وأبو حنيفة ، ومالك، وأحمد بن حنبل ، وأكثر الفقهاء والمتكلمين" (1).
وأنكر الظاهرية حجيَّة القياس ، والتعبُّد به في الشرعيات (2).
والمقصود بالحجية - هنا-: وجوب العمل شرعاً بمقتضى القياس في حقِّ المجتهد والمقلِّد.
وقال الفخر الرازي: " المراد من قولنا القياس حُجَّةً أنه إذا حصل ظنٌّ أن حُكْم هذه الصورة مثل حُكْم تلك الصورة فهو مكلَّفٌ بالعمل به في نفسه ، ومكلَّفٌ بأن يُفْتِىَ به غيرَه " (3).
وقد استدل الأصوليون على إثبات حجيَّة القياس بالكتاب ، والسُّنَّة ، والإجماع ، والمعقول ، وأكثرها لايسلم من اعتراضاتٍ واحتمالاتٍ بعضها له حظٌّ من النظر ، وسأكتفي بأقواها دلالةً على المطلوب، وهو إجماع الصحابة على العمل بالقياس في الوقائع التي لا نصَّ فيها ، وتكرُّر العمل به ، واشتهار ذلك بينهم من غير نكير (4).
وقد اقتصر إمام الحرمين الجويني على الاحتجاج به في إثبات وقوع التعبُّد بالقياس في الشرعيات (5).
وقال الفخر الرازي: " وهو الذي عوَّل عليه جمهور الأصوليين" (6).
ولما ساق الآمدي أدلة المثبتين للقياس وذكر دليل الإجماع قال: " وهو أقوى الحجج في هذه المسألة " (7).--------------------------------------------
(1) الإحكام: (4/ 9).
(2) ينظر في أدلتهم: الإحكام لابن حزم (7/ 53 - 8/ 76) ، ملخص إبطال القياس لابن حزم (5 وما بعدها).
(3) المحصول: (5/ 20).
(4) ينظر: نهاية السول (4/ 17) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 251) ، فواتح الرحموت (2/ 366).
(5) ينظر: البرهان (2/ 763 - 773).
(6) المحصول: (5/ 53).
(7) الإحكام: (4/ 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
وقال صفي الدين الهندي: " هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين" (1).
وقال الإسنوي: " وهذا الدليل - أي: الإجماع- هو الذي ارتضاه ابن الحاجب وادَّعى ثبوته بالتواتر، وضعَّف الاستدلال بما عداه" (2).
والوقائع والأقضية التي استند الصحابة رضي الله عنهم فيها إلى الاجتهاد بالقياس كثيرةٌ يصعب حصرها.
قال إمام الحرمين الجويني: " نحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادةً لا يحصرها عدٌّ ولا يحويها حدٌّ ، فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سَنَة، والوقائع تترى والنفوس إلى البحث طلعة ، وما سكتوا عن واقعةٍ صائرين إلى أنه لا نصَّ فيها، والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصَّاً وظاهراً ، بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفةٍ من بحرٍ لا يُنْزَف، وعلى قطعٍ نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكلِّ ما يعِنُّ لهم من غير ضبطٍ وربط، وملاحظة قواعد متَّبَعةٍ عندهم ، وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حُكْم الواقعة من كتاب الله تعالى ، فإن لم يصادفوه فتَّشوا في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي" (3).
ومن ذلك: رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ الزكاة من بني حنيفة، وقتالهم على ذلك قياساً على الصلاة (4).
ومن ذلك: قياس أبي بكر رضي الله عنه تعيين الإمام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى إنه عهد إلى عمر رضي الله عنه بالخلافة ووافقه على ذلك الصحابة (5).
ومن ذلك: ما روي عن عمر - رضى الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري:--------------------------------------------
(1) نهاية الوصول: (7/ 3108).
(2) نهاية السول: (4/ 18).
(3) البرهان: (2/ 13 - 14).
(4) ينظر: المستصفى (3/ 508)، الإحكام للآمدي (4/ 51)، فواتح الرحموت (2/ 366).
(5) ينظر: المستصفى (3/ 507)، الإحكام للآمدي (4/ 52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
" اعرف الأشباه والأمثال ثم قِس الأمور برأيك " (1).
ومن ذلك قول علي رضي الله عنه في حدِّ شارب الخمر: " «إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدُّوه حدَّ المفترين» (2) وفيه قياس حدِّ الشارب على القاذف (3).
قال الآمدي: " إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تُحصَى، وذلك يدل على أن الصحابة مثَّلوا الوقائع بنظائرها وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعضٍ في أحكامها، وأنه ما من واحدٍ من أهل النظر والاجتهاد منهم إلا وقد قال بالرأي والقياس، ومن لم يوجد منه الحُكْم بذلك فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعاً سكوتياً وهو حُجَّةٌ مغلَّبَةٌ على الظنَّ، وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بدَّ لهم فيها من مستندٍ وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحُكُّم في دين الله من غير دليل، وهو ممتنع، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصَّاً، وإلا لأظهر كلُّ واحدٍ ما اعتمد عليه من النصّ ; إقامةً لعذره وردَّاً لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النُّظَّار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نصٍّ دعت الحاجة إلى إظهاره في محلِّ الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حُكْمٍ في واقعةٍ بناءً على نصّ، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله بناءً على الاكتفاء في ذلك الحُكْم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص واحتجُّوا بها لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تُنْقَل دلَّ على عدمها، وإذا لم يكن نصَّاً تعيَّن أن يكون قياساً واستنباطاً" (4).
والقياس يقتضي ردَّ الواقعات فيما لانصَّ فيه إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم مما فيه نصّ ، وهو امتثالٌ لقوله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].--------------------------------------------
(1) ينظر: قواطع الأدلة (4/ 43)، الإحكام للآمدي (4/ 53)، المستصفى (3/ 515)، المحصول (5/ 54) ، العدة (5/ 1297 - 1298).
(2) أخرجه الحاكم في " مستدركه " (4/ 375)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(3) ينظر: فواتح الرحموت (2/ 366).
(4) الإحكام: (4/ 55 - 56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
و" ليس يخلو أمْرُ الله تعالى بالرد إلى كتابه وسُنَّة نبيه عند التنازع من أحد ثلاثة معانٍ: إما أن يكون أمراً بردِّ المُتنازَع فيه إلى ما نصَّ الله عليه في كتابه ورسوله في سُنَّته لا إلى غير ذلك ، فأيُّ منازعةٍ وأي اختلافٍ يقع فيما قد تولَّى الله ورسوله الحُكْم فيه نصَّاً ، فهذا لا معنى له، أو يكون أمراً بردِّه إلى ما ليس له بنظيرٍ ولا شبيه ، ولا خلاف أن ذلك لا يجوز أو يكون أمراً بردِّه إلى جنسه ونظيره مما قد تولَّى الله ورسوله الحُكْم فيه نصَّاً فيُستَدل بحكمه على حكمه ، ولا وجه للردِّ إلى غير هذا المعنى؛ لفساد القسمين الأولين، وأن لا رابع لما ذكرناه" (1).
وما نُقِل عن بعض الصحابة مما يُستَدل به على إنكار العمل بالرأي والقياس فهو محمولٌ على القياس الباطل الذي يخالف الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع أو القواعد الشرعيَّة، أما ما كان مستوفياً لأركانه وشروطه فهو من القياس المُعتبَر شرعاً (2).
المطلب الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس.
يُعْتَبر دليل القياس أوثق الأدلة الشرعيَّة صلَةً بالاجتهاد في المناط ، وتظهر هذه العلاقة الوثيقة بينهما في جوانب عديدة ، من أهمها مايأتي:
أولا: الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة يُعْتَبر أهم مُتَعَلَّقات النظر والاستدلال في القياس، ومرجع ذلك إلى أمرين:
الأول: أن الاجتهاد في المناط هو المقدمة الضرورية لإجراء القياس.
والثاني: أن النظر في كلِّ الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط يتوجّه إلى أهم ركنٍ من أركان القياس وهو " العِلَّة ".--------------------------------------------
(1) الفقيه والمتفقه: (1/ 469).
(2) ينظر: الإحكام للآمدي (4/ 62 - 63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
وتوضيح ذلك على النحو الآتي:
أما كون الاجتهاد في المناط هو المقدمة الضرورية للقياس فذلك لأن القياس يتوقف على مقدمتين:
المقدمة الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل بمسلكٍ من مسالك العِلَّة المُعْتَبرة.
والمقدمة الثانية: إثباتُ عِلَّة حُكْم الأصلِ في الفرع.
فإن ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالنصِّ مع أوصافٍ أخرى لا تأثير لها في الحكم تعلَّق النظر فيها - حينئذٍ- بتنقيح المناط، وإن ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالاستنباط تعلَّق النظر فيها بتخريج المناط، وبهذا تتقرر المقدمة الأولى.
ثم إذا ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماع أو الاستنباط كما في المقدمة الأولى فالنظر فيها بعد ذلك يتعلَّق بالتحقُّق من وجودها في الفرع وهو تحقيق المناط، وبهذا تتقرر المقدمة الثانية بعد تقرر الأولى.
قال الفخر الرازي: " واعلم أن الجمع بين الأصل والفرع تارةً يكون بإلغاء الفارق والغزالي يسميه تنقيح المناط ، وتارةً باستخراج الجامع ، وهاهنا لابدَّ من بيان أن الحُكْم في الأصل مُعلَّلٌ بكذا ، ثم من بيان وجود ذلك المعنى في الفرع ، والغزالي يُسمِّي الأول تخريج المناط ، والثاني تحقيق المناط " (1).
ومن خلال النظر في هاتين المقدمتين يتضح أن المقدمة الأولى لابدَّ أن تتضمن تنقيح المناط أو تخريج المناط، وأن المقدمة الثانية لابدَّ فيها من تحقيق المناط.
فإذا ثبتت المقدمة الأولى ثم ثبتت المقدمة الثانية أجرى المجتهد القياس، فأثْبَتَ مثلَ حُكْم الأصل في الفرع؛ لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم.--------------------------------------------
(1) المحصول: (5/ 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
ومن هذا الوجه يُعْتَبر الاجتهاد في المناط المقدمة الضرورية لإجراء القياس.
أما كون الاجتهاد في المناط يتعلَّق بالنظر في أهم ركنٍ من أركان القياس فذلك لأن الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط تشترك كلها في أنها تَرِدُ على العِلَّة، إما لتنقيحها إذا كانت العِلَّة منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما يصلح للعلية وما لا يصلح، أو لتخريجها إذا كانت العِلَّة مُسْتنبَطة، أو لتحقيقها في الفرع سواءً ثبتت العِلَّة في حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماع أو الاستنباط.
وقد ذكر الأصوليون الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط ضمن مباحث العِلَّة، وصرَّحوا بأن المقصود بـ" المناط" في اصطلاحهم - هنا - العِلَّة واعتبروه أحد إطلاقاتها كما تَقَدَّم (1).
والعِلَّة أهم ما يُعْتَنَى به في باب القياس على الإطلاق؛ لأنها ركن القياس الأعظم، وهي الطريق الموصل إلى أحكام الوقائع المتجدِّدة التي لا حصر لها (2).
ولا ريب أن القول بعدم اعتبار العلل الشرعيَّة قولٌ يفضي إلى تعطيل الشريعة في الأزمنة المتجدِّدة؛ لأنه لابدَّ من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، وعند ذلك إما أن يُتْرَكَ الناسُ فيها مع أهوائهم، وهو خلاف المقصود من إنزال الشرائع والتعبُّد بها، أو يُنْظَرَ فيها بغير اعتبارٍ للمعاني والأوصاف التي أناط الشارع الأحكام بها، فيُجْمَعُ بين المُختلِفات ويُفرَّقُ بين المتماثلات، وهو مناقضةٌ لقصد الشارع، وإهدارٌ للمعاني التي علَّقت الشريعة الأحكام بها وجوداً وعدماً، ومجانبةٌ للعدل الذي أنزل الله به الكتب وأرسل من أجله الرسل.
قال ابن تيمية: " القياس الصحيح حقيقته التسوية بين المتماثلين، وهذا هو العدل الذي أنزل الله به الكتب، وأرسل به الرسل، والرسول لا يأمر--------------------------------------------
(1) ينظر: (31 - 33).
(2) ينظر المعتمد: (2/ 692)، البحر المحيط للزركشي (7/ 142)، نبراس العقول (215).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
بخلاف العدل، ولا يَحْكُم في شيئين متماثلين بحكمين مختلفين، ولا يُحرِّم الشيء ويُحِلُّ نظيره " (1).
وقال ابن القيم: " وهل إبطالُهُ الحِكَم والمناسباتِ والأوصافَ التي شُرِعَت الأحكام لأجلها إلا إبطالٌ للشرع جملة، وهل يُمْكِنُ فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلَّم في الفقه مع اعتقاده بطلان الحكمة والمناسبة والتعليل وقصد الشارع بالأحكام مصالح العباد؟ وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات " (2).
وقال الشاطبي: " الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلابدَّ من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يُتْرَكَ الناسُ فيها مع أهوائهم أو يُنْظَرَ فيها بغير اجتهادٍ شرعي، وهو - أيضاً- اتباعٌ للهوى، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً .. " (3).
ولهذا فإن للاجتهاد في المناط أهميةً بالغة، حيث تعلَّق النظر والاستدلال في أنواعه الثلاثة بالأوصاف والمعاني التي أناط الشارع الأحكام بها وجوداً وعدماً، وذلك من خلال تنقيح العلل المنصوصة التي اقترنت بها أوصافٌ بعضها يصلح للعِلِّية وبعضها لا يصلح، واستخراج العلل المُستنْبَطة، ثم إثبات وجودها في الفروع وآحاد الصور والجزئيات غير المتناهية ، و" العِلَّة" أهم ركنٍ من أركان القياس.
ثانياً: القياس تارةً يكون بذكر الجامع ، وتارةً يكون بإلغاء الفارق، وإلغاء الفارق من صور تنقيح المناط كما تقدم (4).
وبناءً على ذلك اعتبر جمهور الأصوليين الاجتهاد في تنقيح المناط من القياس (5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى: (22/ 332).
(2) شفاء الغليل: (362 - 363).
(3) الموافقات: (5/ 38 - 39).
(4) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الابتهاج (6/ 2396)، البحر المحيط للزركشي (7/ 323)، إرشاد
الفحول (2/ 641).
(5) ينظر: (77 - 78).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
قال صفي الدين الهندي: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامٌّ يتناوله وغيرَه " (1).
واصطلح الحنفية على تسميته بـ" الاستدلال "، أو "دلالة النص"، وفرَّقوا بينه وبين القياس: بأن القياس يجري فيه إلحاق الفرع بالأصل بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا غَلَبَة الظن، أما الاستدلال فيكون بإلغاء الفارق لما ثبت عِلَّته بالنصِّ بحذف خصوص عِلَّةً النصِّ، وهذا يفيد القطع، فيكون أقوى من القياس، فلذا أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه (2).
وقال الإسنوي: " وهذا النوع عند الحنفية يُسَمُّونه بالاستدلال، وليس عندهم من باب القياس " (3).
وقد عقَّب صفي الدين الهندي على ذلك بقوله: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامُّ يتناوله وغيره، وكلُّ واحدٍ من القياسين- أعني ما يكون الإلحاق بذكر الجامع وبإلغاء الفارق - يُحْتَمَلُ أن يكون ظنياً وهو الأكثر؛ إذ قلما يوجد الدليل القاطع على أن الجامع عِلَّة، أو أن ما به الامتياز لا مدخل له في العِلِّية، وقد يكون قطعياً بأن يوجد ذلك فيه، نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي فيه الإلحاق بذكر الجامع، لكن ليس ذلك فرقاً في المعنى بل في الوقوع، وحينئذٍ ظهر أنه لا فرق بينهما في المعنى" (4).
وذهب الأبياري وابن تيمية إلى أن " تنقيح المناط " خارجٌ عن باب القياس المتنازع فيه، وهو راجعٌ إلى نوعٍ من تأويل الظواهر يتناول كلَّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ معينةٍ مع العلم بأنه لا يختصُّ بها، فيحتاج أن يعرف المناط الذي تعلَّق به ذلك الحُكْم.--------------------------------------------
(1) نهاية الوصول: (8/ 3381).
(2) ينظر: نهاية الوصول (8/ 3381)، الابتهاج (6/ 2396)، البحر المحيط للزركشي (7/ 323).
(3) نهاية السول: (4/ 141).
(4) نهاية الوصول: (8/ 3381 - 3382).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
قال الأبياري: " هو خارجٌ عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر" (1).
وقال ابن تيمية: " وهذا بابٌ واسع، وهو متناولٌ لكلِّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ معينةٍ مع العلم بأنه لا يختصُّ بها، فيحتاج أن يُعَرْف المناط الذي يتعلَّق به الحُكْم، وهذا النوع يُسَمِّيه بعض الناس قياساً، وبعضهم لا يُسَمِّيه قياساً، ولهذا كان أبو حنفية وأصحابه يستعملونه في المواضع التي لا يستعملون فيها القياس، والصواب أن هذا ليس من القياس الذي يمكن فيه النزاع " (2).
ثالثاً: يعتبر الاجتهاد في تخريج المناط هو الاجتهاد القياسي الذي عظم فيه الخلاف بين العلماء.
قال الغزالي: " فهذا - أي: تخريج المناط - هو الاجتهاد الذي عَظُمَ فيه الخلاف " (3).
وقال صفي الدين الهندي: " وهذا النوع من الاجتهاد هو القياس المختلَف فيه بين الناس " (4).
وقال الشاطبي: "وهو- أي: تخريج المناط - الاجتهاد القياسي" (5).
وذلك لأن عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماع عليه مُستنْبَطةٌ بأحد المسالك الاجتهادية ، كالمناسبة ، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران.
والقياس الذي اُستنبِطت العِلَّة فيه بأحد المسالك الاجتهادية هو محلُّ الخلاف بين المثبتين له والنافين.
أما القياس الذي ثبت عِلَّتُه بنصٍّ أو إجماعٍ فالعمل بمعناه مَحَلُّ وفاقٍ--------------------------------------------
(1) البحر المحيط للزركشي: (7/ 323).
(2) مجموع الفتاوى: (22/ 330).
(3) المستصفى: (3/ 491).
(4) نهاية الوصول: (7/ 3047).
(5) الموافقات: (5/ 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
- في الجملة- عند العلماء سواءً سُمِّيَ قياساً أم لا، فالأمر في ذلك يرجع إلى الاصطلاح (1).
قال الغزالي: " ينقسم الجامع إلى معلومٍ بالنصِّ، وإلى معلومٍ بالاستنباط، فهذا لا يمنعه وضع اللغة، فإن خُصِّص بالاصطلاح فكذلك - أيضاً - لا حجر فيه … ولكن ينبغي أن يُعْلَمَ أن حاصل الخلاف يرجع إلى أمرٍ لفظي، وإلا فَحَظُّ المعنى مُتَّفَقٌ عليه، فخرج منه: أن المُسمَّى قياساً - بالاتفاق - هو إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ بجامعٍ مُسْتَنْبَطٍ بالفكر " (2).
ومحلُّ الاجتهاد في هذا النوع من الأقيسة هو بذل الجهد في استخراج مناط الحُكْم.
قال الحجوي: " إذا تأمت هذه الأقيسة التي تلونا عليك وجدت محلَّ الاجتهاد فيها تخريج مناط الحكم، وهو استنباط الوصف المناسب من النصِّ ليُجعَل مدارًا للحكم " (3).
ولهذا اعتبر الأصوليون استخراج عِلَّة الحُكْم في الأصل بمسلك المناسبة هو … " عمدة كتاب القياس" (4)؛ لأن أكثر الأقيسة يُلْحَق فيها الفرع بالأصل لجامعٍ مُستنْبَطٍ بمسلك المناسبة الذي يُعَدُّ أهم صور الاجتهاد في تخريج المناط.
رابعاً: يُعتَبر الاجتهاد في تحقيق المناط أعمَّ من القياس.
وذلك لأن القياس يختصُّ بالعِلل سواءٌ كانت منصوصةً أو مُجْمَعاً عليها أو مُستنْبَطة ، بينما تحقيق المناط يشمل ما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، أو كان المناط قاعدةً كليَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماع أو--------------------------------------------
(1) ينظر: الإحكام للآمدي (4/ 35)، الإبهاج (3/ 83)، البحر المحيط للزركشي (7/ 24 - 25)، شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 204)، إرشاد الفحول (2/ 584).
(2) أساس القياس: (109).
(3) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: (1/ 132).
(4) البحر المحيط للزركشي: (5/ 206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
استنباط، أو كان مقتضى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حُكْمٌ شرعي (1).
قال الغزالي: " الحُكْم في الأشخاص التي ليست متناهيةً إنما يتمُّ بمقدمتين: كُليَّة، كقولنا: كلُّ مطعوم ربوي، وجزئيَّة، كقولنا: هذا النبات مطعومٌ أو الزعفران مطعوم، وكقولنا: كلُّ مُسْكِرٍ حرام، وهذا الشراب بعينه مُسْكِر، وكلُّ عدْلٍ مُصَدَّق، وزيدٌ عَدْل، وكلُّ زانٍ مرجوم، وماعز قد زنى فهو إذاً مرجوم، ، والمقدمة الجزئية هي التي لا تتناهى مجاريها فيضطر فيها إلى الاجتهاد لا محالة، وهو اجتهادٌ في تحقيق مناط الحكم، وليس ذلك بقياس، أما المقدمة الكليَّة فتشتمل على مناط الحُكْم وروابطه، وذلك يمكن التنصيص عليه بالروابط الكليَّة، كقوله: كلُّ مطعوم ربويٍّ بدلاً عن قوله: لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ، وكقوله: كلُّ مُسْكِرٍ حرام بدلاً عن قوله: حرّمت الخمر، وإذا أتى بهذه الألفاظ العامّة وقع الاستغناء عن استنباط مناط الحكم، واستغني عن القياس، هذا مع أنه يمكن منازعة هذا القائل بأنه لم يجب استيعاب جميع الصور بالحكم، ولم يَسْتَحِلْ خلو بعضها عن الحكم، فإنه في المقدمة الجزئية أيضا يمكن أن يُرَدَّ فيه إلى اليقين، فيقال: من تيقنتم صدقه، وما تيقنتم كونه مطعوماً أو مُسْكِراً فاحكموا به، وما لم تتيقنوا به فاتركوه على حُكْم الأصل، إلا أن هذا لا يجري في جميع الجزئيات؛ لأنه لا سبيل إلى تيقُّن صدق الشهود، وعدالة القضاة، والولاة، ولا سبيل إلى تعطيل الأحكام، وكذلك لا سبيل إلى تقديرٍ متيقَّنٍ في كفاية الأقارب، وأروش المتلفات، فإن التكثير فيه إلى حصول اليقين ربما يضرُّ بجانب الموجَب عليه كما يضرُّ التقليل بجانب الموجَب له، فالاجتهاد في تحقيق مناط الحُكْم ضرورةٌ أما في تخريج المناط وتنقيح المناط فلا" (2).
خامساً: إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، وثبت المناط في حُكْم الأصل قطعاً ، ثم ثبت وجوده كذلك في الفرع كان القياس قطعياً.--------------------------------------------
(1) ينظر: (194 - 195).
(2) المستصفى: (3/ 504 - 505).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
أما إذا ثبت المناط فيهما، أو في أحدهما ظنَّاً، كان القياس حينئذٍ ظنِّياً.
قال الفخر الرازي: "إذا اعتقدنا كون الحُكْم في محلِّ الوفاق مُعَلَّلاً بوصف ، ثم اعتقدنا حصول ذلك الوصف بتمامه في محلِّ النزاع ، حصل لا محالةَ اعتقاد أن الحُكْم في محلِّ النزاع مثل الحُكْم في محلِّ الوفاق ، فإن كانت المقدمتان قطعيتين كانت النتيجة كذلك ،ولا نزاع بين العقلاء في صحته ، أما إذا كانتا ظنيتين ، أو كانت إحداهما فقط ظنيَّة ، فالنتيجة تكون ظنَّيةً لا محالة " (1).
وقال القرافي: " إذا كان تعليل الأصل قطعياً، ووجود العِلَّة في الفرع قطعياً كان القياس قطعياً متفقاً عليه" (2).
ومن صور الأقيسة القطعية:
- إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من طريق الأولى.
كإلحاق الضرب والشتم بالتأفيف في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23].
وقد ذهب إلى ذلك: إمام الحرمين (3) ، والفخر الرازي (4).
وذهب جمهور الحنفية (5) ، والحنابلة إلى أنه من دلالة النصِّ (6)، واختاره الغزالي في " المستصفى " (7) ، والآمدي (8).
وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سمَّاه قياساً اعترف بأنه مقطوعٌ به ولا مشاحةَ في الأسامي، فمن كان القياس عنده--------------------------------------------
(1) المحصول (5/ 19 - 20).
(2) شرح تنقيح الفصول (387).
(3) ينظر: البرهان: (2/ 786).
(4) ينظر: المحصول (5/ 121).
(5) فواتح الرحموت: (1/ 446).
(6) ينظر: العدة (4/ 1333) ، شرح الكوكب المنير (3/ 483).
(7) ينظر: (3/ 594 - 595).
(8) ينظر: الإحكام (3/ 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
عبارةً عن نوعٍ من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة" (1).
- القطع بنفي الفارق المؤثِّر بين الأصل والفرع.
كقياس العبد على الأَمَة في تنصيف حدِّ الزنا، كما في قوله سبحانه: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25].
وضابط هذا النوع أنه لا يُحتَاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة ، بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارقَ إلا كذا، ولا مدخلَ له في التأثير قطعاً (2).
قال الغزالي: " فإن تطرَّق الاحتمال إلى قولنا " لا فارق إلا كذا" بأن احتمل أن يكون ثَمَّ فارقٌ آخر، أو تطرَّق الاحتمال إلى قولنا " لا مدخلَ له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخل، لم يكن هذا الإلحاق مقطوعاً به بل ربَّما كان مظنوناً" (3).
- القياس الذي قُطِع فيه بأمرين: أحدهما أنَّ وصفاً معيَّنًا في الحُكْم هو عِلَّته قطعاً، وثانيهما: أنَّ ذلك الوصف موجودٌ في الفرع قطعاً (4).
وأما القياس الظني فهو أن تكون إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة، كقياس السفرجل على البُرِّ في الرِّبا، فإن الحُكْم بأن العِلَّة هي الطعم ليس مقطوعاً به، لجواز أن تكون هي الكيل أو القوت (5).--------------------------------------------
(1) المستصفى: (3/ 595).
(2) ينظر: (90).
(3) المستصفى: (3/ 598 - 599).
(4) ينظر: شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 320) ، نبراس العقول (180).
(5) ينظر: نهاية السول (4/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
الفصل الثاني
علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المختلف فيها
ويشتمل على سبعة مباحث:
المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب.
المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قبْلَنا.
المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي.
المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان.
المبحث الخامس: علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة للمرسلة.
المبحث السادس: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع.
المبحث السابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرْف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
المبحث الأول
علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب
سأتناول في هذا المبحث بيان علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب ، وذلك من خلال ثلاثة مطالب ، وهي على النحو الآتي:
المطلب الأول: تعريف الاستصحاب لغةً واصطلاحاً.
الاستصحاب لغةً: طلب الصحبة ، أو المصاحبة.
يقال: استصحب الكتاب وغيره ، أي: حمله ،ولازمه، ولم يفارقه، وكلُّ شيئٍ لازَمَ شيئاً فقد استصحبه (1).
قال ابن فارس: " الصَّاد والحاء والباء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على مقارنة شيءٍ ومقاربته " (2).
والاستصحاب اصطلاحاً هو: ثبوت أمرٍ في الزمن الثاني لثبوته في الأول؛ لانتفاء ما يصلح أن يتغيَّر به الحُكْم من الأول إلى الثاني بعد البحث التام (3).--------------------------------------------
(1) ينظر: الصحاح (1/ 161 - 162) ، لسان العرب (1/ 519 - 520) ، تاج العروس (3/ 185 - 186)
" مادة: ص ح ب".
(2) معجم مقاييس اللغة: (3/ 335) " مادة: ص ح ب".
(3) ينظر: جمع الجوامع لابن السبكي (108) ، الإبهاج (3/ 173) ، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (4/ 504) ، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 350) ، حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 391).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
وعرَّفه ابن القيم بأنه: " إستدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً" (1).
وله تعريفاتٌ أخرى متقارِبةٌ في ألفاظها ومعانيها (2).
وينقسم الاستصحاب إلى خمسة أقسام ، وهي:
الأول: استصحاب البراءة الأصلية.
وقد يُطْلَق عليه مُسمَّى: "استصحاب العدم الأصلي"،أو " استصحاب براءة الذمة" (3) ، وهو: ما دلَّ العقل على نفيه ولم يثبته الشرع بالدليل السمعي، مثل نفي وجوب صوم رجب ، ونفي العقل له - هنا - مأخوذٌ من بقائه على عدمه الأصلي إلى أن يَرِدَ الدليل السمعي الناقل عنه ، وليس المقصود أن يحكم فيه العقل بالنفي استقلالاً (4).
الثاني: استصحاب الوصف المُثْبِت للحُكْم الشرعي حتى يثبت خلافه.
وقد يُطْلَق عليه أيضاً: " استصحاب الحُكْم الماضي لوجود سببه" ، أو … " استصحاب حُكْمٍ دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه" ، فكلُّ حُكْم شرعيٍّ ترتَّب على سببه الذي ربطه الشارع به ، فالأصل استمراره وعدم انتفائه، إلا إذا انتفى السبب الذي ترتَّب عليه ذلك الحكم (5).--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين: (3/ 100).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 410 - 411) ، شرح تنقيح الفصول للقرافي (351) ، نهاية السول (4/ 358) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 284) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 17) ، شرح الكوكب المنير (4/ 403) ، تيسير التحرير (4/ 176) إرشاد الفحول (2/ 974).
(3) ينظر: العدة (4/ 1262) ، الإبهاج (3/ 168) ، نهاية الوصول (8/ 3955) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 20) ، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 348) ، شرح الكوكب المنير (4/ 404).
(4) ينظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 348) ، شرح الكوكب المنير (4/ 404 - 405) ، حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 388).
(5) ينظر: المستصفى (2/ 409) ، الإبهاج (3/ 169) ، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (8/ 3955) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 20) ، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 348 - 349) ، شرح الكوكب المنير (4/ 405) ، إرشاد الفحول (2/ 976).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
ومثاله: استصحاب دوام النكاح بين زوجين بسبب عقدٍ صحيحٍ بينهما، فيُحْكَم حينئذٍ باستمراره حتى يثبت خلاف ذلك (1).
الثالث: استصحاب العموم حتى يَرِدَ المُخصِّص ، واستصحاب النصِّ حتى يَرِدَ الناسخ.
فإذا ورد نصٌّ عامٌّ فإنه يشمل جميع الأفراد الداخلة تحته ، وإذا وقع النزاع في بعض أفراده هل يدخل تحت العموم أو هو مخصوص؟ وبحث المجتهد فلم يجد المُخصِّص ، فإن الأصل استصحاب حُكْم العام في المُتنازَع فيه حتى يثبت بالدليل تخصيصه (2).
قال الزركشي: " فهذا أمرُه معمولٌ به بالإجماع" (3).
ومثاله: وجوب قطع يد الزوج إذا سرق مال زوجته؛ استصحاباً للعموم الوارد في قوله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فالعموم يقتضي وجوب القطع في كلِّ ما يُسمَّى آخذه سارقاً (4).
وكذا كلُّ حُكْم ثبت بدليله الشرعي ، فإنه يدلُّ على دوام ذلك الحُكْم واستمراره ، مالم يَرِد دليلٌ آخر يُثْبِتُ نسخَه.
قال السمرقندي: " استصحاب الحُكْم الثابت بظاهر العموم واجبٌ مع احتمال الخصوص ، وكذا استصحاب الحُكْم الثابت بمُطْلَق النصِّ الخاصِّ واجبٌ مع احتمال المجاز والنسخ؛ وذلك لما قلنا من أن الحُكْم متى ثبت شرعاً فالظاهر بقاؤه " (5).
وهذا القسم اعتبره جمهور الأصوليين من "الاستصحاب" (6).--------------------------------------------
(1) ينظر: إعلام الموقعين (3/ 100 - 101) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 20).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 409) ، الإبهاج (3/ 169) ، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي (8/ 3955) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 21) ، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني (2/ 348) ، شرح الكوكب المنير (4/ 404) ، إرشاد الفحول (2/ 977).
(3) البحر المحيط للزركشي: (6/ 21).
(4) ينظر: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (349 - 350)
(5) ميزان الأصول: (661).
(6) ينظر: البحر المحيط (6/ 21) ، إرشاد الفحول (2/ 977).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وذهب الجويني (1) ، وابن السمعاني (2) ، إلى عدم اعتباره من" الاستصحاب"؛ لأن الحُكْم ثبت فيه من جهة اللفظ في العموم ، أو من جهة النصِّ في المُحْكَم ، لا من جهة الاستصحاب (3).
قال ابن السمعاني: "ولا يجوز أن يُسمَّى هذا استصحاب الحال؛ لأنَّ لفظ العموم دلَّ على استغراقه جميعَ ما يتناوله اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفى الأزمان، فأيُّ عينٍ وُجِدت ثَبَتَ الحُكْم فيها، وأيُّ زمانٍ وُجِد ثَبَتَ الحُكْم فيه، بكون اللفظ دالَّاً عليه، ويتناوله بعمومه، فيكون ثبوت الحُكْم في هذه الصورة من ناحية العموم ،لا من ناحية استصحاب الحال" (4).
والذي يظهر أن المسألة لفظيَّةٌ اصطلاحيَّةٌ لا يترتَّب عليها حُكْمٌ كما أشار إلى ذلك الجويني بقوله: " فهذه مناقشةٌ لفظيَّةٌ؛ فإنه ثبت بالدليل القاطع قيام الدليل إلى يوم نسخه ، فإن سَمَّى مسمٍّ هذا استصحاباً لم يُناقَش في لفظ ، وليس مقصود الفصل منه بسبيل " (5).
الرابع: استصحاب حُكْم الإجماع في محلِّ النزاع.
وهو: أن يُتَّفَق على حُكْم شرعيٍّ في حاله، ثم تتغير صفة المُجْمَع عليه، فيختلفون فيه، فيستدلُّ من لم يتغيَّر عنده الحُكْم باستصحاب الحال (6).
ومثاله: إذا استدلَّ من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع منعقدٌ على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدلَّ دليلٌ على أن رؤية الماء مُبْطِلة (7).--------------------------------------------
(1) البرهان: (2/ 1135 - 1136).
(2) قواطع الأدلة: (3/ 366 - 367).
(3) ينظر: البحر المحيط (6/ 21) ، إرشاد الفحول (2/ 977).
(4) قواطع الأدلة: (3/ 366 - 367).
(5) البرهان: (2/ 1136).
(6) ينظر: العدة (4/ 1265) ، الإبهاج (3/ 169) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 21) ،إرشاد الفحول (2/ 977 - 978).
(7) ينظر: العدة (4/ 1265 - 1266) ،إعلام الموقعين (3/ 104) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 21 - 22) ، إرشاد الفحول (2/ 978).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
المطلب الثاني: حُجِّية الاستصحاب.
الاستصحاب بأنواعه الثلاثة الأولى حُجَّةٌ شرعيَّة ، ويجوز الاحتجاج به في النفي والإثبات مطلقاً (1).
وقد ذهب إلى ذلك: جمهور الأصوليين من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية (2).
أمَّا النوع الرابع - وهو: استصحاب حُكْم الإجماع في محلِّ النزاع- فقد ذهب المحققون من الأصوليين إلى عدم صحة الاحتجاج به.
قال ابن السُّبْكي: " فهذا ليس بحُجَّةٍ عند كافّة المحقِّقين" (3).
وذلك لأنه يؤدي إلى التسوية بين موضع الاتفاق وموضع النزاع وهما مختلفان (4).--------------------------------------------
(1) اختلف الأصوليون في حجية الاستصحاب على ثلاثة أقوال: القول الأول: الاستصحاب حجةٌ شرعية ، ويجوز الاحتجاج به مطلقاً ،وقد ذهب إلى ذلك: جمهور الأصوليين من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية. القول الثاني: الاستصحاب ليس بحجةٍ شرعية، ولايجوز الاحتجاج به مطلقاً ، وقد ذهب إلى ذلك: أبو الحسين البصري ، وابن الهمام الحنفي، وابن السمعاني. القول الثالث: الاستصحاب حجةٌ شرعية ، ويجوز الاحتجاج به في الدفع دون الإثبات، وقد ذهب إلى ذلك: جمهور المتأخرين من الحنفية، كالبزدوي ، والسرخسي ، وابن نجيم. ينظر: البرهان (2/ 1135 - 1141) ، المستصفى (2/ 406 - 411) ، الإحكام لابن حزم (5/ 2 - 5) ، السرخسي (2/ 147) ، العدة (4/ 1262 - 1268) ، الإحكام للآمدي (4/ 155/169) ، المحصول (6/ 109 - 121) ، قواطع الأدلة (3/ 365 - 367) ، شرح تنقيح الفصول للقرافي (351 - 352) ، الإبهاج (3/ 168 - 172) ، نهاية السول (4/ 366 - 373) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 17 - 26) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 284 - 285) ، كشف الأسرار (3/ 377 - 383) ، شرح الكوكب المنير (4/ 403 - 407) ، إرشاد الفحول (2/ 974 - 979).
(2) ينظر: المستصفى (2/ 409 - 410) ، الإحكام لابن حزم (5/ 2) ، المحصول (6/ 109) ، شرح تنقيح الفصول للقرافي (351) ، الإبهاج (3/ 171) ، نهاية السول (4/ 366) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 17) ، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (2/ 284) ، كشف الأسرار (3/ 377) ، شرح الكوكب المنير (4/ 403) ، إرشاد الفحول (2/ 974 - 975).
(3) الإبهاج: (3/ 169).
(4) ينظر: المستصفى (2/ 412) ،الإبهاج (3/ 169) ، البحر المحيط للزركشي (6/ 22) ، شرح الكوكب المنير (4/ 406) ، إرشاد الفحول (2/ 978).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
قال الزركشي: " لأن محلَّ الوفاق غير محلِّ الخلاف، فلا يتناوله بوجه، وإنما يوجب استصحاب الإجماع حيث لا يوجد صفةٌ تغيِّره، ولأن الدليل إن كان هو الإجماع فهو محالٌّ في محلِّ الخلاف، وإن كان غيره فلا مستند إلى الإجماع الذي يزعم أنه يستصحب" (1).
ومن أهم الأدلة على حجيِّة الاستصحاب بأنواعه الثلاثة مايلي:
أولاً: كلُّ ما تحقَّق ولم يُظَنَّ معارضٌ له فإنه يستلزم ظنَّ بقائه، والاستصحاب يفيد ظنَّ بقاء الحُكْم إلى الزمن الثاني، ، والعمل بالظنِّ واجبٌ في الشرعيات، فالاستصحاب يجب العمل به (2).
قال الفخر الرازي: " ولا معنى لكونه حُجَّةً إلا ذلك" (3).
ثانياً: إن العقلاء من الخاصَّة والعامَّة اتفقوا على أنهم إذا تحقَّقوا وجود الشيء أو عدمه، وله أحكامٌ خاصَّةٌ به، سوغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في المستقبل من زمان ذلك الأمر، حتى إن الغائب يراسل أهله، ويراسلونه، بناءً على العلم بوجودهم، ووجوده في الماضي، ويُنْفِذ إليهم الأموال وغير ذلك، بناء على ما ذُكِر، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، لما ساغ لهم ذلك (4).
ثالثاً: إن بقاء الباقي راجحٌ على عدمه، وإذا كان راجحاً وجب العمل به اتفاقاً وهو المدَّعى، ووجه رجحانه من وجهين، أحدهما: أن الباقي يستغني عن السبب والشرط الجديدين؛ لأن الاحتياج إليهما إنما هو لأجل الوجود، والوجود قد حصل لهذا الباقي، فلا يُحتَاج حينئذٍ إليهما، وإلا يلزم تحصيل الحاصل، بل يكفيه دوامها بخلاف الأمر الذي يحدث، فإنه لابدَّ له من سببٍ وشرطٍ جديدين فيكون عدم الباقي--------------------------------------------
(1) البحر المحيط: (6/ 17).
(2) ينظر: المحصول (6/ 109) ، الإحكام للآمدي (4/ 155) ، الإبهاج (3/ 171) ، بيان المختصر للأصفهاني (3/ 264) ، نهاية السول (4/ 367).
(3) المحصول: (6/ 109).
(4) ينظر: المحصول (6/ 121) ، الإحكام للآمدي (4/ 156) ، شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 150).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)