الفصل الثاني
حكم العمل بتنقيح المناط والأدلة على اعتباره
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حكم العمل بتنقيح المناط.
المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتنقيح المناط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
المبحث الأول: حكم العمل بتنقيح المناط:
اتفق الأصوليون على العمل بـ "تنقيح المناط"، إما باعتباره مسلكاً من المسالك التي تثبت بها العِلَّة (1)، أو باعتباره طريقاً من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه (2).
وبالاستقراء والتتبع لم أجد -حسب اطلاعي- أحداً من الأصوليين حكى الخلاف في العمل بـ "تنقيح المناط"، بل إن بعضهم يثبت العمل به عند أكثر منكري القياس.
قال الغزالي: "أَقرَّ به أكثر منكري القياس" (3).
وقال الطُّوفي: "أكثر منكري القياس استعملوا هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة، وهو تنقيح المناط" (4).
وقال ابن تيمية: " وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه، نعم قد يختلفون في نفس الموجِب: هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها، وهو نوعٌ من تنقيح المناط " (5).--------------------------------------------
(1) ينظر: المحصول (5/ 229)، منهاج الوصول للبيضاوي (209)، شرح تنقيح الفصول (398)، نهاية الوصول للهندي (8/ 3381)، التوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة الحنفي (2/ 174)، جمع الجوامع (95)، إرشاد الفحول (2/ 640).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 488)، شفاء الغليل (413)، روضة الناظر (3/ 803)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 237)، التحبير شرح التحرير (7/ 3333)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (307).
(3) المستصفى: (3/ 490).
(4) شرح مختصر الروضة: (3/ 241).
(5) الصارم المسلول: (2/ 338).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
وقال أيضاً: "وهذا النوع يُقرُّ به كثيرٌ من منكري القياس أو أكثرهم" (1).
وقال ابن النجَّار: "وقد أَقرَّ به أكثر منكري القياس" (2).
وقال ابن عبدالشكور البهاري (3): "وهو مقبولٌ عند الكلِّ" (4).
وقال المطيعي: "وهو مقبولٌ عند كلِّ أهل المذاهب من أهل الحق" (5).
وقال الأمين الشنقيطي: "إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسمِّيه الشافعي في معنى الأصل، وهو تنقيح المناط" (6).
وقد يتصور بعض العلماء وقوع الخلاف في العمل بتنقيح المناط من بعض منكري القياس، وذلك بحُجَّة أنه لا معنى لتنقيح العِلَّة عند من لا يقول أصلاً بتعليل الأحكام.
ولهذا لما حكى الزركشي عن الغزالي قوله: " تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس، ولا نعرف بين الأُمَّة خلافاً في جوازه" تعقَّبه بقوله: "ونازعه العَبْدَري (7) بأن الخلاف فيه ثابتٌ بين من يثبت القياس ومن ينكره؛ لرجوعه إلى القياس" (8).
وفيما ذكر العَبْدَري -نقلاً عن الزركشي- نظر؛ لأن " الذين نفوا القياس لم يقولوا بإهدار كلِّ ما يُسمَّى قياساً، وإن كان منصوصاً على عِلَّته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، وما كان من باب فحوى الخطاب أو لحنه على اصطلاح من يُسمِّى ذلك قياساً، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل، مشمولاً به مندرجاً تحته " (9).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 339).
(2) شرح الكوكب المنير: (4/ 132).
(3) هو: محب الله بن عبدالشكور البهاري الهندي الحنفي، فقيه أصولي، ولي قضاء لكهنو، ثم قضاء حيدر آباد الركن، من مؤلفاته: مُسَلَّم الثبوت (ط) في أصول الفقه، وسُلَّم العلوم (ط) في المنطق، توفي سنة (1119 هـ).
ينظر ترجمته في: الفتح المبين في طبقات الأصوليين (3/ 122)، الأعلام للزركلي (5/ 283).
(4) مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت: (2/ 350).
(5) سلم الوصول على نهاية السول: (4/ 138).
(6) أضواء البيان: (4/ 172).
(7) هو: أبو عبدالله محمد بن محمد بن علي بن أحمد العَبْدَري، صاحب الرحلة المعروفة، أصله من بلنسية، رحل من المغرب حاجاً سنة (688 هـ)، ودخل باجة وتونس والقيروان والقاهرة وغيرها وأفاد واستفاد، وأخذ عن الأعلام وأثنى عليهم، وليس فيما وقفت عليه من المصادر ذكرٌ لسنة وفاته.
وقد ذكر الرزكشي في مقدمته على البحر المحيط (1/ 8) أن له شرحاً على المستصفى للغزالي اسمه "المستوفي".
ينظر في ترجمته: جذوة الاقتباس (179)، شجرة النور الزكية (217)، الأعلام للزركلي (7/ 32).
(8) البحر المحيط: (7/ 323).
(9) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران: (309 - 310).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وقال ابن تيمية (1): " وكثيرٌ من الفقهاء لا يسمِّيه قياساً، بل يثبتون به الكفارات والحدود، وإن كانوا لا يثبتون ذلك بالقياس، فإنه هنا قد عُلِمَ يقيناً أن الحُكْم ليس مخصوصاً بمورد النصِّ، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق كما يمكن ذلك في صور القياس المحض " (2).
ولهذا قال الغزالي: " فمن جحد هذا الجنس من منكري القياس وأصحاب الظاهر لم يَخْفَ فسادُ كلامه " (3).
وقال أيضاً: " ولذلك لا يُتَصَّور الخلاف من القائسين في هذا الجنس" (4).
وقال الأمين الشنقيطي: " لا ينكره - أي: تنقيح المناط - إلا مكابر" (5).
ومع اتفاق العلماء على اعتبار العمل بـ " تنقيح المناط " إلا أنهم اختلفوا في تسميته، وهل هو من باب القياس أو لا؟
أما جمهور الأصوليين فقد اصطلحوا على تسميته بـ "تنقيح المناط" (6)، واعتبروه قياساً خاصاً مندرجاً تحت مُطْلَق القياس (7).
قال صفي الدين الهندي: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامٌّ يتناوله وغيرَه " (8).
بينما اصطلح الحنفية على تسميته بـ" الاستدلال "، وفرَّقوا بينه وبين القياس: بأن القياس يجري فيه إلحاق الفرع بالأصل بذكر الجامع الذي لا--------------------------------------------
(1) هو: أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي، يلقب بشيخ الإسلام، كان إماماً في العلوم النقلية والعقلية، عارفاً بالفقه واختلافه، أنكر مقالات أهل البدع، وردَّ على أهل الكتاب، وشارك في قتال أهل التتار، له رسائل ومؤلفات نفيسة، من أهمها درء تعارض العقل والنقل (ط)، ومنهاج السنة (ط)، واقتضاء الصراط المستقيم (ط)، وجمعت أكثر رسائله وفتاويه في مجموع الفتاوى (ط)، توفي سنة (728 هـ).
ينظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 192)، الدرر الكامنة (1/ 145)، الأعلام للزركلي (1/ 144)
(2) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 339 - 341).
(3) المستصفى: (3/ 490).
(4) شفاء الغليل: (415).
(5) أضواء البيان: (4/ 172).
(6) ينظر: المستصفى (3/ 488)، المحصول (5/ 229)، الإحكام للآمدي (3/ 380)، شرح تنقيح الفصول (388)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 241)، نهاية السول (4/ 128)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 292)، شرح الكوكب المنير (4/ 131).
(7) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الإبهاج (6/ 2396)، البحر المحيط للرزكشي (7/ 323)، إرشاد الفحول (2/ 641).
(8) نهاية الوصول: (8/ 3381).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
يفيد إلا غَلَبَة الظن، أما الاستدلال فيكون بإلغاء الفارق لما ثبت عِلَّته بالنصِّ بحذف خصوص عِلَّة النصِّ، وهذا يفيد القطع، فيكون أقوى من القياس، فلذا أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخِه (1).
قال الغزالي: " والمقصود: أن هذا تنقيح المناط بعد أن عُرِف المناط بالنصِّ لا بالاستنباط، ولذلك أَقَرَّ به أكثر منكري القياس، بل قال أبو حنيفة رحمه الله لا قياس في الكفارات، وأثبت هذا النمط من التصرف، وسمَّاه استدلالاً " (2).
وقال ابن قدامة: " وأجراه أبو حنيفة في الكفارات مع أنه لا قياس فيها عنده " (3).
وقال صفي الدين الهندي: " وهذا الذي يُسَمِّيه الحنفية بالاستدلال، ويفرِّقون بينه وبين القياس بأن يخصصون اسم القياس بما يكون الإلحاق فيه بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا غَلَبَة الظن، والاستدلال بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع، حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه، فجوَّزوا الزيادة على النصِّ به، ولم يجوَّزوا نسخَه بخبر الواحد " (4).
وقال ابن تيمية: "وهذا النوع يُسَمِّيه بعض الناس قياساً، وبعضهم لا يُسَمِّيه قياساً، ولهذا كان أبو حنيفة وأصحابه يستعملونه في المواضع التي لا يستعلمون فيها القياس " (5).
وقال الإسنوي: " وهذا النوع عند الحنفية يُسَمُّونه بالاستدلال، وليس عندهم من باب القياس " (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الإبهاج (3/ 80 - 81)، البحر المحيط للزركشي (7/ 323) التقرير والتجير (3/ 287)، تيسير التحرير (4/ 172).
(2) المستصفى: (3/ 490).
(3) روضة الناظر: (3/ 805).
(4) نهاية الوصول: (8/ 3381).
(5) مجموع الفتاوى: (22/ 329).
(6) نهاية السول: (4/ 141).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وقال ابن النجَّار الفتوحي: "وأجراه أبو حنيفة في الكفارات مع منعه القياس فيها" (1).
وقال ابن عبدالشكور البهاري: "وهو مقبولٌ عند الكلِّ إلا أن الحنفية لم يصطلحوا على هذا الاسم، كما لم يضعوا تخريج وتحقيق المناط للنظر في تعرُّف تحُّقِقها في الجزئيات مع الاتفاق في المُسَمَّى " (2).
وقال ابن العطَّار (3): "إن أبا حنيفة يستعمل تنقيح المناط في الكفارة وإن منع القياس فيها لكنَّه لايسمِّيه قياساً بل استدلالاً" (4).
وبهذا يتضح من خلال ما تقدَّم أن الحنفية يتفقون مع الجمهور على اعتبار تنقيح المناط والعمل به، إلا أنهم اصطلحوا على تسميته بـ "الاستدلال"، وفرَّقوا بينه وبين القياس بأن القياس ما أُلْحقَ فيه حُكْمٌ بآخر بجامعٍ يفيد غَلَبَة الظن، والاستدلال ما أُلْحِقَ فيه ذلك بإلغاء الفارق المفيد للقطع.
وقد اعتذر بعض الحنفية عن عدم ذكرهم " تنقيح المناط " بأن مرجعه إلى النصِّ؛ ولم يضعوا له اسماً اصطلاحياً مع العمل به.
قال ابن الهمام الحنفي: "واعتذر بعض الحنفية عن عدم ذكرهم تنقيح المناط بأن مرجعه إلى النصِّ، ولا شك أن معنى تنقيح المناط واجبٌ على كلِّ مجتهدٍ حنفيٍّ وغيره، وإلا مُنِع الحُكْم في موضع وجود العِلَّة، غير أنَّ الحنفية لم يضعوا له اسماً اصطلاحياً كما لم يضعوا المفرد وتخريج المناط وتحقيقه مع العمل بها في الكلِّ" (5).
ولا شك أن المعاني إذا تحرَّرَت فلا مشاحة في الإصطلاح، ولكن لابدَّ في الاصطلاح من استعمال لفظٍ لا يلتبس معناه أو بعضه مع غيره، وأجدر اصطلاح بالمعنى الذي سبق تقريره هو "تنقيح المناط"؛ لأن تنقيح الشيء:--------------------------------------------
(1) شرح الكوكب المنير: (4/ 132).
(2) مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت: (2/ 350).
(3) هو: حسن بن محمد بن محمود العطار، من علماء مصر، أصله من المغرب، ومولده ووفاته بالقاهرة، تولى مشيخة الأزهر سنة (1246 هـ)، من مؤلفاته: حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع (ط)، وكتاب في الإنشاء والمراسلات (ط)، وغيرهما، توفي سنة (1250 هـ).
ينظر في ترجمته: الأعلام للزركلي (2/ 220)، شيوخ الأزهر لأشرف فوزي (2/ 35 - 40).
(4) حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع: (2/ 337).
(5) التحرير في أصول الفقه مع شرحه تيسير التحرير: (4/ 43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
تهذيبه، وتنقيح المناط: تهذيب العِلَّة وتمييزها من بين عِدَّة أوصافٍ لا مدخل لها في العِلِّية، وهذا اصطلاحٌ مناسب (1).
ولهذا قال الغزالي: " نرى أن يُلَقَّب هذا القياس بتنقيح مناط الحُكْم ومُتَعَلَّقِه" (2).
أما تفريق الحنفية بينه وبين القياس بأن القياس ما أُلْحِقَ فيه حُكْمٌ آخر بجامعٍ يفيد غَلَبَة الظن، والاستدلال ما أُلْحِقَ فيه الحُكْم بإلغاء الفارق المفيد للقطع، فقد أجاب عنه صفي الدين الهندي بقوله: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامُّ يتناوله وغيرَه، وكلُّ واحدٍ من القياسين- أعني ما يكون الإلحاق بذكر الجامع وبإلغاء الفارق - يُحْتَمَلُ أن يكون ظنياً وهو الأكثر؛ إذ قلما يوجد الدليل القاطع على أن الجامع عِلَّة، أو أن ما به الامتياز لا مدخل له في العِلِّية، وقد يكون قطعياً بأن يوجد ذلك فيه، نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي فيه الإلحاق بذكر الجامع، لكن ليس ذلك فرقاً في المعنى بل في الوقوع، وحينئذٍ ظهر أنه لا فرق بينهما في المعنى " (3).
وذهب الأبياري (4) وابن تيمية إلى أن " تنقيح المناط " خارجٌ عن باب القياس المتنازع فيه، وهو راجعٌ إلى نوعٍ من تأويل الظواهر يتناول كلَّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ معينةٍ مع العلم بأنه لا يختص بها، فيحتاج أن يُعْرف المناط الذي تعلَّق به ذلك الحُكْم.
قال الأبياري: " هو خارجٌ عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر" (5).
وقال ابن تيمية: " وهذا بابٌ واسع، وهو متناولٌ لكلِّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ--------------------------------------------
(1) ينظر: شرح تنقيح الفصول (389)، البحر المحيط للزركشي (7/ 322)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (5/ 293).
(2) شفاء الغليل: (130).
(3) نهاية الوصول: (8/ 3381 - 3382).
(4) هو: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن عطية الأبياري، شمس الدين، فقيهٌ مالكي، وأصوليُّ مبرِّز، من مؤلفاته: التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه، وسفينة النجاة في التصوف والسلوك، وغيرهما، توفي بمصر سنة (618 هـ).
ينظر ترجمته في: الديباج المذهب (2/ 110)، شجرة النور الزكية (1/ 166).
(5) البحر المحيط للزركشي: (7/ 323).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
معينةٍ مع العلم بأنه لا يختصُّ بها، فيحتاج أن يُعَرْف المناط الذي يتعلَّق به الحُكْم، وهذا النوع يُسَمِّيه بعض الناس قياساً، وبعضهم لا يُسَمِّيه قياساً، ولهذا كان أبو حنفية وأصحابه يستعملونه في المواضع التي لا يستعملون فيها القياس، والصواب أن هذا ليس من القياس الذي يمكن فيه النزاع " (1).
وقال أيضاً في موضعٍ آخر: " تنقيح المناط: بأن يُنَصَّ على حُكْم أعيانٍ معينةٍ لكن قد علمنا أن الحُكْم لا يختصُّ بها، فالصواب في مثل هذا أنه ليس من باب القياس؛ لاتفاقهم على النصِّ، بل المعين هنا نصَّ على نوعه، ولكنَّه يحتاج إلى أن يُعْرَفَ نوعه " (2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى: (22/ 328 - 329).
(2) مجموع الفتاوى: (22/ 330).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
المبحث الثاني
الأدلة على اعتبار العمل بـ "تنقيح المناط"
تقرَّر فيما تقدَّم أن العلماء اتفقوا على اعتبار العمل بـ " تنقيح المناط"، وهو اتفاقٌ على أصل العمل بهذا النوع من الاجتهاد، لا على اجتهادهم الذي قد ينتج عنه اختلافهم في إلغاء بعض الأوصاف أو اعتبارها، كما في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أعتق رقبة " (1)، حيث اختلف الفقهاء في تنقيح مناط الحُكْم وهو "وجوب الكفارة".
فالحنفية (2)، والمالكية (3): حذفوا خصوص وصف " المواقعة " عن الاعتبار، وأناطوا الحُكْم بالمعنى الأعمِّ الذي هو "إفساد الصوم بالإفطار".
أما الشافعية (4)، والحنابلة (5): فقد حذفوا بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ التي لا تصلح للعِلَّية، مثل: كونه أعرابياً، وكون الموطوءة زوجته، وكون الوطء في ذلك الشهر بعينه، ونحو ذلك، وأناطوا الحُكْم بالباقي من الأوصاف، وهو: "وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان".
قال البروي (6): "حذف أبو حنيفة رضي الله عنه خصوص الوقاع حتى أوجب الكفارة بالأكل والشرب، وهذا كلُّه من باب تنقيح المناط، غير أن--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (48).
(2) ينظر: بدائع الصنائع (2/ 97)، تبيين الحقائق (1/ 327).
(3) ينظر: مواهب الجليل (2/ 433)، جواهر الإكليل (1/ 150).
(4) ينظر: المجموع (6/ 360)، مغني المحتاج (1/ 596).
(5) ينظر: المغني (4/ 372)، منتهى الإرادات (2/ 367 - 368).
(6) هو: محمد بن محمد بن محمد بن سعد البروي، من فقهاء الشافعية، كان بارعاً في علم الكلام والجدل والمناظرة، من مؤلفاته: تعليقه في الخلاف، والمقترح في المصطلح في الجدل والمناظرة (ط)، توفي ببغداد سنة (567 هـ).
يننظر ترجمته في: وفيات الأعيان (4/ 225)، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (6/ 389)، الأعلام للزركلي (7/ 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
الشافعي رضي الله عنه ينازعه في دليل الحذف، وإلا فهما متفقان على صحة هذا النوع من النظر" (1).
وقال ابن تيمية: " وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه، نعم قد يختلفون في نفس الموجِب: هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها" (2).
وتتلخص أدلة اعتبار العمل بـ"تنقيح المناط" في الآتي:
1 - إذا كان الحُكْم مُعَلَّلاً وَجَبَ على المجتهد البحث عن عِلَّة الحُكْم، وإذا أُثْبِتَتْ العِلَّة بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه ثم اقترنت بها أوصافٌ ليس لها تأثيرٌ في الحُكْم وجب على المجتهد تهذيب الوصف الذي تعلَّق به الحُكْم؛ حتى تتعين العِلَّة، ولا يدخل فيها من الأوصاف ما ليس له مدخلٌ في التأثير أو يخرج منها ما هو من الأوصاف المُعْتَبرة، وإلا مُنِعَ الحُكْم في موضع وجود العِلَّة، أو أُثْبِتَ في غير مواضع وجودها.
قال ابن الهمام الحنفي: " ولا شك أن معنى تنقيح المناط واجبٌ على كلِّ مجتهدٍ حنفيٍّ وغيرِه، وإلا مُنِعَ الحُكْم في موضع وجود العِلَّة" (3).
قال الشارح ابن أمير بادشاه (4): " فيمنع وجوب الكفارة على غير الأعرابي، وعلى من جامع في رمضان غير أهله؛ لعدم حذف الزوائد من الصفات التي لا مدخل لها في العِلَّة " (5).
2 - إن المجتهد إذا علم يقيناً أو غلب على ظنِّه أن الحُكْم ليس مخصوصاً بما ورد في النصِّ من أوصافٍ اقترنت بالحُكْم، بل يتعلَّق بمعنىً أعمَّ فلا يجوز حينئذٍ للمجتهد أن ينفي الحُكْم عن غير ما ورد به النصِّ؛ لأن في ذلك تخصيصاً للحُكْم لم يقصده الشارع.
فقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يقضيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان " (6)، يدل ظاهراً على--------------------------------------------
(1) المقترح في المصطلح: (217).
(2) الصارم المسلول: (2/ 337 - 338).
(3) التحرير في أصول الفقه مع شرحه تيسير التحرير: (4/ 43).
(4) هو: محمد أمين بن محمود البخاري، المعروف بأمير بادشاه، فقيهٌ، حنفيٌّ، من أهل بخارى، كان نزيلاً بمكة، من مؤلفاته: تيسير التحرير في شرح التحرير في أصول الفقه لابن الهمام الحنفي (ط)، وشرح تائية ابن الفارض، وغيرهما، توفي تقريباً سنة (972 هـ).
ينظر ترجمته في: كشف الظنون (1/ 358)، هدية العارفين (6/ 349)، الأعلام للزركلي (6/ 41).
(5) تيسير التحرير: (4/ 43).
(6) سبق تخريجه: (64).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
أن الحُكْم مُعَلّلٌ بوصف " الغضب "، إلا أنه ثبت بالنظر والاجتهاد أن الحُكْم ليس مخصوصاً بذلك الوصف، بل يشمل كلَّ ما يُشْغِل القلبَ ويمنع من استيفاء النظر، فإذا عُلِمَ يقيناً أو غلب على الظن أن الحُكْم ليس مخصوصاً بذلك الوصف لذاته، بل يتعلَّق بالمعنى الأعمِّ الذي هو لازمه، فإنه لا يجوز حينئذٍ للمجتهد نفي الحُكْم عما سواه مما هو في معناه.
قال ابن تيمية: " فإن - هنا - قد عُلِم يقيناً أن الحُكْم ليس مخصوصاً بمورد النصِّ، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق " (1).
3 - إن الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحداً، فإذا حصل التساوي بين صورتين ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظنُّ القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم، فإذا حصل اعتقادٌ أو ظنٌ غالبٌ بذلك وجبت التسوية بينهما في الحُكْم، وإذا حصل اعتقادٌ أو ظنٌ غالبٌ بوجود الفرق بينهما وجبت التفرقة بينهما أيضاً في الحُكْم؛ لأنه لا يجوز التفريق بين المتماثلات والتسوية بين المختلفات، لا شرعاً ولا عقلاً ولاعادةً (2).
والإلحاق بنفي الفارق أحد صور تنقيح المناط إذا تهذَّبت العِلَّة وتعيَّنت، كما سيأتي بيانه في العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق (3).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل: (7/ 341).
(2) ينظر: شرح تنقيح الفصول (399)، رفع النقاب عن تنقيح الشهاب (5/ 379).
(3) ينظر: (100).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الفصل الثالث
العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً.
المبحث الثاني: أقسام إلإلحاق بإلغاء الفارق.
المبحث الثالث: العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
المبحث الأول
تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً
سأتناول في هذا المبحث تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً، وذلك من خلال مطلبين:
المطلب الأول: تعريف إلغاء الفارق لغةً.
الإلغاء في اللغة هو (1): الإبطال والإسقاط.
يقال: ألغيت الشيء، إذا أبطلته وأسقطته.
ويقال: ألغيت هذه الكلمة، إذا رأيتها باطلاً أو فضلاً.
ويقال: ألغاه من العدد، إذا ألقاه منه.
والفارق في اللغة (2): اسمُ فاعلٍ، من فرَّق بين الشيئين: إذا فَصَلَ بينهما.
والفَرْق: خلاف الجمع، فَرَقه يَفْرقُه فَرْقاً وفَرَّقه.
وفَارَقَ الشيء مُفَارقةً وفِراقاً: باينه.
قال ابن فارس: " الفاء والراء والقاف أصلٌ صحيح يدل على تمييزٍ وتزييلٍ بين شيئين " (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (6/ 2483)، لسان العرب (13/ 213 - 214)، تاج العروس (10/ 329) " مادة: ل غ و".
(2) ينظر: الصحاح (4/ 1540)، لسان العرب (11/ 168 - 169)، تاج العروس (7/ 47) " مادة: ف ر ق ".
(3) معجم مقاييس اللغة (5/ 493) " مادة: ف رق ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
والفارق من الناس: الذي يَفرِق بين الأمور، أي: يَفْصِلُها.
والفارق من الإبل: التي تفارق إِلْفَها فَتَنْتِجُ وحْدَها.
وقيل: هي التي أخذها المخاض فذهبت نادَّةً في الأرض (1).
المطلب الثاني: تعريف إلغاء الفارق اصطلاحاً.
إلغاء الفارق اصطلاحاً هو: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (2).
وتوضيحه أن يقال: لا فارق بين الأصل والفرع إلا كذا، وهو مُلْغَى؛ لأنه غير مؤثِّرٍ في الحُكْم، فيلزم اشتراكهما في ذلك الحُكْم؛ لاشتراكهما في الموجِب له.
ومثاله: إلحاق الأَمَة بالعبد في السراية الثابتة في قوله صلى الله عليه وسلم: " من أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدلٍ، فأَعطى شركاءَه حصَصَهم وعَتَقَ عليه العبد، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عتق " (3).
فالفارق بين الأَمَة والعبد الأنوثة، ولا تأثير لها في منع السراية، فتثبت السراية فيها لِما شاركت فيه العبد (4).
وهذا المعنى يُطْلِقُ عليه جمهور الأصوليين مُسمَّى "إلغاء الفارق"، أو--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (4/ 1540 - 1541)، لسان العرب (11/ 168 - 169)، تاج العروس (7/ 47) " مادة: ف ر ق ".
(2) ينظر: المحصول (5/ 230)، المقترح في المصطلح (231)، البحر المحيط للزركشي (7/ 326)، تشنيف المسامع (3/ 321)، الغيث الهامع (3/ 737)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 293)، الضياء اللامع شرح جمع الجوامع (2/ 382)، تيسير التحرير (4/ 77)، نشر البنود (2/ 205 - 206)، نثر الورود (2/ 523)، نبراس العقول (383).
(3) سبق تخريجه: (66).
(4) ينظر: المستصفى (5/ 597)، الإحكام للآمدي (3/ 7)، الإبهاج (3/ 80)، البحر المحيط للزركشي (7/ 322)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 293)، شرح الكوكب المنير (4/ 207).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
" نفي الفارق " وذلك بالنظر إلى أنه لا فارق مؤثِّرٌ بين الأصل والفرع، فيشتركان في الحُكْم (1).
كما يُطْلِقُون عليه مُسَمَّى " القياس في معنى الأصل " وذلك إذا كان القياس بإلغاء الفارق، باعتبار أن الفرع فيه بمنزلة الأصل؛ لأنه في معناه فيؤخذ حكمه، وهو راجعٌ إلى أنه لا أثر للفارق (2).
ويُطْلِقُون عليه - أيضاً - مُسَّمَى " القياس الجلي " وذلك إذا قُطِعَ فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو " القياس الخفي " إذا لم يُقْطَعْ فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع بل كان مظنوناً (3) كما سيأتي بيانه في أقسام إلغاء الفارق (4).
ويُعَدُّ الإلحاق بإلغاء الفارق عند جمهور الأصوليين من أقسام القياس كما هو ظاهرٌ في تسميته بـ" القياس في معنى الأصل"، و" القياس الجلي"، و " القياس مع نفي الفارق "، وذلك لأن إلحاق الفرع بحُكْم الأصل - عندهم - له طريقان (5):
الأول: أن لا يُتَعَرَّض إلا للفارق بين الفرع والأصل، فيُعْلَم أنه لا فارق بينهما إلا فرقٌ غير مؤثرٍ في الشرع، فلا فرق حينئذٍ بينهما في الحُكْم.
قال الغزالي: " وهذا إنما يحسُن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل،--------------------------------------------
(1) ينظر المراجع السابقة.
(2) ينظر: الإحكام للآمدي (4/ 7)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 353)، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 139)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 341)، شرح الكوكب المنير (4/ 209)، نهاية السول (4/ 27 - 28)، مفتاح الوصول (124).
(3) ينظر: الإحكام للآمدي (4/ 6)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 223)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 247)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 339)، تيسير التحرير (4/ 76)، شرح الكوكب المنير (4/ 207).
(4) ينظر: (90 - 91).
(5) ينظر: المستصفى (3/ 602)، أساس القياس (65)، المحصول (5/ 20)، روضة الناظر (3/ 834 - 835) شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 353)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (19/ 285 - 286)، إرشاد الفحول (2/ 596)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (387 - 391).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
كقرب الأَمَة من العبد؛ لأنه لا يحتاج التعرُّض للجامع؛ لكثرة ما فيه من الاجتماع " (1).
الثاني: أن يُتَعَرَّض للوصف الجامع فيثبته في الأصل، ويظهر تأثيره في الحُكْم، ثم يبيِّن وجوده في الفرع، ولا يُلْتَفَت إلى الفوارق غير المؤثرة وإن كَثُرَت.
وذهب الحنفية إلى عدم اعتبار " نفي الفارق " من القياس، وسمَّوه "استدلالاً"؛ وذلك لمنافاته عندهم حقيقة القياس، إذ إنَّ حقيقته التسوية بين أمرين، وهو حاصلٌ في القياس الذي يُبْنَى على العِلَّة ابتداءً، وهذا لم يُبْنَ على العِلَّة، وإنما قُصِدَ فيه نفي الفرق ليس إلا، فحصل الاجتماع بالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فلم يكن على صورة المقايسة. (2)
قال ابن الهمام الحنفي: "ولا يخفى أن هذا تقسيمٌ لما يطلق عليه لفظ القياس؛ إذ الجمع بنفي الفارق ليس من حقيقته " (3).
وما ذكره الحنفية لا يُخْرِج الإلحاقَ بنفي الفارق عن كونه قياساً؛ لأنه " إن نُظِرَ إلى العِلَّة فهي واحدةٌ في الصورتين، أعني صورة التي ذُكِر الجامع فيها والتي تُعُرِّض فيها لنفي الفارق، وإن نُظِرَ إلى ما فيه العِلَّة فهما صورتان مختلفتان، إذ صورة الإفطار بالجماع غير صورة الإفطار بالأكل والشرب قطعاً، غاية ما في الباب أنه يُظَنُّ اتحاد العِلَّة في الصورة الأولى بالمناسبة أو بغيرها من الطرق من غير تعرُّضٍ لنفي ما عداها، فيحصل الجمع بين الصورتين بالقصد الأول، وفي الثانية تُعْلَم العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع، فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني، وذلك لا يُخْرِجُه عن كونه قياساً " (4).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (3/ 602).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 602 - 603)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 353)، نهاية الوصول (7/ 3178)، البحر المحيط للزركشي (7/ 65)، التقرير والتحبير (3/ 282)، تيسير التحرير (4/ 77).
(3) التحرير مع شرحه تيسير التحرير: (4/ 77).
(4) نهاية الوصول: (7/ 3179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وأياً كانت التسمية فالأمر في ذلك قريب، ولا مشاحة في الأسامي إذا استبانت المعاني؛ لأن من كان القياس عنده عبارة عن نوعٍ من الإلحاق تندرج تحته هذه الصور فإنما مخالفته في التسمية، فيكون الاختلاف في ذلك آيلاً إلى اللفظ ولا يترتب عليه فائدةٌ معنوية، وإن كان الأَوْلى تسمية الإلحاق بنفي الفارق قياساً؛ لأن النصَّ غيرُ مُشْعِرٍ به من طريق وضع اللغة (1).
قال إمام الحرمين الجويني (2): " وهذه مسألة لفظيةٌ ليس وراءها فائدةٌ معنوية، ولكن الأمر إذا رُدَّ إلى حُكْم اللفظ فَعَدُّ ذلك من القياس أمثل؛ من جهة أن النصَّ غير مُشْعِرٍ به من طريق وضع اللغة وموضع اللسان" (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: البرهان (2/ 516 - 517)، المستصفى (3/ 601)، نهاية الوصول (7/ 3179)، البحر المحيط للزركشي (7/ 65)، إرشاد الفحول (2/ 596).
(2) هو: عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني، الشافعي، الملقب بإمام الحرمين، العلامة الأصولي، الفقيه، من مؤلفاته: الورقات (ط)، والبرهان (ط)، والتلخيص، في أصول الفقه، ونهاية المطلب في الفقه الشافعي (ط)، وغيرها، توفي سنة (478 هـ).
ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (5/ 165)، طبقات الشافعية لابن هداية الله (174)، الأعلام للزركلي (4/ 160).
(3) البرهان: (2/ 516)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
المبحث الثاني
أقسام الإلحاق بإلغاء الفارق
يُقسِّم الأصوليون الإلحاق بـ " إلغاء الفارق " إلى قسمين (1):
القسم الأول: أن يكون الإلحاق بـ "إلغاء الفارق" بين الأصل والفرع مقطوعاً به، ويُسَمَّى "القياس الجلي".
وضابطه: أن لا يُحْتاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير قطعاً (2).
وهذا القسم على مرتبتين (3):
المرتبة الأولى: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل مع القطع بنفي الفارق بينهما.
ومثاله: إلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، فالفارق بين الأصل والفرع مقطوعٌ بنفي تأثيره؛ لأن الضرب أشدُّ في الأذى، فيكون أولى بالتحريم من التأفيف.--------------------------------------------
(1) ينظر: البرهان (2/ 517)، المستصفى (3/ 593 - 602)، الإحكام للآمدي (4/ 6)، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 350 - 355)، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 140)، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 247)، نهاية السول (4/ 27 - 28)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 339)، تيسير التحرير (4/ 76)، شرح الكوكب المنير (4/ 207 - 208)، نشر البنود (2/ 206)، نثر الورود (2/ 523 - 524).
(2) ينظر: المستصفى (3/ 598)، روضة الناظر (3/ 834)، نهاية الوصول (7/ 3170 - 3171).
(3) ينظر: المحصول (6/ 123 - 124)، المستصفى (3/ 593 - 598)، روضة الناظر (3/ 833 - 834)، الإبهاج (6/ 2236)، نهاية السول (4/ 27 - 28)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (383 - 384).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
المرتبة الثانية: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، وليس أولى منه، ولا هو دونه، مع القطع بنفي الفارق بينهما.
ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: " من ابتاع عبداً وله مال فمالُهُ للذي باعه إلا أن يشترطه المُبتاع " (1) فإن الجارية في معناه؛ لأن الفارق بينهما وهو الأنوثة لا مدخل له في التأثير في باب البيع.
القسم الثاني: أن يكون الإلحاق بـ "إلغاء الفارق" بين الأصل والفرع مظنوناً به، ويُسَمَّي "القياس الخفي".
وضابطه: أن يتطرق الاحتمال إلى قول المجتهد: " لا فارق إلا كذا " بأن احتمل أن يكون ثَمَّ فارقٌ آخر، أو يتطرق الاحتمال إلى قوله: " لا مدخل له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخلٌ في التأثير (2).
وهذا القسم - أيضاً - على مرتبتين (3):
المرتبة الأولى: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحِماً لليقين.
ومثاله: وجوب الكفارة في قتل العَمْد أَوْلَى من وجوبها في قتل الخطأ؛ لأن فيه ما في الخطأ وزيادة عدوان، إلا أنه لا نقطع بنفي الفارق بينهما؛ لأن العَمْد نوعٌ يخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على رفعه، بخلاف الخطأ.
المرتبة الثانية: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، وليس أولى منه، ولا هو دونه، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحماً لليقين.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه "، كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له مَمَرٌّ أو شِرْبٌ في حائطٍ أو في نخل، رقم (2379)، وأخرجه مسلم في"صحيحه"، كتاب البيوع، باب من باع نخلاً عليه ثمر، رقم (1543) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
(2) ينظر: المستصفى (3/ 598)، روضة الناظر (3/ 834).
(3) ينظر: المحصول (6/ 123 - 124)، المستصفى (3/ 598 - 602)، نهاية الوصول (7/ 3170 - 3171)، الإبهاج (6/ 2236 - 2238)، نهاية السول (4/ 27 - 28)، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (389 - 390).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
مثاله: إلحاق الأَمَة بالعبد في سراية العتق التي دلَّ عليها قوله صلى الله عليه وسلم: " من أعتق شِرْكاً له في عبدٍ قوِّم عليه .. " (1)، فهذا الإلحاق لا يصل إلى درجة القطع؛ لاحتمال أن الشارع له اعتبارٌ في عتق الذَّكَر لم يكن في عتق الأنثى، ككونه يقف في صفوف القتال، ويولَّى القضاء والإمامة، وغير ذلك من الولايات، إلا أن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حُكْم.
وبهذا يكون حاصل أقسام الإلحاق بـ " إلغاء الفارق " أربعة أقسام:
الأول: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل، مع القطع بنفي الفارق بينهما.
الثاني: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، وليس أولى منه، ولا هو دونه، مع القطع بنفي الفارق بينهما.
الثالث: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحِماً لليقين.
الرابع: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحِماً لليقين.
قال الأمين الشنقيطي: "التحقيق أن نفي الفارق أربعة أقسام؛ لأن نفيه إما أن يكون قطعياً أو مظنوناً، وفي كلٍّ منهما إما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحُكْم من المنطوق أو مساوياً له " (2).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه: (66).
(2) مذكرة أصول الفقه: (388).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)