فسكن". رواه الترمذي «1» وقال:" حسن صحيح"، ورواه أحمد «2» والبخاري بألفاظ متعددة «3».
ومنها: ما روى ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
بم «4» أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟ فدعاه «5» رسول الله- صلى الله عليه وسلم «6» فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له:" ارجع، فعاد. فأسلم الأعرابي. رواه/ الترمذي «7» وقال:" حسن صحيح «8» " والعذق: شمراخ النخل الذي فيه الرطب «9».--------------------------------------------
(1) في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الخطبة على المنبر، وفي كتاب المناقب باب 6 بترقيم إبراهيم عطوة، وهذا لفظ الترمذي في المناقب.
(2) في المسند (1/ 249، 267، 363 - 3/ 295، 300، 306، 324).
(3) في كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
قلت: وأخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب مقام الإمام في الخطبة، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في بدء شأن المنبر، والدارمي في كتاب الصلاة، باب مقام الإمام إذا خطب والبيهقي في دلائل النبوة 6/ 66.
(4) في (أ): بما.
(5) في (أ): فدعى، وفي (ش): فدعا.
(6) صلى الله عليه وسلم: ليست في (أ).
(7) في كتاب المناقب، باب 6 بترقيم إبراهيم عطوة، وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 620) وقال:
" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وسكت عنه الذهبي في التلخيص موافقة له في حكمه.
(8) عبارة الترمذي:" حديث حسن غريب صحيح".
(9) العثكال الذي عليه الثمر. [انظر غريب الحديث للخطابي 1/ 482، ولسان العرب 3/ 31، والمصباح المنير 1/ 381].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 573)
ومنها ما روى يعلى بن مرة «1» قال: خرجت مع النبي- صلى الله عليه وسلم «2» ذات يوم إلى الجبانة «3»، حتى إذا أبرزنا «4»، قال: انظر ويحك «5» هل ترى من شيء يواريني «6» "؟ قلت: ما أرى شيئا يواريك «7» إلا شجرة، ما أراها--------------------------------------------
(1) أبو المرازم يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي. ويقال: العامري. اسم أمه: سيّابة، فنسب إليها، فقيل: يعلى بن سيّابة. شهد الحديبية، وخيبر، والفتح، وحنينا، والطائف. وكان من أفاضل الصحابة. ولم تذكر سنة وفاته. [انظر الاستيعاب 4/ 1587، والإصابة 3/ 669، (ت:
9361)].
(2) صلى الله عليه وسلم: ليست في (م)، (ش).
(3) الجبانة: الجبّان والجبّانة الصحراء، وهي المراد هنا، وتسمى المقابر أيضا: جبّانة لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه. [انظر الفتح الرباني 22/ 44، والمصباح المنير 1/ 111، ومراصد الاطلاع 1/ 310].
(4) وفي المسند: برزنا.
وبرزنا: من البراز بالفتح: الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وقيل: البراز: الصحراء البارزة.
فيكون معنى الجملة هنا: حتى إذا كنا في الفضاء الخالي من الشجر، أو في الصحراء البارزة.
[انظر المصباح المنير 1/ 56، وتهذيب الأسماء واللغات 3/ 25].
(5) ويحك: كلمة ترحم وتوجع. تقال لمن وقع في بلية يرحم ويدعى له بالتخلص منها. وهي مقابل كلمة ويل التي هي كلمة عذاب تقال لمن وقع في هلكة أو بلية لا يترحم عليه. قال صلى الله عليه وسلم:
«ويح عمار تقتله الفئة الباغية" [أخرجه البخاري، في الصلاة، باب: 63، ومسلم: في الفتن حديث: 7] وقال صلى الله عليه وسلم: «ويلك من يعدل إذا لم أعدل» [اخرجه البخاري في الأدب، باب 95]، وانظر لسان العرب 2/ 638 - 639].
(6) أي يسترني. [الفتح الرباني 22/ 44].
(7) يواريك: سقطت من: (م)، (ش).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 574)
تواريك قال:؛ فما قربها «1»؟ " قلت: شجرة مثلها أو قريب منها. قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم «2» يأمركما أن تجتمعا بإذن الله" قال: فاجتمعنا، فبرز لحاجته ثم رجع فقال:" اذهب إليهما فقل لهما" إن رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها فرجعت «3».
قال: وكنت معه ذات يوم جالسا إذ جاء جمل يخب حتى برك بين يديه ثم ذرفت «4» عيناه فقال:" ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا"/ قال: فسألت فوجدته «5» لرجل من الأنصار، فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ قال:
لا أدري، عملنا «6» عليه ونضحنا عليه «7» حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال:" فلا تفعل هبة لي، أو بعنيه" قال «8»: بل هو لك يا--------------------------------------------
(1) في المسند:" فما بقربها".
(2) صلى الله عليه وسلم: ليست في (أ)، (ش).
(3) إلى هنا أخرجه مسلم بمعناه: في كتاب الزهد، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر حديث 74، وبنحوه أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الارتياد للغائط والبول، وأبو نعيم في دلائل النبوة ص 333 - 337.
(4) عبارة المسند:" قال: وكنت عنده جالسا ذات يوم إذ جاءه جمل يخبب حتى صوب بجرانه بين يديه … " وبجرانه: أي باطن عنقه [انظر الفتح الرباني 22/ 44].
(5) عبارة المسند:" قال: فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته … ".
(6) في مسند أحمد:" لا أدري والله ما شأنه، عملنا … ".
(7) عليه: ليست في (أ).
(8) في مسند أحمد: فقال.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 575)
رسول الله. قال: فوسمه بسمة الصدقة «1» ثم بعث به «2».
ومنها: أنه صح أن قتادة بن النعمان قلعت عينه في حرب فقال: يا رسول الله إن لي امرأة وأنا أحبها وأخاف أن تبغضني لعوري أو كما قال «3»، وكانت قد سالت على خده. فأعادها النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانها فكانت أحسن عينيه بعد «4».
وروى البكري «5» في سيرته: أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته في حفر «6» الخندق" وقد ذبح له شاة وطبخها وكان له ابنان صغيران،/--------------------------------------------
(1) في (أ): للصدقة.
(2) أخرجه بكامله بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (4/ 170 - 171) والدارمي بمعناه في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم، والحاكم بغير هذا اللفظ في المستدرك (2/ 617 - 618) وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة" وتبعه الذهبي في التلخيص فقال:" صحيح". وأخرجه البيهقي من طرق بألفاظ في دلائل النبوة (6/ 18 - 27)، وله شواهد عديدة متفرقة في كتب السنة.
(3) في (م):" قال قال".
(4) سبق تخرجه في هامش ص: 261 من هذا الكتاب.
(5) أبو الحسن: أحمد بن عبد الله بن محمد البكري، تقدمت ترجمته في ص 178 من قسم الدراسة. وهو:" طرقي مفتر، لا يستحي من كثرة الكذب، شحن به مجاميعه وتواليفه، هو أكذب من مسيلمة".
قلت: وهو غير العلامة أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الذي صنف في أعلام النبوة، وفي فنون شتى.
(6) في حفر: سقطت من: (م).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 576)
فقال أحدهما للآخر: قم حتى أفعل بك، كما فعل أبونا بالشاة، فذبحه ثم جاء «1» ليجعله في التنور، وهو مسجور، فوقع الآخر على رأسه فيه فاحترق، فوقع الصائح في دار جابر. فأخبر النبي بذلك فدعا بهما، فشملهما بكساء أو نحوه، ثم توضأ وصلى ودعا الله، فقاما حيين «2».
إلا أن هذا لم يثبت ثبوت غيره من الخوارق «3».
ومنها: أنه- عليه السلام يوم حنين لما ولى أصحابه نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال:" شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله.
وقسم رسول الله غنائمهم «4» بين المسلمين" رواه مسلم «5»./--------------------------------------------
(1) فى (أ): ثم جاز.
(2) لم أجد أن أحدا أخرج هذه القصة غير البكرى الكذاب، ولو كانت صحيحة لما تركها المحدثون وأهل السير، ولكانت مشهورة لأنها من الأمور ذات الشأن العظيم، وهو إعادة الأموات أحياء، وهذا لا يكون إلا لله عز وجل فهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. وهذه معجزة لعيسى عليه السلام ولم تذكر لأحد من الأنبياء غيره. والله أعلم.
(3) قلت: لا يليق بالطوفي إخراج مثل هذه الحكاية الكاذبة التي من طريق البكري وأمثاله ممن اشتهروا بالوضع والكذب.
(4) فى صحيح مسلم:" فهزمهم الله- عز وجل وقسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم غنائمهم .. ".
(5) فى كتاب الجهاد، باب غزوة حنين، حديث 81، وأخرجه أيضا في نفس الباب بألفاظ غير هذا.
وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة (5/ 137 - 145) من طرق متعددة وبألفاظ مقاربة لألفاظ مسلم. وأخرج القصة الإمام أحمد في المسند (1/ 453 - 454) ونقلها ابن كثير في البداية والنهاية 4/ 322 - 332 عن مسند الطيالسي، وعن مسدد في مسنده وابن عساكر، وذكر كل ما يتعلق بغزوة حنين من هذه الروايات.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 577)
وفي بعض الروايات أنه قال لبغلته: الصقي بالأرض فلصقت، فأخذ ترابا ثم قامت. وهذا لا ينافي قوله في رواية مسلم: نزل عن البغلة، لأنها لما لصقت بالأرض صار كالنازل عنها بالأرض، فشبه على الراوي فظنه نزولا حقيقيا خصوصا في ذلك الوقت الذي تشتبه الحقائق فيه على الإنسان لاشتغاله بالحرب والقتال «1».
ومنها: قوله لأصحابه:" إني لأراكم من وراء ظهري «2» ".
ومنها: ما تواتر عنه من نبع «3» الماء من بين أصابعه كالعيون في مرات كثيرة يطول- عليّ- ذكرها «4».
ومنها: ما أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: كنا مع--------------------------------------------
(1) لم أجد هذه الرواية التي أشار إليها في كتب السنة، ولو كانت صحيحة لاستفاض خبرها مع أنها كما قال لا تنافي النزول بل في بعض روايات مسلم:" فأخذ حصيات" ولم يذكر أنه نزل ليأخذ، وفي بعض روايات البيهقى ورواية أحمد بل قال لابن عباس: ناولني كفا من تراب فناوله.
(2) أخرجه البخاري فى كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وفي كتاب الأذان باب الخشوع في الصلاة، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها، بألفاظ متعددة. والبيهقي في دلائل النبوة (6/ 73).
(3) في (أ): من بيع.
(4) انظر في ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة، وفي الأشربة، باب شرب البركة، والماء المبارك، وفي كتاب الوضوء باب الوضوء من التور، وباب الغسل والوضوء في المخضب والقدح … ، وما أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حديث 4، 5، 6، 7، والترمذي في كتاب المناقب باب 6 بترقيم إبراهيم عطوة، والنسائي في كتاب الطهارة، باب التسمية عند الوضوء، والدارمي في المقدمة، باب ما أكرم الله النبي صلى الله عليه وسلم من تفجير الماء بين أصابعه، وأحمد في المسند (3/ 132، 147، 170، 215، 289، 343) وما أخرج غير هؤلاء في ذلك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 578)
النبي صلى الله عليه وسلم في «1» مسير،/ فنفدت أزواد القوم، حتى هموا بنحر بعض جمالهم.
فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره، فدعا عليها/ حتى ملأ القوم أزودتهم. فقال عند ذلك:" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما «2» إلا دخل الجنة" «3».
وفي أفراده أيضا: من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله فجمعنا تزوادنا «4» فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم «5» فإذا هو كربضة العنز ونحن أربع--------------------------------------------
(1) في (ش): مع رسول الله صلى الله عليه.
(2) فيها: ليست في: (م).
(3) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل عن أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا حديث 44 عن أبي هريرة قال كنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم في مسير، قال فنفدت أزواد القوم. حتى هم بنحر بعض حمائلهم. قال: فقال عمر: يا رسول الله: لو جمعت ما بقي من ازواد القوم فدعوت الله عليها. قال ففعل. قال فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. قال: وقال مجاهد:
وذو النواة بنواته. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. قال فدعا عليها. حتى ملاء القوم أزودتهم. قال فقال عند ذلك" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" وأخرجه في نفس الموضع بغير هذا اللفظ حديث: 45. وأخرجه البخاري أيضا بغير هذا اللفظ عن سلمة في أول كتاب الشركة وفي كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو.
(4) في صحيح مسلم:" فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا مزاودنا" وقال النووي في شرح صحيح مسلم:" هكذا في بعض النسخ أو أكثرها. وفي بعضها: أزوادنا. وفي بعضها: تزوادنا" اهـ.
قلت: هو من تزود تزويد وتزوادا. اهـ. ومعنى: فجمعنا: أي ما تزودناه. [انظر لسان العرب 3/ 198].
(5) في صحيح مسلم:" فاجتمع زاد القوم على النطع. قال فتطاولت لأحرزه كم هو؟ فحرزته كربضة العنز … ". والنطع: وعاء من الأدم. [لسان العرب 8/ 357].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 579)
عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا .. «1» ".
قلت: وهاتان قضيتان لوجهين:
أحدهما: أن الحديث الأول كان بإشارة عمر، وهذا كان ابتداء من النبي- صلى الله عليه وسلم «2» على ظاهر الحديث.
الثاني: أنه تبين في غير هذا الطريق أن إشارة عمر كانت «3» في غزوة تبوك وكان عسكرهم فيها فوق ثلاثين ألفا «4»، وهذا الحديث أخبر أنهم كانوا أربع عشرة مائة. إلى قضايا كثيرة غير «5» هذه، حصل لنا من مجموعها العلم الجازم--------------------------------------------
(1) الجرب: الوعاء من الجلد. [انظر المشوف المعلم 1/ 151، لسان العرب 1/ 261]. قلت: وهذا آخر حديث في كتاب اللقطة في صحيح مسلم.
وتمامه:" فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (فهل من وضوء؟ قال فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة- قليل من الماء- فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة- نصبه صبا- أربع عشرة مائة … ) اهـ. قلت:
ففيه معجزتان: الأولى: تكثير الطعام. والثانية: تكثير الماء.
(2) في (أ): من النبي عليه وسلم، وفي (ش): عليه السلام.
(3) " عمر كانت" مكررة في (أ).
(4) اختلفت الروايات في عدد جيش المسلمين في تبوك، ففي صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب حديث كعب بن مالك: حديث 55:" وغزا بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان"، وذكر ابن حجر في الفتح أن الحاكم في الاكليل روى من حديث معاذ أنهم أكثر من ثلاثين ألفا، وهذا ما ذكره الواقدي في المغازي (3/ 996) وابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 166) وقد نقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفا. (فتح الباري 8/ 117 - 118) قلت: ويمكن الجمع بين الأقوال بأن العشرة آلاف هم فرسان والثلاثين غير الفرسان فيكون جميعهم أربعين ألفا. والله أعلم.
(5) في (أ): عين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 580)
بظهور الخارق المطلق على يديه، وإن لم يحصل العلم بوجود كل واحدة واحدة من هذه القضايا الجزئية بعينها، فهذا هو التواتر المعنوي. وهذا المذكور في إطعام الخلق الكثير من زاد قليل، أعظم مما حكاه النصارى في الإنجيل عن المسيح أنه أطعم أربعة آلاف رجل وامرأة من خمس خبزات وحوتين، وفضل اثنتا «1» عشرة سلة «2»، لأن العسكر كان في تبوك فوق ثلاثين ألفا.
فإن قيل: هذا إنما تواتر عند المسلمين، ولم يتواتر عندنا.
قلنا: لا يخلوا إما أن تشترطوا في التواتر ما اشترطه اليهود من أن المخبرين به لا يجمعهم دين واحد أولا تشترطوا ذلك،/
فإن اشترطتموه لئلا يلزمكم تواتر هذه الخوارق لمحمد، لزمكم مثله لليهود فإنهم يقولون: ما تواترت عندنا خوارق المسيح. والنصارى متهمون.
وإن لم تشترطوه فهذه خوارق قد تواترت عند المسلمين في شرق الأرض وغربها، فيلزمكم التصديق بها.
ثم نفرض الكلام معكم في هذا الخارق الخاص: وهو إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير.
فنقول: كما لم يتواتر ذلك/ عندكم عن محمد، كذلك/ لم يتواتر عندنا عن المسيح، بل إنجيلكم رأيناه، فإن سلمتم سلمنا، وإن منعتم منعنا.
فإن قلتم: نمنع وتمنعون، ثم نرجع إلى ما سلمتموه من إحياء الموتى ونحوه فأنتم إلى ماذا ترجعون؟.--------------------------------------------
(1) في (أ):" اثنتي" بالنصب أو الجر. وهو خطأ نحوى.
(2) انظر إنجيل يوحنا الأصحاح السادس.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 581)
قلنا: أما أولا «1»: فنحن ما سلمنا معجزات المسيح المطلق الذي تعتقدونه أنتم إلها أو ابن إله. وتعتقده اليهود: ابن يوسف النجار، أو لبغيّة «2»، وإنما سلمنا معجزات المسيح، الذي بشر بمحمد وشهد له بالرسالة، وأمر من أدركه منكم باتباعه. أما مسيحكم «3» الذي تعنونه فلا نسلم أنه كان له وجود فضلا عن أنه أتى بمعجز أو غيره «4».
ولو سلمنا ذلك لكم للزمنا أن نعتقد إلهيته كما اعتقدتم. وذلك خروج عن دين الإسلام والسلام.
وأما ثانيا: فإنا نرجع إلى القرآن، وسنبين وجه كونه معجزا.
وقوله:" إن أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة".--------------------------------------------
(1) فى (م): أما الأول.
(2) في (أ)، (م): لغية. والصحيح ما أثبته. ومعنى بغية: زانية.
[انظر تفسير القرطبي 11/ 91].
(3) فى (أ): مستحم.
(4) ورد إلى مصر نصراني في زمن العز بن عبد السلام فناظره فكان مما قال النصراني: إذا أجبتني على هذه المسألة دخلت الإسلام … ثم قال:" أيهما أفضل المتفق عليه أو المختلف فيه، فقال الشيخ عز الدين: المتفق عليه. قال النصراني: فقد اتفقنا نحن وأنتم على نبوة عيسى واختلفنا في محمد، فيلزم أن يكون عيسى أفضل وأن تتبعوه … فقال العز: أي عيسى تعني؟ إن كنت تعني عيسى الذي قال لبني إسرائيل: ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6] فهو الذي نوافق على نبوته ويلزمك أن تتبعه فيما قال، وتؤمن بأحمد الذي بشر به، وإن كنت تعني عيسى لم يقل ذلك فهذا لا نؤمن به، ولا نوافق عليه، فقامت الحجة وأسلم النصراني". اهـ.
(انظر دراسة المحقق للأجوبة الفاخرة للقرافي ص 44).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 582)
قلنا: هذا سوء أدب لا يليق على عامة الناس، بل أشرافهم، فضلا عن الأنبياء أرباب الأديان العامة والنواميس المشهورة. ولكن هذا النصراني قد يعذر طبعا في هذا السفه، فإنه قد عاش في أرض الإسلام عمره ذليلا مهانا عليه الجزية، ملتزما أحكام الملة،/ لم يقدر على شفاء غيظ، ولا إراقة فيض، فشفى غيظه بالسفه خفية، كما قال بعضهم:
" أوسعتهم سبا، وراحوا بالإبل «1» "
وكما قالت العامة في المثل: ألستم في الهوى، والصفع في القفا؟ «2»
قوله:" وأهل الحق القليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة".
قلنا: هذا مستدرك من وجهين:
أحدهما: قولك: إنكم قليلون بالنسبة إلى المسلمين. إن عنيت في دار--------------------------------------------
(1) قيل: إن رجلا من العرب أغير على إبله فأخذت، فصعد أكمة وجعل يشتم من أخذها فلما رجع إلى قومه سألوه فقال:" أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل" وقيل: أن أول من قال ذلك: كعب بن زهير. وذلك أن الحارث بن ورقاء أغار على بني عبد الله بن غطفان، واستاق إبل زهير وراعيه فقال قصيدة وأرسلها إلى الحارث فلم يرد الإبل، فهجاه فقال كعب: أو سعتهم سبا وأودوا بالإبل فذهبت مثلا.
[انظر مجمع الأمثال 2/ 363 - 364].
(2) لم أعرف من قاله. وقد أورد الميدانى في مجمع الأمثال (2/ 257) مثلا للمولدين قريبا منه وهو:" لو وقعت من السماء صفعة ما سقطت إلا على قفاه".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 583)
الإسلام فهو صحيح. لكن مرادك خلافه بمقتضى كلامك: يتبعون سيدنا المسيح، فإن هذا يعم- بزعمك- كل نصراني ينتحل دين المسيح، فيكون التهافت على هذا التقدير بين لفظك ومرادك. وإن عنيت مطلقا، فالنصارى أكثر الأمم فإنهم استقلوا بالبلاد الشامية «1»، وأطراف السواحل، وهم أهل الحبشة وملاكها، وبهم وبيأجوج ومأجوج «2» تمتلئ جهنم إن شاء الله.
الوجه الثاني: قولك:" سيدنا المسيح".
من سيدك المسيح؟ لعمري إن مع التحقيق سيدك المسيح ضاع. لأن المسلمين قالوا: ما قتل ولا صلب، بل رفعه الله إليه. وأنتم تقولون: قتل وصلب ودفن وقام «3» بعد ثلاث من الأموات، واليهود وافقوكم على صلبه، وخالفوكم في قيامه. فعلى قولهم سيدكم المسيح قد صار رميما، ثم إذا كان يوم القيامة كان لكم أشد--------------------------------------------
(1) فى (م): الشمالية.
(2) يقال: إنهم من نسل يافث، أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة، كل أمة لا يعلم عددها إلا الله، لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع. وصنف: عرضه وطوله سواء، وصنف يفترش أذنه ويلتحف الأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم وقيل: صنف منهم بطول شبر سيفسدون في الأرض بالظلم والقتل وسائر وجوه الإفساد من البشر، يمنعهم الله من الدخول إلى مكة والمدينة وقد ورد من النقول ما يضيق المقام بذكرها والحكم عليها. (انظر تفسير الطبري 16/ 17 - 22، وتفسير القرطبي 11/ 56 - 58، وتفسير ابن كثير 3/ 103 - 104).
(3) وقام: ليست في (م).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 584)
الناس خصما لكذبكم وافترائكم عليه واتخاذه إلها،/ ومخالفتكم لوصاياه من بعده.
ثم يلزمه من هذا الكلام تناقض آخر: وهو أنه قد سبق منه انكار النعيم الحسي في الآخرة من الأكل والشرب والنكاح «1».
ثم قد/ أثبت هاهنا جهنم، وذكرت في الإنجيل في مواضع كثيرة، تارة بلفظها وتارة بمعناها، فيقول:" هنالك تكون الظلمة، وصرير الأسنان «2» " وهذا عذاب حسي. فالحكمة تقتضي اتحاد جنس الثواب والعذاب. فإما أن يكونا حسيين، وهو نقض لما سبق منه من إنكار النعيم الحسي، وإما عقليين، كما احتج عليه في طرف «3» النعيم بقول" ابن سينا" في" الإشارات" فيلزمه أن يكون العذاب عقليا، كما قرره الفلاسفة. وفي ذلك ترك ما صرح به الإنجيل من العذاب الحسي.
[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته]
قال:" وإذ فرغنا من الكلام في أنه لم يتحل بمعجزة قدمها بين يدي دعواه/ ولا أظهرها بعد ذلك، فلا متمسك لمنازع إلا أن يقول: القرآن معجزة لفصاحته".
قال:" ولا حجة في ذلك، لأن الفصاحة هي التقرب من البغية، والتباعد من حشو الكلام. وقيل: دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى «4» ونظامه،--------------------------------------------
(1) انظر ص: 501 من هذا الكتاب.
(2) انظر الأصحاح الخامس والعشرين من انجيل متى.
(3) هكذا في النسخ الثلاث:" طرف" ولعل الأصح:" طرفي" أي الحسي والعقلي.
(4) في (أ): المعني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 585)
وقلة «1» الألفاظ واختصارها، وإذا تأملت جميع القرآن وجدت أكثر عباراته لا توضح وجه المعنى، ولا تتأتى معانيه على نظام مناسب «2» والدليل على ذلك:
أن المفسرين مع كثرة عددهم يفنون أعمارهم في الاختلاف في تأويله ويصنفون فيه التصانيف الطويلة، ويقع بينهم الشر والمخالفات، ولا ينفصلون عن معارك النزاع والتضاد في تفسيره، ويتفرقون فرقا ملقبة كالعلوية «3» والبكرية «4»،--------------------------------------------
(1) في (أ): وقبله.
(2) مناسب: ليست في (أ).
(3) العلوية: كل من كان من نسل علي بن أبي طالب- رضي الله عنه يقال له علوي، وهم كثيرون، إلى عصرنا هذا، وباسمهم قامت الدولة العلوية نسبة إلى مؤسسها الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل الحسني العلوي المتوفى سنة خمسين ومائتين من الهجرة في طبرستان وكان آخر رجالها الحسن بن قاسم العلوي الذي قتل سنة 316 هـ. ولكن توسع في إطلاق اسم" العلويين" على كل من ناصر دولتهم من الشيعة عموما. وهؤلاء يؤلهون عليا- رضي الله عنه ويقولون بالحلول والتناسخ في أئمتهم وهم أكفر من اليهود والنصارى كما ذكر ابن تيمية- رحمه الله وغيره من علماء المسلمين، لا يصلون ولا يصومون. وهم ينتسبون إلى رئيسهم محمد بن نصير. ومن كفرهم أنهم إذا سمعوا المؤذن في مساجد المسلمين يقولون:" لا تنهق علفك يأتيك". [انظر الكامل في التاريخ 6/ 316، والأعلام 2/ 191، 210، ورحلة ابن بطوطة 1/ 96 - 97، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 61، والملل والنحل 1/ 188 - 189، والجزء الأول من الجواب الصحيح- رسالة دكتوراه- للدكتور علي بن حسن العسيري ص 177].
(4) البكرية: أصحاب بكر بن أخت عبد الواحد بن يزيد، ويقال له: بكر بن زياد الباهلي. الدجال الوضاع. من مذهبه أن الكبائر من أهل القبلة نفاق، ومرتكبها عابد للشيطان مكذب لله منافق، وهو مع ذلك مسلم مؤمن والقاتل لا توبة له وقتال علي وطلحة بن الزبير كفر وشرك لكن مغفور لهم. وأن الله يرى يوم القيامة في صورة يخلقها ويكلم عباده منها. [انظر مقالات الإسلاميين ص 286 - 287، والفرق بين الفرق ص 212].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 586)
والمعتزلة «1»، والأشعرية «2»، وغيرهم من طوائف عديدة، يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ويقبح قوم مذهب قوم ولا يقعون على تفسير يتفق أهل الملة بجملتهم عليه ولا شطرها ويكفيك في ذلك شهادة القرآن لما قلناه./ حيث يقول:" وما يعلم تأويله إلا الله «3» ".
قلت: قد بينا: أن محمدا صلى الله عليه وسلم تحلى بالمعجزات. وأما القرآن فهو معجز عظيم لفصاحته، واشتماله على الأخبار بالغيوب، وإفحامه العرب العاربة «4»:
أهل الفصاحة.
وأما ما ذكره من حد الفصاحة أولا، فهو جيد، وهو موجود في القرآن فإن معانيه إلى الفهم تسبق ألفاظه إلى السمع.
وأما ما ذكره ثانيا ففاسد. لأنه لا خلاف عند أحد من العالم أن العرب كانوا فصحاء في نثرهم ونظامهم./ مع أن في كلامهم الفصيح ما هو مجمل لا يتضح فيه وجه المعنى.--------------------------------------------
(1) تقدم التعريف بهم في الدراسة ص: 84.
(2) تقدم التعريف بها في قسم الدراسة ص: 85.
(3) سورة آل عمران، آية: 7.
(4) العرب العاربة: العرب جيل من الناس معروف، خلاف العجم. والعرب العاربة هم الخلص منهم وأخذ من لفظه فأكد به، كقولك: ليل لائل، وتقول: عرب عاربة وعرباء: أي صرحاء، ومتعربة ومستعربة: دخلاء ليسوا بخلص. والنبي صلى الله عليه وسلم بعث في قريش وهم من العرب الخلص الفصحاء فكان القرآن معجزة من جنس ما برعوا فيه. [انظر لسان العرب 1/ 586، وسيرة ابن هشام المجلد الأول ص 7 - 12].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 587)
ثم إنك أنت نصراني علج، أقلف اللسان، ما لك وللفصاحة، والبلاغة «1» لها قوم تكلموا فيها.
فقالوا: الفصاحة: خلوص اللفظ من التعقيد، الموجب لقرب فهمه، ولذاذة «2» استماعه. وذلك باشتماله على صفات ذكرت في مواضعها «3»، والبلاغة: كون الكلام الفصيح موصلا للمتكلم إلى أقصى مراده «4»، وقال أمير المؤمنين علي- عليه السلام: البلاغة: ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة" «5».
وقال في لفظ آخر: البلاغة: أن تقول فلا تبطىء، وتصيب فلا تخطئ «6» وهذا «7» كله موجود في القرآن.
وقوله:" عبارة القرآن لا توضح وجه المعنى، ولا تأتي على نظام مناسب.
سوء فهم وقصور في النظر «8»، ويكفي في بطلان قوله أن عامة الناس وخاصتهم يفهمونه إذا سمعوه «9».--------------------------------------------
(1) الفصاحة لغة: البيان. نقول: رجل فصيح وكلام فصيح: أي بليغ. والبلاغة: الفصاحة. [انظر لسان العرب 2/ 544، 8/ 420].
(2) في (م): وإرادة.
(3) الإكسير في علم التفسير، للمؤلف ص 107 ط مكتبة الآداب.
(4) الإكسير في علم التفسير ص 107 ط السابقة.
(5) لم أجدها في نهج البلاغة المنسوب إلى علي رضي الله عنه.
(6) لم أجدها في نهج البلاغة المنسوب إلى علي رضي الله عنه.
(7) في (أ): ولهذا.
(8) في (أ): اللنظر.
(9) يكفي في الرد على النصراني في هذا قصة النجاشي- رحمه الله وأساقفة النصارى في مملكته حين قرأ جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه أول سورة مريم فبكوا حتى أخضلوا لحاهم. وذكر أن نصرانيا لما سمع قوله تعالى: ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [سورة النور، آية: 52] قال:" جمعت هذه الآية ما أنزل على عيسى من أمر الدنيا والآخرة".
[انظر منحة القريب المجيب ص 185].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 588)
وأما اختلاف المفسرين في بعضه فليس لما «1» ذكر، بل تارة للخلاف في أسبابه، وتارة لاختلاف مذاهبهم، فيطلبون تأويله عليها، وتارة لإجمال في ألفاظه/ وذلك من وجوه إعجازه حيث كان فصيحا، بالنسبة إلى كل قوم يفهمون منه ما يدعونه، وليس من شرط الفصاحة النصوصية على المراد ألا ترى إلى شعر امرئ القيس «2» ونحوه من الشعراء الجاهلين، لا خلاف في فصاحته مع كثرة احتمالاته واجمالاته «3».
وأما تكفير بعض الطوائف بعضا «4» فليس سببه اشتباه القرآن، بل ذلك لمواد عقلية وفلسفية دخيلة على الإسلام، كما عرف من مذهب المعتزلة ونحوهم.
وأما قوله:" لم يتفقوا على تفسير شيء منه" فباطل. بل قد اتفقوا على كثير منه، والخلاف فيما اختلفوا فيه منه، ليس لأمر عائد إلى لفظه ولا بدّ بل وإلى أمور خارجة.--------------------------------------------
(1) في (ش): كما.
(2) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني أكل المرار، أشهر شعراء العرب في الجاهلية.
يماني الأصل. قيل: ولد بنجد، وقيل: باليمن. اشتهر بلقبه:" امرئ القيس" واختلف في اسمه: فقيل: حندج وقيل: مليكة، وقيل: عدي. أبوه ملك أسد وغطفان، وأمه أخت المهلهل الشاعر المشهور. كان امرؤ القيس من الغارقين في اللهو والمجون يشبب بالنساء، ويشرب الخمر، وشعره يشهد بذلك. مات قبل الهجرة بنحو ثمانين عاما.
[انظر الأعلام 2/ 11 - 12].
(3) «واجمالاته»: ليست في (ش).
(4) بعضا: ليست في (أ).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 589)
وبالجملة فإن توقف الأمر معك على ثبوت فصاحة القرآن، استرحنا لأن الفصاحة يرجع فيها إلى أهلها. وقد اتفقوا على فصاحته./
وقوله:" وما يعلم تأويله إلا الله" ليس في جميع القرآن. كيف؟ وقد ادعى أن الناس صنفوا في تأويله التصانيف الكثيرة. وهل يصنف أحد فيما لا يعلمه؟
وإنما ذلك في ما تشابه منه حيث قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ … (7) «1».
يعنى تأويل المتشابه «2». اتفق العلماء على أن هذا مراده.--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، آية: 7.
(2) اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات:" فقال بعضهم: المحكمات ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل فما استأثر الله تعالى بعلمه" مثل وقت قيام الساعة ونحو ذلك ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. وهذا أحسن ما قيل في ذلك وليس المجال مجال تعدادها. والقرآن الكريم يحتوي على المحكم والمتشابه. والمتشابه منه يحمل على المحكم. وأهل العلم الراسخون فيه يعلمون المحكمات التي في غاية البيان والصراحة ويردون إليها المشتبهات التي تحصل فيها الحيرة لناقص العلم والمعرفة. ومعنى قوله تعالى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما تنتهي إليه، فإن العالم بذلك إنما هو الله تعالى. وإن أريد بالتأويل التفسير ومعنى الكلام على ما يفهم من كلام العرب كان العالم بذلك الله تعالى والعلماء الراسخون في العلم. أما المتشابه بغير اضافته إلى المحكم ومعرفة ما يؤول إليه الأمر فيه فاتفق العلماء على أن الله هو الذي يعلمه دون غيره كما ذكر المؤلف- رحمه الله. [انظر تفسير الطبري 3/ 182 - 184، وتفسير القرطبي 4/ 9 وما بعدها وتفسير ابن كثير 1/ 344 - 348، وتفسير السعدي 1/ 357 - 358].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 590)
ثم إن ما ذكره في القرآن والمسلمين لازم عليه في الإنجيل والنصارى. فإن في الإنجيل إجمالات كثيرة تتوجه إليها الاحتمالات،/ ولذلك اختلفت النصارى حتى كانوا يعقوبية «1»، وملكانية «2» ونسطورية «3»، وغير ذلك، يكفر بعضهم بعضا.--------------------------------------------
(1) اليعقوبية: أتباع يعقوب البراذعي الذي ظهر في وسط القرن السادس الميلادي. ويقولون إن المسيح طبيعة واحدة، وقد امتزج فيه عنصر الإله بعنصر الإنسان، وتكوّن من الاتحاد طبيعة واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت. فصار المسيح هو الله، وأن الله مات وصلب وقتل.
فبقي العالم ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع حادثا وعاد قديما. [انظر الملل والنحل 1/ 225 - 228، والفصل 1/ 111]، قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الآية: 17 من سورة المائدة، والآية: 72 أيضا.
(2) الملكانية: قيل: نسبة إلى" ملكا" الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها، وقيل: سموا بذلك لوقوفهم في صف الملك الذي أعلن أن عيسى طبيعة واحدة فلقبهم مخالفوهم بذلك ازدراء.
وهم القائلون: إن الله عبارة عن ثلاثة أشياء: أب وابن وروح القدس. وإن عيسى إله تام كله، وإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر. وإن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، والإله منه لم ينله شيء من ذلك، وأن مريم ولدت الإله والإنسان، وأنهما شيء واحد. [انظر الفصل 1/ 110 - 111، والموسوعة العربية الميسرة ص 1742]. قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ الآية 73 من سورة المائدة.
(3) النسطورية: أتباع نسطور الذي كان بطريركا على القسطنطينية في أوائل القرن الثاني الميلادي، وقد زعم أن المسيح إله تام وإنسان تام ليس أحدهما غير الآخر غير أن مريم ولدت الإنسان وأن الله لم يلد الإنسان إنما ولد الإله، فالإله ليس مولودا لمريم. [انظر الفصل 1/ 111] قال الله تعالى: وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ -
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 591)
قال:" ووجدت أيضا ألفاظه قليلة الاختصار، كثيرة التكرار في إيراده القصص وغير ذلك كسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1)، وسورة الرَّحْمنُ فإنك تجد فيها ما يعنيك وتقمع به معاديك".
قلت: هذا كلام من لا يعلم، وهو جدير أن يتعلم ثم يتكلم «1».
أما تكرار القصص فله فائدتان:
إحداهما: أن القرآن كان ينزل شيئا فشيئا «2»، ويحتاج أن يحمل إلى أقطار الأرض لينتفع الناس بما فيه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، ووعظ وأخبار ونحوه وكان المهم دعاءهم إلى الإسلام، وذلك بترهيبهم مما جرى لمخالفين من الأمم قبلهم وترغيبهم فيما فاز به المؤمنون، فكررت القصص وكانت مختلفة الألفاظ ليتفرق في البلاد كذلك، فيسمعها الناس في الأقطار وتكون باختلاف ألفاظها ادعى إلى القبول، لأن النفوس مشغوفة بمعاداة المعادات، كما قد أنكرت أنت التكرار.--------------------------------------------
- أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة: 30 - 31].
(1) قلت: وقريش وهم من العرب الخلص أهل الفصاحة والبلاغة والعناد للنبي صلى الله عليه وسلم، قد كانوا يلتمسون أي مطعن في القرآن ويسلكون كل طريق لرده، ولو وجدوا زورا لقالوه، ومع ذلك لم يطعنوا في القرآن بما طعن به هذا الأعجمي وهذا دليل على جهله، ووقوف أهل الفصاحة والبلاغة أمامه مشدوهين وخاصة أمام قصصه التي كلما سمعوها في أسلوب غير الأول بهروا وخرسوا أمامه لأن ذلك زاد القرآن فصاحة وبلاغة وإعجازا.
(2) أي ينزل منجما يقول الله تعالى: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً [سورة الفرقان: 32 - 33].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 592)