عمر:" اتق الحيضة والدبر «1» " اللهم إلا أن تنكر هذا، لكون غير الفرج ليس محلا لزرع الولد فيضع الماء ويصير بمثابة العزل، بناء على أن مقصود النكاح الأصلي إنما هو الولد، لكن هذا شيء قد منعناه، وسبق الجواب عنه «2».
قال:" وفي كتاب الرجم «3» من مسلم: أن سعد بن عبادة «4» قال لرسول الله: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلا. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال له رسول الله:" نعم «5» ".
قلت:/ وقد قدم هو وجه السؤال من هذا، وهو تكثير الزنا، وقدمنا جوابه.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه ص: 642.
(2) انظر ص: 662 من هذا الكتاب.
(3) في كتاب اللعان حديث: 15، وله عنده ألفاظ أخرى في نفس الموضع.
(4) الصحابي الجليل سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الخزرجي الأنصاري. يكنى أبا ثابت. كان سيد الخزرج، وأحد الأمراء الأشراف في الجاهلية والإسلام. كان يلقب في الجاهلية بالكامل لمعرفته الكتاب والرمي والسباحة- شهد العقبة مع الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عشر. كان كريما، خرج إلى الشام فمات بحوران سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة من الهجرة.
[انظر صفة الصفوة 1/ 503، والإصابة 2/ 30 ت: 3173].
(5) أخرج الحديث غير مسلم: أبو داود في كتاب الديات، باب في من وجد مع أهله رجلا أيقتله؟
وأحمد في المسند (2/ 465)، ومالك في الموطأ في الأقضية، باب القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 673)
[حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين]
قال: وفي حديث أبي موسى «1» حيث جاء يستحمله «2» فقال:" والله لا أحملكم" ثم حملهم. فسألوه فقال:/ ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، وأنا والله- إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها أحسن منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير «3» ".
قلت: وجه سؤاله من هذا: أن الحنث في اليمين استخفاف بحق الله، وتهوين بعظمته، بناء على ما عندهم في الإنجيل عن المسيح أنه قال:" سمعتم ما قيل للأولين: لا تحنث في يمينك، وأوف الرب قسمك «4» وأنا أقول لكم:
لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه ولا--------------------------------------------
(1) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري التميمي الفقيه المقرئ قال النبي- صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» [أخرجاه في الصحيحين] كان ممن هاجر إلى الحبشة تولى عدة إمارات، وكان أحد القضاة من الصحابة توفي سنة 44 هـ على الصحيح. [انظر سير أعلام النبلاء 2/ 380 - 402، والاستيعاب 3/ 979].
(2) يستحمله: أى يطلب منه ابلا تحمله، وذلك في غزوة تبوك.
(3) الحديث أخرجه البخاري في عشرة مواضع من صحيحه منها: في كتاب الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين … ، وأخرجه مسلم بألفاظ في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها.
(4) في (أ): وسمك.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 674)
ببروشليم «1» فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك تحلف ولتكن كلمتكم: نعم.
نعم. ولا. لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير «2» ".
والجواب: أن دين الإسلام مبني على رفع الحرج والضيق بناء على أن الغرض من تكليف الخلق تعظيم الله والانقياد له، لا لحوق «3» المشقة لهم بذلك فمتى أمكن الجمع بين تعظيمه تعالى ورفع الحرج عن المكلفين كان ذلك حسنا جائزا، وتعظيم الله سبحانه في باب الأيمان يحصل إما بالتزام العقد معه بأن لا يحنث فيها، مثل أن يحلف أن يفعل فيفعل أو لا يفعل فلا يفعل، أو بالتكفير إن خالف ما حلف «4» عليه «5»، لأن في التزام التكفير بجزء من المال المحبوب طبعا، أو بالتعبد بإلحاق المشقة بالصوم للبدن تعظيما لله سبحانه ولا بدّ، وقد نص عليه--------------------------------------------
(1) في التراجم الحديثة: ولا بأورشليم. وسبق التعريف بها في هامش ص: 317 من هذا الكتاب.
(2) انظر انجيل متى: الأصحاح الخامس.
(3) في (م): في لحوق.
(4) حلف: سقطت من (أ).
(5) قلت: هذا إذا لم يكن حلف على أن يفعل طاعة، فعليه أن يفعلها ولا يحنث في ذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري في الأيمان، باب النذر في الطاعة:" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه" ثم إن قوله" فأرى غيرها أحسن منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" وأحاديث أخرى بهذا المعنى تدل على وجوب الإبرار بالقسم في غير معصية أو مخالفة للسنة كما في قصة من نذر من الصحابة أن يصوم الدهر والآخر أن لا يتزوج النساء والثالث ألا ينام الليل فإن ذلك مخالفة لسنة النبي- صلى الله عليه وسلم فيجب الحنث في ذلك … والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 675)
القرآن «1»، ولعل التعظيم بذلك أشد من التعظيم بالتزام ما حلف عليه، إذ قد يحلف أن لا يأكل هذه اللقمة فتركها عليه يسير غالبا، فإذا أكلها لمصلحة دينية وأعتق عوض ذلك رقبة «2» أو أطعم أو كسى عشرة مساكين أو صام ثلاثة أيام متتابعة «3» / كان ذلك لا شك أبلغ في تعظيم الله- جل جلاله وتبارك اسمه-.
وأما ما ذكروه عن المسيح من قوله:" لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله" فكلام متهافت لا تليق نسبته إلى المسيح. وبيان تهافته: أنه فاسد الاعتبار، إذ النهي عن الحلف بالسماء يقتضي عدم تعظيمها، وكونها كرسي الله يقتضي تعظيمها، وجواز الحلف بها، ثم إن هذا الكلام في الفصل الخامس من إنجيل متى، وهو--------------------------------------------
(1) قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [سورة المائدة 89].
(2) مؤمنة إلا عند أبي حنيفة ورواية لأحمد فتجزئ الذمية. استدلالا بالآية المتقدمة أما الجمهور فاستدلوا بآية سورة النساء (92): فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وهي مقيدة لآية المائدة المتقدمة، وهو الراجح والله أعلم (انظر الإفصاح لابن هبيرة 2/ 334، والمغني لابن قدامة 8/ 743، وتفسير القرطبي 6/ 280 - 281).
(3) كفارة اليمين، ثلاث خصال على التخيير: العتق، أو الإطعام، أو الكسوة. فإن عجز عن الثلاث فالصيام. فيكون الترتيب في هذه الحالة. فإن عجز عن الصيام بقيت في ذمته. [انظر نيل المرام شرح عمدة الأحكام 2/ 188] وذكر ابن هبيرة في الإفصاح 2/ 334: الاتفاق على ذلك. أما تتابع الصيام فيجب عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك لا يجب وعن الشافعي قولان الجديد منهما: لا يجب. والأولى التتابع لقراءة ابن مسعود: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إلا لعذر مرضى أو حيض أو نحوهما فلا يجب. والله أعلم. [انظر حاشية المقنع 4/ 209].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 676)
[متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه]
مناقض لما في الفصل السادس والخمسين «1» منه حيث يقول:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فإنه يقتضي صحة الحلف بالسماء/ وجوازه «2»، وأن الحالف بها حالف بالله سبحانه.
فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء الذين يقدحون في دين الإسلام بهذا الكلام المتناقض المتهافت.
وذكر حديث قتل كعب بن الأشرف «3»، وأن محمد بن مسلمة «4» خدعه--------------------------------------------
(1) في التراجم الحديثة: الأصحاح" الفصل" الثالث والعشرين.
(2) قلت: لا يجوز الحلف بغير الله لأن حلف المخلوق بغيره سبحانه يقتضي تعظيم المخلوق به ولا أعظم منه سبحانه. ومن النهي عن الحلف بغيره (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) [أخرجه الترمذي في النذور، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، وأحمد في المسند (2/ 125) وقال الترمذي:" هو حديث حسن"]. قلت: ودين الأنبياء جميعهم لا يجيز تعظيم غير الله ولا الحلف به، لأن ملتهم التوحيد، والنصارى يفترون على الله ورسله، والمسيح بريء من هذا القول الذي وضعوه في أناجيلهم.
(3) كعب بن الأشرف الطائي من بني نبهان، وهم بطن من طيئ، كان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى قريش بمكة وحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين … ثم رجع إلى المدينة، وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وأكثر من هجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستعلن بعداوة دين الله، والنبي صلى الله عليه وسلم فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فانطلق إليه خمسة من المسلمين منهم محمد بن مسلمة فقتلوه في ظاهر حصنه الذي كان يقيم فيه قرب المدينة سنة ثلاث من الهجرة. [انظر فتح الباري 7/ 337 - 338، والأعلام 5/ 225].
(4) أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة الأوسي الأنصاري شهد-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 677)
حتى استمكن منه فقتله، وذلك بإذن النبي- عليه السلام «1».
قلت: ووجه السؤال منه: أنهم خدعوه بإذن محمد حتى أمن وسلم نفسه إليهم ثم قتلوه وهذا غدر.
قلت: وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن هذا من باب الخديعة في الحرب، وهو جائز في دين الإسلام وقد قال النبي- عليه السلام (الحرب خدعة) «2» وغاية ما في الباب: أنه كذب.--------------------------------------------
- بدرا وما بعدها إلا تبوك فيقال إن النبي- صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، كان ممن سارعوا بمالهم في العسرة، ورغّب الصحابة في ذلك، بعثه النبي- صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليتحدث معهم في أمر جلائهم، له قصص تدل على قوته في الحق وزهده في الدنيا، وله قصص مع عمر بن الخطاب.
حمد الله على أن جعل في رعيته من هو مثل محمد. ضرب بسيفه الحجر حتى كسره أيام الفتنة تنفيذا لوصية النبي- صلى الله عليه وسلم له بذلك، ولزم المدينة حتى مات في صفر سنة ثلاث وأربعين للهجرة.
[انظر حياة الصحابة 1/ 391، 403، 404، 421، 2/ 75، 81، 404، وشذرات الذهب 1/ 53، وسير أعلام النبلاء 2/ 369 - 373].
(1) أخرجه البخاري عن جابر في كتاب الرهن، باب رهن السلاح، وفي كتاب الجهاد، باب الكذب في الحرب، وفي كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم.
(2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الحرب خدعة، عن أبي هريرة وعن جابر، وأخرجه مسلم في الجهاد، باب جواز الخداع في الحرب، عنهما حديث 17، 18، وأبو داود في الجهاد، باب المكر في الحرب، عن جابر وكعب بن مالك. وأخرجه الترمذي في الجهاد، باب الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب، عن جابر، وقال:" وفي الباب عن علي وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد بن السكن، وكعب بن مالك وأنس، وهذا حديث حسن صحيح". وأخرجه ابن ماجه في الجهاد، باب الخديعة في الحرب عن عائشة، وأخرجه أحمد في المسند في عدة مواضع منها: (1/ 81، 90).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 678)
لكن الكذب ليس قبيحا لذاته عندنا بل «1» لما فيه من المفسدة. فإذا تضمن مصلحة راجحة على مفسدته تعينت. وكان من قبيل اعتبار المصالح. ولا شك أن قتل كعب ابن الأشرف تضمن مصلحة دينية، وهو أنه كان يهجو النبي- عليه السلام والمسلمين ويقذف نساءهم في شعره، ويأخذ أعراضهم، وهو يهودى ملعون من أعداء المسيح وقتلته/- على زعمك «2» - وبعض هذا يوجب قتله وقتل كل يهودي على وجه الأرض.
وأجمع «3» العقلاء على أن الكذب واجب على من رأى ظالما يتبع نبينا أو وليا أو مظلوما بالجملة ليقتله. إذا سأله فليصده عنه «4» بالكذب، ولو صدق حتى قتل ذلك المظلوم لأثم بالصدق.
قال العلماء: الكذب: واجب، ومندوب، ومباح، وحرام.
فالواجب: كالصورة المذكورة آنفا. والمندوب: الكذب للإصلاح «5» بين--------------------------------------------
(1) بل: سقطت من (م).
(2) في (م) على زعمكم. قلت: قال الله تعالى: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158). [سورة النساء: 155 - 158].
(3) في (أ): واجمعوا.
(4) في (ش)، (م): إذا سأله عنه فليصده عنه بالكذب.
(5) في (أ): الإصلاح.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 679)
المؤمنين. وفي الحديث الصحيح: (ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، أو نمى «1» خيرا «2» والمباح: كذب الرجل لامرأته في الوعد والتأميل «3»، ليكف شرها عنه أو لا تكدر «4» عليه. والحرام: ما سوى ذلك وهو كل كذب لم يتضمن مصلحة راجحة على مفسدته «5».--------------------------------------------
(1) من نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير. فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميّته بالتشديد. [انظر فتح الباري 5/ 299].
(2) أخرجه البخاري عن أم كلثوم بنت عقبة في الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس.
ومسلم في البر، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، حديث 101، وزاد:" ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها" وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين. والترمذي في البر، باب في اصلاح ذات البين، وأحمد في المسند (6/ 403، 404) وهذا لفظ أبو داود والترمذي.
(3) من أملته تأميلا: والأمل رجاء حصول المطلوب. [انظر المصباح المنير 1/ 30، ومختار الصحاح ص 25].
(4) من الكدر: وهو ضد الصفو. [انظر مختار الصحاح ص 564، والمصباح المنير 2/ 637].
(5) قال الإمام النووي في رياض الصالحين، باب بيان ما يجوز من الكذب:" اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرما، فيجوز في بعض الأحوال بشروط … ومختصر ذلك: أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب: يحرم الكذب فيه وإن لم يكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب. ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا، وإن كان واجبا كان الكذب واجبا: فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وأخفى ماله وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه … والأحوط في هذا كله أن يورّى … ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال، واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم- رضي الله عنها" اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 680)
وقد صرحت التوراة بأن إبراهيم وإسحاق جميعا قال كل منهما عن زوجته:
إنها أخته «1» حين خشي عليها من" أبيمالخ" ملك الأردن وفلسطين، ولما تضمن ذلك مصلحة لم يقبح منهما. فهذا مثله سواء، لأن محمدا وأصحابه كانوا مظلومين مع كعب في هجائه لهم وقذفه لنسائهم، كما كان إبراهيم مظلوما بتغلب" أبيمالخ" ملك الأردن «2» على زوجته، لولا عصمة الله لها منه.
الوجه الثاني: أن عظيم ساليم قرية «3» سجيم لما فضح «4» بنت يعقوب وأراد أن يتزوجها صعب على بني يعقوب ذلك. فقالوا له: إن من ديننا الختان، فإن اختتنت أنت وأهل قريتك زوجناك. فلما اختتنوا جميعا دخلوا عليهم، وهم في ألم الختان لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، وهذا غدر صريح، والجواب عنه مشترك لأن/ الجميع أنبياء، وقد نصت التوراة على هذه الحكاية «5».
وذكر حديث: أعطيت/ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل--------------------------------------------
(1) قصة إبراهيم في سفر التكوين الأصحاح العشرين، أما قصة اسحاق فلم أجدها في التراجم الحديثة كما سبق. [انظر ص: 339 من هذا الكتاب]. وهذا من الأدلة على تأثر التوراة بالترجمة من لغة إلى لغة والتحريف فيها من قبل اليهود والنصارى، فوجود هذا النص في التوراة في التراجم التي نقل منها الطوفي وعدم وجوده في التراجم التي بأيديهم الآن دليل على تحريفهم لها. والله أعلم.
(2) ملك الأردن: ليست في (م)، (ش).
(3) في (ش): هوبة.
(4) في التراجم الحديثة:" أن عظيم قرية شكيم واسمه شكيم لما فضح … "
(5) انظر سفر التكوين: الأصحاح الرابع والثلاثين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 681)
لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة «1»، وكل نبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس عامة «2» ".
قلت: لا أعلم ما «3» وجه السؤال من هذا، إلا أن يكون يكذب بالإخبار بهذه الأشياء بناء على عدم علمه بها، أو على مناقضة محرفة في كتبهم، ولو ذكر وجه سؤاله منه لأجبته بحسبه «4».
[حسن العطاس وكراهة التثاؤب]
وذكر قوله- عليه السلام:" إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" إلى قوله:" وأما التثاؤب فهو من الشيطان. فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإنه إذا تثاءب «5» ضحك منه الشيطان «6» ".--------------------------------------------
(1) في (أ): للشفاعة.
(2) أخرجه البخاري في أول التيمم، وفي الصلاة، باب قول النبي- صلى الله عليه وسلم:" جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ومسلم في أول كتاب المساجد، حديث 3، والنسائي في كتاب الغسل (1/ 209 - 211)، والدارمي فى كتاب السير، باب الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا عن أبي ذر وألفاظهم متقاربة.
(3) «ما» ليست في (ش).
(4) لعله يقصد أن الشفاعة في الآخرة كالشفاعة في الدنيا، أو انكاره شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم .. [انظر شرح الطحاوية ص 260].
(5) فى (أ): اذا شاب.
(6) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده وفي كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس ويكره من التثاؤب، وباب إذا تثاءب فليضع يده على فيه، وطرف الحديث في صحيح مسلم: كتاب الزهد، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب وأخرجه أبو داود في الأدب، باب إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب. وأخرجه أحمد في المسند (2/ 256) وفي مواضع أخرى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 682)
قلت: قد سبق ذكرنا لقواطع الإنجيل على جسمية الشيطان «1»، ومناقشتنا له في قوله: الشياطين بسائط مجردة عن المائدة" ومع جسميتهم لا يمتنع الضحك والأكل وسائر خواص الأجسام منهم. وأما قوله:" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب" ومعنى كونه من الشيطان فله تأولان:
أحدهما: ذكره الخطابي «2»، وهو أن العطاس يكون عن خفة البدن من الطعام، والتثاؤب عن ثقله به «3». فالحب والكراهة راجعان إلي سببيهما «4»، وهما قلة الأكل وكثرته الموجبان لخفته وثقله «5» لا إلى ذاتيهما «6».
الثاني: أن العطاس يتعقبه حمد الله. وذكره بخلاف التثاؤب، فلذلك فرّق بينهما في الحب والكراهة، وعدم ذكر الله من أخلاق الشيطان، وما يؤثره، فلذلك قيل في التثاؤب: إنه من الشيطان.--------------------------------------------
(1) انظر ص: 409 من هذا الكتاب.
(2) تقدمت ترجمته ص: 176 من قسم الدراسة.
(3) به: ليست في (م).
(4) في (م): إلى سببهما.
(5) قال ابن بطال:" إضافة التثاؤب إلى الشيطان: بمعنى إضافة الرضى والإرادة. أي: الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائبا، لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه.
وقال ابن العربي:" إن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته. وإن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك، لأنه واسطته، والتثاؤب إنما يحدث عن الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل.
وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء، وينشأ عنه النشاط، وذلك بواسطة الملك.
والله أعلم" [مختصر سنن أبي داود وتهذيب ابن القيم 7/ 303].
(6) انظر معالم السنن للخطابي بهامش مختصر سنن أبي داود، ومعه تهذيب ابن القيم (7/ 303).
والطوفي نقل كلام الخطابي بمعناه لا بلفظه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 683)
[آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها]
وذكر أن رسول الله أمر بلعق الأصابع والصحفة. وقال:" إنكم لا تدرون في أيّه البركة «1» ".
وقوله:" إذا أكل أحدكم فلا/ يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها «2» " وأنه كان" يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها" «3».
وقوله:" إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء حتى يحضره عند أكل طعامه «4»، فإذا سقط «5» من أحدكم اللقمة فليمط ما بها «6» من أذى، ثم--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم بهذا اللفظ عن جابر في كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة … حديث: 133، وأخرجه بغيره أبو داود في الأطعمة باب في اللقمة تسقط (50)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء فى اللقمة تسقط (11).
(2) أخرجه البخاري بهذا اللفظ عن ابن عباس في كتاب الأطعمة باب لعق الأصابع ومصها … ومسلم في الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة … حديث رقم 129، 130، وأبو داود في الأطعمة، باب في المنديل، وابن ماجه في الأطعمة باب لعق الأصابع، والدارمي في الأطعمة، باب في المنديل عند الطعام، وأحمد في المسند (1/ 221).
(3) أخرجه مسلم بهذا اللفظ عن ابن عباس في كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع … حديث 131، وأبو داود عن كعب بن مالك في كتاب الأطعمة، باب في المنديل.
(4) في صحيح مسلم:" عند كل شيء من شأنه يحضره عند طعامه".
(5) في صحيح مسلم: سقطت.
(6) في صحيح مسلم: ما كان بها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 684)
ليأكلها، ولا يدعها للشيطان وإذا «1» فرغ فليلعق أصابعه «2» ".
[حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك]
قلت: هذه آداب حسنة من آداب الأكل، فإن في لعق الأصابع والصحفة تعظيم ما عليهما من بقية الطعام بأكله وتنظيف الإصبع «3» والصحفة، ولعله علم في ذلك سرا آخر من خصائص النبوة، وإليه أشار بقوله/" لا تدرون في أيّه البركة" وقد سبق في أول الكتاب قول أرسطو وغيره" أنه لا بدّ في معرفة الشرائع من «4» توقيف إلهي يبين للعقل ما يقصر عنه، وليس من شأنه إدراكه" «5».
وذكر حديث أبي ذر:" يقطع الصلاة: الحمار والمرأة والكلب الأسود"
وقال:" الكلب الأسود شيطان" «6».--------------------------------------------
(1) في صحيح مسلم: فإذا.
(2) تمام الحديث:" فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة" اهـ. أخرجه مسلم عن جابر في كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع … ، وأحمد في المسند (3/ 394) عن جابر وفيه عنده تقديم وتأخير.
(3) فى (م): الأصابع.
(4) في (ش): عن.
(5) انظر ص: 237، 258 من هذا الكتاب
(6) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلى، وأبو داود في كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة. وقال:" حديث حسن صحيح" وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، وأحمد في مسند أبي ذر (5/ 149).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 685)
قلت: الجواب من وجوه:
أحدها: أن الشيطان لا يمتنع أن يختص بالدخول في الكلب الأسود لخصيصة فيه من شدة خبثه أو نحو ذلك، كما ذكر في الإنجيل: أن المسيح أخرج الشياطين من الناس فدخلت في قطيع خنازير ثم ألقتها في البحر فغرقت «1».
وقد ذكر ابن الأشل «2» مطران حمص في تقرير الثالوث:" أن الله سبحانه ظهر في كبش إبراهيم" فإذا جاز في عقولكم أن خالق السماوات والأرض يظهر في كبش فكيف يمتنع ذلك في بعض مخلوقاته أن يظهر في كلب.
الثاني: قال الجاحظ «3»:" معنى قوله: الكلب الأسود شيطان:/ أن فعله فعل الشيطان لأنه أخبث الكلاب، وأكثرها عقرا للحيوان «4» ".--------------------------------------------
(1) انظر انجيل مرقس: الأصحاح الخامس.
(2) هكذا في (أ)، (م). وقد تقدمت الإشارة إلى أنني لم أجد له ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع.
(3) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: 184.
(4) لم أجده في كتاب الحيوان. والشيطان الجني يتشكل في صورة إنسان، كما حدث في غزوة بدر.
فقد تشكل في صورة سراقة بن مالك، ووعد المشركين بالنصر، وفيه أنزل الله: وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. [الأنفال:
48]، وفي صورة حيوان: جمل أو حمار أو كلب أو قط، خاصة الكلاب السود. وفي هذا الحديث" الكلب الأسود شيطان" ما يدل على ذلك يقول ابن تيمية- رحمه الله:" الكلب الأسود شيطان الكلاب، والجن تتصور بصورته كثيرا، وكذلك بصورة القط الأسود لأن الأسود أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة". [عالم الجن والشياطين لعمر الأشقر ص 29].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 686)
قلت أنا: لكن هذا لا يناسب قطعه للصلاة، فيحتمل أن يكون لكثرة خبثه، ويدل على خبثه، سواده كما استدلوا على خبث الأسود من الحيات بسواده، وحيث اشتد خبثه قاربت طبيعة الشيطان في الشر، فاستأنس به- والشكول أقارب «1» - فدخل فيه وقارب المصلي، لينتهز منه فرصة، كما دخل إبليس في في الحية إلى الجنة/ حتى أغوى آدم «2».--------------------------------------------
(1) الشكول: جمع شكل وهو الشبه والمثل: يقال هذا من شكل هذا أي من ضربه ونحوه. [انظر لسان العرب 11/ 356 - 357، والمصباح المنير 1/ 380]. والمعنى الأشكال متقاربة.
والله أعلم.
(2) هذه الحكاية ذكرت في التوراة في سفر التكوين الأصحاح الثالث. قلت: مما ثبت في تمثل الجن بالحيات، ما في صحيح مسلم [كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها]: أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت فالتفت فإذا حية. فوثبت لأقتلها. فأشار إليّ: أن اجلس فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار. فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت نعم.
قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم بانصراف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذن يوما فقال له صلى الله عليه وسلم:
" خذ عليك سلاحك. فإني أخشى عليك قريظة" فأخذ الرجل سلاحه. ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى إليها الرمح ليطعنها به. وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش.
فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه في الدار. فاضطربت عليه. فما يدرى أيهما كان أسرع موتا. الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له. وقلنا:
ادع الله يحييه لنا. فقال:" استغفروا لصاحبكم" ثم قال:" إن بالمدينة جنّا قد أسلموا. فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام. فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" اهـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 687)
وقد ذكر بعض أهل التاريخ- أحسبه الشيخ أبا الفرج في المنتظم- أن آدم لما كان فخارا، كان إبليس يطوف به ويتعجب منه، ففي بعض الأيام بصق عليه، فوقع بصاقه في موضع السرة منه، فقطع موضع البصقة منه فألقي، فخلق منه الكلب الأسود «1».
فإن ثبت هذا صح أن في الكلب الأسود طبيعة من الشيطان، لأجل تلك البصقة، وإن كان المخلوق من بصقة إبليس كلبا غير أسود، فلعله انضم إلى الأسود خصيصة كملت بها شيطنته، فاختص بما ذكر من قطع الصلاة وتحريم صيده «2»، ونحوه.
الثالث: قال الخطابي: في قوله:" تطلع الشمس بين قرني الشيطان" «3» هذا--------------------------------------------
(1) لم تطبع الأجزاء الأربعة الأولى من المنتظم، وأظن أن مخطوطاتها مفقودة.
(2) هذا مذهب الحنابلة: الطوفي وابن قدامة وغيرهما. وهو مذهب أحمد، لما سبق من أن الكلب الأسود شيطان، وأباح أبو حنيفة ومالك والشافعي صيده لعموم قوله تعالى: وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. [المائدة: 4]. ولعموم حديث: (وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل). [أخرجه البخاري في الذبائح، باب صيد القوس]. وللقياس على غيره من الكلاب. [انظر المغني 8/ 447، ونيل الأوطار 9/ 4 - 6].
(3) الحديث أخرجه البخاري فى كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ومسلم في كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، وفي كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التى نهى عن الصلاة فيها. وأبو داود في كتاب الصلاة (التطوع)، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة. والنسائي في المواقيت، باب إباحة الصلاة إلى أن يصلى الصبح، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة، وأحمد في المسند (2/ 13).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 688)
[التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب]
من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد هو بمعانيها، ويجب علينا «1» التصديق بها والوقوف عند الإقرار بأحكامها والعمل بها «2».
قلت أنا"/ والاختلاف في أن هذا «3» معقول المعنى، أو هو تعبد، اختلف الفقهاء فيما لو اتفق أن مر بين يدي المصلي شيطان حقيقى. هل يقطع الصلاة أم لا؟ «4» على وجهين:
أحدهما: يقطعها «5»، لمقتضى تعليله أن/ الكلب الأسود شيطان.
والثاني: لا. لأنا لا نعقل ما معنى شيطنته فهو إذن تعبد نتلقاه بالتسليم.
والتعبدية «6» فرع المعقولية، وحيث لا معقولية فلا تعبدية «7».
وذكر عن ابن قتيبة «8» في مختلف الحديث قال «9»:" وقد رخّص في--------------------------------------------
(1) فى (أ): عليها.
(2) بها: سقطت من (أ). والكلام في معالم السنن بهامش سنن أبي داود (2/ 57) وقد نقله المؤلف بمعناه.
(3) في (أ):" والاختلاف في أنها معقول المعنى".
(4) أم لا: سقطت من (أ).
(5) في (أ): يقضيها.
(6) في (م): والتعدية.
(7) في (أ)، (م): فلا تعدية. وما أثبته من (ش).
(8) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: 177.
(9) تأويل مختلف الحديث ص 34 - 35.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 689)
الكذب في الحرب لأنه «1» خدعة، وفى الإصلاح «2» بين الناس، وفي إرضاء الرجل أهله، ورخص «3» أن يوري في يمينه إلى شيء، إذا ظلم، أو خاف على نفسه. والتورية: أن ينوي غير ما نوى مستحلفه: … وجاءت الرخصة في المعاريض وقيل:" إن فيها مندوحة عن الكذب" «4».
قلت: هذه أحكام صحيحة في الإسلام. وقد سبق الكلام على أنواع الكذب «5».
وأما التورية والمعاريض فكما قال إبراهيم عن زوجته: إنها أختي. وعني باعتبار الأب الأبعد، أو في الإسلام. وكذلك إسحاق.
وفي الحديث النبوي الصحيح قال:" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" ما حل «6» بهن عن دين الله. ذكر قوله عن زوجته:" إنها أختي" وقوله لقومه:" إني سقيم" أي سأسقم. وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» «7» وهذه معاريض وسماها كذبا مجازا.--------------------------------------------
(1) في تأويل مختلف الحديث: لأنها. وهو الأصح.
(2) فى (م): وفي الاصطلاع.
(3) في تأويل مختلف الحديث: ورخص له.
(4) مثل يضرب في هذا المعنى. قاله عمران بن حصين- رضي الله عنه، ونصه:" إن في المعارض لمندوحة عن الكذب" اهـ. [مجمع الأمثال 1/ 13]. وجعله البخاري عنوانا لما ورد في معناه من النصوص، فقال:" باب المعاريض مندوحة عن الكذب". وذكره الطبري فى تهذيب الآثار (1/ 121) أنه من قول عمر بن الخطاب. والله أعلم بالصواب.
(5) انظر ص: 679 من هذا الكتاب.
(6) ما حل: أي دافع وجادل ومن معانيه: المكر بالحق [انظر: لسان العرب 11/ 619، وإكمال الإعلام بتثليث الكلام 2/ 596]
(7) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب واتخذ الله إبراهيم خليلا، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم، حديث 154، وأبو داود في كتاب الطلاق باب في الرجل يقول لامرأته" يا أختي"، والترمذي في تفسير سورة الأنبياء، وأحمد في المسند (2/ 403) ولم يذكره المؤلف بأحد ألفاظهم. إنما ذكره بمعناه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 690)
[جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك]
قال:" حديث يكذبه النظر، والخبر:" إن الشمس تطلع على قرني شيطان فلا تصلوا لطلوعها «1» " فجعلوا للشيطان قرونا تبلغ «2» إلى السماء وجعلوا الشمس التي هي مثل الأرض مرات تجري بين قرنيه، وهم مع هذا يزعمون أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فهو في هذه الحال ألطف من كل شيء وفي تلك الحال أعظم من كل شيء، وجعلوا علة ترك الصلاة، في وقت طلوع الشمس طلوعها من بين قرنيه، وما على المصلي لله إذا/ خرجت الشمس بين قرني الشيطان؟ وما في هذا مما يمنع من الصلاة لله؟.
قلت: الجواب عن هذا الحديث قد سبق «3»، لكنه لم يوجه السؤال منه هناك كما وجهه هاهنا فيحتاج أن نعيده فنقول: الجواب من وجوه:
أحدها: ما ذكر عن" إبراهيم الحربي «4» " وحسبك به إماما في معرفة--------------------------------------------
(1) انظر تخريجه في هامش ص: 688 من هذا الكتاب.
(2) فى (أ): فبلغ.
(3) انظر ص: 689 من هذا الكتاب.
(4) أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن بشير الحربي، سمي بذلك لأنه جاوز قنطرة العتيقة من الحربية، وهو من تلاميذ الإمام أحمد، كان إماما في العلوم، زاهدا في الدنيا، كان يقول: من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه ويقول: ما شكوت لأحد قط حمّى، وكان برأسي شقيقة خمسا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، لي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين للهجرة ببغداد، وكان قبره ظاهرا يتبرك به الناس وهذا من ضلال القبوريين.
[انظر صفة الصفوة 2/ 405 - 410، وسير أعلام النبلاء 13/ 356 - 372].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 691)
الحديث ومعانيه- قال:" هذا تمثيل أي حينئذ يتحرك/ الشيطان ويتسلط، يعني حيث يرى الكفار قد أشركوا/ بالله وسجدوا للشمس في الشرق والغرب، وهم المراد بقرنيه" قال:" كذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أي يتسلط عليه، فيوسوس له، لا أنه يدخل جوفه" «1».
الوجه الثاني: جواب مفصل:
قوله:" جعلوا للشيطان قرونا تبلغ إلى السماء".
أما جعل القرون له فمبني على جسميته وقد أثبتناها قبل هذا، وإن كانت مادته لطيفة. وعندكم «2» أن الملائكة منهم على صور البقر وعلى صور الأسد، وعلى صور النسور وعلى صور الناس. وإذا جاز هذا في الملائكة كان في الشياطين أجوز، لأن الجميع مشترك في التجرد عن المادة عند الفلاسفة «3» وفي لطافتها عندنا. وأما كون قرونه تبلغ إلى السماء فلم نقل به، ولا هو لازم لقولنا، بل يجوز في رأي العين أن تخرج الشمس بين جبلين، بل أكمتين، بل جدارين صغيرين بل انسانين بل من بين قرني ثور متباعدين قليلا، كما تقرر في قوله «4»:
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ … (86) «5».--------------------------------------------
(1) لم أجد هذا القول في كتاب الحربي: غريب الحديث، فلعله من أقواله التي سمعت منه ولم يذكرها في كتابه، أو فيما لم يطبع منه أو أنه ليس من قول الحربي، لأن المؤلف ليس جاز ما في نسبته له. وقد ذكر الخطابي نحوه في غريب الحديث (1/ 725 - 726).
(2) في (ش)، (م): وعندنا.
(3) انظر هامش ص 411، وص 439 من هذا الكتاب.
(4) انظر ص: 360 - 364 من هذا الكتاب.
(5) في (ش)، (أ):" حامية" والآية في سورة الكهف: 86.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 692)