Arabic source text

📘 আল-মাদখাল ইলা উলূমিল কুরআনিল কারীম (মুহাম্মাদ ফারুক আন-নাবহানি)

📘 المدخل إلى علوم القرآن الكريم (محمد فاروق النبهان)

📘 আল-মাদখাল ইলা উলূমিল কুরআনিল কারীম (মুহাম্মাদ ফারুক আন-নাবহানি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقال أبو بكر الباقلاني: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام المعاني.
وقال الزركشي في البرهان: الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع (1).
وقد ألف بعض العلماء في الفواصل، من هؤلاء، نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716 هـ الذي نسب إليه كتاب «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل» وهو كتاب مفقود، وهناك كتاب آخر «القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز» لأبي عبد الله المخللاتي المتوفى سنة 1311 هـ وهو موجود في الخزانة التيمورية (2).
وقال الجعبري صاحب شرح الشاطبية (3):
لمعرفة الفواصل طريقان: توقيفي وقياسي:
أما التوقيفي فما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم وقف عليه دائما تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة، ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة.
وأما القياسي: فهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب، ولا محذور في ذلك، لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان (4).
وقال بعض العلماء:
«تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمى فواصل، ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا، لأن الله تعالى لما سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه».--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 53.
(2) انظر كتاب الفاصلة في القرآن للأستاذ محمد الحسناوي ص 62.
(3) هو إبراهيم بن عمر الجعبري المتوفى سنة 732 هـ، وهو صاحب كتاب روضة الطرائف في رسم المصاحف.
(4) انظر الإتقان للسيوطي، ج 3، ص 290.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وذهب الرماني في إعجاز القرآن، والباقلاني أيضا إلى عدم وجود سجع في القرآن، وفرقوا بين الفاصلة والسجع، فالفاصلة بلاغة والسجع عين، وذهب غيرهم إلى إثبات السجع في القرآن، لأن ذلك مما يتبين فيه فضل الكلام، وإنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات (1).
وهذا الخلاف بين من قال بإثبات السجع في القرآن، ونفيه عنه هو الرغبة في تنزيه القرآن عما لا يليق به من الأوصاف، فمن نفى السجع اعتبر أن السجع تكلف وتصنع، والقرآن لا تكلف فيه، ومن أثبت السجع في القرآن نظر إلى كلام فصحاء العرب، واعتبر أن بعض السجع فضيلة، وهو دليل فصاحة (2).
وقال بعضهم: «وكيف يعاب السجع على الإطلاق، وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب، وإنما لم يجئ على أسلوب واحد، لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من الملل عليه، ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت بعض آي القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل» (3).
وهذا الخلاف- على ما يبدو- ظاهري، فهو يناقش الفواصل القرآنية، ثم يقف أمام التسمية متسائلا: هل هذا النسق في النظم القرآني يعتبر سجعا، أم أنه نوع جديد من أنواع البلاغة القرآنية، فمن أنكر إنما أنكر التسمية، فكلمة «السجع» كانت تستخدم في كلام الكهان، وهي تدل على تصنع وتكلف، والقرآن منزه عن ذلك، ولو قيل بإثبات السجع في القرآن لكان الأسلوب القرآني غير خارج عن أساليب العرب، وهذا ينافي الإعجاز القرآني، الذي يؤكد تميّز القرآن عن أساليب العرب، وفضلا عن هذا فإن السجع تحكمه أوزان ولا يمكن للسجع أن يخرج عن أوزانه المعتادة، وإلا اعتبر ذلك السجع خارجا عن نطاق السجع المستحب والممدوح.--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 54.
(2) نفس المصدر.
(3) انظر البرهان، ج 1، ص 60.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

ومن أثبت السجع في القرآن، فإنه لم يعتبر أن السجع عيب في القرآن، وبخاصة إذا كان ذلك السجع خاليا من تكلف أو تصنع، ولا يمكن لسجع القرآن إلا أن يكون في أعلى درجات الفصاحة، والنهي مقتصر على سجع الكهان، لما يتصف به ذلك السجع من زيف وباطل.
ولذلك فإن الخلاف ظاهري، وهو خلاف مصطلح وتسمية، ولا يترتب عليه أي أثر، ولا شك أن أسلوب القرآن متميز، ولو وقع الالتزام بالمصطلحات القرآنية لكان أفضل، ولابتعدنا عن كثير من المزالق، فالفاصلة القرآنية ذات خصوصيات أسلوبية، وذات صيغ متعددة، وذات تعبيرات إعجازية قد تدلك بدرجات متفاوتة، فما يدركه البعض من مظاهر الإعجاز والجمال قد لا يدركه البعض الآخر.
ولا شك أن القرآن راعى المناسبة بين الفواصل، وهو أمر مألوف في اللغة، ومحمود في الأسلوب، ومؤثر في جمال العبارة، وقال شمس الدين بن الصائغ المعروف بابن أبي الفرس المتوفى سنة 776 هـ، في كتابه «إحكام الرأي من أحكام الآي»: بأن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول، وتتبع ذلك في القرآن، وعثر على أكثر من أربعين حكما، نورد منها أمثلة (1):
1 - زيادة حرف كإلحاق الألف في قوله: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا.
2 - حذف همزة أو حرف كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ.
3 - تأخير ما أصله أن يقدم: كقوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى، وقوله: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ فأخر الفاعل لأجل الفاصلة.
4 - إفراد ما أصله أن يجمع، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ والأصل «الأنهار».--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 6 - 70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

5 - جمع ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ والأصل ولا خلة بالإفراد.
6 - تثنية ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وأنكر ابن قتيبة أن الغاية من التثنية هنا مراعاة الفاصلة، ومعه حق في إنكاره، لأن مراعاة الفاصلة فيما لا يضيف معنى، كزيادة حرف لا يضيف معنى.
7 - تأنيث ما أصله أن يذكر، كقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ.
8 - صرف ما أصله ألا ينصرف: كقوله تعالى: قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ فنوّن الكلمتين لأجل التناسب مع الفواصل وَأَغْلالًا وَسَعِيراً.
9 - إمالة ما أصله ألا يمال: كقوله تعالى: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها، وجَلَّاها وغشاها.
10 - العدول عن صيغة الماضي إلى الاستقبال، كقوله تعالى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ، ولم يقل: «وفريقا قتلتم».
11 - إيراد أحد القسمين غير مطابق للآخر: كقوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ.
12 - حذف المفعول كقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.
13 - إثبات هاء السكت: كقوله تعالى: مالِيَهْ/ سُلْطانِيَهْ/ ما هِيَهْ.
قال الزمخشري: «لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سردها، على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه، فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظوم فيه إلى مؤداه، فليس من قبيل البلاغة، وبني على ذلك أن التقديم في وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ليس لمجرد الفاصلة بل لرعاية الاختصاص» (1).--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 3، ص 314.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

ويلاحظ أن فواصل القرآن إما أن تكون متماثلة أو متقاربة، فالفواصل المتماثلة دالة على حسن البيان ما لم تكن متكلفة، كقوله تعالى: وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور:
1 - 5]، وقوله أيضا: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [العاديات: 1 - 5]، وقوله أيضا: وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر: 1 - 4].
أما الفواصل المتقاربة فلا تعتبر من السجع عند من يقول بإطلاق السجع في القرآن، لانعدام التماثل في الحروف، كقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (1).--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 75.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

‌‌الفصل التاسع: ترتيب السور والآيات
اختلف العلماء في ترتيب القرآن، وتعددت آراؤهم وتباعدت، وذلك بسبب ما ورد من روايات مأثورة، احتج بها كل فريق على ما ذهب إليه في ترتيب القرآن من حيث هو توقيفي أو اجتهادي.
والأرجح أن الأمر يختلف بين الآيات والسور، والأصل أن كل ما يتعلق بالقرآن من حيث الترتيب لا بد فيه من دليل، لأن من الصعب الاتفاق على أمر اجتهادي، ولا يمكن للاجتهاد أن يتوصل إلى معايير دقيقة للترتيب يقع عليها الإجماع، ولا بد في هذه الحالة من دليل يعتمد عليه، ويحتكم إليه.
وهناك أدلة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر كتاب الوحي بأن يضعوا كل آية في الموطن الذي يحدده لهم، ولو كان الأمر خاضعا للاجتهاد لجاءت السور متساوية في عدد الآيات، ولما كانت هناك سور طويلة وقصيرة، وكيف يتصور وجود سورة كسورة البقرة إلى جانب سور أخرى قصيرة لا تتجاوز بضع آيات، مما يؤكد وجود أدلة واضحة ثابتة حددت مواطن الآيات والسور، بالطريقة التي جاءت في القرآن.
ويبدو أن العلماء فرقوا بين الآيات والسور من حيث الحكم، لوضوح الأمر بالنسبة ل‌‌ترتيب الآيات، وتعدد الروايات بالنسبة لترتيب السور.

ترتيب الآيات:
أجمع العلماء على أن ترتيب الآيات توقيفي، لوضوح الأدلة في ذلك، وثبت أن جبريل عليه السلام كان يرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما ينزل عليه بالوحي أن يضع كل آية في موقعها من السورة، ولا تتصور تلاوة القرآن إلا في ظل وضوح ترتيب الآيات ومراعاة هذا الترتيب أثناء الحفظ.
روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» إلى آخرها.
وروى مسلم عن عمر قال: ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء».
قال السيوطي في الإتقان:
«الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين» (1).
وقال الزركشي في البرهان (2):
«وأما ما يتعلق بترتيبه، فأما الآيات في كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها».
وقال القاضي أبو بكر:
«ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا.
وجاء في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد: قيل لابن مسعود: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا، فقال: ذلك منكوس القلب».
وهذه الأدلة واضحة كل الوضوح ومؤكدة كل التأكيد أن ترتيب الآيات توقيفي، ولا مجال للاجتهاد في ذلك، بل لا يتصور الاجتهاد في مجال ترتيب الآيات لوضوح النصوص المؤكدة للتوقيف.--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 1، ص 172.
(2) انظر البرهان، ج 1، ص 256.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

وجاءت كلمة «الآية» في اللغة دالة على معاني عدة:
الأول: الجماعة: تقول العرب: خرج العرب بآيتهم أي بجماعتهم.
الثاني: للدلالة على التفوق والإعجاب: فلان آية في الجمال. وتفيد معنى الإعجاز كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ.
الثالث: العلامة: قال تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي علامة ملكه.
الرابع: العبرة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي عبرة، وجاءت في القرآن الكريم بمعنى البرهان، في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
واستعملت في القرآن دالة على مقاطع مستقلة من السور القرآنية، بحيث تنقسم السورة إلى آيات، كل آية دالة على معنى مستقل، وبفضل هذا التقسيم أصبحت قراءة القرآن ميسرة، ومعانيه واضحة، فضلا عما تمثله كل آية من مظاهر الإعجاز البياني.
وحاول بعض علماء اللغة تعريف معنى الآية، قال بعضهم: هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها شبه بما سواها، وقال آخرون:
الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع لا مجال للقياس فيه لمعرفة السورة، فالآية طائفة حروف من القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن (1).
وقال الزمخشري: الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه:
واستشهد بما ذهب إليه العلماء من اعتبار «الم» آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها، وكذلك «المص» و «المر» و «الر» ليست بآية، وليست هناك قاعدة قياسية للحروف الواردة في القرآن، ولو كان الأمر خاضعا للاجتهاد لكانت المعايير قياسية وموحدة.--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 266.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

‌‌ترتيب السور:
تختلف السورة عن الآية، فالسورة تطلق على طائفة من الآيات المتصلة ذات بداية ونهاية، ووفق ترتيب محكم دقيق، وكلمة السورة مأخوذة من سور البناء المكون من قطع متلاحقة، أو من سور المدينة الذي يحيط بأبنيتها المجتمعة، أو من السوار لإحاطته بالساعد.
قال ابن جني: «إنما سميت سورة لارتفاع قدرها، لأنها كلام الله تعالى، وفيها معرفة الحلال والحرام، ومنه رجل سوار أي معربد، لأنه يعلو بفعله ويشتط، ويقال: أصلها من السورة وهي الوثبة».
قال الجعبري: «حد السورة قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، فإن قيل: فما الحكمة في تقطيع القرآن سورا؟ قلت: هي الحكمة في تقطيع السور معدودات، لكل آية حد ومطلع، حتى تكون كل سورة بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا».
وقال الزمخشري: «الفوائد في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة، وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور، وما أوحاه إلى أنبيائه سورة، وبوب المصنفون في كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم، منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخر من أن يكون بابا واحدا، ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله».
واختلف العلماء في ترتيب السور هل هو توقيفي أو اجتهادي (1)، قال ابن فارس: «جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور، فهو توقيفي تولاه النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه».
وقال أبو بكر بن الأنباري: «أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان للسيوطي، ج 1، ص 176 - 177.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

بضع وعشرين، فأنساق السور كأنساق الآيات والحروف، كله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن».
وقال الكرماني في البرهان: «ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب».
وقال الطيبي: «أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ».
وذهب الزركشي في البرهان إلى أن العلماء اختلفوا في ترتيب السور على ما هو عليه هل هو توقيف أو من فعل الصحابة إلى ثلاثة أقوال (1):
القول الأول: ترتيب السور اجتهادي، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء ومنهم مالك والقاضي أبو بكر بن الطيب، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فوض الأمر إلى أمته.
القول الثاني: ترتيب السور توقيفي: واعتبر الزركشي أن الخلاف بين القول الأول والثاني يرجع إلى اللفظ، لأن الصحابة ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما قاله مالك فمن قال بالاجتهاد اعترف بأن الصحابة ألفوا القرآن بحسب ما سمعوه، والخلاف بين التوقيف القولي أو الاستناد الفعلي كما يقول الزركشي.
القول الثالث: التفصيل: فبعض القرآن علم ترتيب سوره في حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والبعض الآخر فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.
وقال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويلاحظ أن الخلاف لفظي وظاهري كما قال الزركشي، بين من قال بالتوقيف والاجتهاد، فمن قال بالاجتهاد اعترف أن الصحابة راعوا في الترتيب ما--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 257.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

كان عليه الأمر في عهده صلى الله عليه وسلم من حيث وضوح الترتيب بالنسبة لمعظم القرآن، وربما وقع الاجتهاد في بعض السور التي لم يتضح فيها الترتيب، وكان لا بد من الاجتهاد في الأمر، والاجتهاد ليس في الترتيب، وإنما في ترجيح ما كان عليه الأمر في عهد النبوة، ولهذا اختلف ترتيب مصحف عثمان عن ترتيب مصحف ابن مسعود، الذي جعل سورة النساء مقدمة على سورة آل عمران، ويبدو أن اللجنة الرباعية التي أعدت مصحف عثمان رجحت تقديم سورة آل عمران على النساء، ورأت أن ذلك الترتيب هو الأرجح في ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما يؤكد التوقيف في كل ما يتعلق بالقرآن أن الصحابة التزموا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعدم الاجتهاد في أي أمر يتعلق بالقرآن، والتوقف عند حدود النقل الثابت، ويؤكد هذه الحقيقة أن الصحابة لم يضيفوا البسملة إلى أول سورة «براءة» ولم يكن يحق لهم ذلك، ولم يجتهدوا في الأمر، حتى إن بعضهم ظن أن سورة براءة هي جزء من سورة الأنفال السابقة لها، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتفريق بين السورتين، ولم يضف إليها البسملة، واختلفوا في تفسير سقوط البسملة في «سورة براءة» وقال بعضهم: السبب في ذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أرادوا نقض عهد لم يكتبوا البسملة في كتاب النقض، ونزلت براءة بنقض العهد الذي كان للكفار، ولما قرئت خلت من البسملة، إيذانا لهم بما اعتادوه في مثل هذه المواقف.

‌‌عدد سور القرآن:
أجمع العلماء على أن عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: مائة وثلاث عشرة سورة عند من جعل الأنفال وبراءة سورة واحدة.
وطلب الحجاج بن يوسف من قراء البصرة أن يحصوا له كلمات القرآن وحروفه، فمكثوا أربعة أشهر يعدون الكلمات والحروف بالشعير، وأجمعوا على أن كلمات القرآن سبع وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وحروف القرآن ثلاث مائة وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا (1).--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 1، ص 184.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

وأما عدد الآيات فهو ستة آلاف آية، واختلفوا فيما زاد على ذلك، مائتان وأربع آيات، أو مائتان وتسع عشرة آية، أو مائتان وخمس وعشرون، أو مائتان وست وثلاثون:
وأطول سورة في القرآن هي البقرة وأقصر سورة هي الكوثر، وأطول آية هي آية الدين، وأقصر آية هي «والضحى».
وتعلم الآية بتوقيف من الشارع الحكيم، كما هو الشأن بالنسبة للسور القرآنية، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر كتاب الوحي بمراعاة ذلك، ولولا ذلك التوقيف الشرعي لما أمكن بالاجتهاد أن تكون هناك آيات طويلة أو قصيرة، لصعوبة وضع معيار ثابت لذلك، فبعض الآيات كلمة واحدة، وبعضها آيات طوال.
وأكد الزمخشري ذلك بقوله: الآيات علم توقيفي لا مجال للقياس فيه، والأرجح أن نقول إن كل ما يتعلق بالقرآن توقيفي، وبخاصة ما يتعلق بالرسم والترتيب والآيات والسور، والاجتهاد قليل، وهو معتمد على نقل أو رواية راجحة أو قرينة ثابتة يستعان بها في معرفة التوقيف.
وحاول بعض العلماء ذكر الفائدة من معرفة الآيات والفواصل، وأن ذلك ضروري في بعض الأحكام الفقهية، في قراءة آية كاملة في خطبة الجمعة، وفي صلاة من جهل فاتحة الكتاب وفي معرفة مواطن الوقف، وقال البخاري: «لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة»، وبخاصة وإن من الصعب ضبط الكلمات والحروف لاختلاف مفهوم الكلمة من حيث الحقيقة والمجاز.
وإذا انتفت الفائدة من بعض ما انصرف العلماء إليه من بيان الكلمات والحروف، فإن ذلك مؤشر واضح الدلالة على عظمة الجهود التي بذلها العلماء في ضبط كل ما يتعلق بالقرآن، رسما وترتيبا وجمعا ورواية. تأكيدا لمكانة هذا القرآن العظيم في نفوس المسلمين، وحرصا منهم على صيانته من أي عبث يسيء إليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

ومن العبث إثارة شبهات حول القرآن، ومحاولة الرد عليها، لأن ذلك مما أصبح متجاوزا، وليست هناك فائدة من إثارة تلك الشبهات التي رد عليها العلماء ردّا موضوعيا بالأدلة العلمية، ومن حق المسلم أن يرفض كل جديد فيما يتعلق بالجدل المرتبط بقطعية القرآن، ولا وسيلة لإرضاء خصوم القرآن إلا بعد التسليم بكل ما يثيرونه من شبهات، وهذا مطلب يأباه المسلم ويرفضه، ويجب أن تقتصر الدراسات القرآنية على بيان تاريخ القرآن، ومراحل جمعه وتوثيقه، وأن ينصرف الاهتمام إلى ما يساعد الباحثين على معرفة جوانب الإعجاز في القرآن واكتشاف الجديد من معانيه وحكمه وأحكامه، وهذا باب كبير وعالم فسيح ولا نهاية له، لأن التفسير القرآني متواصل ومتجدد مع تجدد الخطاب القرآني، والبشر متكافئون في قدراتهم الذهنية، والأجيال مطالبة بأن تسهم في خدمة القرآن وفي استنباط أحكامه وحكمه.

‌‌مناسبة الآيات والسور:
المناسبة في اللغة المقاربة، يقال: فلان يناسب فلانا أي يقرب منه ويشاكله، ومنه النسيب وهو القريب، ومنه المناسبة في العلة في باب القياس، والعقول البشرية تدرك أهمية المناسبة بين الأشياء المتجاورة والمتجانسة، ولا يمكن إغفال أهمية التقارب بين الأشياء، فهناك على وجه التأكيد علاقات بين الأضداد والنظائر، وأحيانا تدرك تلك العلاقات إذا قام دليل يؤكدها أو يشير إليها، وأحيانا لا تدرك تلك العلاقات، لخفائها أو لعجز العقل عن إدراكها، والعقول البشرية ليست متساوية في إمكاناتها، فما يمكن إدراكه لدى البعض لا يمكن إدراكه لدى البعض الآخر، للتفاوت في القدرات.
ومن هذا المنطلق حاول بعض العلماء البحث عن أوجه المناسبة بين الآيات والسور، من حيث التجاور والتتابع، أو من حيث تسمية أسماء السور، والمناسبة ليست أمرا محددا، ولهذا تحتاج إلى قدرة وبديهة وحسن تأمل.
وأشاد بعض علماء القرآن والتفسير بأهمية التناسب بين الآيات، واعتبروا ذلك علما مستقلا جديرا بالعناية والتأمل (1).--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 35.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

وقال الزركشي في البرهان:
«وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء» (1).
وقال العز بن عبد السلام المتوفى سنة 660 هـ:
«المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه» (2).
وقال الإمام الرازي في تفسيره:
ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة، وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته (3).
وقال أيضا:
«أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط».
وقال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين:
«ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله عز
وجل لنا فيه، فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة، ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه».
وقال أبو الحسن الشهراباني:
«أول من أظهر ببغداد علم المناسبة، ولم نكن سمعناه من غيره، هو الشيخ--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 36.
(2) انظر الإتقان للسيوطي، ج 3، ص 322.
(3) انظر نفس المصدر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

الإمام أبو بكر النيسابوري، وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة، وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة (1).
وقد ألف عدد من العلماء في علم المناسبة، منهم أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان في كتابه البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن، وبرهان الدين البقاعي في كتابه: «نظم الدرر في تناسب الآي والسور» والسيوطي في كتابه: «تناسق الدرر في تناسب السور».

‌‌المناسبة مظهر من مظاهر الإعجاز:
والمناسبة تؤكد التوقيف بالنسبة لترتيب الآيات والسور، وهي مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني الذي يؤكد الترابط بين الآيات والحكمة في تسلسل المعاني، وإلحاق فكرة بأخرى، وربط حكم بآخر، مما يؤكد وجود نسق قرآني مترابط متلاحم يسعى بعضه في تأكيد البعض الآخر وتوضيحه، للوصول إلى معنى مقصود وحكمة مبتغاة، وغاية مرجوة … والمناسبة تؤكد الترابط والتكامل في الآيات والسور، ولا يمكن تصور انفكاك الآيات عن بعضها، لأن ذلك يخل بالنسق القرآني المعجز، وعجز البشر عن إدراك وجه المناسبة لا يعني انعدام الترابط، ولهذا تتفاوت قدرات المفسرين في تلمس المناسبة المؤدية إلى غاية، ويحتاج علم المناسبة إلى إشراقة روحية تعين المفسر على تلمس عظمة الترتيب القرآني، ومهما بلغ العقل في درجة إدراكه، فإنه يعجز أحيانا عن إدراك أوجه للتقارب والتجانس تحتاج إلى صفاء نفسي وروحي، يوقظ قدرات القلب على الفهم والإدراك.
وعلم المناسبة علم ذاتي لا يخضع لمعايير مادية، فما كان واضح التقارب والتماثل كما هو الشأن في النظائر والأضداد واقتران المسببات بالأسباب--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 1، ص 36، والإتقان، ج 3، ص 522.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

والمعلولات بالعلل لا يحتاج إلى كثير جهد لوضوح أوجه العلاقة والترابط، وما كان ظاهر الانقطاع والانفصال بين الآيات يحتاج إلى عمق نظر وحسن تأمل، لإدراك وجه العلاقة واكتشاف ما غمض من أوجه الترابط.
ومن العوامل الأساسية في فهم أوجه المناسبة بين الآيات والسور أن يحيط المفسر بالقرآن، وأن يستوعب مقاصده وغاياته، وأن يفهم أغراضه وأساليبه، وأن ينظر للقرآن نظرة شمولية متكاملة، بحيث تكتشف التوجهات القرآنية، وتعلم أساليب القرآن في التربية والتوجيه.

‌‌ارتباط علم المناسبة بأسباب النزول:
ويرتبط علم المناسبة ارتباطا واضحا بأسباب نزول القرآن، وبالبيئة التي نزل بها القرآن، وبطبيعة المخاطبين بالخطاب القرآني، ولا بد من معرفة المكي والمدني من الآيات، لأن علم المناسبة يتطلب الإحاطة بكل ما يتعلق بالخطاب.
ولا بد من توفر شروط أهمها:
- معرفة جيدة بالقرآن، لأن ذلك هو الأساس في إدراك أوجه الترابط بين الآيات والسور.
- معرفة بأساليب اللغة العربية، لأن القرآن نزل بلغة العرب، وراعى ما كان سائدا عندهم من أوجه البيان والتعبير.
- معرفة السيرة النبوية، لأنها هي الأساس في تفسير القرآن، وفي فهم ما ورد فيه من أحكام، وما اشتمل عليه من معان وتوجيهات.
- قدرة ذاتية على التماس أوجه التشابه والترابط والتناسب بين الآيات، وهذه القدرة تحتاج لاستعداد ذاتي.
وفسر السيوطي في الإتقان والزركشي في البرهان معنى المناسبة بين الآيات بأن ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يكون ظاهر الارتباط لتعلق الكلم بعضه على بعض على وجه التفسير والتأكيد، وإما ألا يكون ظاهر الارتباط، فعندئذ لا يخلو الأمر من وجود عطف مؤكد لوجود جهة جامعة أو لا يكون هناك عطف، وعندئذ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

لا بد من البحث عن قرائن معنوية تؤكد، وتعلم بوجود رابط بين الآيات، ومن أهم القرائن ما يلي:
أولا: التنظير: لأن إلحاق النظير بالنظير من شأن العقلاء.
ثانيا: المضادة: وهو اتباع آية الحديث عن المؤمنين بآية تصف حالة الكافرين، لبيان أوجه التضاد، وهو أسلوب واضح في التشويق.
ثالثا: الاستطراد: والحكمة منه الانتقال من ذكر حال إلى بيان حكم أو حكمة مناسبة للمقام، ثم العودة إلى الموضوع الأول، وهذا الاستطراد يؤدي غايته في بيان ما قصد إليه القرآن من الإشارة إلى حكمة أو عبرة أو لفت نظر إلى مقاربة أو إقرار حقيقة أو تذكير بأمر.
وأفاض العلماء في ذكر أمثلة من القرآن الكريم، وبينوا وجه المناسبة في اقتران الآيات والسور، ملتمسين استكشاف أوجه التشابه والتقارب، باحثين عن القرائن التي يمكن أن تفيدهم في معرفة ذلك.
ولعل كلمة الإمام الرازي هي أوضح كلمة وأدلها تعبيرا عن عظمة علم المناسبة، وإن «أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

‌‌الفصل العاشر: علم الناسخ والمنسوخ
اهتم العلماء بدراسة النسخ في القرآن الكريم، وصنفوا فيه، وأفردوا له مؤلفات خاصة، وكشفوا النقاب عن مواطنه، وأزالوا الشبهات التي أحيطت بموضوع النسخ، ومن أبرز من ألف في النسخ كل من ابن الجوزي الفقيه الحنبلي المتوفى سنة 597 هـ في كتابه: «أخبار الرسوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ» وهو مطبوع مع كتاب مراتب المدلسين لابن حجر، وأبي جعفر النحاس محمد بن أحمد المرادي المتوفى سنة 338 هـ في كتابه: «الناسخ والمنسوخ»، وهو مطبوع بهامش كتاب أسباب النزول للواحدي، ومكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 313 هـ في كتابه: «الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه»، وكتابه: «الإيجاز في ناسخ القرآن ومنسوخه»، وكتب في الناسخ والمنسوخ كل من: قتادة بن دعامة من تابعي البصرة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي داود السجستاني، وأبي بكر بن الأنباري وأبي بكر بن العربي المعافري (1).
واعتبر علماء القرآن علم الناسخ والمنسوخ من أهم علوم القرآن والتفسير، وهو عمدة العلوم، لأنه لا يمكن تفسير القرآن إلا بعد معرفة علم الناسخ والمنسوخ، وهو العلم الذي يبين مراحل نزول التشريع وتدرجه ويوضح منهج التشريع في إقرار الأحكام، وحكمته في خطاب المكلفين.
ونظرا لأهميته، فقد انصرف اهتمام علماء التفسير لدراسة هذا العلم، وناقشوا فكرة النسخ في القرآن، وأوضحوا مواطن النسخ، ودرسوا الروايات التي أشارت إلى وجود النسخ.

‌‌معنى النسخ:
يطلق النسخ في اللغة على معنيين:
المعنى الأول: إزالة الشيء وإعدامه ومنه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 2، ص 28.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: 52] ويفيد معنى الإبطال، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته، ونسخت هذا الكلام أي أبطلته ومعنى الإزالة واضح في النسخ.
المعنى الثاني: النقل والتبديل والتحويل: يقال: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا لفظه وخطه، ويأتي بمعنى التبديل، وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [النحل: 110] واستعملت كلمة النسخ في المصطلح الفقهي بمعنى التحويل، كتناسخ المواريث أي تحويل الميراث من واحد إلى آخر.
وجاءت لفظة «النسخ» في الاصطلاح بمعنى: «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي» وكلمة «الرفع» دقيقة المعنى، لأنها تعبر عن المعنى الحقيقي لمعنى النسخ والغاية منه، وكلمة الرفع أدق من كلمة الإزالة والتبديل والنقل والتحويل، فالنسخ هو رفع حكم شرعي بدليل، وكلمة النسخ أدق من كل كلمة تفسيرية، إذ لا يمكن لأية كلمة أن تفيد المعنى المطلوب، وعلم الناسخ والمنسوخ هو العلم الذي يبحث في ظاهرة رفع الأحكام الشرعية السابقة بأحكام شرعية لا حقة.
وهنا نتوقف قليلا عند مفهوم النسخ، فقد يكون النسخ الظاهر بيانا لا حقا للحكم الشرعي الأول، وبخاصة في حالات عدم وجود تعارض حقيقي في الأحكام المتعاقبة المتلاحقة ولا مجال للقول بوجود النسخ مع وجود البيان المتمم للحكم، إذ لا يمكن القول بوجود نسخ في قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ، عن طريق اصطناع فصل بين أجزاء الآية، فالكلام متصل ومتكافل وواضح، ولا يتضح الحكم بعد أن يكتمل الخطاب.
ولا يمكن تصور النسخ إلا في حالات محدودة، حيث يبرز النسخ كحقيقة لا يمكن إنكارها، كما في حالات نسخ التلاوة، وهذا نسخ حقيقي، لا مجال لإنكاره، وهناك نسخ حكم سابق بحكم لاحق، إذا تعذر الجمع بين الحكمين، ولا أظن أن توسيع دائرة النسخ في القرآن من الأمور المطلوبة، فالأصل أن يكون كل ما في القرآن خطابا للمكلفين، إلا ما ثبت نسخ حكمه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

ولا فائدة في مناقشة ما أثاره العلماء في موضوع النسخ من استحالة البداء على الله، لأنه يتضمن ظهورا بعد خفاء وتغييرا في الرأي، وذلك جدل غير مفيد، وأمر النسخ واضح الحكمة، جلي الفائدة، وهو منهج تشريعي، لا بد منه، لمواكبة سير الدعوة، وإقرار أحكام تحقق المصلحة، وتنسجم مع المرحلة الزمنية، وإذا سلمنا بمبدإ الإيمان بالله، وبما جاء من عند الله وجدنا أنفسنا في حلّ من تفسير ظاهرة النسخ وكثير من الظواهر المتعلقة بالرسالة والقرآن تفسيرا عقليا يخل في معظم الأحيان بقدسية
المعاني الإيمانية، ويجعل المؤمن في موقف التساؤل والوصاية على ما لا يجوز أن يتدخل فيه أو يناقشه من أمور دينه وعقيدته.
إن منهجا جديدا في دراسات الفكر الإسلامي يعتمد على طرح ذلك المنهج الجدلي المكرر والمحفوظ جدير بأن يسهم في تطور فكرنا الإسلامي، فلا نناقش فيه ما قاله اليهود والنصارى، وكأنهم أوصياء على فكرنا، ولا نضيع وقتنا في جدل مع علماء الكلام في قضايا تجاوزها منهج السلف ولم يقف عندها، لأن الحوار فيها لا يؤدي إلى نتيجة، وربما يثير قضايا جديدة، تشغل العلماء بما هو غير مفيد من أنواع الحوار.

‌‌أنواع النسخ:
قسم علماء القرآن النسخ إلى أنواع:
النوع الأول: ما نسخت تلاوته وحكمه معا:
قال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى «ولا يعرف منها اليوم شيء» (1).
وأورد السيوطي ما روته عائشة: «كان فيما أنزل «عشر رضعات معلومات--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 2، ص 40.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)