Arabic source text

📘 আল-মাদখাল ইলা উলূমিল কুরআনিল কারীম (মুহাম্মাদ ফারুক আন-নাবহানি)

📘 المدخل إلى علوم القرآن الكريم (محمد فاروق النبهان)

📘 আল-মাদখাল ইলা উলূমিল কুরআনিল কারীম (মুহাম্মাদ ফারুক আন-নাবহানি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مغايرة لما أجمع عليه المسلمون، فلا يمكن الاطمئنان إلى سلامة ترجمته للقرآن، لاحتمال أن يترجم القرآن بما يخالف معناه المأثور عن الصحابة والتابعين، وهذا الشرط ذكره العلماء في مجال شروط المفسر، والمترجم ليس هو المفسر، فالمترجم تحكمه ضوابط ومقاييس في الترجمة من حيث دقة اختياره للمفردات، وليس الأمر كذلك بالنسبة للمفسر الذي يملك حرية التفسير بما يحتمله اللفظ من معان ودلالات، ومن اليسير اكتشاف الخطأ في عمل المترجم، أو عدم الدقة في اختيار المفردات المعبرة عن معنى الأصل.
فقد يملك صاحب بدعة من أدوات الترجمة ما لا يملكه صاحب استقامة من حيث إلمامه بمعاني المفردات في كل من اللغتين، والمترجم منها والمترجم إليها، وما لم يقم دليل على قصد لتزوير المعاني القرآنية، وتحويرها عن معانيها، وإهمال في اختيار المفردات الدقيقة أو جهل باللغة العربية، فإن الترجمة تخضع لمقاييس موضوعية، ومن
اليسير ضبط تلك المقاييس، وتتبع احترامها والالتزام بها، والحكم على الترجمة حكما موضوعيا، من حيث الدقة والالتزام، فقد تقبل الترجمة في لفظة أو آية، وترفض في لفظة أو آية أخرى، ويحكم على الترجمة بحسب دقتها، فإن كثرت أخطأ المترجم، وتجاوزاته حكم عليه بالجهل وردّت ترجمته، ووجب تنبيه الناس إلى تلك التجاوزات وبخاصة إذا كانت فاحشة فاسدة المعنى.
ولسنا بحاجة إلى اشتراط إتقان المترجم لكل من اللغتين المترجم منها والمترجم إليها، فهذا شرط بدهي لا تتصور الترجمة بدونه، إذ كيف يمكن لجاهل بالعربية أن يفهم معاني القرآن، وإذا عجز عن الفهم عجز عن الإتيان باللفظة المعبرة عن المعنى باللغة الأخرى، وإذا أتقن العربية، فلا يمكنه أن يترجم إلى لغة أخرى، إلا أن يكون متقنا لتلك اللغة، ممسكا بزمام مفرداتها مالكا ناصية أمرها، والإتقان المطلوب لكل من اللغتين، ليس هو إتقان حفظ ومعرفة بالمفردات، وإنما هو إتقان فهم للدلالات اللغوية وإتقان أسلوب تتميز به كل لغة عن اللغة الأخرى، وفضلا عن ذلك فالترجمة تحتاج إلى موهبة خلاقة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

وذكاء ودقة وحسن فهم وعمق إدراك، فلا يكتفي في الترجمة أن تكون قاصرة على استبدال لفظة بأخرى، أو الإتيان بلفظ مكان لفظ، فهذا مما يحسنه الكثير والترجمة أعمق من ذلك وأدق، وهي عمل متكامل، يجري تصحيحه وتقويمه باستمرار، إلى أن يستوي قريبا من الكمال دقيقا في استيعابه للمعاني والدلالات المطلوبة.
والملكة اللغوية هي أساس كل عمل جدير بالتقدير، ولا بد من ملكة الإجادة في الترجمة، وهي ملكة نابعة من حسن فهم معاني القرآن باللغة العربية، وعمق ما يدل عليه الأسلوب القرآني من مقاصد وغايات وتوجيهات.
ثالثا: الأهلية والكفاءة والقدرة، وهذا هو الشرط الذي يعبر عن كثير مما يجب أن يتوفر في المترجم سواء كان فردا أو هيئة من أهلية وكفاءة وقدرة، ومعرفة كل من اللغتين يدخل ضمن هذا الشرط إلا أن كلمة الأهلية أولى وأوسع، فليس كل عالم باللغتين مؤهلا للقيام بترجمة القرآن، كما أن ليس كل عالم بالعربية مؤهلا لتفسير القرآن وفهمه، فقد ينحرف في تفسيره، وقد يضله علمه فتلتبس عليه المعاني، وتضيق عليه الخناق، فلا يهتدي إلى الطريق، ولا بد في فهم القرآن من «أهلية» تتجاوز حدود المعايير اللغوية، فمن ختم الله على قلبه بالغفلة وسوء الفهم فلا يتوقع منه خير، وكم من عالم أحاط بعلم الأولين واستوعب كل الكتب ومع ذلك فقد ضل طريقه، لأن المعرفة تحتاج إلى بصيرة ثاقبة وأهل البصيرة يدركون بنور تلك البصيرة ما لا يدركه أهل البصر، فالبصر يحتاج إلى نور، والنور عطاء من الله يمن به على من اطمأن قلبه بذكر الله، وخشعت جوارحه بطاعة الله.
وفي كل ترجمة للقرآن يجب أن يذكر نص القرآن بلغته العربية، والتأكيد على أن ذلك النص العربي هو القرآن، بألفاظه وبرسمه، وبترتيبه، وما عداه فهو ليس القرآن، والقرآن لا يتعدد، فليس هناك قرآن باللغة العربية، وقرآن آخر بلغات أخرى، وليس لأية ترجمة للقرآن ما للقرآن من أحكام، سواء من حيث التعبد بقراءته أو من حيث وحدة نصوصه، فالترجمة تتعدد وتقبل الخطأ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

والصواب، ويجري عليها ما يجري على أية ترجمة من حيث التقويم والتصحيح والمراجعة والتدقيق في عمل متواصل لا يتوقف، بحثا عن الترجمة الأفضل والأدق.
وأعتقد أن ترجمة القرآن لا يمكن أن ينهض بها فرد مهما بلغت درجة إتقانه، وارتقت مداركه، فالقرآن ليس كتابا كبقية الكتب تحكمه قدرات عادية، ويلتمس العذر لمترجمه في حالتي التقصير أو الخطأ، ويجوز لأي فرد أن يترجم لنفسه آية أو سورة أو يترجم القرآن نفسه، ولكن لا يجوز أن تنشر ترجمة القرآن الفردية إلا بعد أن تعتمد الترجمة وتراجع وتدقق من قبل جهات علمية مختصة، وأقترح في هذا المجال أن يتم إنشاء «هيئة علمية مختصة» (1) تضم كفاءات قادرة في مجال اللغة والتفسير، وفي مجال الدراسات اللغوية المقارنة، تعكف لمدة سنوات على إعداد ترجمة نسبية للقرآن الكريم، تقترب أكثر من المعنى الأدق للمفردات القرآنية، وتعبر عن المراد من الآية، ثم يطرح مشروع الترجمة الأول للحوار والنقاش، يهدف إلى مزيد من الدقة إلى أن يقع اعتماد الترجمة النهائية، التي تمثل الحد الأقصى الممكن من ترجمة القرآن، ثم تقع مراجعة هذه الترجمة بين فترة وأخرى، وتلحق بالترجمة ملاحق بيانية توضح المعاني الممكنة والمحتملة، والأسباب التي دفعت اللجنة المختصة لاختيار اللفظة المعتمدة، وهذه الدراسات البيانية الملحقة بالترجمة هي الأهم لأنها تحقق الأهداف التالية:
أولا: تنفي عن الترجمة صفة القرآن، وتؤكد للباحثين أن الترجمة جهد بشري محتمل للخطأ والصواب، وأنه قابل للحوار والنقاش، ومن حق أي مختص أن يناقش الترجمة المعتمدة منتقدا اختياراتها وترجيحاتها، مبينا ملاحظاته الموضوعية شارحا وجهة نظره في الدلالات الممكنة لكل لفظة تحتمل معاني عدة.
ثانيا: تحدث علما جديدا في إطار الدراسات القرآنية يعطي المعاني المحتملة للمفردات القرآنية في اللغات المختلفة. وتعتبر هذه الدراسات نواة لعلم التفسير في اللغات المختلفة بحيث تتداخل الترجمة والتفسير، في إطار المفردات الدالة--------------------------------------------
(1) انظر مبادئ الثقافة الإسلامية للمؤلف، ص 158.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

على معنى واحد أو معاني متقاربة، وهذا العلم واضح الأهمية في مجال الدراسات القرآنية، يغني هذه الدراسات، ويعمق مباحثها وينمي معارف جديدة في مجال التفسير.
ثالثا: تقضي على الترجمات الفردية المليئة بالأخطاء سواء بسبب نقص في الإمكانات العلمية لدى المترجم أو بسبب سوء قصد يهدف إلى تشويه المعاني القرآنية، ومن واجب أمتنا في مجال الترجمة، وفي مجال الاجتهاد وفي مجال التقنين أن تعتمد أسلوب العمل العلمي المتقن، الذي يخفف من الأخطاء والتجاوزات ويعطي للجماعة دورها في إثراء فكرنا الإسلامي، فلا تنطلق حركتنا العلمية من خلال وثبات فردية مرتجلة، أو آراء اجتهادية غير مدروسة، تحكمها، وتؤثر فيها نظرات ضيقة قد تكون
ضارة في بعض الأحيان، ومع هذا، فإن الجهد الفردي المدروس لا ينبغي تجاهل أثره ودوره، وهو الأكثر شجاعة في اقتحام الجديد من الآراء، وفي تكسير القيود التي غالبا ما تقيد حركة الفكر وتحد من حرية المجتهد.
ونخلص من هذا إلى أن ترجمة القرآن ليست هي القرآن، وأية ترجمة لا يمكن أن تجسد معاني الإعجاز القرآني، سواء من حيث الأسلوب البياني أو من حيث المعاني والأحكام والدلالات، ومع هذا فالترجمة أمر لا بد منه، لتعريف المسلمين بأمر دينهم.
الترجمة ليست هي التفسير، وما يملكه المفسر لا يملكه المترجم، من حيث حرية التعبير، وتتطلب الترجمة جهدا فائقا وعملا شاقا ومعرفة دقيقة بالقرآن وعلومه واللغات والمفردات والاشتقاقات، وتختلف الترجمة عن التفسير من حيث طبيعة علاقة النص المترجم بالأصل، وتبرز العلاقة قوية في مجال الترجمة حيث يفترض في الترجمة أن تكون معبرة عن الأصل ملتزمة به دالة عليه، وليس الأمر كذلك في مجال التفسير، حيث يقبل الاجتهاد ويتسع مداه، ويلتمس العذر للمفسر في حالة الخطأ ولا يلتمس العذر للمترجم.
وإنشاء هيئة مختصة بترجمة القرآن أمر ضروري، ولا بد منه وهو الطريق لضمان ترجمة دقيقة، يقع الاطمئنان لها، والثقة بها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

‌‌الفصل السادس: المكي والمدني من القرآن الكريم
اهتم علماء القرآن بدراسة المكي والمدني من الآيات، لأن معرفة ذلك طريق ضروري لمعرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام، ولا يمكن لفقيه أن يعرف الحكم الشرعي إلا بعد أن يدرس الناسخ والمنسوخ، لكي يصل إلى الحكم النهائي الذي استقر عليه الأمر.
وبالإضافة إلى هذا فإن معرفة المكي والمدني من الآيات يقودنا برفق في مسيرة الدعوة في رحلة طويلة من بداية المرحلة المكية التي بدأت بعد البعثة إلى نهاية العصر المدني الذي توقف بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكل مرحلة زمنية خصائصها وموضوعاتها وأساليبها وانفعالاتها وأولوياتها.
ومن خصائص التشريع الإسلامي أنه نزل متدرجا، وكانت الآيات القرآنية تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم مواكبة لمسيرة المجتمع الإسلامي، محتضنة ذلك المجتمع الوليد، مصححة مسيرته، ومؤكدة سداد طريقه، خاصة إياه على الصبر والتضحية، راسمة له معالم الطريق، مشرعة أحكاما ضرورية لاستقامة أمره، ناصحة له أن يتكافل ويتعاون ويتناصر في سبيل الدفاع عن عقيدته.
وكان القرآن هو محور الحركة الاجتماعية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الرمز البشري الذي يحمل مشعل الدعوة، ويجسد قيم الإسلام بخلقه وسلوكه، وكان الوحي هو أداة التواصل بين السماء والأرض، وهو أداة انتقال الرسالة من مصدرها الإلهي إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الطبيعي أن يتوجه اهتمام العلماء والباحثين إلى معرفة المكي والمدني من الآيات، لمواكبة مسيرة الدعوة، ولرصد ذلك التدرج المحكم للتشريع، من بدء الرسالة إلى نهايتها.
قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتابه «التنبيه على فضل علوم القرآن»:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

«من أفضل علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، ثم ما يشبه نزول المكي في المدني وما يشبه نزول المدني في المكي» (1).
وقال ابن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ:
«الذي علمناه على الجملة من القرآن أن منه مكيا ومدنيا وسفريا وحضريا، وليليا ونهاريا وسمائيا وأرضيا، وما نزل بين السماء والأرض، وما نزل تحت الأرض في الغار» (2).

‌‌اصطلاحات العلماء في المكي والمدني:
استعمل العلماء في المكي والمدني اصطلاحات ثلاثة:
الاصطلاح الأول: يطلق المكي على ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكة كل ما قرب منها من ضواحيها، كعرفات ومنى والحديبية، ويدخل في المدينة ما قرب منها، كبدر وأحد، ولوحظ في هذا التقسيم المكان، وليس الزمان، ومن الصعب في ظل هذا التقسيم تطبيق الخصائص الزمانية المرتبطة بتطور الدعوة، حيث من الصعب دمج الآيات المكية التي نزلت قبل الهجرة والآيات المكية التي نزلت بعد الهجرة في إطار نسق واحد موضوعي وأسلوبي.
الاصطلاح الثاني: وهو الأشهر، يطلق المكي على ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة، وإن كان بالمدينة، ويطلق المدني على ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة، وهذا التقسيم لوحظ فيه الزمان وليس المكان، والزمان يجسد المرحلة التاريخية ويعبر عنها، ومن اليسير في ظل هذا التقسيم تطبيق الخصائص الزمانية المتعلقة بكل من المكي والمدني، وهو تقسيم سليم من هذا الجانب، وييسر الأمر على الدارس والباحث.--------------------------------------------
(1) انظر البرهان للزركشي، ج 1، ص 192.
(2) انظر الإتقان للسيوطي، ج 1، ص 22، طبعة المكتبة العصرية، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

وبهذا الاعتبار تعتبر آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ضمن الآيات المدنية مع أنها نزلت بعرفة أثناء حجة الوداع.
الاصطلاح الثالث: يطلق المكي على ما كان خطابا لأهل مكة، والمدني على ما كان خطابا لأهل المدينة، وبناء عليه، فكل خطاب بدأ بلفظ «يا أيها الناس» فهو مكي، لأن غالب أهل مكة كانوا كافرين، وكل خطاب بدأ بلفظ «يا أيها الذين آمنوا» فهو مدني، لأن غالب أهل المدينة كانوا مؤمنين.
أخرج أبو عبيد في كتابه فضائل القرآن عن ميمون بن مهران قال: «ما كان في القرآن يا أيها الناس أو يا بني آدم فإنه مكي، وما كان يا أيها الذين آمنوا فإنه مدني».
ولا سبيل إلى معرفة المكي والمدني من الآيات إلا عن طريق الصحابة الذين كانوا يتابعون نزول الوحي، ويعرفون تاريخ نزول كل آية، والأسباب المؤدية إلى النزول.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه».
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار:
«إنما يرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة» (1).

‌‌فوائد التفريق بين المكي والمدني:
اهتم العلماء بدراسة المكي والمدني من الآيات، وتتبعوا أقوال الصحابة في--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، ج 1، ص 231.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

ذلك، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الصحابة الذين عاصروا وقت النزول، وعايشوا تلك المرحلة الزمنية، واهتمام العلماء بذلك مؤشر واضح على عناية علماء المسلمين بالقرآن، وتوثيق للقرآن، وتتبع لمراحل نزوله، وتحديد لتاريخ كل آية وموطن نزولها.
وهذا التفريق ساعد العلماء على تحقيق ما يلي:
أولا: تحديد خصائص كل من الآيات المكية والمدنية عن طريق الاستقراء والتتبع، من الناحية الموضوعية والأسلوبية.
ثانيا: دراسة مراحل تاريخ الدعوة الإسلامية خلال المرحلتين المكية والمدنية، وتوثيق روايات السيرة النبوية، المرتبطة كل الارتباط بالقرآن والسنة النبوية.
ثالثا: معرفة الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحكام، وهذا أمر كبير الأهمية، لأن النسخ وقع في القرآن، ومعرفة المتقدم والمتأخر من الآيات هو السبيل الوحيد لمعرفة الناسخ من المنسوخ.
رابعا: فهم النصوص القرآنية عن طريق معرفة تاريخ القرآن، والظروف التي أدت إلى نزول الآيات، واستنتاج منهج الدعوة الإسلامية في الخطاب والإقناع.
واستطاع العلماء بعد جهد كبير وتتبع دقيق أن يعرفوا المكي والمدني من الآيات، ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في بعض الآيات، نتيجة تعدد الروايات فيها، إلا أن ذلك الالتباس أمكن التغلب عليه، والآيات المكية معروفة والآيات المدنية كذلك.
وعدّد «الزركشي في البرهان» والسيوطي في الإتقان كلا من السور المكية والسور المدنية، والسور المكية خمس وثمانون والسور المدنية تسع وعشرون، على اختلاف الروايات، ووقع الاختلاف في اثنتي عشرة سورة، ويبدو أن سبب الخلاف هو أن بعض السور نزلت بين مكة والمدينة أو أن بعضها مكي والبعض الآخر مدني، وهو خلاف يدل على جدية الاهتمام بالأمر، ودقة تتبع الروايات الواردة عن الصحابة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

روى أبو بكر ابن الأنباري عن قتادة قال:
نزل في المدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والرعد، والنحل، والحج، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات، والحديد، والرحمن، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبي لم تحرم، إلى رأس العشر، وإذا زلزلت، وإذا جاء نصر الله، وسائر القرآن نزل بمكة» (1).
وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه: الناسخ والمنسوخ:
المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق، ونظم ذلك أبياتا.
وأول ما نزل بمكة من القرآن اقرأ باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل، ثم يا أيها المدثر، ثم تبت يدا أبي لهب وتب، ثم إذا الشمس كوّرت، ثم سبح اسم ربك الأعلى .... وهكذا .....
ووقع خلاف في سورة الفاتحة، وذهب الأكثرون إلى أنها مكية، وورد أنها أول ما نزل، وقال مجاهد: إنها مدنية، وقيل: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة تشريفا لها .. وقيل أيضا: إنها نزلت نصفين، نصفها بمكة، ونصفها بالمدينة، والظاهر أنه النصف الثاني، وقال السيوطي في الإتقان: ولا دليل لهذا القول.
وخصص السيوطي في كتابه «الإتقان» فصلا خاصا في ذكر ما استثني من المكي والمدني، ونقل عن ابن حجر في شرح البخاري: قد اعتنى بعض الأئمة ببيان ما نزل من الآيات بالمدينة في السور المكية، قال: وأما عكس ذلك، وهو نزول شيء من سورة بمكة، تأخر نزول تلك السورة إلى المدينة، فلم أره إلا نادرا» (2).--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان للسيوطي، ج 1، ص 28.
(2) انظر الإتقان للسيوطي، ج 1، ص 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

‌‌ضوابط المكي والمدني:
اتفق العلماء على أن السماع والنقل عن الصحابة هو معيار العلم بالمكي والمدني من السور والآيات، إلا أن المعيار لا ينفي أن تكون هناك ضوابط وقرائن مستفادة من استقراء الآيات المكية والمدنية يعرف بها المكي والمدني، وهي ضوابط عامة يمكن ملاحظتها بسهولة ويسر، تؤكد انسجام الآيات المكية مع المرحلة الزمنية في مكة من حيث طبيعة الخطاب والمخاطب وأسلوب الخطاب، وكذلك الأمر بالنسبة للآيات المدنية، والأمر لا يخفى على العلماء الذين درسوا السيرة النبوية، وتتبعوا مراحل التشريع وتدرجه.

‌‌[خصائص الآيات المكية]
ومن خصائص الآيات المكية ما يلي:

‌‌أولا: من حيث الأسلوب:
يلاحظ أن أسلوب الآيات المكية يغلب عليه أسلوب التعنيف والتهديد والتخويف، لأن أهل مكة كانوا مشركين أشداء في عداوتهم قساة القلوب، وكان لا بد من مخاطبتهم بما يلائم حالهم، ويتلاءم مع الوضع النفسي الذي كان قائما آنذاك، ولهذا استعمل القرآن كلمة «كلا» الدالة على الزجر والإنكار، وخاطبهم بلفظة «يا أيها الناس»، وأكثر من قصص الأنبياء بهدف الإقناع، واستشهد بما وقع للأمم السابقة، واستعمل حروف التهجي، وذكر قصة آدم وإبليس ليدلل على الصراع بين الخير والشر والإيمان والكفر، وجاءت الآيات موجزة، والسور قصيرة، وهي مليئة بالقسم.

‌‌ثانيا: من حيث الموضوع:
حثت الآيات المكية على تصحيح العقيدة، ونبذ الشرك، والإيمان بالله وحده، والإيمان بالبعث، ودعت هذه الآيات إلى الالتزام بالأخلاق والاستقامة ومحبة الغير، ورفض كل أنواع الفسوق والعصيان والإضرار بالغير والاعتداء على حقوق الآخرين، ومن الطبيعي أن يقترن ذلك بالتنديد بالعادات التي كانت سائدة في العصر الجاهلي من وأد البنات وعبادة الأصنام وظلم القوي للضعيف، وشرب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

الخمر وإتيان الفواحش، وأكل مال اليتيم واضطهاد الرجل للمرأة.
ولم تكن المرحلة المكية مهيأة لوضع أسس نظام إسلامي، لغياب مكونات ذلك المجتمع، وكان لا بد من توسيع دائرة الدعوة، لكي ينصب الاهتمام أولا على إصلاح العقيدة، عن طريق المقارنة بين الإيمان والكفر، واستخدام العقل البشري كأداة للتمييز والترجيح، والعقل البشري قادر على أن يكتشف الحقيقة، ولهذا استعمل القرآن الكلمات المعبرة عن ثقة الدعوة الإسلامية بالعقل والعقلاء، والاحتكام إلى أهل البصيرة لكي يسلطوا الضوء على ذلك الصراع التاريخي بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والفضيلة والرذيلة، ولا بد في النهاية من انتصار الحق والإيمان والتوحيد والفضيلة، مهما طال الزمن، لأن الاستقامة هي الأصل، والانحراف عن الأصل سرعان ما ينكشف أمره عند طلوع الفجر.

‌‌خصائص الآيات المدنية:
تتميز الآيات المدنية بخصائص تجسد واقع المجتمع الإسلامي الذي يواجه تحديات خارجية تستهدف كيانه ووجوده، وتحديات داخلية تستهدف تنظيم شئونه على قواعد ثابتة تحقق الانسجام بين مبادئ الإسلام وواقع المجتمع الإسلامي.
وكان من الضروري أن ينصرف الاهتمام إلى وضع أسس ذلك المجتمع، إذ لا يمكن لأي خطاب أن يتجاهل طبيعة المخاطب وهمومه ومشاغله وقضاياه، وجاءت الآيات المدنية معبرة عن قضايا المسلمين، منظمة شئونهم، مرشدة لهم لكي يختاروا الطريق السليم في التعامل لإرساء الحجر الأساسي في بناء المجتمع الإسلامي، منظمة أحكام الجهاد والمال والحكم والأسرة والعقوبات داعية المسلمين إلى التكافل المادي الذي هو أساس التناصر وعماد الأمن والاستقرار.
واختلف أسلوب الخطاب القرآني، واختلفت موضوعاته، وتوجه الخطاب إلى أهل المدينة من مؤمنين ومنافقين ويهود، مشجعا المؤمنين على الدفاع عن وجودهم وكيانهم، محذرا المنافقين من مغبة ما يفعلونه في الظلام من غدر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

ناصحا إياهم بالتوبة والتزام طريق المؤمنين، وفي نفس الوقت اتجه الخطاب القرآني إلى اليهود، مبينا لهم زيف ما حرفوه من كتبهم وديانتهم، ذاما ما أخذوا أنفسهم به من غدر وخيانة، مشجعا لهم على الانضمام إلى مواكب الإيمان، مرحبا بكل من يعلن توبته وولاءه للإسلام.
ونستطيع أن نحدد خصائص الآيات المدنية بما يلي:

‌‌1 - بيان أحكام التشريع
من حدود وإرث ومعاملات مادية وبيان مناهج الحكم، ولهذا جاءت الآيات المدنية ذات طبيعة تشريعية مفصلة للأحكام مبينة للحقوق، وأسلوب البيان التشريعي لا بد فيه من الإطالة والتوضيح.

‌‌2 - وضوح أحكام الجهاد
، والجهاد لم يكن مشروعا في مكة، وجاءت الآيات المدنية مفصلة لأحكام الجهاد والأسرى، مبينة أسباب الانتصار وأسباب الانتكاس، داعية المسلمين إلى الصبر والتضحية.

‌‌3 - توجيه الخطاب إلى المؤمنين
، وخطاب المؤمنين يتطلب اختيار منهج التعليم والتوجيه والنصح والتكوين، ولهذا جاءت أحكام البيان التشريعي في إطار خطاب المؤمنين، وأحيانا يتضمن خطاب المؤمنين الشدة والتخويف والتحذير من غضب الله في حالة التقاعس عن أداء ما أمر الله به، أو ما نهى عنه، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 278 - 279].
وهناك ملاحظات كثيرة لاحظها العلماء الذين درسوا الآيات المكية والمدنية من حيث ما اختصت به كل منهما من خصائص، وهذه الملاحظات مأخوذة من استقراء تلك الآيات، واستنتاج ما يغلب عليها.
ومع هذا فإننا نلاحظ وحدة النص القرآني من ناحية الأسلوب المعجز والتوجيه الحكيم والترغيب والترهيب، ودعوة الناس إلى الاحتكام إلى العقل وحسن فهم قيم الإسلام، والتمسك بعقيدة التوحيد التي تعتبر عماد العقيدة الإسلامية.
والقرآن تحكمه مقاصد وغايات، ويخاطب البشر جميعا، فيشتد الخطاب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

ويعنف عند ما يتطلب الأمر ذلك، ويلين ويسهل عند ما تتطلب الحكمة ذلك، لا فرق في ذلك بين مكي ومدني، لأن القرآن كلام الله وهو معجز في حكمته، ومن الإعجاز أن يكون الخطاب مؤديا غايته ومحققا مقاصده.
وما اكتشف المفسرون حتى اليوم من إعجاز القرآن لا يتجاوز المقدار القليل، والإعجاز مستمر ومتواصل، والخطاب القرآني متجدد لا يتوقف، وكل جيل مخاطب بالقرآن، ومكلف بأن يكتشف الجديد من إعجازه وأحكامه ومقاصده وغاياته، فإذا كان هناك قصور في الفهم فهذا دليل على عجز الإنسان وجمود فكره وتخلف إدراكاته، ومسيرة البشرية متواصلة، وعطاء القرآن لن يتوقف أبدا.

‌‌معرفة أول ما نزل من القرآن:
اختلف العلماء في أول ما نزل من القرآن، وسبب الاختلاف في هذا الأمر بالرغم من شهرة بعض الروايات ورجحانها أن الأمور التي تتعلق بالنقل والرواية يختلف الرأي فيها باختلاف الرواية، وتتعدد الأقوال بتعدد ما ثبت من الروايات، ولا يملك الباحث في موطن الروايات المنقولة إلا أن يقف موقف الحياد، سامعا للرواية، ناقدا لسندها، مفسرا لمتنها مرجحا بالحجة والبيان ما يراه أقوى وأرسخ.
والخلاف في معرفة أول ما نزل وفي معرفة آخر ما نزل يدلنا دلالة أكيدة على أمرين:
الأمر الأول: اهتمام علماء القرآن بكل ما يتعلق بالقرآن من حيث النزول وتاريخ النزول وأسبابه، وهذا الاهتمام عمق الثقة بجدية الدراسات القرآنية، وجعلها في موطن اليقين، لكيلا يتطرق الشك إلى قطعية الثبوت فيما يتعلق بالنص القرآني.
الأمر الثاني: أمانة العلماء في تسجيل ما ثبت لديهم من روايات منقولة، تاركين للباحثين المختصين أمر توثيق تلك الروايات والنظر في أسانيدها، في ضوء مقارنتها مع الروايات المنقولة الأخرى المتعارضة منها، مما يجعل أمر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

الترجيح خاضعا لمعايير نقدية معتمدة.

‌‌[الأقوال في أول ما نزل]
ووردت أربعة أقوال في أول ما نزل (1):
القول الأول: صدر سورة اقرأ إلى قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، ووصف السيوطي في الإتقان هذا القول بأنه «الصحيح»، واستدل لذلك بما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها، فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، حتى بلغ «ما لم يعلم» فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتجف بوادره … ».
وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة، قالت: «أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك».
وروى أبو عبيد في فضائله عن مجاهد قال: إن أول ما أنزل من القرآن اقرأ باسم ربك ون والقلم».
القول الثاني: أول ما نزل من القرآن: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، واستدل من قال بهذا الرأي بما رواه الشيخان عن سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قلت: أو اقرأ باسم ربك؟ قال:
أحدثكم بما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو- يعني جبريل- فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 68 - 71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

فدثروني، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ.
وأجاب أصحاب القول الأول عن هذا الحديث بنفي التعارض بين القولين، وأكدوا بأن صدر سورة «اقرأ» هي أول ما نزل، وإن سورة المدثر هي أول سورة نزلت كاملة، وفيها تكليف ببدء الدعوة، ونزلت بعد آيات القراءة، والقراءة أولا، والتكليف ثانيا، والأولوية ليست أولية مطلقة، فهناك الوحي وهناك بدء الرسالة والتكليف، وقال ابن حجر: إن المراد أول ما نزل بسبب متقدم وهو التدثر الناشئ عن الرعب، بخلاف اقرأ فنزلت ابتداء … وقال الكرماني: قال جابر بن عبد الله ذلك باجتهاده، وليس هو من روايته، فيقدم عليه ما روته عائشة، ومع هذا فلا يمكن أن يجهل «جابر» أولوية سورة «اقرأ»، والأمر ليس اجتهادا، وإنما هو نقل ورواية، وهي بيان عن نزول سورة المدثر، وهي واضحة في الدلالة على أنها من أول ما نزل من آيات التكليف والدعوة ولا تعارض أولوية سورة «اقرأ» كبدء للوحي، ويؤكد هذا لفظة «فإذا هو» في حديث جابر، وكأن الرسول سبق أن رآه عند ما نزل عليه يأمره بالقراءة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
القول الثالث: أول ما نزل من القرآن «سورة الفاتحة» واستدل من قال بهذا القول بما أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة:
«إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له، وقالت:
اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقصا عليه، فقال: لا تفعل إذا أتاك، فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه، يا محمد قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ وهو مرسل رجاله ثقات.
قال البيهقي: إن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقرأ والمدثر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

وقال الزمخشري في الكشاف: ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت اقْرَأْ، وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب.
ورد ابن حجر على هذا القول مؤكدا أن ما ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول، وما نسب إلى أكثر المفسرين لم يقل به إلا عدد أقل من القليل.
ويلاحظ أيضا عدم التناقض بين هذا القول والأقوال السابقة، فهذا القول يؤكد أن سورة الفاتحة كانت من أوائل السور التي نزلت مع اقرأ والمدثر، ولم يكن أمر الوحي والقرآن في ذلك الحين واضحا للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يأخذه العجب والخوف والهلع كلما جاءه جبريل، ولا يدري ماذا يفعل، وينبغي أن تحمل الروايات الواردة في هذا المجال على أساس تكامل الأحداث التي واكبت نزول القرآن في المرحلة الأولى، واصفة بدقة حالة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يفاجئ بالوحي يلاحقه ويخاطبه وينزل عليه القرآن، والرسول وجف خائف يعيش هذه المرحلة ولا يستطيع أن يفسر ظاهرة الوحي التي كانت جديدة عليه.
القول الرابع: أول ما نزل من القرآن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ واستدل من قال بهذا الرأي بما أخرجه الواحدي بإسناد عن عكرمة والحسن قالا:
أول ما نزل من القرآن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وأول سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد استعذ ثم قل: بسم الله الرحمن الرحيم.
وذكر الزركشي في البرهان (1): طريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وأول ما نزل من أوامر التبليغ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وأول ما نزل من السور «سورة الفاتحة»، وقيل: أول ما نزل للرسالة: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وللنبوة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وقال العلماء: «اقرأ باسم ربك» دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ دليل على رسالته، لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام.--------------------------------------------
(1) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي، ج 1، ص 207.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

وتعدد الأقوال في هذا الأمر لا يمكن فهمه إلا في إطار وصف المرحلة الأولى التي واكبت نزول القرآن، ولا مجال للقول بتناقض الأقوال أو تباينها، وكل راو كان ينقل ما سمعه عن وصف لبعض المراحل، مما يوثق الروايات التي تؤكد الآيات والسور الأولى التي نزلت من القرآن، ويؤكد صدق النبي صلى الله عليه وسلم في تلقيه الوحي، وعفويته في وصف حالته الأولى عند ما بدأ الوحي يتنزل عليه بالآيات الأولى من القرآن.
والروايات تنقل الواقع وتعبر عنه، وكلها صحيحة، وليس فيها تعارض أو تناقض، وهذا التعارض الظاهري يؤكد صدق الظاهرة القرآنية.

‌‌معرفة آخر ما نزل من القرآن:
اختلف العلماء في آخر ما نزل من القرآن، كما اختلفوا في أول ما نزل منه، واختلافهم في أول ما نزل أيسر وأوضح، لإمكان معرفة ذلك، ولأن النصوص ذاتها توضح بطريقة جلية الخطاب القرآني الأول، وجاءت الأحاديث واضحة في وصف تلك المرحلة.
بخلاف الأمر في آخر ما نزل، فلا سبيل إلى معرفة ذلك عن طريق السنة، والطريق الوحيد هو ما رواه الصحابة من سماعهم، وربما وقع الاختلاف في آخر ما نزل، لأن بعض الصحابة سمع ما لم يسمعه الآخرون، ووقع الاختلاف في آخر آية، مع اتفاقهم على أن الأمر ينحصر في بعض آيات نزلت في المرحلة الأخيرة التي أعقبت حجة الوداع.
وأرجح الروايات الواردة في ذلك ما أخرجه ابن حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:
282]، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، وأخرج ابن جرير مثل هذه الرواية عن ابن جريج ..
وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين، وقال السيوطي في الإتقان: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنها قصة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر.
وذكر ابن حجر في شرح البخاري إمكان الجمع بين آية الربا وقوله: واتقوا يوما، لأن هذه الآية جاءت خاتمة لآيات الربا، وهي معطوفة عليهن، وقال البراء بأن الآيتين نزلتا جميعا، فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما.
وهناك روايات أخرى تقول: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: 176]، وقيل قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128]، وقيل قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [آل عمران: 195]، وقيل قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [النساء:
93]، وقيل قوله تعالى في خاتمة سورة براءة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [براءة: 128 - 129]، وقيل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: 110]، وقيل سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ هي آخر ما نزل …
قال القاضي أبو بكر في الانتصار (1):
«وهذه الأقوال ليس في شيء منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن، وليس العلم بذلك من فرائض الدين».--------------------------------------------
(1) انظر البرهان للزركشي، ج 1، ص 210.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

‌‌الفصل السابع: جمع القرآن وكتابته
استعمل القرآن كلمة الجمع بمعنى الحفظ، وأطلقت لفظة جمّاع القرآن على حفاظ القرآن، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان القرآن محفوظا في الصدور ولم يكن مجموعا في مصحف أو مرتبا في سور متتابعة، وعلل الخطابي عدم جمع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة.
ولفظة «حفظ القرآن» يراد بها أحد معنيين:
المعنى الأول: الجمع بمعنى الحفظ في الصدور.
المعنى الثاني: الجمع بمعنى الكتابة، سواء كانت كتابة مفرقة أو مرتبة.
وشاع استعمال لفظة جمع القرآن للدلالة على الكتابة والتدوين وترتيب الآيات والسور في مصحف واحد.
المعنى الأول: الجمع بمعنى الحفظ:
اتجهت همة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ القرآن يتنزل عليه إلى حفظ آياته واستظهارها خشية أن يفلت منها شيء فينساه، أداء منه صلى الله عليه وسلم للأمانة الملقاة عليه، وكان قلق النفس بسبب ذلك، حتى نزلت عليه الآية القرآنية التي دعته إلى الاطمئنان، ووعدته بأن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن وبيانه، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: 16 - 19]، وقال أيضا: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ويعيد قراءته، ويقرئه لأصحابه، ويحضهم على حفظه في الصدور، وروت السيدة عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان جبريل يعارضني القرآن في كل سنة مرة».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

وكانت مجالس الصحابة هي مجالس قرآن، يتدارسون القرآن، ويحفظونه، فهو بالنسبة إليهم كل شيء، ولا شيء غيره في حياتهم، يخاطبهم ويعلمهم، وكانت الأنظار ترقب نزوله، وسرعان ما تنطلق الحناجر بشغف وحب تردد الآيات الجديدة وتحفظها، حتى أصبحت المساجد تضج بأصوات الصحابة وهم يقرءون القرآن.
روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار».
وروى البخاري ومسلم أن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ عليّ القرآن، قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
وكان إذا هاجر رجل دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الصحابة يعلّمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا.
وقال ابن الجزري صاحب كتاب النشر في القراءات العشر المتوفى سنة 533 هـ: «ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة» (1).
وهذا يؤكد لنا أن الأساس في حفظ القرآن هو حفظه في الصدور، وبخاصة أن معظم الصحابة كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، وليس من اليسير عليهم أن يكتبوا القرآن، واعتمدوا على الحفظ في الصدور، وتكرار ذلك، حتى أصبحت آيات القرآن في صدر كل صحابي محفوظة يستشهد بها في كل مناسبة ويقرؤها في كل صلاة.--------------------------------------------
(1) النشر، ج 1، ص 6.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)