الحصر فيه أيضاً موجودٌ لكنه غير مُلاحَظٍ، فهو حاصلٌ غير مقصود" (1).
الترجيح بين الاتجاهات السابقة:
من خلال ما تقدَّم ذكره ومناقشته من اتجاهات الأصوليين في بيان الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم يترجَّح - والعلم عند الله - أن السَّبْر والتقسيم ليس دليلاً مستقلاً على العِلِّية يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة، بل يدخل الاستدلال به في أكثر طرق إثبات العِلَّة بوجهٍ أو بآخر، ومن ذلك مسلك النصِّ ومسلك الإيماء والتنبيه اللَّذَان تعلَّق بهما الاجتهاد في تنقيح المناط.
وعلى هذا يعتبر السَّبْر والتقسيم دليلاً خادماً للاجتهاد في العِلَّة الذي أحد أضربه الاجتهاد في تنقيح المناط، فالسَّبْر والتقسيم أعمُّ وأشمل من تنقيح المناط، حيث يشمل الاستدلال به مسالك العِلَّة المنصوصة والمستنبَطة، أما تنقيح المناط فهو يختصُّ بالاجتهاد في الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وقد يُحتاج في بعض صوره إلى استعمال دليل السَّبْر والتقسيم كما في النوع الثاني من تنقيح المناط.
فالمجتهد في هذا النوع يحصر الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، ثم يختبرها ويبطل ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً للحُكْم، ويكون بذلك اسْتُعْمَل دليل السَّبْر والتقسيم في هذا النوع من تنقيح المناط، ولكن لتهذيب العِلَّة وتعيينها، وليس لاستخراجها كما هو الحال في العِلَل المستنبَطة، كما سيأتي بيانه في تخريج المناط (2).--------------------------------------------
(1) حاشية ابن العطَّار على شرح المحلي على جمع الجوامع: (2/ 337).
(2) ينظر: (128).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
الفصل الخامس
طرق تنقيح المناط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
الفصل الخامس
طرق تنقيح المناط
تقدَّم أن تنقيح المناط له صورتان (1):
الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار، ويناط الحُكْم بالمعنى الأعمّ.
والثانية: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ، فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار، ويناط الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
وفي كلتا الصورتين فإن وظيفة تنقيح المناط تتركَّز في تهذيب العِلَّة وتمييزها عن الأوصاف غير المؤثرة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، وذلك يقوم على ركنين (2):
الأول: إسقاط ما لا مدخل له من الأوصاف عن درجة الاعتبار.
والثاني: إظهار وتعيين ما له مدخلٌ من الأوصاف في الاعتبار.
وحاصله أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين كما تقدَّم (3)، وهو اجتهادٌ لا يقوم على التحُكُّم والتشهي، بل لابدَّ فيه من دليلٍ يُسْتَنَد إليه وطريقٍ شرعيٍّ يثبت به؛ لأن الشرع هو الذي اختصَّ باعتبار تلك الأوصاف مؤثرةً في الأحكام وعدم اعتبارها كذلك، ولا يُعْلَمُ ذلك إلا بدليلٍ من جهته.
قال الغزالي: " ومُدْرَكُه - أي: تنقيح المناط - شواهد الشرع، وإبقاء ما--------------------------------------------
(1) ينظر: (100 - 101).
(2) ينظر: أساس القياس (51).
(3) ينظر: (71).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
يُقَدَّر له أثر، وإلغاء ما لا يُعْقَل له أثر " (1).
وقال البروي: " وصورته - أي: تنقيح المناط أن يَرِدَ ظاهرٌ في التعليل بأوصافٍ عِدَّة، فنحذف بعض تلك الأوصاف عن درجة الاعتبار بالدليل" (2).
وقال ابن النجَّار الفتوحي في تعريف تنقيح المناط: " أن يُبقِى من الأوصاف ما يصلح، ويُلغي بالدليل ما لا يصلح " (3).
والمناط كما يثبت تعلُّق الحُكْم به بتوقيفٍ من جهة الشرع، فكذلك تنقيح المناط وتمييزه عن غيره من الأوصاف غير المؤثِّرة لايثبت إلا بتوقيفٍ من الشرع.
قال الغزالي: " ولا نجعل الشيء مناطاً أو وصفاً من أوصاف المناط بالحُكْم والرأي بل بالتوقيف، ولا نسقطه أيضاً عن درجة الاعتبار بالرأي والقياس، بل بشواهد التوقيف " (4).
وقال - أيضاً-: " وبقي أن نبيِّن أن المناط كيف يتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ ما لا يُعْتَبر فيه، وجامعاً لجميع ما هو معتبَرٌ فيه؟ فنقول- أيضاً-: لا يكون إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشارع." (5).
والتوقيف من جهة الشارع لا يُقْتَصَرُ في معرفته على مجرَّد النصِّ، بل يشمل دلالات الألفاظ بأنواعها، والأفعال وما في حكمها، وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وتصرُّفات الشارع في الأحكام.
قال الغزالي: " تعريفات الشارع مختلفةٌ بالإضافة إلى ما به التعريف؛ فتارةً يُعْرَفُ بالقول، وتارةً بالفعل، ثم إذا عُرِفَ لا بالقول: تارةً يكون بإشارةٍ، وتارةً بسكوتٍ، وتارةً باستبشارٍ، وتارةً بإظهار آثار كراهيةٍ، وعلى الجملة: قرائن أحواله في تصريفاته وإشاراته وهيئة وجهه في الفرح والكراهية يجوز أن--------------------------------------------
(1) شفاء الغليل: (430).
(2) المقترح في المصطلح: (215 - 216).
(3) شرح الكوكب المنير: (4/ 203).
(4) أساس القياس: (50).
(5) المرجع السابق: (52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
تكون معرِّفاتٍ جاريةً في إفادة التعريف مجرى القول، فيكون ذلك توقيفاً .. " (1).
ثم عدَّد رحمه الله أنواعاً من التعريف بالقول فقال: "أما إذا عُرِف بالقول فتارةً يُعْرَف بلفظٍ صريح، وتارةً بظاهرٍ كاللفظ العام، وتارةً بلفظٍ خاصٍ كُنِّيَ به العام على سبيل التجوِّز في لسان العرب، وتارةً بإيماء القول وإشارته لا بصريح الملفوظ، وتارةً بتضمن القول واقتضائه. . . وتارةً بمفهوم القول وقصده إلى تخصيص بعض الأشياء بالذكر ليفهم نفي الحُكْم عما عداه، وتارةً بسياق الكلام الذي أُنْشِىَء الكلام له .. " (2).
وكما أن مدارك التوقيف من جهة الشارع لا تنحصر في مجرَّد النصِّ فكذلك لا تنحصر مداركه في الأقوال والأفعال، بل يثبت التوقيف أيضاً بتتبع عادة الشارع في الأحكام إثباتاً ونفياً، وهو من أغمض وأدقِّ جهات التوقيف.
قال الغزالي: "فهذه جهات تعريفه -أي: الشارع- وأغمضُها التعريفُ بالعادة، وإليها استناد القياس، ولأجل خفائه لم يدركه بعض الناس ولم يعرفه من جملة المدارك، فظنَّ أن مدارك التعريف محصورةً في الأقوال والأفعال .. " (3).
وإذا كان تنقيح المناط وتمييزه عن غيره من الأوصاف غير المؤثِّرة لا يثبت إلا بتوقيفٍ من الشرع فحينئذٍ لابد من دليلٍ يستند إليه، وطريقٍ شرعيٍّ يثبت به هذا النوع من الاجتهاد.
قال الآمدي: "وأما تنقيح المناط فهو: النظر والاجتهاد في تعيين ما دلَّ النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف، كلُّ واحدٍ بطريقه .. " (4).
ولما ساق قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان قيَّد الاجتهاد--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: (52).
(2) المرجع السابق: (52 - 53).
(3) المرجع السابق: (54).
(4) الإحكام: (3/ 380).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
في تنقيح مناط الحكم بالأدلة فقال: " فإنه وإن كان مؤمناً إليه بالنصِّ غير أنه يُفْتَقَرُ في معرفته عيناً إلى حذف كلِّ ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك بأن يبيِّن أن كونه أعرابياً، وكونه شخصاً معيناً، وإن كون ذلك الزمان، وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجةً وامرأةً معينة لا مدخل له في التأثير بما يساعد من الأدلة في ذلك .. " (1).
وهذه الأدلة التي يثبت بها تنقيح المناط يمكن أن يُطْلَق عليها مُسَمَّى "طرق تنقيح المناط" وذلك باعتبار أن الدليل هو: ما يُتَوصَّل به إلى المطلوب (2)، وتلك هي الطرق الموصلة إلى تهذيب العِلَّة وتمييزها عن غيرها من الأوصاف المؤثِّرة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه.
ومن أهم طرق تنقيح المناط ما يأتي:
أولاً: استقراء عادة الشرع في إلغاء وصفٍ عن درجة الاعتبار وعدم إناطة الحكم به.
ثانياً: الإجماع على أن الشارع ألغى ذلك الوصف عن درجة الاعتبار، أو ألغى خصوصه وأناط الحكم بما هو أعمّ منه.
ثالثاً: كون الحُكْم ثابتاً في صورةٍ ما بالباقي من الأوصاف دون الوصف المحذوف.
وبيان هذه الطرق على النحو الآتي:
أولاً: استقراء عادة الشرع في إلغاء وصفٍ عن درجة الاعتبار وعدم إناطة الحكم به:
وذلك لأنه ليس في إناطة الحُكْم به مصلحة، فهو خالٍ من المناسبة (3).--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) ينظر: قواطع الأدلة (1/ 42)، البحر المحيط للزركشي (1/ 51).
(3) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (85)، المستصفى (3/ 489)، شفاء الغليل (412، 415)، أساس القياس (52 - 53)، روضة الناظر (3/ 804)، الإحكام للآمدي (3/ 336)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 352)، نهاية الوصول (7/ 3179)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 238)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 272)، تيسير التحرير (4/ 47)، نشر البنود (2/ 168)، نثر الورود (2/ 489).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وهو ما يُطْلَقُ عليه عند الأصوليين بـ: "الوصف الطردي"، وينقسم إلى قسمين (1):
الأول: ما هو طرديٌّ في جميع الأحكام، كالطول والقِصَر، والسواد والبياض، فلا يُعلَّل بها شيءٌ من أحكام الشرع.
الثاني: ما هو طرديٌّ في بعض الأحكام، مع كونه معتبراً في بعضٍ آخر، كالذُّكورة والأنوثة، فإنهما وصفان طرديان بالنسبة إلى العتق، فلا يُعلَّل شيءٌ من أحكام العتق بذكورةٍ ولا أنوثةٍ، مع أنهما معتبران في بعض الأحكام كالميراث والشهادة ونحو ذلك.
فإذا أثبت المجتهد كون الوصف طردياً، إما مطلقاً في جميع الأحكام الشرعيَّة أو بالنسبة إلى ذلك الحُكْم المطلوب، كان ذلك دليلاً على حذف ذلك الوصف عن درجة الاعتبار.
قال الآمدي في القسم الأول: " أن يكون ما يحذفه من جنس ما أَلِفْنَا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، كالطول والقِصَر والسواد والبياض ونحوه .. " (2).
ويقصد بذلك: طرد المحذوف مطلقاً في جميع الأحكام الشرعيَّة فلا يُعَلَّل بها حُكْمٌ أصلاً.
وقال في القسم الثاني: " أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألِفْنَا من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحُكْم المُعَلَّل، فيجب إلغاؤه .. " (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: بيان المختصر للأصفهاني (3/ 106 - 107)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 238)، تشنيف المسامع (3/ 280)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 272)، الضياء اللامع لحلولو (2/ 354)، شرح الكوكب المنير (4/ 148)، نشر البنود (2/ 168 - 169)، نثر الورود (2/ 489).
(2) الإحكام: (3/ 336).
(3) المرجع السابق: (3/ 336 - 337).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
ويقصد بذلك: طرد المحذوف بالنسبة إلى بعض الأحكام دون غيرها، كالذُّكورة والأنوثة في العتق، فإنهما لم يعتبرا فيه، فلا يُعْلَّل بهما شيءٌ من أحكام العتق، وإن اعتبرا في الشهادة والقضاء والإرث وولاية النكاح.
وإثبات أن الوصف المحذوف مما عُلِمَ من عادة الشرع إلغاؤه وعدم إناطة الحُكْم به إنما يكون باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره، إما مطلقاً، وإما في جنس ذلك الحُكْم.
قال الغزالي: " وإنما يُعْرَفُ أنه لا مدخل له في التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره .. " (1).
وقال صفي الدين الهندي: " تُعْلَمُ العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع .. " (2).
وقال حُلولو المالكي (3): "ويُعْرَفُ كون الوصف طردياً- أي: لامدخل له في التعليل- باستقراء موارد الشرع ومصادره إما مطلقاً، وإما في ذلك الباب المُتَكَلَّم فيه" (4).
فإذا استقرأ المجتهد أحكام الشرع وموارده ومصادره وحصل له من ذلك العلم أو غلب على ظنه بأن الشارع اعتبر أوصافاً وألغى أخرى وجب حينئذٍ على المجتهد أن يتصرَّف بتصرَّف الشريعة في جنس تلك الأحكام، فيُسقِط ما أسقطه الشارع من الأوصاف عن درجة الاعتبار، ويُبقِي الحُكْم منوطاً بالباقي من الأوصاف المؤثِّرة.
قال الغزالي: " النظر في تنقيح المناط: بإلغاء بعض القيود والاختصاصات أو اعتبارها، والتدوار فيها على أمورٍ عُقِل من الشرع تأثيرها في الأحكام " (5).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (3/ 598).
(2) نهاية الوصول: (7/ 3179).
(3) هو: أبو العباس أحمد بن عبدالرحمن بن موسى بن عبدالحق الزليطني القيرواني المالكي، كان عالماً بالفقه والأصول، ولي قضاء طرابلس الغرب، ثم استقر بتونس وولي مشيخة بعض المدارس، من مؤلفاته: الضياء اللامع في شرح جمع الجوامع (ط)، والتوضيح في شرح التنقيح للقرافي (ط)، وشرح مختصر خليل (خ)، وغيرها، توفي بتونس سنة (898 هـ) تقريباً.
ينظر ترجمته في: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (2/ 260)، توشيح الديباج وحلية الابتهاج (52)، الأعلام للزركلي (1/ 147).
(4) الضياء اللامع: (2/ 254).
(5) شفاء الغليل: (412).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
ومن الأمثلة على ذلك: تنقيح المناط بحذف الأوصاف الطردية المذكورة في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان (1) بناءً على استقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في إلغاء تلك الأوصاف، وعدم اعتبارها مؤثِّرةً في تلك الأحكام.
فوصف " الأعرابية " وصفٌ ملغيٌّ فيُلْحَق به غير الأعرابي؛ لأنه باستقراء أحكام الشرع وجد أنها لاتختصُّ بقومٍ دون آخرين.
و" كون الموطوءة زوجة " وصفٌ ملغيٌّ - أيضاً - فيُلْحَق به المملوكة والمزني بها؛ لأنه باستقراء أحكام الشرع لا فرق بين كون الجماع في محلٍّ هو حلالٌ بملك النكاح أو اليمين أو هو حرامٌ كالأجنبية، وذلك باعتبار أن كلاً منهما جنايةٌ على الصوم.
و" كون الوطء في عين ذلك الشهر " وصفٌ ملغيٌّ - أيضاً- فيُلْحَق به من وطئ في رمضان آخر، لأن أحكام الشرع إذا أُطْلِقَتْ لا تختصُّ بزمانٍ دون آخر.
فهذه الأوصاف المذكورة في النصِّ إنما حُذِفَت لكونها أوصافاً طردية، عُلِمُ من عادة الشرع باستقراء أحكامه إلغاؤها، وعدم إناطة الأحكام بها.
قال الغزالي: " هذه إلحاقاتٌ معلومةٌ تُبْتَنَى على تنقيح مناط الحُكْم بحذف ما عُلِم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير " (2).
وقال - أيضاً-: " فهذه وجوهٌ من القيود والخصوص اتفقت في الواقعة التي فيها الحُكْم، وبعضها محذوفٌ لا مدخل له في الاقتضاء، وبعضها معتَبر، وبعضها مختلَفٌ فيه، والتدوار في الإلغاء والإبقاء على تأثيراتٍ معقولةٍ من مورد الشرع." (3).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (48).
(2) المستصفى: (3/ 489).
(3) شفاء الغليل: (415).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً -ولكن مما يختصُّ ببابٍ من الأحكام دون الأبواب الأخرى-: تنقيح المناط بحذف الوصف الطردي المذكور في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " من أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ وكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدل " (1).
فوصف الذُّكورة في قوله: " عبد " وصفٌ ملغيٌّ، حيث ثبت باستقراء موارد الشرع ومصادره في أحكام العتق خاصةً التسَوية بين الذكر والأنثى، وعدم اعتبار الذكورة والأنوثة من الأوصاف المؤثِّرة في ذلك، وإن كان لهما تأثيرٌ في بعض الأحكام الأخرى كولاية النكاح والقضاء والشهادة (2).
قال الغزالي: "الشارع إذا ذكر في باب العتق أحكاماً كثيرة. . . وهو في جميع ذلك يُجْري الذُّكور مجرى الأنثى ولا يلتفت إلى الاختلاف فيه أصلاً، فعدم تعرُّضه لهذا الاختلاف مرَّةً بعد أخرى على سبيل العَوْدِ والتكرار يفهمنا أن مدخل الذكورة فيه كمدخل السواد والبياض والطول والقِصَر والتركي والهندي، فبه نتجاسر على قولنا: الأَمَة في معنى العبد. . ." (3).
وقال الآمدي: " .. فإنه وإن أمكن تقرير مناسبةٍ بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا لما عهدنا من الشارع التسوية بين الذَّكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذُّكورة في السراية بخلاف ما عداه من الأحكام" (4).
وقال الطُّوفي: "لا تأثير للذُّكورة والأنوثة في هذا الحُكْم ونحوه في عُرْف الشرع وتصرُّفه، إذ هما وصفان طرديان كالسواد والبياض والطول والقِصَر والحُسْن والقبح، وإن كان للذُّكورية والأنوثية تأثيرٌ في الفرق في بعض الأحكام كولاية النكاح والقضاء والشهادة" (5).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (66).
(2) ينظر: تشنيف المسامع (3/ 280)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 272)، شرح الكوكب المنير (4/ 148)، نشر البنود (2/ 169)، نثر الورود (2/ 489).
(3) أساس القياس: (54).
(4) الإحكام: (3/ 336 - 337).
(5) شرح مختصر الروضة: (3/ 352).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
وبهذا يتبيَّن أن إثبات كون الوصف طردياً، إما مطلقاً في جميع الأحكام الشرعيَّة، أو بالنسبة إلى ذلك الحُكْم المطلوب، وذلك باستقراء عادة الشرع في موارده ومصادره يُعدُّ دليلاً على حذف ذلك الوصف عن درجة الاعتبار.
وإذا حُذِفَت الأوصاف الطردية التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وأنيط الحُكْم بالباقي من الأوصاف فقد تنقَّح المناط بدليله.
ثانياً: الإجماع على أن الشارع ألغى ذلك الوصف ولم يعتبره مؤثِّراً في الحُكْم، أو ألغى خصوصه وأناط الحُكْم بما هو أعمَّ منه (1).
ومثاله: تنقيح المناط بحذف وصف " الذكورة " الذي دلَّ عليه ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل متاعه بعينه، فهو أحقُّ به" (2)؛ وذلك لإجماع الأُمَّة على أن المرأة في معناه، ولا اعتبار لوصف " الذكورة " هنا؛ إذ لا مدخل له في العِلِّية؛ لأنه من الأوصاف الطردية (3).
ومثاله - أيضاً-: "تنقيح المناط بحذف خصوص وصف" الغضب" الذي دلَّ عليه ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" (4)؛ وذلك لإجماع الأُمَّة على أن وصف "الغضب" وحْدَه ليس هو المقصود بإناطة الحُكْم، وإنما المقصود ما يحصل بسببه من التغيُّر الذي يختلُّ به النظر فلا يحصل استيفاء الحُكْم معه على الوجه المطلوب، فَيُحْذَف خصوص وصف "الغضب"، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، وهو "شغل القلب المانع من استيفاء--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 488)، أساس القياس (58)، الإبهاج (3/ 77)، إرشاد الفحول (2/ 641)، سلم الوصول للمطيعي (4/ 128).
(2) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب في الاستقراض، باب إذا وجد ماله عند مفلسٍ في البيع، رقم (2402)، وأخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب المساقاة، باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه، رقم (1559).
(3) ينظر: المستصفى (3/ 597)، أساس القياس (61 - 63)، نهاية الوصول (7/ 3171)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 352)، الإبهاج (3/ 81)، شرح الكوكب المنير (4/ 208)، إرشاد الفحول (2/ 641).
(4) سبق تخريجه: (64).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
النظر"، فيُلْحَق به الجوع والعطش المُفْرِطَين وغَلَبَة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلُّقاً يشغله عن استيفاء النظر (1).
وبهذا يتبيَّن أن الاستدلال بالإجماع على أن الشارع ألغى ذلك الوصف، ولم يعتبره مؤثراً في الحكم، أو ألغى خصوصه وأناط الحكم بما هو أعمّ منه يُعَدُّ دليلاً على حَذِف ذلك الوصف أو خصوصه عن درجة الاعتبار.
وإذا حُذِف ذلك الوصف وأنيط الحُكْم بالباقي من الأوصاف، أو حُذِف خصوصه وأنيط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ استناداً إلى دليل الإجماع فقد تنقَّح المناط بدليله.
ثالثاً: كون الحُكْم ثابتاً في صورةٍ ما بالباقي من الأوصاف دون الوصف المحذوف (2).
وذلك لأن المُسْتَدِل إذا بيَّن أن الحُكْم ثابتٌ في إحدى صوره بالباقي من الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ دون الوصف المحذوف عُلِمَ حينئذٍ أن ذلك الوصف غير مُعتبرٍ في الحُكْم.
قال الآمدي: " ومنها - أي: من طرق الحذف - أن يُبَيِّن المُسْتَدِل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحُكْم في صورةٍ بدون الوصف المحذوف" (3).
أما الزركشي فقد صرَّح بهذا الطريق واعتباره دليلاً على تنقيح المناط حيث قال: " أن يدل لفظٌ ظاهرٌ على التعليل بمجموع أوصاف، فَيُحْذَف بعضها عن درجة الاعتبار؛ إما لأنه طردي، أو لثبوت الحُكْم على بقية الأوصاف بدونه، ويُنَاطُ بالباقي " (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 467)، فتح الباري لابن حجر (13/ 137)، شرح الكوكب المنير (4/ 116)، نثر الورود (2/ 524).
(2) ينظر: المقترح في المصطلح للبروي (216)، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 104)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 238)، تيسير التحرير (4/ 46)، نشر البنود (2/ 169).
(3) الإحكام: (3/ 335).
(4) تشنيف المسامع: (4/ 319).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
ومثاله: تنقيح المناط بحذف وصف " الأعرابية " الذي دلَّ عليه ظاهر النصِّ في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان (1)؛ وذلك لأن الحُكْم ثابتٌ بالباقي من الأوصاف دون ذلك الوصف، فعُلِم حينئذٍ أن وصف " الأعرابية " غير مُعتبَرٍ في الحُكْم، فَيُحْذَف وتُحْذَف كلُّ الأوصاف التي هي مثله، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
وبهذا يتبيَّن أن ثبوت الحُكْم في صورةٍ ما بالباقي من الأوصاف دون الوصف المحذوف يُعدُّ دليلاً على حذف ذلك الوصف عن درجة الاعتبار.
وإذا حُذِف ذلك الوصف وما هو مثله، وأنيط الحُكْم بالباقي من الأوصاف استناداً إلى ثبوت الحُكْم بها دون الوصف المحذوف فقد تنقَّح المناط بدليله.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (48).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
الباب الثاني
الاجتهاد في تخريج المناط
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تعريف تخريج المناط لغةً واصطلاحاً.
الفصل الثاني: حُكْم العمل بتخريج المناط، والأدلة على اعتباره.
الفصل الثالث: مسالك تخريج المناط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الفصل الأول
تعريف تخريج المناط لغةً واصطلاحاً
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف تخريج المناط لغةً.
المبحث الثاني: تعريف تخريج المناط اصطلاحاً.
المبحث الثالث: بيان وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
المبحث الأول
تعريف تخريج المناط لغةً
سأتناول في هذا المبحث تعريف تخريج المناط في اللغة، وذلك من خلال مطلبين:
المطلب الأول: تعريف التخريج لغةً.
لفظ "التخريج" في اللغة: يعود إلى الفعل الثلاثي "خَرَجَ"، وهو نقيض" دَخَلَ".
والتخريج على وزن " تفعيل " بمعنى: الإخراج.
وتُسْتَعْمَل هذه اللفظة في معنى: الإظهار والإبراز، سواءً للشيء نفسِه، أو أمرٍ معنويٍّ مُتَعَلِّقٍ به.
يُقال: اخْتَرَجَهُ واسْتَخْرَجَهُ: إذا طلب إليه أو منه أن يَخْرُج.
والاستخراج: الاستنباط (1).
والإخراج أكثر ما يُقال في الأعيان، كما في قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: 5].
والتخريج أكثر ما يُقال في العلوم والصناعات (2).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (1/ 309 - 310)، معجم مقاييس اللغة (2/ 175) -176)، لسان العرب (5/ 39 - 41)، تاج العروس (2/ 28 - 31) " مادة: خـ ر ج ".
(2) ينظر: المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (151 - 152).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
المطلب الثاني: تعريف المناط لغةً:
تقدَّم تعريف المناط في اللغة بأنه: اسم مكان الإناطة، وهو موضع التعليق.
ومناط الشيء: المحلُّ الذي عُلِّق عليه (1).
وبهذا يكون معنى " تخريج المناط " في اللغة: استخراج الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء.--------------------------------------------
(1) ينظر: (30 - 31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
المبحث الثاني
تعريف تخريج المناط اصطلاحاً
تخريج المناط اصطلاحاً هو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (1).
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمثل" (2)، فإن هذا النصَّ لم يتضمن ما يدلُّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بالنظر والاجتهاد القائم على الدلائل الشرعيَّة، فيقال -مثلاً-: عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ الطعم، أو الاقتيات، أو الكيل، أو غير ذلك (3).
وهذا المعنى تكاد تتفق عليه تعريفات الأصوليين، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في نوع المسلك أو الطريق الذي تُسْتَنْبَط به العِلَّة في تخريج المناط: هل يُقْتَصَرُ في " تخريج المناط " على استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة، أو يشمل كلَّ مسالك العِلَّة الاجتهادية سواءً المناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران؟
وحاصل أنظار الأصوليين في الاصطلاح على ذلك تتمثل في اتجاهين:
الاتجاه الأول: ذهب أصحابه إلى أن العِلَّة في تخريج المناط تُسْتَنْبَط بأي--------------------------------------------
(1) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (85)، المستصفى (3/ 490)، روضة الناظر (3/ 805)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (7/ 3046)، الإبهاج (3/ 83)، البحر المحيط للزركشي (7/ 324).
(2) سبق تخريجه: (49).
(3) ينظر: المراجع السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة كالمناسبة (1)، أو السَّبْر التقسيم (2)، أو الدوران (3).
وقد ذهب إلى هذا الاصطلاح: العُكْبَري، والغزالي، وابن قدامة، والآمدي، والأصفهاني، والقرافي، وصفي الدين الهندي، والإسنوي، وابن الهمام الحنفي، وتعريفاتهم على النحو الآتي:
- عرَّفه العُكْبَري بقوله: " أن ينصَّ الشارعُ على حُكْمٍ في مَحَلٍّ، ولا يتعرَّض لمناطه أصلاً، فيُسْتَنْبَط بالرأي والنظر" (4).
- وعرَّفه الغزالي بقوله: " أن يُحُكْم بتحريمٍ في محلٍّ - مثلاً - ولا يُذكر إلا الحُكْم والمحل، ولا يتعرَّض لمناط الحُكْم وعِلَّته، فيُسْتَنْبَط المناط بالرأي والنظر" (5).
- وعرَّفه ابن قدامة بقوله: " أن يَنُصَّ الشارعُ على حُكْمٍ في محلٍّ ولا يتعرض لمناطه أصلاً، فيُسْتَنْبَط المناط بالرأي والنظر" (6).
قال الأمين الشنقيطي: " وظاهر كلام المؤلِّف - أي: ابن قدامة - أن مراده بتخريج المناط هو استخراج العِلَّة بالاستنباط مطلقاً، فيدخل فيه السَّبْر والتقسيم، والدوران الوجودي والعدمي، مع المناسبة والإخالة " (7).
- وعرَّفه الآمدي بأنه: " النظر والاجتهاد في إثبات عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته " (8).--------------------------------------------
(1) ينظر في تعريف المناسبة وبيان حجيتها: (145 - 160).
(2) ينظر في تعريف السَّبْر والتقسيم وبيان حجيته: (163 - 169).
(3) ينظر في تعريف الدوران وبيان حجيته: (174 - 179).
(4) رسالة في أصول الفقه: (85 - 86).
(5) المستصفى: (3/ 490).
(6) روضة الناظر: (3/ 805).
(7) مذكرة أصول الفقه: (382).
(8) الإحكام: (3/ 380).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
- وعرَّفه الأصفهاني (1) بأنه: " استخراج عِلَّةٍ معينةٍ مع الدلالة على عِلِّتها بطرقها المذكورة " (2).
ويعني بـ" طرقها المذكورة ": مسالك العِلَّة الاجتهادية كالسَّبْر والتقسيم، والمناسبة، والدوران.
- وعرَّفه القرافي بأنه: " تعيين العِلَّة من أوصافٍ غير مذكورةٍ في نصِّ الحُكْم " (3).
وظاهر التعريفات السابقة أن " تخريج المناط " - عند أصحاب هذا الاتجاه - يشمل استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
- وعرَّفه صفي الدين الهندي بأنه: " الاجتهاد والنظر في إثبات أصل عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا بالصراحة ولا بالإيماء " (4).
ولمَّا مثَّل على تخريج المناط باستنباط عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير قال: " .. لا يتصور قياس مطعومٍ بمطعوم؛ لاندراج الكلِّ تحت النصّ، أو الكيل أو الوزن، أو القوت أو صلاحية الادخار، لكن المجتهدين نظروا واجتهدوا في استنباط عِلَّته بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها فاستنبطوا عِلَّته، وقال كلُّ واحدٍ منهم بعليِّة ما أدى إليه اجتهادُه" (5).
وهذا نصٌّ صريحٌ في أن تخريج المناط - عند صفي الدين الهندي - يشمل استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
- وعرَّفه الإسنوي بأنه: " استخراج عِلَّة معينةٍ للحُكْم ببعض الطرق المتقدِّمة كالمناسبة " (6).--------------------------------------------
(1) هو أبو الثناء شمس الدين محمود بن عبدالرحمن بن أحمد الأصفهاني، كان عالماً بالتفسير والأصول والتعقليات من مؤلفاته: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول (ط)، وشرح مطالع الأنوار للأرموي في المنطق، وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (749 هـ).
ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (10/ 394)، طبقات الشافعية للإسنوي (1/ 172)، والأعلام للزركلي (7/ 176).
(2) الكاشف عن المحصول: (6/ 435).
(3) نفائس الأصول: (7/ 3089)، شرح تنقيح الفصول: (389).
(4) نهاية الوصول: (7/ 3046).
(5) المرجع السابق: (7/ 3047).
(6) نهاية السول: (4/ 142).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)