Arabic source text

📘 আল-ইজতিহাদু ফী মানাতিল হুকমিশ শারয়ী দিরাসাতুন তাসীলিয়্যাতুন তাতবিকিয়্যাহ (বিলকাসিম আজ-জুবাইদি)

📘 الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية (بلقاسم الزبيدي)

📘 আল-ইজতিহাদু ফী মানাতিল হুকমিশ শারয়ী দিরাসাতুন তাসীলিয়্যাতুন তাতবিকিয়্যাহ (বিলকাসিম আজ-জুবাইদি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌المطلب الثاني: أوجه الفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.
كما يوجد بين أنواع الاجتهاد في المناط قَدْرٌ مشتركٌ يجمعها فكذلك يوجد بينها اختلافٌ يميِّزُ بعضها عن بعض، وتتلخص أوجه الفرق بينها فيما يأتي:
1 - تنقيح المناط وتخريجه لا يَرِدَانِ إلا على العِلَّة، بينما تحقيق المناط يَرِدُ على العِلَّة وعلى غيرها فهو أعمُّ منهما، حيث يُطْلَقُ على إثبات عِلَّة حُكْم الأصلِ في الفرع، ويُطْلَقُ على إثبات كلِ معنىً تَعَلَّقَ به حُكْمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده.
قال الطُّوفي: " وكلُّ واحدٍ منهما يُسمىَّ تحقيق المناط؛ لأن معنى تحقيق المناط هو إثبات عِلَّة حُكْم الأصلِ في الفرع، أو إثبات معنىً معلومٍ في محلٍّ خَفِيَ فيه ثبوتُ ذلك المعنى، وهو موجودٌ في النوعين وإن اختلفا في أن أحدهما قياسٌ دون الآخر، فتحقيق المناط أعمُّ من القياس " (1).
2 - في " تخريج المناط " يَسْتَخْرِجُ المجتهدُ العِلَّة بأحد مسالكها المُسْتَنْبَطَة، بخلاف " تنقيح المناط " فإنه لا يَسْتَخْرِجُ العِلَّة، لكونها مذكورةً في النصِّ، بل يُنَقِّحُ العِلَّة المنصوصةَ التي اقترنت بها أوصافٌ ات تصلح للعلِّية بإثبات الوصف الصالح للعِلِّية وإلغاء ما سواه، فالأوصاف في تنقيح المناط مذكورةٌ في النصّ، بينما الأوصاف في تخريج المناط غير مذكورة، أما في تحقيق المناط فإن المجتهد يثبت وجود عِلَّة الأصل في الفرع بعد ثبوتها في نفسها بنصٍّ أو إجماع أو استنباط (2).
3 - النظر في " تنقيح المناط " يتعلق بالعِلَّة التي عُرِفَتْ بالنصِّ، واقترنت بها أوصافٌ ات تصلح للعلِّية وفي " تخريج المناط " يتعلق النظر بالعِلَّة التي تُعْرَفُ بالاستنباط، أما في" تحقيق المناط " فإن النظر يتعلق بإثبات وجود العِلَّة في--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة: (3/ 236).
(2) ينظر: الابهاج (6/ 2402)، البحر المحيط للزركشي (7/ 324 - 325).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (1).
4 - بالنظر إلى ترتيب الأنواع الثلاثة حسب عمل المجتهد فإن تنقيح المناط وتخريجه يتقدمان على تحقيق المناط، حيث لابدَّ من ثبوت عِلَّة حُكْم الأصلِ أولاً، ثم إثبات وجود هذه العِلَّة في الفرع ثانياً، فإن كانت العِلَّة منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل تَقَدَّمَ تنقيحُ المناط على تحقيقه، وكذلك إن كانت العِلَّة مُسْتَنْبَطَةً فإنه يتَقَدَّمَ - أيضاً - تخريجُ المناط على تحقيقه، وقد سبق التنبيه على ترتيب الأنواع الثلاثة (2).
5 - لا يلزم في " تخريج المناط " أن تكون هناك أوصافٌ، بل قد لا يكون في محل الحُكْم إلا وصفٌ واحدٌ وهو العِلَّة فَسُتْخَرَجُ بالاجتهاد.
بينما في " تنقيح المناط " يلزم أن تكون هناك أوصافٌ حتى يُحْذَفَ منها ما لا مدخل له في العِلِّية، ويثبت ما يصلح وصفاً يقترن به الحُكْم.
ولهذا لما نَقَلَ الطُّوفي عن بعض الأصوليين أن تخريج المناط: استخراج العِلَّة من أوصافٍ غير مذكورة، قال: " وفيه نظر؛ إذ لا يلزم في تخريج المناط تعداد الأوصاف، بل قد لا يكون في محل الحُكْم إلا وصفٌ واحدٌ وهو العِلَّة، فسُّتَخْرَج بالاجتهاد " (3).
6 - بالنظر إلى درجة الخلاف في كلِّ نوعٍ من الأنواع الثلاثة فإن تحقيق المناط بمعناه الأعمّ لا خلاف فيه (4)، وتنقيح المناط أكثر منكري القياس يُقِرُّون به (5)، أما تخريج المناط فقد عَظَمُ فيه الخلاف (6)، ولذلك--------------------------------------------
(1) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 379).
(2) ينظر: (49 - 51).
(3) شرح مختصر الروضة: (3/ 244).
(4) ينظر: رسالة في أصول الفقه للعُكْبَري (81)، المستصفى (3/ 485)، روضة الناظر (3/ 802 - 803)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 235).
(5) ينظر: المستصفى (3/ 488)، روضة الناظر (3/ 804 - 805)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 241).
(6) ينظر: المستصفى (3/ 491)، روضة الناظر (3/ 805)، الإحكام للآمدي (3/ 381)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 245).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

اعتبر الأصوليون تحقيق المناط في الرتبة الأولى، كما اعتبروا تنقيح المناط دونه في الرتبة، واعتبروا تخريج المناط دون الرتبتين، وقد سبق بيان ذلك (1).--------------------------------------------
(1) ينظر: (49 - 51).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

‌‌الباب الأول
الاجتهاد في تنقيح المناط
ويشتمل على ستة فصول:
الفصل الأول: تعريف تنقيح المناط لغةً واصطلاحاً.
الفصل الثاني: حكم تنقيح المناط والأدلة على اعتباره.
الفصل الثالث: العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
الفصل الرابع: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم.
الفصل الخامس: طرق تنقيح المناط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

‌‌الفصل الأول
تعريف تنقيح المناط لغةً واصطلاحاً
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف تنقيح المناط لغةً.
المبحث الثاني: تعريف تنقيح المناط اصطلاحاً.
المبحث الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

‌‌المبحث الأول
تعريف تنقيح المناط لغةً
سأتناول في هذا المبحث تعريف تنقيح المناط لغةً، وذلك من خلال مطلبين:

‌‌المطلب الأول: تعريف التنقيح لغةً.
التنقيح في اللغة: التهذيب والتشذيب، وأصلها: " نَقَح " (1).
ومنه قولهم: نقَّح الكلام، إذا هذَّبه وأحسَنَ أوصافه (2).
وشعْرٌ مُنَقَّحٌ، أي: مُفَتَّشٌ مُلقىً عنه ما لا يصلحُ فيه (3).
ونقَّح العَظْمَ: إذا استخرج مُخَّه (4).
ونقَّح الجِذْعَ: إذا شَذَّبه وأصلحه (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (1/ 413)، معجم مقاييس اللغة (5/ 467)، لسان العرب (14/ 333)، تاج العروس (2/ 243) " مادة: ن ق ح ".
(2) ينظر: لسان العرب (14/ 333) " مادة: ن ق ح ".
(3) ينظر: معجم مقاييس اللغة (5/ 467) " مادة: ن ق ح ".
(4) ينظر: الصحاح (1/ 413)، معجم مقاييس اللغة (5/ 467)، لسان العرب (14/ 333)، تاج العروس (2/ 243) " مادة: ن ق ح ".
(5) ينظر: الصحاح (1/ 413)، لسان العرب (14/ 333)، تاج العروس (2/ 243) " مادة: ن ق ح ".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

‌‌المطلب الثاني: تعريف المناط لغةً.
المناط في اللغة: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى اسم المكان، وهو موضع التعليق، ومناط الشيء: المَحَلُّ الذي عُلِّق عليه، وقد سبق بيان ذلك من خلال ما ورد في معاجم اللغة من معاني مادة (ن وط) (1).
وبناءً على ما تقدَّم من تعريف لفظي " التنقيح " و " المناط " في اللغة يتَّضح أن " تنقيح المناط " في اللغة يعني: تهذيب وتشذيب الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء، وتخليصه مما ليس منه.--------------------------------------------
(1) ينظر: (30 - 31).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

‌‌المبحث الثاني
تعريف تنقيح المناط اصطلاحاً
" تنقيح المناط " مصطلحٌ استعمله الأصوليون وتناولوه بالبحث في مواضع مختلفةٍ من كتاب القياس فبعض الأصوليين يذكره قبل البحث في مسالك العِلَّة، وبعضهم يذكره عند البحث في مسالك العلة، وبعضهم يذكره بعد الفراغ من البحث في مسالك العلة.
ويظهر لي أن اختلاف الأصوليين في مواضع بحث " تنقيح المناط " في المدونات الأصولية ينبِّه على اختلافهم في حقيقته: هل يُعْتَبر في نفسه مسلكاً من مسالك العِلَّة؟ أو يُعْتَبر من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه؟
وحاصل أنظار الأصوليين في ذلك تتمثل في اتجاهين:
الاتجاه الأول: ذهب بعض الأصوليين إلى أن " تنقيح المناط " يُعْتَبر من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بأحد المسالك المُعْتَبرة وهو" مسلك النصِّ " أو" مسلك الإيماء والتنبيه "، ولا يُعْتَبر في نفسه مسلكاً من مسالك العِلَّة.
وبناءً على ذلك فقد ذكر أصحاب هذا الاتجاه " تنقيح المناط " مستقلاً عن مسالك العِلَّة إما قبلها أو بعدها، وأدرجوه تحت ما يُسَمَّى بـ " أنواع الاجتهاد في العِلَّة " أو " أنواع الاجتهاد في مناط الحُكْم "، ولم يذكروه ضمن مسالك العِلَّة (1).--------------------------------------------
(1) ينظر: المستصفى (3/ 488)، روضة الناظر (3/ 803)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 237)، الموافقات (5/ 19 - 20)، التحبير شرح التحرير (7/ 3333)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (307).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الغزالي، وابن قدامة، والآمدي، والطُّوفي، والشاطبي، والمرداوي، وابن بدران الدمشقي.
وفيما يأتي تعريفاتهم لـ " تنقيح المناط " وقد اقتصر أكثرهم على ما بين المراد دون التقيد بشروط الحدود:
- عرَّفه الغزالي بقوله: " أن يضيف الشارع الحُكْم إلى سببٍ وينوطه به، وتقترن به أوصافٌ لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحُكْم " (1).
- وعرَّفه ابن قدامة بقوله: " أن يضيف الشارع الحُكْم إلى سببه، فيقترن به أوصافٌ لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم" (2).
- وعرَّفه الآمدي بأنه: " النظر والاجتهاد في تعيين ما دلَّ النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف" (3).
- وعرَّفه الطُّوفي بأنه: " إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحُكْم إليها، لعدم صلاحيتها للاعتبار في العِلَّة " (4).
- وعرَّفه الشاطبي بقوله: " أن يكون الوصف المُعْتَبَر في الحُكْم مذكوراً مع غيره في النصِّ، فَيُنَقَّح بالاجتهاد حتى يُميَّز ما هو معتبرٌ مما هو ملغيٌّ" (5).
- وعرَّفه المرداوي بأنه: " الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ربط به الشارع الحُكْم، فيُبْقِي من الأوصاف ما يصلح، ويُلْغِي ما لا يصلح " (6).
- وعرَّفه ابن بدران الدمشقي بأنه: " إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف--------------------------------------------
(1) المستصفى: (3/ 488).
(2) روضة الناظر: (3/ 803).
(3) الإحكام: (3/ 380).
(4) شرح مختصر الروضة: (3/ 237).
(5) الموافقات: (5/ 19 - 20).
(6) التحبير شرح التحرير: (7/ 3333).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

الشارع الحُكْم إليها؛ لعدم صلاحيتها للاعتبار في العِلَّة " (1).
ويتضح من خلال النظر في التعريفات السابقة لـ " تنقيح المناط " أن تلك التعريفات وإن كانت مختلفةً في بعض ألفاظها إلا أنها متقاربةٌ في معانيها، فأصحاب هذا الاتجاه يعتبرون أن وظيفة المجتهد في "تنقيح المناط " حذف الأوصاف غير المُعْتَبرة، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، وذلك بعد أن أُثْبِتت العِلَّة بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، واقترن بالحُكْم أوصافٌ بعضها يصلح للعِلَّيَّة وبعضها لا يصلح، فاحتيج حينئذٍ إلى تمييز وتعيين الوصف الذي يصلح أن يكون عِلَّةً للحُكْم، وإلغاء ما سواه من الأوصاف.
ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " ما صنعت "؟ قال: " وقعت على أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أعتق رقبة" (2).
فالتعليل بالوقاع وإن كان قد أُومِئَ إليه بالنصِّ غير أنه يُفْتَقَرُ في معرفته إلى حذف كلِّ ما اقترن به من الأوصاف غير المُعْتَبَرة في العِلِّيَّة، وإبقاء الوصف أو الأوصاف الصالحة للعِلَّيَّة، وذلك بأن يبين المجتهد بالدليل أن كونه أعرابياً، وكونه شخصاً معيناً، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجةً أو امرأةً معينةً لا مدخل له في التأثير، حتى يتعدَّى الحُكْم إلى كلِّ مكلفٍ وطئ في نهار رمضان عامداً (3).
الاتجاه الثاني: ذهب بعض الأصوليين إلى أن " تنقيح المناط " يُعْتَبر بنفسه مسلكاً مستقلاً من المسالك التي تثبت بها العِلَّة.
وبناءً على ذلك فقد ذكر أصحاب هذا الاتجاه " تنقيح المناط " ضمن مسالك العِلَّة، واعتبروه دليلاً تثبت به العِلَّة الشرعيَّة.--------------------------------------------
(1) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: (307).
(2) تقدم تخريجه: (48).
(3) ينظر: المراجع السابقة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الفخر الرازي (1)، والبيضاوي (2)، والقرافي (3)، وصفي الدين الهندي (4)، وصدر الشريعة الحنفي (5) (6)،
وتاج الدين ابن السبكي (7)، والزركشي (8)، والشوكاني (9).
ثم اختلف أصحاب هذا الاتجاه في تعريفه على مذهبين:
المذهب الأول: تعريف " تنقيح المناط " على أنه اجتهادٌ في حذف خصوص وصفٍ مذكورٍ في النصِّ عن الاعتبار، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ، أو حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ عن الاعتبار، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحكم.
وقد عرَّفه بذلك تاج الدين ابن السُّبكي حيث قال: " هو: أن يدلَّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ بالأعمّ، أو تكون أوصافٌ، فَيُحْذَف بعضها، ويُنَاطُ بالباقي " (10).
وبهذا التعريف يتضح أن ابن السُّبكي يقسِّم " تنقيح المناط " إلى قسمين:
القسم الأول: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصفٍ، فَيُحْذَف، خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ.
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان " (11).
فإنَّ ذكر الغضب مقروناً بالحُكْم يدل بظاهره على التعليل بالغضب، لكن--------------------------------------------
(1) ينظر: المحصول (5/ 137).
(2) ينظر: منهاج الوصول (209).
(3) ينظر: شرح تنقيح الفصول (398 - 399).
(4) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381).
(5) ينظر: التوضيح شرح التنقيح (2/ 174).
(6) هو: عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي البخاري الحنفي، صدر الشريعة الأصغر ابن صدر الشريعة الأكبر، فقيه، أصولي، جدلي، من مؤلفاته: التنقيح وشرحه التوضيح في أصول الفقه (ط)، وشرح الوقاية (ط) في الفقه الحنفي، توفي في بخارى سنة (747 هـ).

ينظر ترجمته في: الفوائد البهية (109)، الأعلام للزركلي (4/ 198).
(7) ينظر: جمع الجوامع (95).
(8) ينظر: البحر المحيط (7/ 322).
(9) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 640 - 641).
(10) جمع الجوامع: (95).
(11) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، رقم (1758)، ومسلم في "صحيحه "، كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، رقم (1717).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فَيُحْذَف خصوص الغضب، ويُنَاطُ النهي بالمعنى الأعمّ، فيشمل النهيُ كلَّ ما يشغل القلب ويمنع من استيفاء النظر، كالجوع والعطش المفرطين (1).
القسم الثاني: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ بعضها يصلح للتعليل وبعضها لا يصلح، فَيُحْذَف ما لا يصلح للتعليل عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أعتق رقبة" (2).
فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه واقع أهله في ذلك الشهر بعينه، كُلُّها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّيَّة فَتُحْذَف عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالوصف الباقي الصالح للتعليل، وهو " وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان "، فَيُلْحق بالأعرابي غير الأعرابي، ويُلْحَق به مَنْ جامع في رمضان آخر، ويُلْحَق به من وطِئَ أَمَتَه، ويُلْحَق به الزاني (3).
وبهذا فإن حاصل " تنقيح المناط " بقسميه المذكورين آنفاً عند أصحاب هذا الاتجاه هو الاجتهاد في الحذف والتعيين.
قال المحلِّي (4): " وحاصله - أي: تنقيح المناط - أنه الاجتهاد في الحذف والتعيين " (5).
وهذا ظاهر؛ ففي القسم الأول يُجْتَهَدُ في حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ، وفي القسم--------------------------------------------
(1) ينظر: الضياء اللامع شرح جمع الجوامع (2/ 381)، نشر البنود (2/ 205)، نثر الورود
(2/ 522 - 523).
(2) تقدم تخريجه: (48).
(3) ينظر: تشنيف المسامع (3/ 318 - 319)، الغيث الهامع (3/ 735)، الضياء اللامع شرح جمع الجوامع (2/ 381)، نشر البنود (2/ 207)، نثر الورود (2/ 523).
(4) هو جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد المحلي الشافعي، أصولي، مفسِّر، كان مهيباً صداعاً بالحق، من مؤلفاته: البدر الطالع في حل جمع الجوامع (ط) في أصول الفقه، وشرح الورقات (ط) في أصول الفقه، وصنف كتاباً في التفسير أتمه جلال الدين السيوطي، فسمي " تفسير الجلالين " (ط)، توفي بالقاهرة سنة (864 هـ).
ينظر ترجمته في: شذرات الذهب (9/ 447)، الضوء اللامع (7/ 39)، الأعلام للزركلي (5/ 333).
(5) شرح المحلي على جمع الجوامع: (2/ 292).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

الثاني يُجْتَهَدُ في حذف بعض الأوصاف، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم.
المذهب الثاني: تعريف " تنقيح المناط " على أنه اجتهادٌ في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فيلزم حينئذٍ اشتراكهما في الحُكْم.
- وقد عرَّفه بذلك البيضاوي، فقال: "تنقيح المناط: بأن يبيِّن إلغاء الفارق" (1).
قال شارحه الإسنوي (2): " هو: أن يبين المُسْتَدِل إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، وحينئذٍ فيلزم اشتراكهما في الحُكْم " (3).
- وعرَّفه القرافي بقوله: " هو: إلغاء الفارق، فيشتركان - أي: الاصل والفرع - في الحُكْم " (4).
- وعرَّفه صفي الدين الهندي (5)
بأنه: " إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق " (6).
- وعرَّفه صدر الشريعة الحنفي بقوله: " أن يبين عدم عِلِّيَّة الفارق؛ ليثبت عِلِّيَّه المشترك " (7).
- وعرَّفه الشوكاني بأنه: " إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق " (8).
ومثاله: إلغاء الوصف الفارق بين الأَمَة والعبد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ، فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قوِّم عليه قيمة عدل، فأَعطَى شركاءَه حصَصَهُمْ، وعَتَقَ عليه، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ " (9) فهذا النصُّ لا--------------------------------------------
(1) منهاج الوصول: (209).
(2) هو: جمال الدين عبدالرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعي، فقيه، أصولي، من علماء العربية، انتهت إليه رياسة الشافعية في القاهرة، من مؤلفاته: نهاية السول شرح منهاج الوصول (ط) في أصول الفقه، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ط)، وطبقات الفقهاء الشافعية (ط)، توفي بالقاهرة سنة (772 هـ).
ينظر ترجمته في: طبقات الفقهاء الشافعية لابن شهبة (2/ 171)، شذرات الذهب (6/ 223)، الأعلام للزركلي (3/ 344).
(3) نهاية السول: (4/ 139).
(4) شرح تنقيح الفصول: (398).
(5) هو: صفي الدين محمد بن عبدالرحيم بن محمد الأرموي الهندي، ولد بالهند واستوطن دمشق، فقيه، أصولي، جدلي، من مؤلفاته: نهاية الوصول إلى علم الأصول (ط)، والفائق في أصول الفقه (ط) توفي بدمشق سنة (715 هـ).

ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (9/ 162)، طبقات الشافعية للإسنوي (2/ 354)، الأعلام للزركي (6/ 200).
(6) نهاية الوصول: (8/ 3381).
(7) التوضيح شرح التنقيح: (2/ 174).
(8) إرشاد الفحول: (2/ 641)
(9) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب العتق، باب إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أَمَةً بين الشركاء، رقم (2522)، وأخرجه مسلم في " صحيحه "، كتاب العتق، رقم (1501).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

يتناول الأَمَة، ولا فارق بين العبد والأَمَة إلا الذُّكورة، وهو ملغيٌّ في باب العتق بالإجماع؛ إذ لا مدخل له في العِلِّية، وإن كان للذكورة والأنوثة تأثيرٌ في الفرق في بعض الأحكام كولاية النكاح والقضاء والشهادة (1).
وبهذا فإن حاصل " تنقيح المناط " عند أصحاب هذا المذهب هو: الاجتهاد في إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع، وحذفه عن درجة الاعتبار، فيلزم حينئذٍ اشتراكهما في الحُكْم.

‌‌المقارنة بين التعريفات:
من خلال التأمل في التعريفات التي سبق إيرادها ضمن الاتجاهين المذكورين يتبين لي الآتي:
أولاً: إن تعريف " تنقيح المناط " على أنه من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه يُعْتَبر أرجح من تعريفه على أنه دليلٌ تثبت به العِلَّة فيُعَدُّ مسلكاً من مسالكها؛ لأن العِلَّة - هنا- ثبتت بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، واقترنت بها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية، فاحتيج إلى تهذيبها وتمييزها عن تلك الأوصاف غير المُعْتَبَرة، وهو اجتهادٌ لا يُعْتَبر في ذاته دليلاً على العِلَّة؛ لأنه من أفعال المجتهد، أما دليل ثبوت العِلَّة فهو مسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، ومن شأن الدليل أن يكون ثابتاً في نفسه مع قطع النظر عن فعل المجتهد (2).
قال الغزالي: " والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عُرِف المناط بالنصِّ لا بالاستنباط " (3).
ولهذا المعنى فقد قيَّد الآمدي تنقيح المناط بالاجتهاد في تعيين ما دل--------------------------------------------
(1) ينظر: الكاشف عن المحصول (6/ 435 - 438)، نفائس الأصول (7/ 3087)، شرح تنقيح الفصول (388)، شرح مختصر الروضة (3/ 352)، الإبهاج (6/ 2396)، البحر المحيط للزركشي (7/ 322)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 272)، إرشاد الفحول (2/ 641).
(2) ينظر: سلم الوصول إلى منهاج الأصول (4/ 143).
(3) المستصفى: (3/ 490).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، فعرَّفه بأنه: " النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف" (1).
وتنقيح المناط ليس هو طريق استخراج العِلَّة، وإنما هو طريق تمييزها وتهذيبها بعد ثبوتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه.
قال صفي الدين الهندي: " وحاصله - أي: تنقيح المناط - يرجع إلى أن تصرَّف المجتهد فيه إنما هو في تعيين السبب الذي ناط الشارع الحُكْم به، دون استنباطه وتخريجه " (2).
ثانياً: إن الاجتهاد في " تنقيح المناط " إما أن يتجه إلى حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ لعدم اعتباره، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ، أو يتجه إلى حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ لعدم تأثيرها في الحُكْم، وإناطة الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
وفي كلتا الحالتين فإن الاجتهاد في الحذف والتعيين قد يكون بإلغاء الفارق أو بالسَّبْر والتقسيم، وإن كان النظر يتوجه في الأصل إلى الحذف والتعيين، لا إلى إلغاء الفارق أو السَّبْر والتقسيم.
قال المطيعي (3): " فالمنظور إليه في تنقيح المناط بالمعنى الأول هو حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصّ على عليَّته صريحاً أو إيماءً، وإن كان يلزمه إلغاء الفارق أو السَّبْر أيضاً، لكنه غير منظورٍ إليه، والمنظور إليه في تنقيح المناط بالمعنى الثاني مجرد الأوصاف التي في محلِّ الحُكْم، ولا يجب عليه الحصر، فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي، وإن كان يلزم إلغاء الفارق والسَّبْر والتقسيم لكنه غير منظورٍ إليه " (4).
وعلى هذا فإن تعريف " تنقيح المناط " بالنظر إلى أنه اجتهادٌ في الحذف--------------------------------------------
(1) الإحكام: (3/ 380).
(2) نهاية الوصول: (7/ 3046).
(3) هو: محمد بن بخيت بن حسين المطيعي، مفتي الديار المصرية، ومن كبار فقهائها، تعلَّم في الأزهر، واشتغل بالتدريس فيه، ثم انتقل إلى القضاء سنة 1297 هـ، وعُيِّن مفتياً للديار المصرية سنة 1333 هـ إلى أن توفي بالقاهرة سنة (1354 هـ)، من مؤلفاته: البدر الساطع على جمع الجوامع (ط)، وسلم الوصول على نهاية السول (ط)، وأحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدع من الأحكام (ط)، وغيرها.
ينظر ترجمته في: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (4/ 38)، الأعلام للزركلي (6/ 50).
(4) سلم الوصول على نهاية السول: (4/ 140).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

والتعيين أرجح من تعريفه بالنظر إلى أنه اجتهادٌ في إلغاء الفارق؛ لأن الحذف والتعيين هو الأصل الذي يتوجه إليه الاجتهاد في " تنقيح المناط "، وقد يكون ذلك بإلغاء الفارق أو السَّبْر والتقسيم كما سيأتي بيانه (1).
ثالثاً: إن الاجتهاد في إلغاء الفارق لا يُحْتَاج معه إلى الوصف الجامع بين الأصل والفرع وهو العِلَّة، بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به والمسكوت عنه فرقٌ يؤثر في الحُكْم ألبتة، فهو مثله في الحُكْم؛ لأن الإلحاق بنفي الفارق لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةً، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقَةٌ في الفرع من غير تعيين (2).
أما الاجتهاد في الحذف والتعيين فإن الباقي من الأوصاف هو الذي يتعين عِلَّةً للحُكْم، وذلك بعد حذف الأوصاف غير المؤثرة.
ومع اختلاف الطريقة في كلٍّ منهما إلا أن نتيجتهما تُلْزِم بالتسوية بين الأصل والفرع في الحُكْم؛ لاشتراكهما في الموجب له، غير أن العِلَّة في الطريقة الأولى لم تتعين، وإنما حصل الإلحاق بمجرد إلغاء الوصف الفارق، وفي الطريقة الثانية تعين الباقي من الأوصاف المذكورة في النصِّ عِلَّة للحُكْم بعد حذف الأوصاف غير المُعْتَبَرة.
ولهذا فقد أطلق بعض الأصوليين كتاج الدين ابن السُّبكي (3)، وصفي الدين الهندي (4) مُسمىَّ " تنقيح المناط " على إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق.
كما اعتبر بعض الأصوليين "إلغاء الفارق" ضرباً من " تنقيح المناط ".
قال الطُّوفي: " لا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحاً؛ إذ إنَّ التنقيح هو--------------------------------------------
(1) ينظر: (100، 112 - 113).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 602)، البحر المحيط للزركشي: (7/ 326).
(3) ينظر: الابهاج (3/ 80).
أما في جمع الجوامع (ص 95) فقد غاير ابن السبكي بينهما كما سيأتي بيانه في العلاقة بينهما (94، 95).
(4) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الفائق في أصول الفقه (4/ 210).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

التخليص والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف ويخلص للعِلِّيَّة، فلا يكون هذا قولاً ثانياً في تنقيح المناط كما قال القرافي، بل يكون إلغاء الفارق ضرباً من تنقيح المناط" (1).
وقال صاحب " نشر البنود " (2): " وهو - أي: إلغاء الفارق - عند التحقيق قسمٌ من تنقيح المناط؛ لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق، وقد يكون بدليلٍ آخر ".
ولما ذكر الأمين الشنقيطي (3) أنواع الاجتهاد الذي دلَّت عليه نصوص الشرع قال: " ومنها: الاجتهاد في تنقيح المناط، ومن أنواعه: السَّبْر والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق " (4).
وعند قول الناظم في مراقي السعود:
فمنه ما كان بإلغاء الفارق … وما بغير من دليلٍ رائقِ
قال في شرحه: " يعني أن من تنقيح المناط قسماً يقال له إلغاء الفارق، فَسُمِّيَ تنقيح المناط وإلغاء الفارق " (5).
ومن خلال ما تقدم ذكره يُسْتَخْلَص ما يأتي:
1 - يُعْتَبر " تنقيح المناط " من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، ولا يُعْتَبَر بذاته دليلاً تثبت به العِلَّة.
2 - الأصل في " تنقيح المناط " أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين، وله صورتان:
الأولى: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ.
الثانية: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ بعضها--------------------------------------------
(1) شرح مختصر الروضة: (3/ 244 - 245).
(2): (2/ 199).
(3) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي، قدم إلى الحج في رحلة سجل فيها فنوناً من العلم، ودرّس بالمعهد العلمي بالرياض، ثم انتقل إلى المدينة ودرّس في المسجد النبوي، فقيه، أصولي، مفسِّر، كان قوي الحجة، واسع الإطلاع، من مؤلفاته: أضواء البيان (ط) في التفسير، وآداب البحث والمناظرة (ط)، ومذكرة أصول الفقه (ط) على روضة الناظر لابن قدامة، توفي سنة (1393 هـ).
ينظر ترجمته في: أضواء البيان (9/ 471) بقلم تلميذه عطية محمد سالم، وعلماء ومفكرون عرفتهَم للمجذوب (1/ 171).
(4) أضواء البيان: (4/ 175).
(5) نثر الورود: (2/ 523).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

يصلح للتعليل وبعضها لا يصلح للتعليل، فَيُحْذَف ما لا يصلح للتعليل عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف.
3 - الاجتهاد في الحذف والتعيين قد يكون بإلغاء الفارق (1)، وقد يكون بالسَّبْر والتقسيم كما سيأتي بيانه في مواضعه (2).

‌‌التعريف المختار:
بعد استعراض تعريفات الأصوليين والمقارنة بينها يظهر لي أن التعريف الأرجح لـ"تنقيح المناط " هو الذي يجمع بين الصورتين الداخلتين تحت هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة وهو: " أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لامدخل لها في العِلِّيَّة، فَتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي".
وأصل هذا التعريف مُسْتَخْلَصٌ من تعريف تاج الدين ابن السُّبكي في " جمع الجوامع " (3)، مع اعتبار أن " تنقيح المناط " من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد ثبوتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، لا باعتبار أنه مسلكٌ مستقِلٌ من مسالك العِلَّة.
وفيما يأتي شرحٌ للتعريف وبيانٌ لأهم محترزاته:
قوله: (أن يدلَّ نصٌّ) المقصود بالنصِّ - هنا -: اللفظ الوارد في الكتاب أو السُّنَّة، وليس المراد منه ما يقابل الظاهر.
قوله: (ظاهرٌ) قيدٌ يخرج النصَّ الصريح الذين يُعَيِّن العِلَّة، وهو ما صرَّح الشارع فيه بكون الوصف عِلَّةً للحُكْم من غير احتياجٍ فيه إلى نظرٍ واستدلال، كما لو قال: العِلَّة كذا أو لأجل كذا (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: (100).
(2) ينظر: (112 - 113).
(3) ينظر: (95).
(4) ينظر: الإحكام للآمدي (3/ 317)، البحر المحيط للزركشي (7/ 238)، شرح الكوكب المنير (4/ 117)، إرشاد الفحول (2/ 616).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

كقوله عليه الصلاة والسلام: " إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر" (1).
قوله: (على التعليل بوصفٍ) أي: على تعليل الحُكْم المذكور في النصِّ بوصفٍ من الأوصاف.
قوله: (فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار) أي: يُلغي المجتهد خصوص ذلك الوصف عن اعتباره عِلَّةً في الحُكْم؛ لأن ذلك الوصف ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه.
قوله: (ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ) أي: يُعلَّق الحُكْم وجوداً وعدماً سواءٌ كان أمراً أو نهياً بالمعنى الأوسع الذي ثبت بالشرع اعتباره وصفاً مؤثراً في الحُكْم.
قوله: (أو) للتنويع، وذلك ليشمل التعريف الصورتين الداخلتين تحت " تنقيح المناط ".
قوله (يقترن بالحُكْم أوصاف) أي: يقترن بالحُكْم المذكور في النصِّ مجموع أوصاف.
قوله: (لا مدخل لها في العِلِّيَّة) أي: لا تأثير لتلك الأوصاف في الحكم؛ إما لكونها طرديةً كالطول والقصر، أو لثبوت الحُكْم بدون تلك الأوصاف، أو لغير ذلك كما سيأتي بيانه في طرق تنقيح المناط (2).
قوله: (فَتُحْذَف عن الاعتبار) أي: فيُلْغِي المجتهد اعتبار تلك الأوصاف عِلَّةً للحُكْم؛ لعدم اعتبار الشارع لها.
قوله: (ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي) أي: يُعلَّق الحُكْم وجوداً وعدماً بالباقي من الأوصاف التي لم تُحْذَف؛ لكونها أوصافاً صالحةً للتأثير في الحُكْم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، رقم (6241)، وأخرجه مسلم في " صحيحه "، باب تحريم النظر في بيت غيره، رقم (2156).
(2) ينظر: (118 - 124).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

‌‌المبحث الثالث
وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي
تقرَّر فيما سبق أن " تنقيح المناط " في اللغة يعني: تهذيب وتشذيب الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء، وتخليصه مما ليس منه (1).
وهو في التعريف الاصطلاحي غير خارجٍ عن وضع اللغة، ولكنه يختصُّ بتهذيب العِلَّة وتشذيبها من الأوصاف المختلِطة بها التي لا تصلح للعِلَّيَّة (2).
ولهذا المعنى اصطلح علماء الأصول على تلقيبه بـ " تنقيح المناط "
قال الزركشي: " ولما كانت هذه العِلَّة منصوصاً عليها، ولكنها تختلط بغيرها محتاجةً إلى ما يميُّزها لقَّبوه بهذا اللقب " (3).
وقال القرافي: " لأنه - أي: تنقيح المناط - تصفيةٌ وإزالةٌ لما لا يصلح عما يصلح، وتنقيح الشيء إصلاحه، فهذا اصطلاحٌ مناسب " (4).--------------------------------------------
(1) ينظر: (30 - 31).
(2) ينظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3455)، شرح الكوكب المنير (4/ 204)، نشر البنود (2/ 198)، نثر الورود (2/ 522)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (381).
(3) البحر المحيط: (7/ 322).
(4) شرح تنقيح الفصول: (389).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)