قتله وسمع ما قالت أخته" قتيلة بنت الحرث" «1» في مرثيته واستعطاف النبي عليه. قال:" لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته" «2».
وأما حماية ملوك المسلمين عنه، فلا تمنع من معارضته المعارضين لجواز أن يعارضوه سرا، ثم يموتوا فتظهر معارضتهم كما ظهرت معارضات/ المعري والمتنبي" «3» وغيرهم من الزنادقة، بل هذا الخصم بعينه صنف هذا الكتاب في--------------------------------------------
(1) قتيلة بنت الحارث. هكذا ذكر بعض المؤرخين. وقيل: بنته قتيلة بنت النضر بن الحارث شاعرة كانت زوجة عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر.
قيل: إنها أسلمت. وقيل: لم تسلم لله وهي التي جذبت رداء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف وأنشدت الأبيات التي أشار إليها الطوفي ولم يذكرها ومنها:
أمحمد يا خير ضنء كريمة في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفق بأعز ما يغلو به ما ينفق [انظر الإصابة 4/ 490 ت: 889، والأعلام 5/ 190، والروض الأنف 3/ 134، والبداية والنهاية 3/ 306، وديوان الحماسة 1/ 477، وسيرة ابن هشام المجلد الثانى ص 42].
(2) ذكر هذا ابن حجر في الإصابة الموضع السابق نقلا عن الواقدي. وقال ابن هشام في الموضع السابق أيضا ص 43:؛ فيقال والله أعلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه"، اهـ. فهذا وصيغة نقل ابن حجر أيضا وفى قول الزبير فيما نقله عن ابن حجر:" سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات ويقول إنها مصنوعة"- ما يدل على ضعفها وأن ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من بكاء وندم على قتل النضر غير صحيح. وأنه قول باطل.
وإلا لكان منقولا نقلا موثوقا ومشهورا. والله أعلم.
(3) أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، الشاعر الحكيم المتنبّئ لقب بذلك لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة- أرض بحيال الكوفة مما يلي الشام- ولما-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 613)
الطعن على الإسلام مستخفيا، ثم إنه على طول الأيام ظهر ونوقض، وليس عند أحد من رؤساء الإسلام منه خبر حتى الآن.
وهذا الكلام يحققه قول المسيح في الإنجيل:" ما من مكتوم إلا سيظهر ولا خفي إلا سيعلن" «1».
وأما معارضة المعري وأضرابه من الزنادقة، فهي ركيكة تشبه لحاهم. ولو كانت مساوية للقرآن في صفاته لظهر لها عصابة من المسلمين ينصرونها ثم اختلفت كلمة الإسلام.
كما أن مناقب أبي بكر وعلي لما كانا متساويين أو متقاربين اختلفت الأمة فيهما على قولين: أيهما أفضل؟ «2» وفضائل--------------------------------------------
- فشا أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فاعتقله زمانا ثم استتابه وأطلقه. وله شهرة واسعة في الشعر والحكم والأدب واللغة مدح كثيرا من الأمراء من أجل الولاية وهجا بعضهم لأنه لم يوله. مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
[انظر ترجمته في تاريخ بغداد 4/ 102 - 105، مقدمة ديوانه بشرح اليازجي].
(1) انظر إنجيل متى الأصحاح العاشر.
(2) القولان هما: قول أهل السنة والجماعة وقول الشيعة: فالشيعة يفضلون عليا على أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما يقولون: إنه أحق بالإمامة منهما. والشيعة أيضا مختلفون في شأن علي- رضي الله عنه فمنهم من يرى أنه إله، ومنهم من يرى أن الإله حل فيه، ومنهم من يقول إن عليا رفع إلى السماء وسينزل ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما … إلى غير ذلك مما ذهب إليه الشيعة من الباطل. أما القول الثاني: فهو قول أهل السنة والجماعة أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة وأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الحق. أخرج البخاري- رحمه الله في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر- رضي الله عنه: عن محمد ابن الحنيفية قال:
قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 614)
مروان بن الحكم «1» ومعاوية «2» وعمرو بن العاص، بل سلمان «3»، وعمار «4»،--------------------------------------------
- وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت. قال: وما أنا إلا رجل من المسلمين وهذا تواضع منه رضي الله عنه ومعرفة بالفضل لأهله. ولكن التفاضل بين الصحابة- رضي الله عنهم ليس من باب العصبية والحمية. وقد فضل أبو بكر على الصحابة لسبقه للإسلام وزيادة تقواه وإيمانه. والله أعلم.
(1) أبو الحكم وأبو عبد الملك وأبو القاسم: مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. صحابي عند طائفة كثيرة لأنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه في صلح الحديبية، كان كاتب عثمان بن عفان أيام خلافته، وعده ابن سعد والواقدي من التابعين لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وعمر مروان ثماني سنين. عايش مروان فتنة مقتل عثمان وكان له دور فيها، وقاتل في وقعة الجمل، وانهزم هو وأصحابه ثم سار إلى معاوية فقاتل معه في صفين ثم أمنه عليّ- رضي الله عنه فبايعه وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خلافة معاوية فولاه المدينة.
كان يكثر السؤال عنه الإمام علي يوم الجمل، ويقال له: سيد شباب قريش. قيل لمعاوية: من تركت لهذا الأمر بعدك فقال:" أما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله، مروان بن الحكم" وأثنى عليه الإمام أحمد ومالك. وقيل روي عن أحمد ضد هذا.
ويروى أن مروان لعن عليا عند توليه المدينة في عهد معاوية- والله أعلم- وهو أول خلفاء بني أمية بعد معاوية بن يزيد، مات بدمشق سنة خمس وستين للهجرة.
[انظر البداية والنهاية 8/ 257 - 260، والإصابة 3/ 477 - 478، ت: 8318].
(2) تقدمت ترجمته في ص: 99 من قسم الدراسة.
(3) تقدمت ترجمته في هامش ص: 549.
(4) عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي المذحجي، يكنى أبا اليقظان، كان من السابقين للإسلام وممن عذب في الله، هاجر إلى الحبشة وصلى القبلتين. وشهد بدرا والمشاهد كلها، وشهد اليمامة فأبلى فيها، وفيها قطعت أذنه. وكان يقول فيها وهو على صخرة:" يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر هلموا إليّ" وقد تذبذبت أذنه وهو يقاتل أشد القتال. قتل في صفين سنة سبع وثلاثين، ودفنه علي- رضي الله عنه.
[انظر الاستيعاب 3/ 1135 - 1140، وصفة الصفوة 1/ 442 - 446].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 615)
بل غالب الصحابة. لما لم تقارب مناقب هذين الرجلين لم تختلف الأمة فيهم «1» فكما أنه ليس كل فضيلة توجب النزاع في صاحبها وغيره. كذلك كل معارض لا يصلح أن يكون معارضا مفرقا للناس.
وأيضا: فإن كل من عارض القرآن إنما سرق بعض ألفاظه، وتابع أسلوبه فلم يلحق به لأنه مادته، كما أن التلاميذ لما كانت مادتهم في التأبيد من جهة المسيح لم يفضلهم أحد عليه، ولم يسوهم به.
وأما" العنسي" الذي صلب على العود فلا أحقق لفظه لأنه مشتبه الصورة في الكتاب الذي نقلت منه.
فإن أراد الأسود العنسي- بعين مهملة ونون وسين مهملة- فذاك قتل غيلة «2»، ولم/ نعلم أنه صلب، وإن أراد القيسي أو غيره من الألفاظ فلا نعلم من هو إلا أن «3» يكون مسيلمة الكذاب، ولم نعلم أنه صلب أيضا، ومن قرآنه «4»:" ضفدع بنت «5» ضفدعين/. نقي كم «6» تنقين. أعلاك في الماء--------------------------------------------
(1) قال الله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْواناً ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ … إلى قوله: رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة الحشر، آية: 8 - 10].
(2) خبر مقتل الأسود العنسي في صحيح البخاري (كتاب المغازي، باب قصة الأسود العنسي) وهل كان مقتله في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق في ترجمته ص: 608، أم بعد وفاته؟ الأرجح أن قتله كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أتاه خبره وهو في مرض موته الذي مات فيه- والله أعلم-.
[انظر فتح الباري 8/ 93، والاستيعاب 3/ 1265، والبداية والنهاية 6/ 310].
(3) في (ش): من هو الآن يكون.
(4) فى (أ):" ومن قراءة".
(5) في تاريخ الطبرى:" ابنة".
(6) في تاريخ الطبري:" ما".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 616)
وأسفلك في الطين" «1»." والزارعات زرعا، فالحاصدات حصدا، …
فالطاحنات طحنا، فالخابزات خبزا، فالآكلات أكلا، فاللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون" «2».
وهذا مع كونه منسوجا على أسلوب سورة" والمرسلات عرفا" فهو ضحكة مثل قائله.
وكذا قول القائل:" إنا أعطيناك الجماهر" وقول بعضهم:" إنا أعطيناك اللقلق، فصل لربك وازعق، إن شانئك هو الأبلق" فإن هذا منسوج على منوال:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1).
ولقد عدم أهله من يضحك عليهم، فضحكوا على أنفسهم ولعمري إن قول القائل:" إنا أعطيناك العمود" إلخ خير وأفصح وأرشق من هذا كله وشعر الشعراء المجيدين كجرير «3»--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ الطبري 3/ 284، ومقامع هامات الصلبان" بين الإسلام والمسيحية" ص 232، على اختلاف بين المصادر في الألفاظ المنسوبة إلى مسيلمة الكذاب.
(2) انظر تاريخ الطبري 3/ 284، ومقامع هامات الصلبان ص 232، وألفاظ النص مختلفة عندهما.
(3) أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر التميمى البصري من فحول الشعراء، وهو أشعر أهل عصره، ولد باليمامة، وكانت بينه وبين الفرزدق مهجاة ونقائض ففاق عليه جرير، وهجا الأخطل النصراني أيضا. توفي باليمامة سنة إحدى عشرة ومائة وعمره نيف وثمانون سنة [انظر وفيات الأعيان 1/ 321 - 327، وسير أعلام النبلاء 4/ 590 - 591، والبداية والنهاية 9/ 260].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 617)
والفرزدق «1» وذي الرمة «2»، ومن المحدثين أبو تمام «3» والبحتري «4» والمتنبّئ خير من هذه المعارضات/ بما لا يتناهى، وهي دون القرآن بما لا يتناهى، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) أبو فراس همام بن صعصعة بن ناحية بن عقال التميمي البصري المعروف بالفرزدق الشاعر المشهور، صاحب جرير، من شعراء الدولة الأموية ولشعره أثر في حفظ اللغة، حتى قيل: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة. قلت: وهذه مبالغة فقد حفظها الله بحفظ هذا القرآن والسنة المطهرة. توفي بالبصرة سنة عشر ومائة وقد قارب المائة عام.
[انظر سير أعلام النبلاء 4/ 590، ووفيات الأعيان 6/ 86 - 100، وشذرات الذهب 1/ 141 - 144].
(2) ذو الرمة: غيلان بن عقبة بن مسعود أو نهيس بن الحارث بن عمرو المضري. والرمة: الحبل.
من فحول الشعراء في عصر بني أمية، كان يشبب النساء مقلدا في ذلك الشعراء الجاهلين. توفي سنة سبع عشرة ومائة.
[انظر سير أعلام النبلاء 5/ 267، والبداية والنهاية 9/ 319، والأعلام 5/ 124].
(3) أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، ولد في أيام الرشيد في قرية جاسم من قرى الشام كان نصرانيا ثم أسلم، وكان شعره متميزا عن غيره، تصدر شعراء عصره وأصبحت له الزعامة بينهم، وكان لا يتكسب بشعر يخافه الشعراء أن يتكسبوا بشعرهم حتى مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين على الأرجح.
[انظر تاريخ بغداد 8/ 248، وسير أعلام النبلاء 11/ 63 - 68، والنجوم الزاهرة 2/ 261].
(4) الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي أبو عبادة البحتري، شاعر كبير يقال لشعره:" سلاسل الذهب" وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم. المتنبئ، وأبو تمام، والبحتري. اتصل بالمتوكل العباسي في بغداد ثم عاد إلى الشام. توفي سنة أربع وقيل خمس وثمانين ومائتين للهجرة.
[انظر تاريخ بغداد 13/ 476 - 481، وسير أعلام النبلاء 13/ 386 - 387، وشذرات الذهب 2/ 186 - 190].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 618)
قال:" ومن لم يقنع بهذه الأدلة التي أوردناها، وبقي له نزاع أو جدل في شيء من دين محمد مع إيضاح فساده وبيانه وتمسك بعلاقة منازعه فهو كالحية قطع رأسها وبقي ذنبها يتحرك".
قلت: قد بينا أن ما أورده شبه صادرة عن سوء فهم، وضيق علم، وأنها كحبل سحرة فرعون، وما تكلمنا به عليها كعصا موسى تلقف ما يأفكون.
قال:" الشرط الرابع: حسن الشريعة والدين، وكمالهما «1» في الخير والفضل والمعدلة، وذلك أن يتضمن دينه حض الأمة على حب الله وتوحيده والعمل الصالح وحسن العبادة وموالاتهما،/ وأن يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه. فلنختبر دين هذا الرجل هل هو موافق للدين الطبيعي المذكور وشرائع الله التي أرسل بها رسله كموسى وغيره؟ وهل هي جارية على هذا المنزع أم لا؟ ".
قلت:/ أما هذه الخصال التي ذكرها فهي منصوص عليها وعلى غيرها من خصال الخير في دين الإسلام، والكتاب والسنة بها مملوءان، ولولا أن ذكر ذلك يستدعى كتبا ويخرجنا عما نحن بصدده من مناقضة هذا الخصم لذكرته.
وأما قوله:" حض الأمة على حب الله وتوحيده" فهو تمويه وزور، أين النصراني من التوحيد مع قوله بالتثليث؟، أما اشتماله على مصالح العباد العامة والخاصة، الضروريات وغيرها، فأمر لا شك فيه، على ما أشرنا إليه في القاعدة الأولى من القواعد الفروعية في" القواعد الدمشقية".--------------------------------------------
(1) في (أ): وكمالها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 619)
[نسخ شريعة محمد- صلى الله عليه وسلم لشرائع الأنبياء قبله]
وأما شرائع الأنبياء المتقدمين. فأحكامها قسمان:
ما ورد شرعنا بنسخه فليس حجة علينا، ولا شرعا لنا.
وما لم يرد شرعنا بنسخه، فهل هو شرع لنا أم لا؟ فيه قولان للمسلمين «1».--------------------------------------------
(1) شرائع من قبلنا ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يعلم إلا بقولهم كما في لفظ ما بأيديهم من الكتب، فلا يلزمنا لأنه غير مأمون من التحريف،:" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم … ".
الثاني: ما علم بشرعنا وأمرنا به وشرع لنا، فهذا لا خلاف في أنه شرع لنا، كما في قوله تعالى:
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ … الآية [سورة المائدة: 45].
الثالث: ما دل شرعنا على أنه كان مشروعا لهم ولم يأمرنا به ولم يرد في شريعتنا ما يناقضه، مثل قوله تعالى: ولِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [سورة يوسف: 72]. فيستدل به على جواز الضمان، وكذلك قوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [سورة القصص: 27] يستدل بها على جواز الإجارة. وهذا للأصوليين فيه قولان:
أحدهما: أنه شرع لنا، واستدل أصحابه بقوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى … الآية [سورة الشورى: 13] وقوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ … [سورة الحج: 78] تقديره اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم بالإضافة إلى ما سبق. ورد هذا الاستدلال بأن المقصود قواعد العقائد لا جزئيات الفروع، لأنها هي التي وقع الاشتراك فيها بين الأنبياء كلهم، وكذلك القواعد الكلية من الفروع أما جزئيات المسائل فلا اشتراك فيها، بل هي مختلفة في الشرائع.
ثانيهما: أنه ليس شرعا لنا. واحتجوا بأنه لو كان- عليه السلام متعبدا بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة تلك الكتب، ولا يتوقف إلى نزول الوحي لكنه لم يفعل ذلك. بل عاب-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 620)
ومن أصل شرعنا: جواز نسخ الشرائع بعضها ببعض، وأن شريعتنا ناسخة لما قبلها في الجملة. فمن نازعنا في جواز النسخ أو وقوعه أو شيء من أحكامه فقد بينه الأصوليون في كتب الأصول «1».--------------------------------------------
- على عمر- رضي الله عنه عند ما رآه يطالع ورقة من التوراة. ثم إنه صوب معاذا في حكمه بالاجتهاد إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة. وهذا يقتضي أنه لا يلزمه اتباع الشرائع المتقدمة.
وأجيب عن أدلتهم: بأن شرع من قبلنا إنما يلزمنا إذا علمناه من قبل نبينا- عليه السلام بوحي، ولا يلزم مراجعة كتبهم لأنها لم تصل إلينا بسند مقطوع به كحال شريعتنا، ثم إن القرآن دل على اتباع الشرائع المتقدمة.
والصواب: أن كل ما ذكر من شرع في شريعتنا مما كان شرعا لهم هو شرع لنا لأنه ورد في شرعنا، لا لأنه شرع لهم وهذا هو ما عليه الجمهور. والله أعلم.
[انظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول للقرافي ص 295 - 300، وتفسير القاسمي 6/ 219، وأضواء البيان للشنقيطي 2/ 63 وما بعدها].
(1) نازع في النسخ اليهود والنصارى فيقال لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ فإن جحدوا كذبوا بما فيها من الإخبار بذلك. وإن أقروا قلنا لهم: هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أم لا؟ فإن لم تكن أتت بزيادة فقد صارت عبثا ولم تغن شيئا … فلا تكون من عند الله، وهذا كفر … وإن أتت بزيادة فهل في الزيادة تحريم ما كان مباحا أم لا؟ فإن أنكروا ذلك بطل قولهم من وجهين:
أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية يوم السبت بعد أن كان ذلك مباحا، وهذا بعينه النسخ.
وثانيهما: أنه لا معنى للزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته أو إباحة ما تقدم تحريمه. هذا بالنسبة لليهود. أما النصارى فإن عامة علمائهم فضلا عن عامتهم لا يعرفون ما نسخه الإنجيل من شريعة التوراة مما أقره، مع اتفاقهم على أن المسيح لم ينسخها كلها، ولم يقرها كلها، بل أخبر أنه إنما جاء ليتمها لا ليبطلها، وقد أحل بعض ما حرم فيها كالعمل في السبت. [انظر افحام اليهود ص 86 - 102، والجواب الصحيح 3/ 227، والأجوبة الفاخرة ص 266 - 271] ومن كتب الأصول التي تحدثت عن النسخ وجوازه: المغني للخبازي ص 250 وما بعدها، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص 301 وما بعدها وقد أجاد القرافي رحمه الله في بيان المقصود الذي يريده الطوفي هنا ويتصل بهذا الموضوع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 621)
[تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية]
قال:" فرأيناه قد ذكر في سورة النساء: … فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ … (3) إلى قوله: .. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ … «1» فأجاز نكاح أربع نسوة والتسري بملك اليمين إلى غير عدد محصور: على أي دين كن من الأديان وأن يطلق الرجل ما شاء ويستبدل ما شاء كذلك ما عاش".
قلت:/ هذا نقل صحيح عن دين الإسلام. إلا قوله في ملك «2» اليمين:
" على أي دين كن من الأديان" فليس بجيد، بل إنما تباح الكتابية دون الوثنية والمجوسية ونحوهما. وإن كان قد ذهب إلى ذلك أحد من المسلمين فليس معتقدنا «3».--------------------------------------------
(1) سورة النساء، آية: 3.
(2) هكذا العبارة عند المؤلف والأولى أن يقال:" إلا قوله في غير ملك اليمين" لأن ملك اليمين يباح التسري بها ولو كانت وثنية أو غير ذلك.
(3) اتفق علماء الأمة على تحريم نكاح سائر النساء الكوافر، ما عدا الكتابيات، وخالف بعضهم في المجوسيات فقط. فقال عامة العلماء بتحريم الزواج بهن وخالف في ذلك أبو ثور فقال باباحة الزواج من المجوسيات لأنهن من قوم يقرون بالجزية فأشبهوا أهل الكتاب. ولأنه يروى أن حذيفة تزوج مجوسية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:؛ سنوا بهم سنة أهل الكتاب". والراجح عدم جواز التزوج منهن كسائر المشركات والأصح أن حذيفة تزوج يهودية لا مجوسية، وقيل: نصرانية، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان في أمر الجزية والقتل.
[انظر المغني لابن قدامة 6/ 591 - 592، وموطأ مالك كتاب الزكاة باب جزية أهل الكتاب والمجوس].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 622)
قال:" ونبين بطلان هذا بحجج كثيرة:
أولها: أن الله تعالى لم يعط آدم إلا زوجة واحدة وهي التي خلقها من الضلع ليتبين بذلك تأييد الصحبة والمحبة «1» بينهما كتأبيد المحبة بين أعضاء الجسد، ولهذا «2» حكي عن آدم في التوراة أنه قال:" هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي سميت امرأة لأنها أخذت من المرء، فلذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلزم زوجته" «3».
وبهذا يتبين أنه بحسب الفطرة تكون واحدة لواحد، إذ لو كان في كثرة الزوجات فضيلة لكان/ آدم أولى بها، لأنه كان واحدا في العالم ليكثر نسله".
قلت: أما كون آدم لم تكن له إلا زوجة واحدة،/ فلا يدل ذلك على وجوب الاقتصار على الواحدة.
قوله:" لو كان في كثرة النساء فضيلة لكان أولى بها إذ كان مفردا وليكثر نسله". قلنا: أما من نسله، فما كان يجوز له أن ينكح لو عاش «4» إلى يوم القيامة لأنهن بناته وإن سفلن، ونكاح البنات حرام فيما علمناه، ولم نعلم نبيا وطئ بنته إلا ما حكي في التوراة عن لوط أنه أحبل ابنتيه وهو سكران «5». فعلى من قال هذا «6» أو صدقه لعنة الله.--------------------------------------------
(1) كلمة:" والمحبة" مكررة في: (أ).
(2) في (ش): وهذا.
(3) انظر سفر التكوين الأصحاح الثاني.
(4) في (ش): ولو عاش، وفي (أ):" أن ينكح ولو كان عاش إلى يوم القيامة".
(5) انظر سفر التكوين الأصحاح التاسع عشر.
(6) قال هذا: مكررة في: (أ).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 623)
وأما من غير نسله بأن يخلق الله له مثل حواء فلجواز أن حواء كانت تكفيه فلم يحتج إلى غيرها، لأنها خلقت في الجنة. وقد ملأ الله من نسلهما الدنيا مفردين فلو كان له غيرها لما وسعتهم الأرض.
فإن قيل: كيف تمنعون آدم من نكاح بناته وقد زوجه الله حواء، وهي/ خلقت من ذاته من ضلعه.
قلنا: لأن بناته منه على جهة الولادة، وحواء ليست على جهة الولادة وقد فرقتم أنتم بين آدم وحواء والمسيح بهذا بعينه، فقلتم: المسيح خرج من رحم فكان ابن الله، بخلاف حواء وآدم «1».
قوله:" خلقت من ضلعه ليتبين بذلك تأبيد الصحبة «2» بينهما كتأبيدها بين أعضاء الجسد".
قلنا: ليس ذلك لهذه العلة بل لما ذكر في القرآن من قوله تعالى: ومِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً … (21) «3» وهذا لا يقتضي تأبيد الصحبة، وترك الرجل أباه وأمه، ولزوم زوجته لا يقتضي أيضا ذلك، بل سببه المودة والرحمة بينهما، وذلك مشترك بين المرأة الواحدة والزوجات «4».--------------------------------------------
(1) " بخلاف حواء وآدم" ليست في (م)، (ش).
(2) في (أ): الضحية.
(3) سورة الروم، آية: 21.
(4) قلت: والمودة والرحمة قد لا تدوم بين الزوج وزوجته أو زوجاته. وعند ذلك تسوء معيشتهما فلا يطيقا الاستمرار في حياتهما الزوجية. وهذا متفق عليه بين العقلاء. وهذا يرد قول النصراني بتأبيد الصحبة بين الزوجين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 624)
وأما إنكاره جواز الطلاق حيث شاء «1» الإنسان، فإنما استفادوه مما حكوه عن المسيح في الإنجيل في الفصل الأربعين «2» من إنجيل متى: أن الفريسين قالوا للمسيح ليجربوه:" هل يحل للإنسان يطلق «3» امرأته لأجل كل علة؟ فقال لهم:
أما قرأتم: أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟.
ومن أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه، ويلصق «4» بامرأته، ويكونا كلاهما جسدا واحدا؟ وما جمعه الله لا يفرقه الإنسان. قالوا له: لماذا موسى أوصى أن تعطى كتاب طلاق وتخلّى؟ «5» قال: لأن موسى علم قساوة قلوبكم فأوصاكم «6» / أن تطلقوا نساءكم، ومن البدء لم يكن هذا، وأقول لكم من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنا" اهـ.
لكن الجواب عنه من وجوه:
أحدها: الجواب العام، وهو عدم الوثوق بالإنجيل.
الثاني: بتقدير الاحتجاج بالإنجيل. لكن هذا الكلام بعينه متهافت/ بين التهافت «7» فلا تليق نسبته إلى المسيح، وسنبين وجه تهافته.--------------------------------------------
(1) شاء: سقطت من (أ).
(2) في التراجم الحديثة: الأصحاح" الفصل" التاسع عشر.
(3) في التراجم الحديثة:" أن يطلق".
(4) في التراجم الحديثة:" ويلتصق".
(5) في التراجم الحديثة: فتطلق.
(6) في التراجم الحديثة: فأذن لكم.
(7) بين التهافت: ساقطة من (أ).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 625)
الثالث: الجواب من حيث التفصيل.
أما كونه خلقهما ذكرا وأنثى، وأن الإنسان شديد الألفة بامرأته، فلا يقتضي عدم جواز الطلاق ولا يناسبه، وأما قوله:" ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان" فنقول:
أولا: الجمع بين الزوجين ليس حقيقيا كاجتماع بدن الإنسان ونحوه، وإن سلمناه فهو عام مخصوص بصور كثيرة كتفريق أعضاء البدن لمصلحة العقوبة وغيرها، وأما قوله:" لم يكن هذا في البدء" فلا يدل على ذلك أيضا لجواز النسخ.
وأما اعتذاره عن تجويز موسى الطلاق بعلمه بقساوة قلوبهم. إلى آخره فالمناقشة عليه من وجوه:
أحدها: أن قساوة قلوبهم/ إن كانت مقتضية لجواز الطلاق، فلم لم يجزه المسيح أيضا لذلك، ولعل محمدا- عليه السلام أجاز الطلاق توسيعا على قساة «1» القلوب من أمته.
فإن قلتم: نسخ ذلك في دين المسيح.
قلنا: ونسخ ما في دين المسيح في دين محمد.
وإن لم تكن مقتضية لجواز الطلاق لزم أن يكون موسى شرع غير الحق لغير موجب.--------------------------------------------
(1) في (ش)، (م):" قساوة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 626)
الثاني: أن ما جاز أن يكون حقا في دين موسى فما المانع أن يكون حقا في دين محمد؟.
الثالث: أن قوله: «من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا" كلام مستدرك بأن ذلك غير لازم من طلاقها. لأنا إذا ألجأناها أن تتزوج بغيره لم يحصل من طلاقه لها الالجاء إلى الزنا، ثم إن مفهومه جواز طلاقها إذا زنت، وعموم قوله:" من تزوج مطلقة فقد زنا" يقتضي أن أحدا لا يتزوج مطلقة سواء طلقت لكونها زنت أو مع عدم الزنا، وذلك يلزم منه إلجاؤها إلى/ الزنا- أعني جواز طلاقها- إذا زنت. والمنع من تزوج المطلقة مطلقا على ظاهر هذا العموم. لأنها حينئذ تبقى مطلقة بطالة فتحملها البطالة على التشاغل بالزنا، كما حكي في التوراة عن كنة «1»." يهوذا" لما مات/ زوجها أحوجتها البطالة إلى أن تعرضت ليهوذا على الطريق حتى زنا بها «2»، ونحن نتبرأ إلى الله من هذا.
وبهذا بان ما في هذا الكلام من التهافت، وعدم التناسب، بحيث يجب تبرئة السيد المسيح عن مثله. والله أعلم «3».
قال:" وأيضا. فإن الطبيعة لا تجمع إلا اثنين في فعل التناسل. فينبغي أن لا يكون للرجل إلا زوجة واحدة".--------------------------------------------
(1) زوجة ابنه.
(2) انظر الأصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين.
(3) والله أعلم: ليست في (أ).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 627)
قلت: هذا خلف من الكلام. فإنه إن أراد أنها لا تجمع إلا اثنين في حالة واحدة فهو مسلم. لكن لا يقتضي ذلك الاقتصار على واحدة، وإن أراد في وقتين فصاعدا فممنوع، وحينئذ يجوز أن يطوف الإنسان في ساعة على جماعة من النساء واحدة بعد واحدة.
قال:" وأيضا. فإن كثيرا من الحيوانات ليس للذكر منها إلا أنثى واحدة كالأسد والدب وغيرهما من البهائم، وكأكثر الطيور فالإنسان لخصيصة عقله أولى بذلك قمعا للشهوة".
قلت: جواب هذا من وجهين:
أحدهما: أنه معارض بما يتخذ من الحيوانات عدة إناث، فلم كان التأسي بأحد القبيلين أولى من التأسي بالآخر؟.
الثاني: أن اقتصار هذه الحيوانات على أنثى واحدة هل هو على جهة قمع الشهوة، أو على جهة الحيوانية والطبيعة، وعدم الشعور بحقائق الأمور؟ فإن كان الأول لزم أن تكون هذه الحيوانات عقلاء كاملي العقل/ حتى قمعت شهوتها بعقلها، وأن الدب «1» أعقل من" إبراهيم" حيث كان في فراشه" سارة" و" هاجر"، ومن" يعقوب" حيث جمع بين ابنتي خاله" ليا" و" راحيل" وجاريتهما في فراش واحد، فضلا عن أن تكون هذه الحيوانات أعقل من بقية عقلاء الآدميين. وإن كان الثاني لم تصح الأولوية ولا القياس. والتنظير بم يكون؟
قد اجتمعتم أنتم وبعض الحيوان البهيم على رأي. ونحن وبقية العالم على رأي،--------------------------------------------
(1) في (م): وأن الدواب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 628)
وموافقة الأكثر أولى من موافقة شرذمة قليلة، تقلد في دينها ودنياها ومعاشها ومعادها حيوانا بهيما، خصوصا السّبع والدّب اللذين هما من أدمغ الحيوانات وأبلده «1».
ولعل هذا من جملة الأسباب الموجبة لاطباق الحمى على الأسد، لأن طبيعته في الأصل حارة، وباقتصاره على أنثى واحدة يقل نزوه، فتحتقن الحرارة في بدنه، فيبثها القلب/ إلى سائر نواحيه. وهذه حقيقة الحمى.
وقد بينا في أول الكتاب: أن منافع النكاح تخفيف البدن وتنشيطه.
فإن قلت: فالأسد في الشجاعة والنشاط على الغاية بخلاف سائر الحيوان/ وما ذكرته يقتضي تثبطه لثقل بدنه.
قلت: وما يدريك لعله لو أكثر «2» من النزو بحسب ما تقتضيه حاله، كان يكون أشجع وأنشط.
قال:" وأيضا فإن فائدة آلة التناسل في الزوجين: الذرية لا اللذة ثم اللذة وإن كانت تصحبها تبعا، لا بالقصد الوضعي، لكن استعمال الآلة للذة فقط استعمال سوء «3» مائل عن الاستعمال المستقيم. ولذلك هو ذنب".
قلت: هذا ممنوع، بل المقصود من آلة التناسل الذرية واللذة جميعا بالقصد/ الأول. أما الذرية فبالاتفاق، وأما اللذة فلأن الباري- سبحانه- ابتلى خلقه بتركيب الشهوات فيهم خصوصا هذه الشهوة فإنها أشدها.--------------------------------------------
(1) هكذا في النسخ الثلاث. ولعل الأصح:" وأبلدها".
(2) في (أ): أو أكثر.
(3) في (ش)، (أ): سور.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 629)
فلو لم يجعل إلى قضائها طريقا مباحا للزم منه تكليف ما لا يطاق، إذ كان يكون مثال «1» الشخص في الدنيا «2» مع كثرة نسائها مثل شخص حبس في دار مملوءة حيات بحيث لا يطأ إلا على جماعة منهن. ثم يقال له: إياك أن تطأ منهن شيئا، واحترس أن يلدغنك.
ثم قد أجمع الناس على جواز نكاح العاقر والصغيرة التي لا تلد، ومن ارتفع حيضها ونحوهن، فلو لم تكن اللذة مقصودا أصليا، لما جاز ذلك.
وأما «3» قوله:" إنه ذنب".
فجوابه: أن يقال: هو ذنب إذا كان حراما أو مطلقا؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، ولو كان كذلك لم يفعله الأنبياء. وأيضا لو كان استعمال الآلة للذة فقط ذنبا واستعمال سوء، مع أن حصول الذرية منه غير مقطوع به لكان في تجويزه لأجل الذرية إقدام على ذنب محقق «4» لتحصيل فائدة غير محققة وذلك ينافي «5» السياسة العقلية.
قال:" وأيضا لذة اللحم ليس شأنها اجتلاب فائدة، بل تدفع الفوائد الروحانية وهي في نفسها خسيسة ردية مهلكة، فإنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته، وكالضباب يصيّر العيون مظلمة".--------------------------------------------
(1) في (ش): مال.
(2) العبارة في (م):" اذ كان يكون ماءل الشخص في النساء مع … ".
(3) في (أ): فأما.
(4) في (أ): لعقق.
(5) في (ش): لما في.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 630)
قلت: قد بينا فوائد هذه الحاسة أول الكتاب «1»، ونص عليها الأطباء وعلى مضار تركها. ولو صح ما قاله من دفعها الفوائد الروحانية،/ لوجب أن تكون مخاييس النصارى وغيرهم الذين لم ينكحوا قط، أفضل من الأنبياء كإبراهيم وموسى وهارون/ ويوشع بن نون، والأنبياء الاثني عشر، وأشعياء ودانيال، وأكثر «2» روحانية منهم.
ولقد حيرني هذا العلج في أمري بتلونه، فإنه تارة نصراني مثلث أو غيره وتارة فيلسوف معطل، وتارة عامي جلف، فنعود بالله من التلون.
قوله:" هي في نفسها خسيسة ردية مهلكة" إن «3» أراد بخستها قبح صورتها طبعا، ورد عليه حالة البول والتغوط، بل حالة الأكل لأنها سببها. لا يقال هذه الأحوال ضرورية طبعا، لأنا نقول مثله هناك، إذ النكاح ضروري من حيث الطبيعة والشهوة، يتأذى بتركه الدين والبدن كما سبق.
وقوله:" مهلكة «4» " إن أراد هلاك «5» الدين بالتتابع فيها فذاك إنما هو في الحرام والحلال وإن أراد هلاك البدن بإضعافه فذلك يتقدر بحسب اختلاف المروءات والعقول «6» والمحمود منه: القدر المتوسط، الذي لا ينهك البدن بكثرته ولا يفضي إلى إنهاك الدين بالإقلال منه.--------------------------------------------
(1) انظر ص: 281 - 283 من هذا الكتاب.
(2) وأكثر: سقطت من (أ).
(3) «إن»: ليست في (ش).
(4) مهلكة: سقطت من (أ).
(5) في (أ): اهلاك.
(6) في (أ): والعقود وفي (ش): للعقول.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 631)
ويحكى:" أن أبا مسلم الخراساني «1» كان لا يأتي النساء في/ السنة أكثر من مرة. ويقول: هذا جنون. فأكثر من مرة لا يكون «2» ".
قلت: ويغلب على ظني أنه قد كان به علة مانعة، أو فكرة شاغلة.
فإن قيل: فمحمد كان أولى بهذا التماسك من أبي مسلم لفضيلة منصب النبوة وفكرته في الجهاد، وإقامة الدين، وكمال معرفته بأحكام الآخرة.
قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة: كان أملككم لإربه «3» " لكنه لو بالغ في التماسك عن هذه الشهوة لشق على أمته التأسي به. فإنه كان يطيق ما لا يطيقون--------------------------------------------
(1) اختلف في اسمه ونسبه، ويقال: إنه سمى نفسه عبد الرحمن، واشتهر بعبد الرحمن بن مسلم الخرساني وهو صاحب الدعوة للعباسيين، ابتدأ دعوته من مرو، وكان يدعو إلى رجل من بني هاشم غير معين ثم أظهرها … وخطب باسم السفاح العباسي عند ما استولى على نيسابور، ثم سير جيشا لمقاتلة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية … فانهزمت جيوش مروان فصفا الجو للسفاح حتى مات، وخلفه أخوه المنصور فرأى من أبي مسلم ما أخافه أن يطمع في الملك، وكانت بينهما ضغينة فقتله سنة سبع وثلاثين ومائة. [انظر تاريخ بغداد 10/ 207 - 211، وشذرات الذهب 1/ 179 - 181].
(2) انظر وفيات الأعيان 3/ 148.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب المباشرة للصائم، ومسلم في الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة … ، حديث 66، 68، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في مباشرة الصائم، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في المباشرة للصائم (20)، ومالك في الموطأ كتاب الصيام، باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم، وأحمد في عدة مواضع في المسند منها (6/ 40، 42، 113). ومعنى أملككم لاربه: أي حاجته أو عضوه. [انظر فتح الباري 4/ 151، وغريب الحديث للخطابي 2/ 270، 484].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 632)