رابعا: قاعدة البدل:
تبدل الألف واوا للتفخيم: كالصلوة، والزكوة، والحيوة، والربوا، والعدوة، وتبدل ياء إذا كانت الألف منقلبة عن ياء كما في قوله: يتوفيكم يا حسرتى، يا أسفى، وتبدل الألف ياء في الألفاظ التالية: إلى، على، أنى، متى، بلى، حتى، لدى.
وتكتب نون التوكيد الخفيفة ألفا في قوله: لنسفعا ويكونا وإذا، وتمد التاء في كلمة الرحمة، ووقع ذلك في سبعة مواضع في القرآن: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ، أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، وكذلك مدت التاء في كلمت النعمة في أحد عشر موضعا: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، وجاءت مقبوضة في مواطن أخرى.
وجاءت التاء ممدودة في بعض الألفاظ كما جاءت مقبوضة، وهذه الألفاظ هي: كلمة، سنة، فطرة، قوة، معصية، لعنة، شجرة، جنة، ابنة، امرأة.
قال تعالى:
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى [الأعراف: 137].
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: 38].
فِطْرَتَ اللَّهِ [الروم: 30].
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [القصص: 9].
إنّ شجرت الزّقّوم [الدخان: 43].
وجنات نعيم [الواقعة: 89].
ومعصيت الرّسول [المجادلة: 8].
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ [التحريم: 12].
امْرَأَتُ عِمْرانَ [آل عمران: 35].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ [القصص: 9].
امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف: 30].
وحاول الزركشي أن يعلل هذا الإبدال، في كل لفظة، فالألف أبدلت واوا في أصول الدين المطردة، تفخيما وتعظيما، كالصلاة والزكاة، وهما عماد الدين، والحياة وهي عماد البقاء، وترك الربا عماد الأمان، ومدت التاء في «السنة» في المواضع التي تدل على الإهلاك والانتقام: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا، ومدت التاء في الجنة وجنات نعيم لكونها بمعنى فعل التنعم بالنعيم واقترانها بالروح والريحان، ومدت التاء أيضا في «امرأة»: امْرَأَتُ عِمْرانَ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ للتنبيه على فعل التبعل والصحبة وشدة المواصلة والمخالطة والائتلاف.
خامسا: قاعدة الوصل والفصل:
قال الزركشي:
«اعلم أن الموصول في الوجود توصل كلماته في الخط، كما توصل حروف الكلمة الواحدة، والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط كما تفصل كلمة عن كلمة» (1).
وجاءت لفظة «إنما» بالكسر موصولة إلا في موضع واحد إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام: 134]، وجاءت لفظة «إنما» بالفتح موصولة إلا في موضعين وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الحج: 62]، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ [لقمان: 30].
وجاءت لفظة «كلما» موصولة إلا في ثلاث مواضع، في النساء وإبراهيم والمؤمنون، لأن «ما» وقعت على أنواع مختلفة في الوجود، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: 34]، وما عداها جاءت موصولة لأنها وقعت على شيء لا ينفصل كالزمان في قوله: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً [البقرة: 25].--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 411 - 416.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
وجاءت لفظة «أينما» موصولة في قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. وجاءت مفصولة في قوله: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ.
وجاءت «بئسما» موصولة إلا في ثلاثة مواضع، اثنان في البقرة وواحد في الأعراف في قوله: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي.
وجاءت «يوم هم» موصولة في قوله: يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، وجاءت مفصولة في قوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ.
وجاءت لفظة «في ما» موصولة ومفصولة كما في قوله: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 234]، فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [الأنبياء: 102].
وجاءت لفظة «لكيلا» موصولة في ثلاثة مواضع ومفصولة فيما عداها:
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ [الحديد: 23]، لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً [النحل: 70].
وهناك أحرف الإدغام، مثل قوله: «عمّا» «مما» «عمّن» «ممن «ألّن» «ألّا»، وجاءت هذه الأحرف موصولة ومفصولة، والأمثلة واضحة ومفصلة في كتاب البرهان الذي أفاض في ذكر كل لفظة، مبديا تفسيره لحالات الاتصال والانفصال محاولا التعليل، واضعا قواعد عامة لكل هذه الحالات ولا يخلو الأمر من تكلف فيما يبدو لي، لصعوبة وضع معايير واضحة أو إيجاد أسباب مطردة.
سادسا: قاعدة تعدد القراءة:
وبمقتضى هذه القاعدة تكتب بعض الكلمات التي تقرأ بقراءتين برسم إحدى القراءتين، كما في قوله تعالى: ملك يوم الدّين، تكتب بغير ألف، وتقرأ بالألف وبحذف الألف، وكذلك الأمر في كثير من الألفاظ التي تكتب وفقا لإحدى القراءتين، وتقرأ بالقراءتين معا، وهذا كله خارج نطاق القراءات الشاذة، وأحيانا تراعى في الرسم بعض القراءات الشاذة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
وهذه القواعد تؤكد أن الرسم العثماني روعيت في كتابته غايات ومقاصد، منها ما يمكن إدراكه ومعرفته، ومنها ما لا يمكن إدراكه وتفسيره، ولهذا فإن الرسم العثماني يظل إحدى أهم دعائم النص القرآني من حيث التوثيق والضبط والدقة، وسواء قلنا بأن هذا الرسم توقيفي أم اجتهادي فإن الحفاظ على هذا الرسم يجب أن يظل من المطالب الضرورية، وهذا لا يمنع عند الضرورة من كتابة القرآن بالإملاء الموافق للنطق المعتاد في الكتابة العربية لأغراض تعليمية، وبخاصة إذا كثر اللحن في قراءة القرآن، وتعذرت على الناس قراءته بطريقة سليمة وصحيحة.
مصير المصاحف العثمانية:
اعتمد «عثمان» مصحفه بعد أن أتمت اللجنة المكلفة بجمعه وكتابته عملها، وأشرف على ضبط الآيات، وترتيب السور بحيث يكون هذا الترتيب موافقا للتلاوة والترتيل الذي كان حفاظ القرآن يلتزمون به.
وأصبحت المصاحف العثمانية هي المصاحف المعتمدة في الأمصار الإسلامية الرئيسية في مكة والشام والبصرة والكوفة والمدينة بالإضافة إلى المصحف الإمام الذي هو الأساس في المصاحف الأخرى، وهو المصحف الأول الذي نسخت منه المصاحف.
وأوفد عثمان مع كل مصحف قارئا يقرئه ويسهر عليه، فقد كلف زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدينة، وأوفد عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، وعامر بن عبد القيس إلى البصرة، وأصبح هؤلاء هم قراء القرآن وحفظته يسهرون على حفظ المصحف المعتمد، ويقرءون الناس به، ولا يسمحون بأن يناله تحريف أو تبديل، أو زيادة أو نقص.
وكان هذا العمل من أعظم الأعمال التي أدت إلى حفظ القرآن، وتوحيد نصه وقراءته ورسمه، لئلا يقع فيه تغيير أو تبديل، وظلت المصاحف العثمانية في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
الأمصار الإسلامية نسخا معتمدة أجمعت الأمة على قبولها وصحتها وسلامة ما جاء فيها.
ومن أبرز ما كان يميز المصاحف العثمانية أنها كانت خالية من النقط والشكل والزركشة والنقوش، وجاءت روايات عن بعض العلماء السابقين في القرن الخامس والسادس تؤكد رؤيتهم لبعض المصاحف العثمانية، وقال ابن كثير صاحب التفسير المشهور وكتاب البداية والنهاية في التاريخ في كتابه فضائل القرآن: إنه رأى مصحف عثمان الموجود في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وكان قبل ذلك بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود سنة 518 هـ، وقد وصفه بقوله: وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل» (1).
وذكر ابن الجزري صاحب كتاب: «النشر في القراءات العشر» وابن فضل الله العمري صاحب: «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» إنهما رأيا المصحف الشامي.
وروى الدكتور صبحي الصالح في كتابه: «مباحث في علوم القرآن» أن بعض الباحثين يميل إلى أن هذا المصحف أمسى زمنا ما في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد ثم نقل إلى إنكلترا، وهناك فريق من الباحثين يرجح أن هذا المصحف بقي في مسجد دمشق حتى احترق فيه سنة 1310 هـ، ونقل الدكتور الصالح عن الدكتور يوسف العش أن أحد قضاة دمشق أخبره بأنه قد رأى المصحف الشامي قبل احتراقه، وكان محفوظا بالمقصورة وله بيت خشب.
وهناك مصاحف كثيرة في المكتبات الإسلامية وخزانات المساجد المشهورة يدعى المشرفون عليها أنها من المصاحف العثمانية، وبعضها واضح في عدم مطابقته لما كانت عليه المصاحف العثمانية، من حيث النقط والشكل والزركشة والفواصل، مما يؤكد أنه كتب بعد ذلك.--------------------------------------------
(1) انظر مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح، ص 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
والأمر في جميع الأحوال لا يترتب عليه شيء، فالمصاحف موحدة ونصوصها واحدة، ولا مجال للتفريق أو الاختلاف، بين المصاحف العثمانية والمصاحف التي كتبت بعد ذلك حتى اليوم، ولم يلق كتاب من أوجه العناية والرعاية والضبط ما لقيه القرآن، سواء في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر صحابته أو في العصور اللاحقة، فالقرآن واحد في جميع العصور، ولدى جميع المذاهب الإسلامية، وحتى من اعترض على ذلك من بعض المذاهب الإسلامية متهما «عثمان» بالتحيز، طاعنا في قراره بإحراق المصاحف الأخرى، فإنه سرعان ما يعترف بأن مصحف عثمان هو أدق المصاحف وأصحها، وأن المصاحف التي أمر بإحراقها لم يبذل فيها من وسائل الضبط والدقة ما يجعلها في مستوى مصحف الإمام الذي أجمعت الأمة على قبوله، وأجمع الصحابة على مطابقته لمصحف أبي بكر الذي اعتمد في جمعه على كتاب الوحي وحفظة القرآن.
حكم النقط والتحلية:
روى الحافظ ابن أبي داود السجستاني المتوفى سنة 316 هـ في كتابه المصاحف، روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين تؤكد كراهيتهم لتصغير المصحف والتعشير والفواتح، وروى عنه قوله: لا تكتب المصاحف صغارا، وروي عن سفيان الثوري قوله: كانوا يكرهون النقط والتعشير وإحصار السور، وروي عن عبد الله بن مسعود قوله: جردوا القرآن ولا تخلطوا به ما ليس منه، وروى شعبة عن أبي رجاء قال: سألت محمد بن سيرين عن المصحف ينقط بالنحو قال: أخشى أن يزيدوا في الحروف (1).
ويبدو من الروايات أن كراهية النقط ليست لذات النقط، وإنما كانت بسبب الخوف من زيادة في القرآن، ولهذا نسب إلى ابن سيرين قوله: لا بأس بنقط المصحف (2).--------------------------------------------
(1) انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 136، تحقيق أرثر جفري المطبعة الرحمانية.
(2) انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود، ص 143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
وكانوا يكرهون تحلية المصاحف بالذهب، وروي عن أبي بن كعب قوله:
إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فعليكم الدثار، وروي عن أبي الدرداء قوله: إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فعليكم الدثار» (1).
وروى الأعمش قال: «مرّ على عبد الله بن مسعود بمصحف قد زين بالذهب فقال: إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته في الحق» (2)، وهناك روايات أخرى تؤكد جواز تحلية المصحف.
وكره بعض العلماء بيع المصاحف وشراءها، وروي عن علقمة وابن سيرين والأعمش والنخعي كراهة بيع المصاحف، وقال أبو العالية: وددت أن الذين يبيعون المصاحف، ضربوا، وأجاز ابن عباس شراء المصاحف وكره بيعها، وروى الأعمش عن ابن عباس أنه سئل عن بيع المصاحف فقال: لا بأس إنما يأخذون أجور أيديهم (3).
والأمر كما يبدو تحدده الظروف، فكل أمر مبالغ فيه من حيث التحلية فهو مكروه، والتجارة في المصاحف مكروهة، ما لم تكن النية في ذلك خدمة المصحف الشريف.
والواضح أن تعدد الروايات والأحكام في الأمر الواحد يشير إلى الرغبة في صيانة القرآن عن كل ما يسيء إليه، سواء كانت تلك الإساءة شكلية كالمبالغة في التحلية والتزيين، أو كانت مما يسيء إلى مكانة القرآن، والأصل في القرآن أنه لا يجوز أن يعتبر سلعة من السلع التجارية، لأن ذلك مما يفقده قداسته في النفوس، ويخضعه لما تخضع له السلع التجارية من أنواع الغش والتدليس، فإذا كان البيع والشراء لا يعبر عن هذه المعاني، فليس هناك ما يمنع من خدمة القرآن، عن طريق الطباعة والنشر، ومن يفعل ذلك بنية خدمة القرآن وتيسير أمر توزيعه، فهو مأجور ومثاب على فعله، ومثل هذه الأمور تحكمها مقاصد وغايات، فما يرفضه--------------------------------------------
(1) انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود، ص 150.
(2) انظر نفس المصدر، ص 151.
(3) انظر نفس المصدر، ص 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
العقل ويتنافى مع الفضيلة فهو حرام على وجه التأكيد، وما يرتضيه العقل ويقره العرف ولا يتنافى مع الفضيلة فهو جائز ومباح.
العناية بالمصاحف ومراحل تحسينه:
كان المصحف العثماني الإمام هو أول مصحف اكتمل جمعه وترتيبه وإعداده بصورته النهائية، وبعد أن أجمعت الصحابة على قبوله نسخت منه عدة نسخ أرسلت إلى الأمصار الرئيسية لكي تكون المصحف المعتمد.
ومنذ ذلك اليوم بدأت المصاحف تنسخ، ويدخل عليها من أنواع التحسين والتجويد ما يجعلها في متناول القراء، من حيث تعدد خطوطها والتفنن في إدخال التحسينات
التي تيسر قراءتها، وإدخال النقط والشكل لضبط الألفاظ والمفردات، حتى لا يقع أي اختلاف في النقط أو تباين في ضبط الكلمات.
وكانت مسيرة التجويد والتحسين منسجمة مع حركة المجتمع الإسلامي وتطوره، فقد كانت الدولة بسيطة المعالم في المدينة، عكفت في أيامها الأولى على تثبيت أركان العقيدة، ومواجهة خصومها، ثم اتسعت اهتماماتها، ونمت مطامحها، وامتد سلطانها في مشرق ومغرب، وكان لا بد من مواكبة هذا التطور بتنظيم محكم، وإعداد سديد، واهتمام بمظاهر العمران الذي يجسد عظمة الدولة واستقرارها، ويؤكد استجابة شعبها لما تتطلبه الحضارة من اهتمام بأساليب التطوير والتحسين، من تنظيم للجيوش، وإنشاء لدواوين المال والإدارة والجند، واهتمام بقضايا الفكر والثقافة، وتدوين للعلوم.
وأول ما انصرف الاهتمام به العناية بكتاب الله، شرحا لآياته، وتوضيحا لأحكامه، وتفسيرا لمفرداته، وبيانا لأسباب نزوله، وتدوينا لتاريخه، وتجويدا لخطوطه، وضبطا لألفاظه، لئلا يقع أي التباس في كلمة من كلماته.
وأول مظاهر هذا التحسين إدخال النقط والشكل فيه، لضبط النطق به، لئلا يقع فيه تحريف أو تبديل، أو لحن أو ما يشبه اللحن، ولم يكن مصحف عثمان منقطا أو مشكولا، ربما لعدم معرفة العرب بالنقط في ذلك الحين، أو لإمكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
قراءة القرآن بما يوافق القراءات المختلفة، وبما يستجيب لكل اللهجات العربية، وبما يوافق الأحرف السبعة.
ومن الطبيعي أن يتوقف بعض العلماء أمام النقط والشكل موقف التردد والهيبة، كشأن كل أمر جديد، وسرعان ما أدرك الجميع أهمية الضبط والتيسير في القراءة، لكيلا يقع لحن في النطق أو لبس في ضبط بعض الكلمات.
وتشير الروايات إلى أن التفكير في الأمر بدأ في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي خاف من أثر الاختلاط بين العرب والعجم على اللغة، فأمر الحجاج بن يوسف بأن يهتم بالأمر، ويقال بأن الحجاج أصلح الرسم القرآني في أحد عشر موضعا.
وتؤكد الروايات كما قال السيوطي في الإتقان أن (1):
«أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل:
الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل: نصر بن عاصم الليثي»، ويبدو أن الحسن البصري كان دوره محصورا في مباركة هذا العمل وتأييده وتشجيعه، إذ لم يعرف له اهتمام بالنقط والشكل، وكان من الضروري أن ينال هذا العمل موافقة العلماء.
وهناك روايات تشير إلى أن بعض العلماء كانوا يكرهون النقط والشكل (2)، وروى عن النخعي أنه كره نقط المصاحف، وروي مثل هذا عن ابن سيرين، وقال ابن مسعود: جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، وقال مالك: «لا بأس بالنقط في المصاحف التي يتعلم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا». وقال الحليمي (3):
«تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه، أما النقط فيجوز، لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها».--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 4، ص 160.
(2) نفس المصدر، ص 161.
(3) هو أبو عبد الله حسين بن حسن الحليمي الجرجاني المتوفى سنة 403 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
وقال ابن مجاهد: «ينبغي ألا يشكل إلا ما يشكل» (1)، وقال النووي: نقط المصحف وشكله مستحب، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف (2).
وكان أبو الأسود الدؤلي معنيا بشئون اللغة، واشتهر أنه أول من وضع العربية، وأن الخليل بن أحمد أول من وضع العروض، ومن الطبيعي أن تتوجه الأنظار إليه، وأن يطالب بإعداد ما يضمن سلامة النص القرآني، ويقال بأن زياد ابن أبيه والي البصرة طالبه بأن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله، فتثاقل أبو الأسود وتباطأ، ولعله تهيب الأمر، ولما سمع قارئا يقرأ قوله تعالى:
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بجر اللام في «رسوله» قال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، وذهب إلى زياد بعد أن أفزعه الأمر وقال له: «قد أجبتك إلى ما سألت» (3) وعكف على إعداد نقط دالة على الحركات والسكون.
ولا شك أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من شرع في الأمر ببدايات بسيطة، إذ لا يعقل أن يقوم بهذا العمل شخص واحد، ولا يمكن أن يكتمل من خلال عمل في جيل واحد، فمثل هذه الأعمال الكبيرة، تبتدئ كفكرة، ثم يشرع فيها بخطوة، ثم تعقبها خطوات متعسرة خجولة تتعثر مرة وتتقدم أخرى إلى أن يستقر الأمر على الأفضل والأيسر مما لا مشقة فيه على الأمة.
وهناك رواية تقول: بأن أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر، ويقال: إنه قام بتنقيط مصحف ابن سيرين المتوفى سنة 110 هـ، وكان يحيى بن يعمر من أهل البصرة، واتهم في عصر الحجاج بالتشيع ونفي إلى خراسان، وهناك اشتهرت مكانته وأصبح «قاضي مرو».
وتابع العمل من بعده نصر بن عاصم الليثي تلميذ أبي الأسود الدؤلي، وكان أحد قراء البصرة، وهناك من يقول: بأنه أول من نقط المصاحف، ولا يمكن الترجيح بين هذه
الأقوال والروايات، لصعوبة تحديد دور كل فرد في هذا العمل--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 4، ص 161.
(2) نفس المصدر.
(3) انظر مناهل العرفان للزرقاني، ج 1، ص 401.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
الكبير الذي يرجح أن خطواته الأولى كانت من تفكير أبي الأسود الدؤلي، ثم تكاملت واستقامت على يد كل من يحيى بن يعمر وتلميذه نصر بن عاصم.
ويكفينا هذا القدر من بيان نشأة المرحلة الثانية من تاريخ القرآن التي تمثلت في دور التحسين والتجويد والإكمال، لكي يكون الرسم القرآني مكتمل المعالم، واضح الألفاظ، مزودا بإشارات ضابطة للكلمة، مبينة لكيفية النطق بها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
الفصل الثاني عشر: علم المحكم والمتشابه
انطلقت بعض المصطلحات القرآنية من القرآن نفسه، وأخذت هذه المصطلحات معاني محددة، لا تخرج في إطارها العام عن المعنى المستفاد من القرآن، وإذا تعددت المفاهيم والاجتهادات في مجال تفسير هذه المصطلحات فإن هذه المفاهيم تظل حبيسة الدلالات القرآنية، لا تتجاوزها بمعنى يناقض تلك الدلالة في إطارها العام ..
وكلمة المحكم والمتشابه من هذه المصطلحات القرآنية التي جاء بها القرآن في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: 7].
وكلمة: «الإحكام» في اللغة تفيد معاني عديدة، أهمها: «المنع» «والإتقان» يقال: أحكمت الأمر أي: أتقنته ومنعته من الفساد، وكلمة «الإحكام» تفيد معنى السداد، والحكمة في القرآن تأتي بمعنى العلم والعدل والنبوة.
وكلمة «المتشابه» مأخوذة من التشابه والمشاركة والمماثلة، وتفيد معنى التشابه المؤدي إلى الالتباس وعدم الوضوح …
والتقابل في كلمتي المحكم والمتشابه، تفيد المعنى المراد، فما كان محكما فهو المبين والمفصل، ولا يمكن أن يعطي معنى الإتقان، لأن القرآن كله متقن، فالمتشابه هو الذي لا يتضح معناه إلا ببيان إضافي، والقرآن بعضه واضح الدلالة على معناه، والبعض الآخر ليس واضح الدلالة، وما كان كذلك فيحتاج إلى بيان.
آراء العلماء في معنى المتشابه:
اختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه، ولا بد من وقوع الخلاف فيه، فالبعض اعتبر أن المحكم هو الواضح الدلالة، ولا يحتاج إلى بيان، والمتشابه هو الخفي الدلالة، ويحتاج إلى بيان، والبعض الآخر اعتبر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
«المحكم» ما يمكن معرفة معناه ودلالاته بالتفسير والتأويل، والمتشابه اختص الله به فلا تعلم دلالته ولا معناه، لا بالتفسير ولا بالتأويل.
قال السيوطي في الإتقان: وقد اختلف في تعيين «المحكم والمتشابه» على أقوال (1):
- فقيل: المحكم ما عرف المراد منه، إما بالظهور وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور.
- وقيل: المحكم ما وضح معناه والمتشابه نقيضه.
- وقيل: المحكم ما لا يتحمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها.
- وقيل: المحكم ما كان معقول المعنى، والمتشابه بخلافه، كإعداد الصلوات واختصاص الصيام برمضان دون شعبان، قاله الماوردي.
- وقيل: المحكم ما استقل بنفسه والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره.
- وقيل: المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرى إلا بالتأويل.
- وقيل: المحكم ما لم تتكرر ألفاظه ومقابله المتشابه.
- وقيل: المحكم الفرائض والوعد الوعيد، والمتشابه القصص والأمثال» (2).
وجاءت بعض المعاني لكل من المحكم والمتشابه، قال ابن عباس:
المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه …
والمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأقسامه وأمثاله، وروي عن مجاهد قال: المحكمات ما فيه الحرام والحلال وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا … ، وروي عن الضحاك قوله: المحكمات ما لم ينسخ منه، والمتشابهات ما قد نسخ.--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 3، ص 3.
(2) انظر الإتقان، ج 3، ص 3 - 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
وعرف الزركشي في البرهان المحكم بأنه ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام، والمتشابه ما يشتبه اللفظ فيه في الظاهر مع اختلاف المعاني، ويقال للغامض متشابه، واختلفوا فيه، فقيل: هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا، وقيل: هو المنسوخ غير المعمول به، وقيل: القصص والأمثال، وقيل: فواتح السور، وقيل: ما لا يدرى إلا بالتأويل (1) وهذه الأقوال بالرغم من تعددها فهي دالة على المراد، ومعبرة، وواضحة، فالمتشابه ما كان غامض الدلالة، محتاجا لتأويل، محتملا عدة أوجه، لا مجال للترجيح بينها بمجرد العقل، ولا بد فيها من دليل نقلي …
ونقل صاحب البرهان عن ابن حبيب النيسابوري تعدد الأقوال في هذه المسألة، من حيث كون القرآن محكما ومتشابها أو مشتملا على المحكم والمتشابه، فاعتبر البعض أن القرآن محكم، لقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ والبعض قال: إنه متشابه، والصحيح أنه منه المحكم ومنه المتشابه، كما جاء في القرآن نفسه (2) …
وذهب بعض علماء الكلام إلا أن القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا بطلت فائدة الانتفاع به، ونقل الراغب الأصفهاني قولهم هذا، وناقش الزركشي كلام من قال: ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى، فأجاب بأن الأمر لا يخلو من حالتين (3):
الحالة الأولى: إن كان يمكن علمه فله فائدتان:
الفائدة الأولى: حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب.
الفائدة الثاني: إظهار فضل العالم على الجاهل، ويستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل …--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 2، ص 68 - 69.
(2) البرهان، ج 2، ص 68 - 69.
(3) البرهان، ج 2، ص 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
الحالة الثانية: إن كان لا يمكن علمه فله فائدتان:
الفائدة الأولى: إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة التلاوة وقضاء فرضها … ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح …
الفائدة الثانية: إقامة الحجة بها عليهم، وذلك لأن القرآن نزل بلغة العرب فإذا عجزوا عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وأفهامهم دلّ ذلك على أن الذي أعجزهم عن الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها.
ولا شك أن هناك حكمة من إيراد الآيات المتشابهات، ولا يمكن أن يكون الأمر من غير غاية، ومن الإعجاز أن تخفى غايات المتشابه، وأن يقع الاختلاف في تحديد مراده، لأن العقول البشرية لا يمكن أن تدرك كنه بعض الحقائق المتعلقة بالله وبالكون، وبالغيب وبالحياة الآخرة، ولا بد من بعض الغموض، وهو غموض نسبي، بسبب عجز العقول عن الفهم، ولا يكلف الإنسان بإدراك ما لا يطيق من معرفة الأمور التي لا يدركها العقل.
وليس من حق الإنسان أن يطلب معرفة كل شيء، وهذا أمر فيه استحالة، فالحياة أكثر تعقيدا مما يتصوره العقل، وعلى الإنسان أن يسلم فيما لا يقدر على إدراكه، وأن يؤمن بحكمة الله، وأن ما جاء به هو الحق، والخطاب القرآني موجه لكل الناس وفي جميع الأزمان، ولا يمكن أن يدرك كل مخاطب حكمته وأسراره، وأن يحيط بكل شيء …
وذهب الخطابي إلى أن المتشابه على ضربين (1):
أحدهما: يعرف معناه إذا رد إلى المحكم واعتبر به.
والآخر: لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهذا النوع هو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه فيفتنون …--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 3، ص 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
وقال ابن الحصار: قسم الله آيات القرآن إلى محكم ومتشابه، وأخبر عن المتشابه أنها أم الكتاب، لأن إليها ترد المتشابهات وهي التي تعتمد في فهم مراد الله من كل ما تعبدهم به من معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتنابه نواهيه» (1).
أنواع المتشابه عند الأصفهاني: قسم الراغب الأصفهاني في كتابه: «مفردات القرآن» الآيات إلى ثلاثة أضرب (2)، محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، والمتشابه ثلاثة أضرب أيضا:
الضرب الأول: متشابه من جهة اللفظ فقط، وهذا التشابه يرجع إلى الألفاظ المفردة من حيث الغرابة أو الاشتراك، كما يرجع أحيانا إلى جملة الكلام المركب سواء من حيث الاختصار أو البسط أو النظم …
الضرب الثاني: متشابه من جهة المعنى. ويشمل هذا المتشابه ما تعلق بأوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة، لأن تلك الأوصاف لا تتصور لنا ولا تحصل في نفوسنا …
الضرب الثالث: متشابه من جهة اللفظ والمعنى معا، وهو أقسام:
الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 5].
الثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: 3].
الثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ، كقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: 102].--------------------------------------------
(1) نفس المصدر.
(2) انظر الإتقان، ج 3، ص 10 - 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
الرابع: من جهة المكان والأمور نزلت فيها كقوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: 37]. ويشترط لفهم الآية معرفة عادات الجاهلية.
الخامس: من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد، كشروط الصلاة والنكاح، وأكد الأصفهاني أن كل ما ذكره المفسرون عن المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم ..
وينقسم المتشابه من جهة أخرى إلى ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، وضرب متردد بين الأمرين، ويختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على غيرهم وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (1).
وتساءل العلماء هل يمكن أن يكون في القرآن شيء لا تعلم الأمة تأويله، ونقل الزركشي هذا الخلاف بين المفسرين والمتكلمين، فالمفسرون أجازوا أن يكون في القرآن بعض ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا ما أكده عدد من العلماء في تفسيرهم لمعنى المتشابه، وأن بعض المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، ونقل الراغب الأصفهاني عن المتكلمين أن كل القرآن يجب أن يكون معلوما، وإلا أدى ذلك إلى إبطال الانتفاع (2).
آيات الصفات:
وأبرز ما وقع الاختلاف فيه في موضوع الآيات المتشابهة آيات الصفات، في قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
وذهب جمهور أهل السلف وأهل الحديث إلى الإيمان بما جاء في القرآن، وتفويض المعنى إلى الله، وعدم الخوض في تفسير هذه الآيات وتأويلها (3)، وسئل مالك عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: «الكيف غير--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان في علوم القرآن، ج 3، ص 11.
(2) انظر البرهان للزركشي، ج 2، ص 4.
(3) انظر الإتقان، ج 3، ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
معقول والاستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة»، وروي عن محمد بن الحسن قوله: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه، ونقل هذا الرأي عن سفيان الثوري ومالك وابن عيينة ووكيع، وقالوا جميعا بضرورة عدم التفسير والتأويل، وذهب بعض أهل السنة إلى جواز تأويل هذه الآيات على ما يليق بجلاله تعالى، وتوسط ابن دقيق العيد، فأجاز التأويل إذا كان قريبا من لسان العرب، فإذا كان التأويل بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه.
وموقف أهل السلف أوضح وآمن وأسلم، فإن من الصعب على العقل البشري أن يخوض في تأويل ما ليس به علم، وأنى له علم ذلك والعقل البشري لا يدرك إلا المعاني القريبة منه، مما تدركه الحواس، والتأويل قد يبتدئ يسيرا منضبطا، ثم تتوسع مجالاته، وتنحرف مسالكه، وتضطرب أقواله، ثم يكون مطية لانحراف خطير.
وهنا نقف وقفة يسيرة عند أنواع المتشابه كما أوردها «الراغب» في مفرداته، وليس كل متشابه سواء، فمتشابه الغرابة في الألفاظ والتراكيب ليس كمتشابه المعاني، حيث يقف العقل عاجزا عن الفهم، حائرا مضطربا، لا يدري وجه الصواب، وأنى للمفسر أن يدرك الصواب في أوصاف الله وفيما يدخل ضمن الغيب؟
ويكفي المؤمن أن يقف في مثل هذه المواطن مؤمنا مسلما خاشعا تاركا تفسير ذلك وتأويله لله تعالى، فما توصل إليه أهل التأويل في موضوع الاستواء على العرش من حيث تفسير الاستواء بالاستقرار وبالاستيلاء أو بالصعود أو بالعلو لا يبدو مقنعا، لأن كل معنى لا يخلو من محاذير، وأخطرها التجسيم، والله منزه عن ذلك، والآية واضحة الدلالة معبرة صادقة معجزة، ولا تحتاج بعد ذلك إلى تفسير أو تأويل.
واعتبر العلماء أن حروف التهجي في أوائل السور القرآنية من المتشابه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور.
والمتشابه كالمحكم من حيث مكانة النص القرآني، ولا يقدم المحكم على المتشابه ولا يفضله إلا من حيث وضوح الاستدلال بالمحكم لوضوح لفظه ومعناه، ولا مجال
للاستدلال بالمتشابه إلا بعد معرفة ما يراد به، ولا شك أن المتشابه بسبب غموضه قد فتح الآفاق لمجالات واسعة من البحث، ودفع العلماء إلى تقصي معانيه المحتملة، وهذا منهج في البحث مفيد …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
الفصل الثالث عشر: القراءات القرآنية
يراد بالقراءات القرآنية العلم بكيفية أداء القرآن من حيث نطق الألفاظ أو اختلاف تركيبها، بحيث تكون القراءة موافقة لما ثبت نقله عن القراء الأوائل الذين اشتهروا بحفظ القرآن وضبطه.
ومن الثابت لدى علماء القراءات أن القراءات ليست هي الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وكلمة القراءات السبع هي التي أوجدت ذلك اللبس في المصطلحات، والقراءات ليست منحصرة بسبع قراءات، فهناك أكثر من ذلك، ولكن «ابن مجاهد» شيخ قراء عصره في بغداد المتوفى سنة 324 هـ، حاول أن يضبط القراءات الكثيرة التي انتشرت في البلاد الإسلامية، وكان بعضها ليس موثقا، فحاول أن يجمع القراءات، وأن يستخرج منها ما كان ثابتا عن طريق الرواية المتواترة بنقل الثقات من القراء، فاعتمد سبع قراءات، ووثقها، وثبت لديه أن قراءها عرفوا بالثقة والضبط والأمانة، وعرفت هذه القراءات بالقراءات السبع …
وتحديد عدد القراءات المعتمدة بسبع قراءات جاء بمحض الصدفة، وكان يمكن أن يكون أكثر من ذلك أو أقل، وأدى هذا العدد إلى التباس كبير لدى كثير من الناس بين الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن والقراءات السبعة التي اعتمدها ابن مجاهد في القرن الثالث واختارها من القراءات الكثيرة التي شاعت في عصره.
ولا شك أن العمل الذي قام به ابن مجاهد كان عملا عظيما وكان جهدا فائقا، لأنه استطاع أن يضع معايير دقيقة للقراءة المعتمدة الموثقة، وأن يقف عن طريق هذه المعايير في وجه القراءات الكثيرة التي لا يسلم بعضها من شذوذ أو ضعف، وهذا لا يعني أن القراءات الأخرى ليست صحيحة، فهناك قراءات موثوقة، وموافقة لمعايير التوثيق والضبط التي وضعها العلماء، إلا أن «ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)