
(4) ينظر: المستصفى (1/ 485 - 492).
(5) والأرجح أن الاجتهاد أعمُّ من القياس؛ لأنه كما يكون بالقياس قد يكون بالنظر في العمومات، ودقائق الألفاظ، والاستحسان، والاستصلاح، وسائر طرق الأدلة الشرعية المعتبرة.
ينظر: المستصفى (3/ 483 - 484)، روضة الناظر (3/ 798)، الإحكام للآمدي (4/ 36)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 224)، البحر المحيط للزركشي (7/ 14).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
ثم جاء ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة (620 هـ) وعقد فصلاً في أول باب القياس من كتابه "روضة الناظر" استفتحه بقوله: " ونعني بالعِلَّة: مناط الحُكْم" (1)، ثم قال: "والاجتهاد في العِلَّة على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط للحُكْم، وتنقيحه، وتخريجه" (2)، وقد سلك بهذا مسلك الغزالي في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى "الاجتهاد في العِلَّة".
ثم أعقبه أبو الحسن الآمدي المتوفى سنة (631 هـ) وذيَّل الباب الثاني في مسالك العِلَّة من كتابه "الإحكام" بخاتمةٍ عَنْوَنَ لها بقوله: "خاتمةٌ في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحُكْم، وهو العِلَّة" (3).
كما أوضح أنواع الاجتهاد في المناط فقال: "ولما كانت العِلَّة مُتَعَلَّقُ الحُكْم ومناطه فالنظر والاجتهاد فيه: إما في تحقيق المناط، أو تنقيحه، أو تخريجه" (4)، ثم عرَّف كلَّ نوعٍ، وضرب عليه من الأمثلة ما يوضِّح المراد منه (5).
وبهذا يتبيَّن أن الآمدي استعمل مصطلح "الاجتهاد في مناط الحُكْم " بدلاً عن مصطلح "الاجتهاد في العِلَّة" الذي استعمله الغزالي وابن قدامة، وذلك باعتبار أن "العِلَّة" و "المناط" لفظان مترادفان كلٌّ منهما يُطْلَقُ إزاء الآخر.
ثم جاء الطُّوفي المتوفَّى سنة (716 هـ) وعدَّد أنواع الاجتهاد في العِلَّة عند ذكرها ضمن أركان القياس في كتابه "شرح مختصر الروضة"، وعرَّف كلَّ نوعٍ، وضرب عليه أمثلةً توضِّح المراد منه (6)، ثم قال: "هذا إشارةٌ إلى أنواع--------------------------------------------
(1) روضة الناظر: (3/ 800).
(2) المرجع السابق: (3/ 801).
(3) الإحكام: (3/ 379).
(4) المرجع السابق: (3/ 379).
(5) ينظر: المرجع السابق (3/ 379 - 381).
(6) ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 232 - 241).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة المتعلَّقة بالأقيسة، وهو إما بتحقيق المناط، أو تنقيحه، أو تخريجه، والمناط: ما نيط به الحُكْم، أي: عُلِّق به، وهو: العِلَّة التي رُتِّبَ عليها الحُكْم في الأصل " (1)، وقد سلك بهذا مسلك الغزالي وابن قدامة في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى " الاجتهاد في العِلَّة ".
ثم جاء من بعد الطوفي أبو إسحاق الشاطبي المتوفَّى سنة (790 هـ) وذكر في المسألة الأولى من كتاب الاجتهاد في كتابه " الموافقات " أن الاجتهاد على ضربين (2):
أحدهما: اجتهادٌ لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة، وهو الاجتهاد المتعلِّق بتحقيق المناط العام.
والثاني: اجتهادٌ يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا، وهو ثلاثة أنواع: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط الخاص.
وبهذا يتضح أن الشاطبي أدخل الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى " الاجتهاد "، ولكن باعتبار انقطاعه وعدمه.
ثم تلا الشاطبي أبو الحسن المرداوي الحنبلي المتوفَّى سنة (885 هـ) (3) وذيَّل مسالك العِلَّة بفوائد، ذكر منها أنواع الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة المتعلِّقة بالأقيسة، وهي: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه (4)، وسلك في ذلك مسلك الغزالي وابن قدامة والطُّوفي في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى" الاجتهاد في العِلَّة ".
ثم جاء ابن بدران الدمشقي (5) المتوفَّى سنة (1346 هـ) وذكر أركان القياس في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد"، وبعد أن ذكر العِلَّة عَدَّدَ أنواع الاجتهاد فيها، وهي: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه (6)، وسلك في ذلك مسلك الغزالي وابن قدامة والطُّوفي والمرداوي في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى" الاجتهاد في العِلَّة".--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (3/ 332).
(2) ينظر: الموافقات (5/ 11/23).
(3) هو: علي بن سليمان بن أحمد المرداوي الدمشقي، من كبار فقهاء الحنابلة، ومحققي المذهب، من مؤلفاته: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (ط)، وتحرير المنقول (ط) مع شرحه التحبير في أصول الفقه، والتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع (ط) في الفقه، انتقل إلى دمشق وتوفي بها سنة (885 هـ)
ينظر ترجمته في: الضوء اللامع (5/ 225)، البدر الطالع (1/ 446)، الأعلام للزركلي (4/ 292).
(4) ينظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3451).
(5) هو: عبدالقادر بن أحمد بن مصطفى بن محمد بدران، فقيهٌ أصولي، حنبلي، كان سلفي العقيدة، حسن المحاضرة، ولي إفتاء الحنابلة في الشام، من مؤلفاته: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ط)، ونزهة الخاطر العاطر وشرح روضة الناظر لابن قدامة (ط)، توفي بدمشق سنة (1346 هـ)
ينظر ترجمته في: أعيان دمشق لمحمد جميل الشطي (345)، الأعلام للزركلي (4/ 37 - 38).
(6) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (306 - 310).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
هذا ما وقفت عليه من المصنفات الأصولية التي اكتفى أصحابها بذكر الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط، ولم يَعْمِدْ أحدٌ منهم إلى وضع حدٍّ أو رسمٍ لمصطلح " الاجتهاد في المناط ".
أما سائر المصنفات الأصولية فقد تداولت المصطلحات الثلاثة: تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، ولكن دون أن تقرن بينها تحت مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" أو "الاجتهاد في مناط الحُكْم" أو "الاجتهاد في العِلَّة"، وإنما ذُكِرَتْ تلك المصطلحات في مواضِعَ متفرِّقةٍ من كتاب القياس عند البحث في مسالك العِلَّة.
وهذه المواضِع على النحو الآتي:
الموضع الأول: في مسلك الإيماء والتنبيه، وذلك عند الكلام عن أنواعه، وأن من أنواعه ما يُسَمَّى عند بعضهم بـ "تنقيح المناط" (1).
الموضع الثاني: في مسلك المناسبة والإخالة، وذلك عند الإشارة إلى تسمية بعض العلماء هذا المسلك بـ"تخريج المناط" (2).
الموضع الثالث: في مسلك تنقيح المناط، وهل يُعْتَبر دليلاً تثبت به العِلَّة؟ (3).
الموضع الرابع: في مسلك تنقيح المناط، وذلك عند بيان الفرق بينه وبين تحقيق المناط وتخريجه، إذ يُعْتَبر ذكر مصطلح "تنقيح المناط" في هذا الموضع مناسباً لذكر المصطلحين الآخرين "تحقيق المناط" و "تخريجه"، وتعريفها، وضرب الأمثلة التي توضح المراد منهما، ليبيِّن الفرق بين--------------------------------------------
(1) ينظر: البحر المحيط للزركشي (7/ 253)، شرح الكوكب المنير (4/ 131)، مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت (2/ 360).
(2) ينظر: بيان المختصر للأصفهاني (3/ 111)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 239)، البحر المحيط للزركشي (7/ 262)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 273)، شرح الكوكب المنير (4/ 152)، إرشاد الفحول (2/ 625).
(3) ينظر: المحصول (5/ 229)، شرح تنقيح الفصول (398)، نهاية السول (4/ 141)، البحر المحيط للزركشي (7/ 322) شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292)، إرشاد الفحول (2/ 640).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
المصطلحات الثلاثة وتتمايز عن بعضها (1).
الموضع الخامس: في مسلك تحقيق المناط، ولم أجد - حسب اطلاعي- أحداً من الأصوليين ذكر " تحقيق المناط " باعتباره مسلكاً من مسالك العِلَّة سوى الشوكاني في " إرشاد الفحول "، حيث ذكره في المسلك الحادي عشر (2).
الموضع السادس: عقب الفراغ من بحث مسالك العِلَّة، وذلك أثناء الإشارة إلى بعض الألفاظ التي اصطلح عليها أهل الأصول والجدل ومنها: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط (3).
ومن خلا ل ما تقدَّم ذكره يتضح لي أن الأصوليين لم يُعْنَوا بتعريف مصطلح " الاجتهاد في المناط " كما عُنُوا بذكر أنواعه، وتعريفها، وضرب الأمثلة عليها، لتوضيح المراد منها، ولا ريب أن المقصود إذا حصل بأيسر عبارةٍ فهو المُبتغَى، ولكن جرت العادة في صناعة البحوث العلمية على تحديد مدلولات عنوان البحث تحديداً دقيقاً، ومن أنفع الطرق الموصلة إلى ذلك الاعتناء بتعريف المصطلحات المستعمَلة في هذا البحث.
لذا فقد أرتأيت أن أضع حدَّاً لمصطلح "الاجتهاد في المناط" يُقَرُّبُ المراد به، ويُدْخِلُ تحته ما هو منه، ويُخْرِجُ ما ليس منه، فأقول وبالله التوفيق:
إذا تقرر ما سبق فيمكن تعريف " الاجتهاد في المناط " باعتباره لقباً يُطْلَق على معنىً بخصوصه في علم أصول الفقه كما يأتي:
" الاجتهاد في المناط هو: استفراغ الوُسْعَ في تنقيح عِلَّةٍ منصوصة، أو استخراجِ عِلَّةٍ غيرِ منصوصة، أو إثباتِ متعلَّق حُكْمٍ شرعيٌّ في بعض أفراده ".
وهذا التعريف -كما هو ظاهرٌ- يشمل الأنواع الثلاثة للاجتهاد في--------------------------------------------
(1) ينظر: الكاشف عن المحصول للأصفهاني (6/ 435)، تقريب الوصول لابن جزي (370)، نهاية السول (4/ 142)، البحر المحيط للزركشي (7/ 322)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 293)، نشر البنود (2/ 202).
(2) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 641 - 642).
(3) ينظر: شرح الكوكب المنير (4/ 199).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
العِلَّة، وهي: تنقيح المناط، وتخريجه، وتحقيقه، كما يشمل - أيضاً - المعنى الأعمّ لـ "تحقيق المناط" الذي يدخل تحته ثلاث صور (1):
الأولى: إثبات عِلَّة حكم الأصل في الفرع.
والثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ كليةٍ تعلَّق بها حكمٌ شرعيُّ في بعض جزئياتها.
والثالثة: إثبات معنى لفظ عامٍّ أو مطلَّقٍ تعلق به حكمٌ شرعيٍّ في بعض أفراده.
وعند المقارنة بين مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" حسب إطلاق الآمدي، ومُسَمَّى "الاجتهاد في العِلَّة" حسب إطلاق الغزالي ومن تبعه، فإني أجد مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" أكثر دِقَّةً وشمولاً للتعبير عن جميع الأفراد الداخلة تحته، ويرجع ذلك إلى أمرين:
أولهما: أن عادة الأصوليين جرت على إضافة الأنواع الثلاثة إلى أحد ألقاب العِلَّة وهو (المناط)، فاشتمال المُسَمَّى على نفس اللفظ وهو "المناط" أولى من اشتماله على لفظ " العِلَّة ".
ثانيهما: أن مُسمَّى "الاجتهاد في المناط" يصلح لِأَنْ يشمل "تحقيق المناط" بمعناه الأعمّ الذي هو إثبات معنىً تعلَّق به حُكْم شرعيٌّ في بعض أفراده، وبمعناه الأخصّ الذي هو إثبات عِلَّةِ حكم الأصل في الفرع.
أما مُسَمَّى "الاجتهاد في العِلَّة" فهو يُشْعِرُ بحصر النظر في العِلَّة فلا يدخل فيه "تحقيق المناط" بمعناه الأعمَّ إلا تَجَوُّزَاً.
ولهذا فقد اخترت مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" ليكون عنواناً لبحثي يعبِّر عن مضمونه كما يتداوله أهل هذا الشأن، وإذا ضُبِطَتْ المدلولات وتحرَّرَت المعاني فلا مُشَاحةَ في الاصطلاح.--------------------------------------------
(1) ينظر: (194).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
المطلب الثاني: أنواع الاجتهاد في المناط.
يُقَسِّمُ الأصوليون الاجتهاد بالنظر إلى مناط الحُكْم إلى ثلاثة أنواع:
الأول: تحقيق المناط.
والثاني: تنقيح المناط.
والثالث: تخريج المناط.
وقد ذكر هذا التقسيم ثلةٌ من الأصوليين منهم: الحسَن العْكْبَري (1)، والغزالي (2)، وابن قدامة (3)، والآمدي (4)، والطُّوفي (5)، والمرداوي (6)، وابن بدران الدمشقي (7)، ومحمد الأمين الشنقيطي (8).
وبيان هذه الأنواع الثلاثة - إجمالاً - على النحو الآتي:
النوع الأول: تحقيق المناط.
ويطلق على ثلاثة معاني:
المعنى الأول: إثبات علة حكم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (9).
ومثاله: أن يُجعل (الطواف) عِلَّةً لطهارة الهرّ في قوله صلى الله عليه وسلم: " إنها ليست--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه (80).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 485).
(3) ينظر: روضة الناظر (3/ 803).
(4) ينظر: الإحكام (3/ 379).
(5) ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 233).
(6) ينظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3451).
(7) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (306 - 309).
(8) ينظر: مذكرة أصول الفقه (429).
(9) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 379)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3044)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 232)، الإبهاج للسبكي (3/ 82)، نهاية السول (4/ 143)، التلويح على التوضيح (2/ 162 - 163)، البحث المحيط للزركشي (5/ 256)، تيسير التحرير (4/ 42)، شرح الكوكب المنير (4/ 200 - 201)، إرشاد الفحول (2/ 920).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (1)، فيبين المجتهد ثبوت العِلَّة - التي هي الطواف- في صغار الحشرات كالفأرة ونحوها، ليلحقها بالهِرّ في الطهارة (2).
والمعنى الثاني: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ في بعض جزئياتها (3).
ومثاله: أوجب الله المِثْلَ من النَّعمَ على المُحْرِم في جزاء الصيد بقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]، فالأصل الواجب هو المِثْل، والمثلية هي مناط الحكم، وقد عُلِمت بالنصّ، أما تحقُّق المثلية في البقرة عند الجناية على حمار الوحش- مثلاً - فلا يُعلَم إلا بنوعٍ من الاجتهاد والظنِّ المبني على الاستدلال بالأمارات (4).
والمعنى الثالث: إثبات معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده (5).
ومثاله: لفظ " الخمر " في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] فإنه لفظٌ عامٌ يتناول تحريم كل مُسْكرٍ من الأشربة والأطعمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " كل مُسْكِرٍ--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في " سننه "، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، رقم (75)، والترمذي في " جامعة "، كتاب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم (92)، والنسائي في " سننه "، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة والرخصة فيه، رقم (367)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم في " مستدركه " (1/ 160)، وابن خزيمة في " صحيحه "، رقم (104)، والبغوي في " شرح السنة " (2/ 69).
(2) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (83)، روضة الناظر (3/ 802)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235)، شرح الكوكب المنير (4/ 201)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (306 - 307).
(3) ينظر: المستصفى (3/ 485 - 487)، روضة الناظر (3/ 801 - 802)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3044 - 3045)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 233)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (302 - 303).
(4) ينظر: المراجع السابقة.
(5) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 282 - 283)، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (7/ 337)، الموافقات للشاطبي (5/ 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
خمر" (1)، فيبين المجتهد ثبوت معنى الإسكار في بعض أفراده كالحشيشة مثلاً، فيتناولها الحكم الشرعي وهو " التحريم " (2).
النوع الثاني: تنقيح المناط.
وهو: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فيُحذف خصوصه عن الاعتبار، ويناط الحكم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحكم أوصاف مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحذَف عن الاعتبار، ويناط الحكم بالباقي (3).
ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكتُ وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أعتق رقبة " (4).
فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه واقع أهله في ذلك الشهر بعينه، كلُّها أوصافٌ لا تصلح للعليَّة، فتُلْغَى تنقيحاً للعِلَّة، ويثبت ما يصلح للتعليل، فيُلْحَق به الأعرابي الآخر،--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مُسْكِرٍ خمر وكل خمرٍ حرام، رقم (2003) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
(2) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 282 - 283)، منهاج السنة لابن تيمية (2/ 287)، الموافقات للشاطبي (3/ 232).
(3) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (83 - 84)، المستصفى (3/ 488)، المحصول (5/ 230)، شفاء الغليل (411 - 412)، روضة الناظر (3/ 803)، الإحكام للآمدي (3/ 380) شرح تنقيح الفصول (389)، المسودة في أصول الفقه (387)، نهاية السول (4/ 139)، البحر المحيط للزركشي (7/ 322)، تيسير التحرير (4/ 42)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292)، شرح الكوكب المنير (4/ 203)، إرشاد الفحول (2/ 641).
(4) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الصوم، باب المُجِامع في رمضان هل يُطْعِم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج، رقم (1937)، ومسلم في " صحيحه "، كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ووجوب الكفارة الكبرى فيه، رقم (1111)، وأبو داود في " سننه "، كتاب الصوم، باب كفارة من أتى أهله في رمضان، رقم (724)، وابن ماجه في " سننه "، كتاب الصوم، باب ما جاء في كفارة من أفطر يوماً من رمضان، رقم (1671).
وينظر في روايات الحديث: نصب الراية (2/ 451)، التلخيص الحبير (2/ 206)، المعتبر في أحاديث المختصر للزركشي (214).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
ويُلْحَق به غير الأعرابي، ويُلْحَق به مَنْ أفطر في رمضانٍ آخر، ويُلْحَقُ به مَنْ وطِئ أَمَتَهُ، ويُلْحَق به الزاني، وبهذا يكون الوصف الصالح للتعليل هو" وقاعُ مُكَلَّفٍ في نهارِ رمضان" (1).
النوع الثالث: تخريج المناط.
وهو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماع عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (2).
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبرّ والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مِثْلاً بِمِثْل" (3).
فإن هذا النصَّ لم يتضمَّن ما يدل على عِلَّة تحريم الرِّبا في هذه الأصناف المذكورة لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بمسلكٍ من مسالك العِلَّة المُسْتَنْبَطَة (4).
ولا يستدعي المقام - هنا - الإسهاب والتفصيل؛ لأني أفردت كل نوعٍ من أنواع الاجتهاد في المناط ببابٍ مستقِلٍّ يشتمل على تعريفه، وصوره، وأمثلته، والمسائل المتعلِّقة به (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (85)، المستصفي (3/ 488 - 489) روضة الناظر (3/ 804)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح تنقيح الفصول (389) تيسير التحرير (4/ 42)، شرح الكوكب المنير (4/ 131).
(2) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (85)، المستصفى (3/ 490)، روضة الناظر (3/ 805)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 242)، شرح تنقيح الفصول (389)، الإبهاج في شرح المنهاج (6/ 2401)، نهاية السول (4/ 142)، شرح المحلى على جمع الجوامع (2/ 273)، البحر المحيط للزركشي (7/ 324)، تيسير التحرير (4/ 43)، شرح الكوكب المنير (4/ 202).
(3) أخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق، رقم (1586)، وأخرجه البيهقي في " سننه " رقم (10261)، بلفظ " لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلاً بمثل "، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " (4/ 76) بلفظ " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا مثلاً بمثل .. ".
(4) ينظر: الابهاج في شرح المنهاج (6/ 2401 - 2402).
(5) ينظر: (58 - 283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
أما بخصوص ترتيب الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط فالطريقة التي سلكها عامة الأصوليين في ترتيبها على النحو الآتي (1):
أولاً: تحقيق المناط.
وثانياً: تنقيح المناط.
وثالثاً: تخريج المناط.
وربما يرجع هذا الترتيب عند عامة الأصوليين إلى درجة الخلاف في كلِّ نوع، حيث قُدِّم ذكر النوع الذي لا خلاف فيه وهو " تحقيق المناط " بالمعنى الذي تكون فيه القاعدة الكلية متفقاً أو منصوصاً عليها، أو كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، ويُجْتَهد في إثبات وجودها في الفرع.
ولذلك لما ذُكِرَ "تحقيقً المناط" في الترتيب أولاً قال العُكْبَري: " لا نعرف في جوازه خلافاً " (2).
وقال الغزالي: " " أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحُكْم فلا نعرف خلافاً من الأُمَّة في جوازه " (3).
وقال الآمدي: " ولا نعرف خلافاً في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مُدْرَك معرفتها الاستنباط " (4).
ولما أُتْبِع ثانياً بذكر النوع الذي أقرَّ به أكثر المنكرين للقياس، وهو" تنقيح المناط" قال الغزالي: " وهذا - أيضاً - يُقِرُّ به أكثرُ منكري القياس " (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (80)، المستصفى (3/ 485)، روضة الناظر (3/ 801)، الإحكام للآمدي (3/ 379)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 233)، التحبير شرح التحرير (7/ 3451)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (306 - 309).
(2) رسالة في أصول الفقه: (81).
(3) المستصفى: (3/ 485).
(4) الإحكام: (3/ 380).
(5) المستصفى: (3/ 488).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
وقال الآمدي: "وهذا النوع وإن أقرَّ به أكثر منكري القياس فهو دون الأول" (1).
وقال الطُّوفي: "أكثر منكري القياس استعملوا هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة " (2).
ولمَّا أُتْبِع ثالثاً بذكر النوع الذي عَظُمَ فيه الخلاف، وهو " تخريج المناط " قال الغزالي: " فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عَظَمُ الخلاف فيه " (3).
وقال الآمدي: " وهذا في الرتبة دون النوعين الأَوَلَيْن " (4).
وبعد التأمل والنظر في ترتيب أنواع الاجتهاد في المناط ظهر لي أن ترتيبها بحسب أسبقيتها على بعضٍ بالنسبة لعمل المجتهد أَوْلَى - في هذا البحث - من ترتيبها بحسب درجة الخلاف في كلِّ نوع، على أن يكون ترتيبها وفق الآتي:
أولاً: تنقيح المناط.
وثانياً: تخريج المناط.
وثالثاً: تحقيق المناط.
ووجه تقديم تنقيح المناط على تخريجه: أن العِلَلَ من حيث طريقة ثبوتها إما منصوصةٌ أو مستنبطةٌ، فإن كانت منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل فالنظر فيها يتعلَّق بتنقيح المناط.
وإن كانت مُسْتَنْبَطَةً فالنظر فيها يتعلق بتخريج المناط، والعِلَلُ المنصوصة تُقَدَّمُ على العلل المُسْتَنْبَطَة كما هو مُقَرَّرٌ في ترتيب العِلِل، فناسب حِينئذٍ تقديم تنقيح المناط على تخريجه.
أما وجه تأخير تحقيق المناط عن تنقيحه وتخريجه: فلأِن القياس مبنيٌّ على مقدمتين:--------------------------------------------
(1) الإحكام: (3/ 380).
(2) شرح مختصر الروضة: (3/ 241).
(3) المستصفى: (3/ 491).
(4) الإحكام: (3/ 381).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل، وهي إما منصوصةٌ اقترن بها من النصوص ما لا يصْلُح لِلْعِلِّية فيتعلَّق النظر فيها بتنقيح المناط، أو مُسْتَنْبّطَةٌ فيتعلَّق النظر فيها بتخريج المناط.
الثانية: إثبات وجود عِلَّةِ الأصل في الفرع، وهو تحقيق المناط.
ولا ريب أن ثبوت المقدمة الثانية يستلزم ثبوت المقدمة الأولى، وهو ما يقتضي أن تكون متأخرةً عنها، فناسب تأخير تحقيق المناط عن تنقيحه وتخريجه.
أما إذا كان تحقيق المناط بالمعنى الذي تكون فيه القاعدة الكلية متفقاً أو منصوصاً عليها، ويُجْتَهد في إثبات وجودها في بعض الجزئيات والصور، فهو نوع اجتهادٍ لا يُحْتَاجُ فيه إلى تنقيح المناط ولا تخريجه، وحينئذٍ لا يُتَصَوَّر بينه وبين تنقيح المناط أو تخريجه تقديمٌ ولا تأخير.
ولهذا قال الغزالي: " وهذا لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختَلفٌ فيه " (1).
وقال ابن قدامة: " وأما النوع الأول فليس ذلك قياساً، فإن هذا مُتَفَقٌ عليه، والقياس مُخْتَلَفٌ فيه " (2).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (3/ 487).
(2) روضة الناظر: (3/ 802 - 803).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
المبحث الرابع
أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط
ويشتمل على ثلاثة مطلبين:
المطلب الأول: أوجه الجمع بين أنواع الاجتهاد في المناط.
المطلب الثاني: أوجه الفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
المبحث الرابع
أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط
تَقَدَّم أن أنواع الاجتهاد في المناط ثلاثة (1):
الأول: تنقيح المناط.
والثاني: تخريج المناط.
والثالث: تحقيق المناط.
وهذه الأنواع الثلاثة يوجد بينها قدرٌ مشتركٌ يجمعها، كما يوجد بينها اختلافٌ يُمَيِّزُ بعضها عن بعض، وقد اكتفى بعض الأصوليين في التفريق بينها بذكر حقيقة كلٍّ منها مع ضرب المثال الذي يوضِّح المراد، كلُّ ذلك على سبيل الإيجاز دون استطرادٍ أو تتبعٍ لوجوه الجمع والفرق بينها؛ لأنه لما ذُكِرَ " تنقيح المناط " ضمن مسالك العِلَّة ناسب في ذلك الموضع أن يُذْكَرَ " تخريج المناط " و" تحقيق المناط " كما جرت بذلك عادة الجدليين، فَنَبَّه الأصوليون على الفرق بينها بذكر حقيقة كلٍّ منها، وقد جرى ذلك بالقصد التابع لا بالقصد الأصلي.
ولهذا لما ذكر البيضاوي " تنقيح المناط " في المسلك التاسع ضمن الطرق الدالة على العِلِّية عرَّف السبكي " تنقيح المناط "، وضرب له أمثلةً توضِّح المراد منه ثم قال:
" فائدة: قد اقتصر المصنِّف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط، ونحن لا نطيب قلباً بإخلاء الشرح عن الكلام فيهما ليتحصَّل--------------------------------------------
(1) ينظر: (45).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط " (1).
ولما ذكر صاحب " مراقي السعود " تنقيح المناط ضمن مسالك العِلَّة وأشار إلى تحقيق المناط، قال في " نشر البنود ": " وإنما ذكرته هنا جرياً على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط." (2).
ولكن لما أُفْرِدَ البحث - هنا - في أنواع الاجتهاد في المناط، واعتُبِرَ الموضوع مقصوداً بالأصالة اقتضى الحال استكمال النظر - قدر الإمكان - في أوجه الجمع والفرق بينها، مما يزيدها وضوحاً وتحريراً من كلِّ وجه، وذلك من خلال مطلبين:
المطلب الأول: أوجه الجمع بين أنواع الاجتهاد في المناط.
يوجد بين أنواع الاجتهاد في المناط قَدْرٌ مشتركٌ يجمعها، وتتلخص أوجه الجمع بينها فيما يأتي:
1 - تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه كلها أنواعٌ تُطْلَقُ على أفعال المجتهد أثناء اجتهاده في العِلَّة، ولا تُعْتَبَرُ من مسالك العِلَّة أو الطرق الدالة على العِلِّية، كما سيأتي بيانه في مواضعه (3).
2 - تُعتبر الأنواع الثلاثة كلها من مقدمات القياس، وليست هي القياس نفسه.
وتوضيح ذلك أن قياس العِلَّة - حسب الاصطلاح الأصولي - لابد فيه من مقدمتين (4):--------------------------------------------
(1) الإبهاج في شرح المنهاج: (3/ 82).
(2) نشر البنود: (2/ 202).
(3) ينظر: (67، 132، 194).
(4) ينظر: المستصفى (3/ 503 - 504)، المحصول (5/ 20)، نبراس العقول (48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
المقدمة الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل، فإن كانت العِلَّة منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل فالنظر فيها يتعلق بتنقيح المناط، وإن كانت مُسْتَنْبَطَةً فالنظر فيها يتعلق بتخريج المناط.
المقدمة الثانية: إثبات عِلَّة الأصل في الفرع، وهو ما يُسمَّى بـ " تحقيق المناط ".
وناتج هاتين المقدمتين حصول المساواة في العِلَّةُ بين الأصل والفرع، وهذه المساواة علامةٌ نَصَبَهَا الشارع للدلالة على الأحكام التي لم يَرِدْ بشأنها نصٌّ بعينه، ولا إجماع.
ثم تأتي بعد ذلك ثمرة المساواة بين الأصل والفرع، وهي: إثبات مثل حُكْم الأصلِ في الفرع، وهو ما يُطْلَقُ عليه اصطلاحاً " القياس ".
وبهذاَ يَتَبَيِّن أن القياس مبنيٌّ على مقدمتين، الأولى تتعلق بتنقيح المناط إن كانت العِلَّةُ منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل، أو تتعلق بتخريج المناط إن كانت العِلَّة مُسْتَنْبَطَة، والثانية تتعلق بتحقيق المناط بعد إثبات عِلَّة الحُكْم في الأصل، ونتيجة هاتين المقدمتين هي القياس، وليس المقدمتان هما القياس.
3 - تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه كلها أنواعٌ تشترك في أن النظر فيها يتعلق بالعِلَّة، وإن كان تحقيقُ المناط أعمَّ مورداً من التنقيح والتخريج كما سيأتي في أوجه الفرق بينها (1).
فالنظر في العِلَّة إما أن يتعلق بتنقيحها، أو تخريجها، أو تحقيقها، ولذلك أضيف لفظ " المناط " إلى التنقيح والتخريج والتحقيق باعتباره أحد إطلاقات العِلَّة كما سبقت الإشارة إلى ذلك (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: (55 - 56).
(2) ينظر: (33).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)