عناية العلماء بإعجاز القرآن:
أجمع العلماء على أن القرآن هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في أوجه الإعجاز القرآني، وتعددت الآراء والبحوث وتكاثرت المصنفات التي درست الإعجاز في القرآن، ولكل رأيه واجتهاده ولكل رؤيته وفهمه، ومن حق كل باحث وعالم أن يدلي بدلوه، وأن يحاول إبراز ما يراه من أوجه الإعجاز …
وإعجاز القرآن سر لا تدركه العقول، وتقف أمامه حائرة عاجزة، ترى الإعجاز وتحسه وتدركه، ولا تعرف سره وكنهه، فالقرآن من حيث ألفاظه كلام عربي محكم، يفهمه كل عربي، وليس فيه غموض أو إبهام، فكيف يقع الإعجاز في كلام اعتاد العرب سماعه ولماذا وقفوا أمامه حائرين مندهشين مستسلمين، يتحداهم، ويبالغ في التحدي، فلا يستطيعون مجاراته ولا الإتيان بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بآية من آياته.
ووقف العلماء يبحثون عن سر الإعجاز وحقيقته، فإذا عجزوا عن إدراك ذلك قالوا بأن الله قد صرف العرب عن الإتيان بمثله ومبدأ الصرفة ما هو إلا تسليم العجز، وما هو بالرأي، ولذلك قال جمهور العلماء بفساد هذا الرأي، وأخذوا يبحثون عن أوجه الإعجاز في الألفاظ حينا وفي المعاني حينا آخر، وينظرون في النظم القرآني فيجدون نظما متميزا متفوقا يروقك ويؤنسك، فالألفاظ جميلة معبرة، ملائمة للمعاني، وكأنها أنزلت لكي تصور تلك المعاني أدق تصوير وأجمله.
ومن أقدم الذين كتبوا في الإعجاز في القرن الثالث الهجري أبو عثمان الجاحظ المتوفى سنة 255 هـ، وكان من أبرز كتاب عصره وأكثرهم شهرة، وعرض لمعجزة القرآن في إطار كتبه ومؤلفاته الكثيرة ورسائله العديدة التي تناول فيها معجزة محمد صلى الله عليه وسلم وتتمثل هذه المعجزة بالقرآن، المعجزة الخالدة، التي تحدى
بها النبي صلى الله عليه وسلم العرب، وعجز العرب عن مواجهة التحدي، والعاقل يتساءل عن أسباب عجز العرب عن مواجهة التحدي، هل لأنهم أدركوا عجزهم، فاستسلموا له لئلا ينكشف عجزهم وتقوى حجة «محمد» عليهم، وقال الجاحظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
متسائلا: وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز والتوقيف على النقص ثم لا يبذلون مجهودهم ولا يخرجون مكنونهم، وهم أشد خلق الله أنفة، وأفرطهم حمية.
ولم يتكلم الجاحظ عن وجوه الإعجاز، ولم يؤلف في أوجه الإعجاز كما فعل غيره كالباقلاني والجرجاني والرازي والخطابي والرماني، واكتفى ببيان المعجزة القرآنية، محللا ظاهرة عجز العرب عن مواجهة التحدي، متسائلا عن أسباب تخوفهم من هذه المواجهة، وهم أصحاب فصاحة وبلاغة، وأهل خطابة وشعر وبيان وكانت لغتهم في أعلى درجات القوة، فكانوا يملكون من أسباب المواجهة ما لا تملكه الأجيال اللاحقة، وهذا التوقف والتخوف دليل على عجز القوم من كثرة كلامهم وسهولة ذلك عليهم.
ثم قال بعد ذلك:
فمحال أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين، مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر (1).
وهذا الكلام المنسوب إلى الجاحظ لا يمكن أن يستفاد منه أن الجاحظ قد أخذ بمبدإ الإعجاز بالصرفة الذي نسب إلى «النظام» فما نسب إلى الجاحظ يؤكد عجز العرب عن التحدي، لسمو الأسلوب القرآني وعظمة هذا الأسلوب ورقيه وتميزه عن الأساليب العربية فالعرب ما استسلموا وهم قادرون على التحدي، وإنما استسلموا لأنهم وجدوا القرآن معجزة حقيقية لا سبيل إلى إنكارها، فالقرآن معجز بكل ما فيه من أسلوب ومعاني وأحكام وتشريع، وقدرة على التأثير وجمال في النسق القرآني وحكمة في الخطاب وروعة في البيان ..
فمن رأى المعجزة في القرآن نظر إلى القرآن نظرة شمولية متكاملة، فأسلوبه--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 4، ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
لا ينفصل عن معناه، ومعناه لا ينفصل عن الأسلوب وكل لفظة في القرآن معبرة ومحكمة ودالة، ولا يمكن أن تستبدل لفظة بلفظة أو مفردة بأخرى، تلك عظمة القرآن، وهذا هو إعجازه الحقيقي، فمن بحث في الإعجاز فقد بحث في جزئية صغيرة دالة على الإعجاز، فالبلاغة وحدها لا يمكن أن تكون وجه الإعجاز، والفصاحة وحدها لا يمكن أن تكون هي كل الإعجاز، والمعاني مستقلة لا يمكن أن تكون منفصلة عن أسلوب القرآن، فالإعجاز القرآني إعجاز متجدد متنوع واضح، يتمثل في عجز الإنسان عن الإتيان بمثل القرآن أو بمثل آية من آياته، فإذا أتى بآية تحاكي الأسلوب القرآني لفظا وبلاغة فإن من المستحيل أن تحاكيه وتماثله جمالا وتأثيرا ومعاني محكمة ومفردات دالة وألفاظ معبرة ..
وبالرغم من كل ما كتب في الإعجاز القرآني من كتب وما ألّف فيه من مصنفات، وما ذكر فيه من وجوه، فإن الكلمات القليلة التي كان الصحابة والتابعون ينطقون بها في مجال القرآن من حيث عظمة هذه المعجزة وسمو هذا الكتاب كانت أكثر تعبيرا وأوضح دلالة وأبرز للإعجاز وأسمى من كل ما كتب وقيل، فالإعجاز القرآني هو إعجاز كتاب أنزله الله على رسوله، ولا يمكن أن يدرس إعجازه في إطار بلاغته ولغته ومفرداته، فذلك مما تأباه العامة بفطرتهم فكتاب الله معجز وكفى …
ولعل هذا ما دفع الجاحظ ومن عاش في زمانه أو من سبقه إلى ذكر إشارات واضحة إلى الإعجاز من غير خوض في أوجه الإعجاز كما أوردها علماء الإعجاز الذين أفردوا لهذا العلم مصنفات مستقلة.
وليس في هذا إدانة لمنهج علماء الإعجاز ولا يعني هذا التقليل من أهمية ما كتبوه وصنفوه، فلقد قاموا بجهد عظيم وخدموا هذا العلم خدمة كبرى، وإنما أود أن أشيد بمنهج الأولين السابقين من العلماء الذين أدركوا من أوجه الإعجاز الشمولي المتكامل ما لم يدركه اللاحقون، وكان فيما كتبوه وسجلوه أبلغ تعبير عن عظمة منهج الأولين في الفهم، وهو منهج يستوعب حقائق الإسلام، ويعطي لكل شيء حقه، ولا يترجم الظواهر العظيمة إلى معايير مادية تتمثل في صور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
بلاغية، ومفردات لغوية، ومعاني قاموسية.
إن الإنسان يفقه بقلبه وفطرته، وبطريقة تلقائية، ما لا يفقهه أصحاب العقول الكبيرة من فلاسفة وفقهاء ورجال لغة وبيان، وما يفقهه العامة أصحاب الفطرة السليمة أدق وأعمق وأصفى، وهو أقرب للحق وأسمى.
ومع هذا .. فإن من واجبنا أن ننصت لصوت هؤلاء العلماء وهم يضعون معاييرهم العقلية، ويصوغون رؤيتهم العلمية في وجوه من الإعجاز متعددة، وأن نعترف لهم بما كتبوه وسجلوه، وأن نثني على عملهم العظيم، وفي نفس الوقت فإن من واجبهم أن يعترفوا بأن الفطرة السليمة تدرك بالبداهة الإعجاز القرآني، وترى فيه الإعجاز العظيم الذي يتحدى كل أعمال البشر ..
وسوف أذكر مناهج بعض العلماء الذين كتبوا في الإعجاز وسوف نجد أن ما قاموا به من أعمال علمية جديرة بأن تكون في موطن الإشادة والإعجاب، وهذا يدل على
مدى عناية علماء الإسلام بالقرآن الكريم.
الإعجاز عند الخطابي:
ممن كتب في الإعجاز أبو سليمان محمد بن إبراهيم الخطابي المتوفى سنة 388 هـ، وكان من أوائل الذين كتبوا في الإعجاز ولا شك أنه تأثر بما كتبه الجاحظ من قبله، واطلع على ما كتبه أبو إسحاق النظام أحد أئمة المعتزلة الذي قال بأن الله تعالى قد صرف العرب عن معارضة كلام الله، وهذا أمر مقبول، إذا تضمن الإقرار بعظمة القرآن من حيث أسلوبه ونظمه ومعانيه، فإن الله تعالى قد تحدى العرب بالقرآن، وأعجز العرب عن الإتيان بمثله، والعجز هنا عجز مادي لتميز القرآن وعظمة أسلوبه ودقة معانيه وعجز محاط بهالة من الرهبة والخشية تمثل في حفظ الله لهذا القرآن، وتعهد بحماية الدعوة وانتصار لرسوله، وفكرة الصرفة ليست مرفوضة من الأساس إذا جاءت في إطارها الصحيح المتمثل في رعاية الله لهذه الرسالة وتدعيم موقفها ومناصرة المسلمين، ولقد ثبت أن الله تعالى قد صرف عن المسلمين أخطارا ودفع عنهم أعداءهم، وشتت شملهم كلما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
اجتمعوا على الإسلام، وأغشى أبصارهم في مواقف كثيرة، وحمى القرآن من العبث ووحد به كلمة العرب.
وكل قول إذا وقع تفسيره في إطاره الضيق أخل بفكرة الإعجاز وأساء لعظمة القرآن، فمن قال بالصرفة لا يختلف عمن قصر الإعجاز على الصور البلاغية والألفاظ اللغوية من حيث تضييق الخناق على مفاهيم واسعة وإطارات للتفكير ذات أبعاد شمولية، فما أضيق ما ذهب إليه اللغويون والبلاغيون من تفسير الإعجاز، وما أوهن هذا الإعجاز الذي لا يعجز عنه البشر، فالإعجاز أعم وأشمل وأسمى وأعلى من كل وجوه الإعجاز المذكورة في كتب الإعجاز.
ولقد تصدى جمهور العلماء للرد على «النظّام»، وأبانوا عن فساد رأيه وبطلان مذهبه، وهذا أمر لا خلاف فيه، فلا يمكن القول بانتفاء الخصوصية القرآنية الذاتية في الأسلوب والنظم واللغة والبلاغة، ولا يمكن القول أيضا باقتصار الإعجاز على الجوانب اللغوية، ومن رد على «النظّام» ومدرسته وجب عليه أن يرد على المدارس اللغوية أيضا، لأنها نظرت للإعجاز نظرة ضيقة، وسدت الأبواب أمام الظاهرة القرآنية المعجزة.
ولقد أنكر الخطابي فكرة الإعجاز بالصرفة، واعتبر أن الإعجاز لا بد إلا أن يكون في إطار الأمور الخارجة عن مجاري العادات فالتحدي لا يكون إلا فيما هو خارج عن القدرة الإنسانية، ولا بد إلا أن يكون في إطار النظم والأسلوب، بحيث جاء القرآن جامعا بين الفخامة والعذوبة، وهما ضدان، واجتماع الضدين في النظم القرآني فضيلة وبينة ومعجزة، وأشار إلى أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أحسن المعاني، من توحيد لله وتنزيه له وبيان لأحكام شرعه من تحليل وتحريم وحظر وإباحة وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ودعوة إلى مكارم الأخلاق، والإتيان بكل ذلك والجمع بين مختلف الغايات أمر يعجز عنه البشر، ولا تبلغه قدرتهم، ولذلك زاغت أبصارهم واضطربت أفئدتهم فقالوا أنه سحر أو شعر، من حيث عجزهم عن الإتيان بمثله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
وأشار الخطابي في كتابه «بيان إعجاز القرآن» إلى تأثير القرآن على النفوس، فإذا سمعه المؤمنون خروا سجدا وبكيا، واستقرت نفوسهم واطمأنت قلوبهم لكلام الله، وأصابهم من مشاعر الروعة والبشرى ما جعلهم في أمن نفسي وروحي.
وقال «الخطابي» في ذلك مشيرا إلى عظمة المعجزة القرآنية وشمولها (1):
«قلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم .. ويتمثل هذا الجانب في صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما أو منشورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، وفي الروعة والمهابة في أخرى، ما يخلص من القرآن إليه» وأورد أمثلة من تاريخ الدعوة تؤكد عظمة هذا الدور المؤثر، فكم من أعداء للإسلام لما سمعوا القرآن اهتزت قلوبهم وتحولوا من عداء إلى إيمان ودخلوا في الإسلام وحسن إسلامهم.
الإعجاز عند الرمّاني:
ركز «الرماني» المتوفى سنة 382 هـ وكان معاصرا للخطابي على الجانب البلاغي في القرآن، واعتبر البلاغة من أهم مظاهر الإعجاز، وهناك علاقة بين البلاغة والتأثير النفسي، فالبلاغة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي أداة لإيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وأورد «الرماني» الخصوصيات البلاغية في القرآن، كالإيجاز والتشبيه والاستعارة والتجانس والمبالغة والتعريف، وأورد شواهد من القرآن تؤكد عظمة الأسلوب البلاغي في القرآن، مبرزا جانب الإعجاز البلاغي …
وقال في ذلك:
«وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصرفة والبلاغة والإخبار عن الأمور المستقبلة--------------------------------------------
(1) ثلاث رسائل في الإعجاز، ص 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة»، ثم قال: «ونقض العادة هو أن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة، منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة، وتفوق الموزون الذي هو أحسن الكلام» (1).
الإعجاز عند الباقلاني:
يعتبر القاضي أبو بكر الباقلاني- المتوفى سنة 403 هـ أول- من كتب كتابا في الإعجاز بطريقة مستقلة، وما كتب قبله كان في إطار بيان معاني الإعجاز في رسائل عامة أو مقدمات مؤلفات أو بيان.
وكتب كتابه «إعجاز القرآن» وهو من دعائم هذا العلم وأركانه، تحدث في بدايته عن المعجزة، وقرر أن القرآن هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى، وهناك معجزات أخرى، ومعجزة القرآن هي معجزة تحدي، وليس الأمر كذلك بالنسبة للمعجزات الأخرى.
وكان القاضي «الباقلاني» إمام عصره، وحجة زمانه، له مؤلفات كثيرة، ويدور معظمها حول العقيدة والدفاع عن مذهب الأشاعرة، وله أسلوب متميز يقوم على أساس الحوار والنقاش وكان قوي الحجة واسع الثقافة، وعاش في فترة زمنية كانت المذاهب الفكرية متعددة ومتنافسة، وألف كتابه «إعجاز القرآن» في إطار دفاعه عن قوام الدين وعماد التوحيد وبرهان صدق النبوة.
واعتبر أن القرآن فارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء بأنه يدل على نفسه بذاته، بخلاف الكتب الأخرى فلا تدل على نفسها إلا بأمر زائد عليها، لأن نظمها ليس معجزا.
ويرجع الإعجاز في نظر القاضي الباقلاني إلى أمور ثلاثة:--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان، ج 4، ص 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
1 - إنباؤه عن الغيب.
2 - أمية الرسول صلى الله عليه وسلم.
3 - بداعة النظم.
وترجع بداعة النظم إلى أمور:
أولا: مخالفته لما عهد العرب من أساليب السجع والشعر، وهذا ينفي عن القرآن هذه الأوصاف.
ثانيا: اشتماله على الفصاحة والبلاغة وعدم التفاوت في مستوى هذه الفصاحة في الآيات والسور، مما يؤكد سمو النظم القرآني وعظمة أسلوبه وتتضح هذه الظاهرة في مقارنة النص القرآني بالنصوص العربية التي كان العرب يفخرون بها في مجال الشعر والنثر، وبعد المقارنة يبرز القرآن في أسلوبه واضح الإعجاز متميز الخصائص رائع النظم مشرق العبارة بليغا في اختيار مفرداته.
ثالثا: بناء القرآن من الأحرف التي بني عليها كلام العرب وهذا من الإعجاز، فهذه الأحرف في فواتح السور دالة على معاني في الإعجاز، ولها آثار واضحة في الخطاب القرآني، وذات دلالات متعددة.
رابعا: ابتعاد القرآن عن الألفاظ الوحشية المستكرهة والغريبة المستنكرة، واستخدام الكلمات السهلة والعبارات الواضحة، وهذا من الإعجاز.
وأكد الباقلاني أن القرآن منزل بلسان العرب ولكنه نزل على وزن يفارق سائر أوزان كلامهم ولو كان من بعض ما ألفوه من نظم وشعر لعرفوا أن صاحبه قد برع فيه وتقدم، ولكنه جاء من غير جنس كلامهم، وليس يخرج الحذق في الصنعة إلا أن يؤتى بغير جنسها وما ليس منها وما لا يعرفه أهلها، وهذا الكلام يؤكده كلام الوليد بن المغيرة الذي قال لقومه: والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني والله ما يشبه الذي يقوله محمد شيئا من هذا».
وقال في ذلك:
«نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
جميع كلامهم ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد».
وذكر الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم والكلام الموزون غير المقفى والكلام المسجع وغير المسجع، وأكد أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ومباين لهذه الطرق، وأن المتأمل إذا تأمله تبين له خروجه عن أصناف كلام العرب وأساليب خطابهم وأنه خارج عن العادة وأنه معجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل في جميعه.
ولا يتصور أن يكون لحكيم هذه الفصاحة والغرابة والتصريف البديع والنظم المحكم في كتاب طويل كالقرآن، وتنسب لبعض الحكماء كلمات وأمثال رائعة، ولبعض الشعراء قصائد متينة رفيعة من حيث النظم من وضوح التكلف في معظم ذلك، وجاء القرآن فصيحا في كل آياته عظيما في نظمه بديعا في تآليفه، وليس فيه تفاوت ولا تباين في مختلف الموضوعات في القصص والمواعظ والتشريع والوعيد والأخلاق.
قال الباقلاني:
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها .. فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره .. وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميعا ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف
والوصف .. لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الدرجة الدنيا.
وقال أيضا:
ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر لأنه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به، كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة، وله طريق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
تسلك، فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى ولا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقا» (1).
ورد الباقلاني على من قال بوجود السجع في القرآن بما يلي (2):
1 - لو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلام العرب ولو كان داخلا فيها أو واحدا منها لم يقع بذلك إعجاز.
2 - لو كان في القرآن سجع لجاز أن يقولوا هو سجع معجز ويتبع ذلك أن يقولوا شعر معجز.
3 - إن السجع مما يألفه الكهان من العرب، والكهانة تنافي النبوات، وإذا كان القرآن قد نفى عن نفسه صفة الشعر فلا بد أن تنتفى صفة السجع أيضا.
4 - قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن كلموه في شأن آية الجنين كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل، فمثل ذلك يطل، قال لهم: «أسجاعة كسجاعة الجاهلية؟».
5 - أكد الوهم فيمن قال بسجع القرآن، وقد يكون الوهم على مثال السجع وإن لم يكن سجعا، وفي اللفظ يتبع المعنى اللفظ، بخلاف القرآن فاللفظ تابع للمعنى.
6 - جاءت بعض الآيات على سبيل السجع ولم تأت مقصودة ومتكلفة.
7 - لو كان الذي في القرآن سجعا لكان مذموما مرذولا لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه كان قبيحا من الكلام.
8 - لو كان ما في القرآن سجعا لما تحير العرب فيه، ولكانت الطباع تدعو إلى معارضته لأن السجع غير ممتنع عليه.
9 - من قال بالسجع لا بد من القول بفكرة الصرفة التي قال بها «النظّام» وأمثاله الذين قالوا بأنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف.--------------------------------------------
(1) انظر الإتقان للسيوطي، ج 4، ص 8.
(2) انظر الباقلاني وكتابه إعجاز القرآن للدكتور عبد الرءوف مخلوف، ص 210، طبعة مكتبة الحياة، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
10 - من جوز السجع في القرآن فقد سلم بوقوع الخبط في طريقة النظم، ويكون قد استهان ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع به التحدي.
وردّ بعض العلماء على ما ذهب إليه الباقلاني من مبالغة في نفي صفة السجع في القرآن، ولم يوافقوه فيما ذكره من حجج ليست مسلمة، وهي قابلة للنقاش، فالسجع ليس كله رذيلة وهو أمر تحكمه قواعد معروفة، ولو كان مذموما كله ما جاء في القرآن في بعض الآيات، وليس هناك ما يمنع القرآن من أن يستخدم السجع في بعض الأحيان من غير تكلف فيه لزيادة التأثير على السامع، وقال أبو الحسن القرطاجني: كيف يعاب السجع على الإطلاق وإنما أنزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب فوردت الفواصل بإزاء ورود الأسجاع.
والسجع المكروه والمذموم هو سجع الكهان، وهو سجع الجاهلية، والإسلام حارب الجاهلية وهدم قيمها الفاسدة، وقضى على ما ألفته من عادات ضارة، وسجع الكهان مما حاربه الإسلام ولكن السجع كأسلوب تعبيري ليس رذيلة، فإذا جاء من غير تكلف فهو من فصيح الكلام، وليس للسجع قاعدة ثابتة لا تتغير فإذا جاء السجع في بعض آيات القرآن فهو سجع محمود، ومن أساليب اللغة الفصيحة، ومن خصائص السجع القرآني أنه غير متكلف، وجميل التأليف وموسيقاه اللفظية مؤثرة ورائعة وليس له وزن واحد، وفاصلة ثابتة، فقد ينتقل من وزن إلى وزن مغاير، ومن فاصلة إلى أخرى، لتوضيح المعنى، ولإعطاء الإعجاز.
والسجع ليس هو أسلوب القرآن، فالقرآن لا يوصف بالسجع ولكن لا يمكن نفي السجع فيه، فالسجع موجود في القرآن، وهو من أساليب العرب، وجاء السجع في القرآن متميز الملامح مؤثرا، واستخدم القرآن أساليب أخرى لا توصف بالسجع، فالأسلوب يتغير بتغير المواقف والمقاصد، وهذا من الإعجاز، فالإعجاز هو اختيار الأسلوب الأفضل والأفصح والأجمل لتحقيق الهدف المنشود، من بيان حكم أو دعوة إلى إقناع أو تخويف أو ترغيب أو إيراد مثل أو إخبار عن أمم سابقة أو استنتاج عبرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
والخلاف كما يبدو بين من يقول بوجود السجع في القرآن أو نفيه هو خلاف لفظي، وهو خلاف مصطلح، فإن شئت أن تسميه سجعا فهو كذلك، وهو سجع محمود وهو متميز لا تكلف فيه، وإن شئت أن تسميه تسمية جديدة فمن حقك أن تفعل ذلك، ومن حقك أن تطلق عليه كلمة السجع أو تنفيها عنه.
الإعجاز عند القاضي عبد الجبار:
ويعتبر ما كتبه القاضي عبد الجبار (1) امتدادا لما كتبه الباقلاني في الإعجاز، نظرا لأن القاضي عبد الجبار كان معاصرا للإمام الباقلاني، وكان مهتما بعلم الكلام، ويعتبر كتابه «المغني» من أبرز كتب علم الكلام، وجاء كتابه في الإعجاز في إطار دراساته الكلامية، وهو جزء من كتابه «المغني» ولهذا ظهرت آثار آرائه الكلامية في مجال دراسته للإعجاز.
ويبدو أنه لا يميل إلى اعتبار الإعجاز في أوجه البلاغة وإنما يتمثل الإعجاز في جزالة اللفظ وحسن المعنى، ولا عبرة بالقوالب والأشكال البلاغية، لأن المعول عليه في مجال الفصاحة هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فالصورة البلاغية إذا جاءت في موطنها مؤكدة جزالة الألفاظ مبينة جمال المعاني فهي من الإعجاز، وإذا لم تعبر عن هذه
المعاني ولم تحقق هذه الغايات فقد تكون متكلفة سيئة الأثر، واستبعد القاضي عبد الجبار أن تكون الصرفة التي قال بها بعض علماء الكلام من أوجه الإعجاز، واعتبر العرب من أقدر الناس على معرفة ما يقع به التحدي، وقد تحداهم القرآن، وأدركوا معنى هذا التحدي، ولا يمكن لهذا التحدي أن يكون إلا في مجال الفصاحة والبيان.
وقد تعرض القاضي عبد الجبار لموضوع التحدي بالكلام وأكد أن الفصاحة في الكلام لا تظهر في اللفظة الواحدة والكلمة المفردة، وإنما تظهر عند ضم--------------------------------------------
(1) هو أبو الحسن بن عبد الجبار الأسد بادي المعتزلي، وكان شيخ القضاة بمصر، وكان من أبرز علماء المعتزلة وأكثرهم حجة، وله كتاب «المغني» أشهر مؤلفاته وهو موسوعة في علم الكلام توفي سنة 415 هـ بمدينة الري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
الكلمات إلى بعضها فيقع التناسب والتجانس، ويتحدد في هذا الإطار موقع اللفظة من حيث دورها في التعبير عن المراد، والكلمة ينظر إليها من زاويتين:
الأولى: نظرة في حال إفرادها، ونظرة أخرى في حال نظمها مع غيرها، ولا بد من تحديد مفهوم الكلمة بذاتها من حيث وضعها عند أهل اللغة، ومفهومها في إطار موقعها في الجملة من حيث موقعها الإعرابي، ومفهومها حين تأخذ مكانا خاصا في الكلام، من حيث المعنى المستفاد منها …
والكلمة لا يمكن أن تفهم إلا في إطار موقعها العام في الكلام، والوظيفة التي تؤديها، فقد تفهم المعاني، وتتحد المفردات، ثم يقع التباين في مدى الفصاحة والبيان والإفهام والتأثير، وهنا نكتشف عظمة الدور الذي يؤديه اختيار الكلمة وموقعها، وهنا تبرز الفصاحة ..
وهذا يؤكد اهتمام القاضي عبد الجبار بالنظم، والنظم كما أورده كالثياب المنسوجة تتفاضل بمواقع الغزل وكيفية تأليفه وتنسيقه، مع أن الغزل في حقيقته لا يتغير، والكلام يتفاضل أثره ويتباين معناه بحسب قوة المتكلم، وقدرته على اختيار مواقع الكلام من حيث التقديم والتأخير، وهذا يحتاج إلى قدرة ذاتية تعطي صاحبها فصاحة وقوة بيان، ولا يتم ذلك إلا بتأييد من الله وإلطاف ورعاية وتوفيق.
وهذا المنهج يقودنا إلى إقرار فكرة الإعجاز القرآني، من خلال توافق اللفظ والمعنى، وتكاملهما في أداء الدور المطلوب فيهما، فالتأليف هو الدور الأهم في فن الفصاحة، بحيث تكون اللفظة دالة على المعنى المراد، وتقع في الموقع المناسب لها، ولهذا عند ما يقع التحدي بالكلام فلا بد من أن يكون تأليف هذا الكلام في أعلى درجات الترتيب والتنسيق وحسن التركيب بحيث يكون الكل في موقعه المناسب، من حيث اختيار الكلمة، واختيار موقعها في الجملة، لكي يؤدي هذا التركيب المحكم الغاية المطلوبة. ولهذا يتفاضل الفصيح من الكلام بتفاضل الكتّاب، مع أن الألفاظ واحدة، فالأقدر على التأليف هو الأفصح، ولا نهاية للفصاحة، ويقع الإعجاز فيما وقع التحدي به والعجز عن الإتيان بمثله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
والقاضي عبد الجبار يركز على أهمية الفصاحة في الإعجاز ولا يتصور الإعجاز إلا بالفصاحة، والفصاحة عنده لا تتوقف عند حدود النظم ولا علاقة لها بالشكل والقالب، من حيث كون الكلام شعرا أو نثرا مسجوعا، فالنظم عامل في الفصاحة له أثره الواضح ولكنه ليس العامل الوحيد، ولا بد في الفصاحة من تكامل حسن المعنى وجزالة اللفظ، ومتى تحقق هذا الشرط في الكلام كان فصيحا، سواء كان شعرا أو نثرا، وكلما زادت معالم هذا التوافق في اللفظ والمعنى اتضحت الفصاحة وبرزت في الكلام.
ولعل القاضي عبد الجبار في تركيزه على معنى الفصاحة واعتبارها نتاج عاملين أساسيين، جزالة في اللفظ وحسن في المعنى، إنما يرد فيه على أبي بكر الباقلاني، الذي اعتبر الإعجاز متمثلا في مغايرة جنس الكلام لأساليب العرب وأجناس كلامهم، ولهذا اتجه اهتمام الباقلاني إلى نفي التجانس بين القرآن وكلام العرب، وشدد النكير على من قال بوجود السجع في القرآن، لأن السجع من جنس كلام العرب، والقرآن جاء مغايرا لأساليب العرب، فلا يستقيم أن يوصف أسلوب القرآن بالسجع ولو جاءت أوزانه مماثلة لأوزان السجع في الأسلوب العربي.
ويؤكد هذا الاختلاف بين كل من القاضي عبد الجبار وأبي بكر الباقلاني أن كلّا منهما ينظر للإعجاز من زاوية مغايرة لما ينظر منها الآخر، فالقاضي عبد الجبار لا ينظر للإعجاز من زاوية الخروج عن مألوف كلام العرب، ولهذا لم يحرص على نفي السجع في القرآن، فالأمر لا يعنيه سواء سمي سجعا أو غير سجع، وإنما يعنيه أولا إثبات الإعجاز عن طريق الفصاحة، وطريقها واضح وهو جزالة اللفظ وحسن المعنى، وهذا معيار لا نملك إلا أن نشيد بدقته، لأنه معيار موضوعي، يقيم أمر الإعجاز على معايير موضوعية لا تتصور الفصاحة إلا بها، وليس أدل على الإعجاز من تلاقي «لفظ» بلغ الذروة في الجزالة والقوة و «معنى» بلغ القمة في جودة المعنى ودقته وسلامته، وهنا تبرز تساؤلات حول أهمية المعايير البلاغية ويقف القاضي عبد الجبار أمام هذه المعايير وقفة موضوعية فلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
يعتبرها من الإعجاز ما لم تتحقق الشروط الموضوعية المتمثلة في جزالة اللفظ وحسن المعنى، فالصورة البديعية ليست كافية وحدها لإثبات الإعجاز ما لم تكن معبرة عن المعايير الموضوعية للفصاحة.
الإعجاز عند عبد القاهر الجرجاني:
يتميز الجرجاني (1) عن كل من القاضي عبد الجبار وأبي بكر الباقلاني باعتماده على الذوق البياني والفطرة النقية الصافية التي مكنته من استكشاف آفاق جديدة من معاني الإعجاز لم يدركها من كتبوا في الإعجاز في إطار مقاييسهم المنطقية ومعاييرهم الكلامية ونظرتهم الفلسفية، فالإعجاز يدرك بالعقل من خلال مقاييسه الثابتة ويدرك بالفطرة والذوق من خلال اكتشاف آفاق جمالية في النص القرآني.
واعتبر «الملاءمة بين الألفاظ»، هي أساس الفضيلة في البيان العربي، فاللفظة لا تستمد مكانتها من ذاتها، ولو كانت كذلك لتساوى الكتاب والأدباء في مكانتهم، ولكن
يقع التفاضل بين هؤلاء بحسب قدرتهم على إيجاد التلاؤم بين اللفظة واللفظة التي تليها، فالكلمة الواحدة قد تكون حسنة في موضع ومستقبحة في موضع آخر، مقبولة في عبارة ومرفوضة في عبارة أخرى، وفرق الجرجاني بين حروف منظومة وكلم منظومة، فنظم الحروف تواليها في النطق ونظم الكلم مراعاة المعاني في النظم وترتيبها بطريقة ملائمة ومعبرة، كالنسج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير، بحيث يكون الوضع والترتيب خاضعا لمعايير وأقيسة ومرجحات بحيث لو تم استبدال هذا الترتيب بغيره لما صح النظم ولما استقام أمره.
وقال في شرح ذلك:
فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة--------------------------------------------
(1) هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة 471 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر (1).
وقال بعد ذلك:
والفائدة في معرفة هذا الفرق أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل وكيف يتصور أن يقصد به إلى توالي الألفاظ في النطق بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وأنه نظير الصياغة والتحبير والتفويف والنقش وكل ما يقصد به التصوير (2).
وأكد هذا المعنى بقوله:
«واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس» (3).
ثم ختم عبارته بقوله:
«وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ونحوه، وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء ومما لا يتصور أن يكون فيه ومن صفته بان بذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم، وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتيب معانيها في النفس، وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك» (4).--------------------------------------------
(1) انظر دلائل الإعجاز للجرجاني، ص 41، طبعة مطبعة السعادة بمصر.
(2) انظر دلائل الإعجاز ص 43.
(3) انظر دلائل الإعجاز ص 46.
(4) انظر دلائل الإعجاز، ص 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
وتساءل الجرجاني في معرض حديثه عن إعجاز القرآن، ماذا أعجز العرب، هل أعجزهم لفظ القرآن أم أعجزهم معناه، لا شك أن ما أعجز العرب «هو تلاقي اللفظ والمعنى معا»، فلا مجال للإعجاز في لفظ دون معناه، ولا مجال للإعجاز في معنى دون لفظ، فالإعجاز هو نتاج علاقة تكاملية بين اللفظ والمعنى، ولا يمكن تصور الفصاحة في إطار لفظ دون معنى، فالصورة البيانية هي نتاج لفظ معبر ومعنى يجسد الصورة، ويعطي للألفاظ أبعادها وصورها وجمالها، فاللفظة المفردة لا يمكن أن تكون معجزة، لأنها تظل قاتمة صامتة لا تنطق والمعنى العظيم هو الذي ينطق اللفظ ويجعل له لسانا معبرا، وعند ما يتحدث أهل البيان عن الألفاظ الجميلة والألفاظ القلقة والمستكرهة، فإنهم لا يقصدون على وجه التأكيد مجرد اللفظ، فاللفظ لا يمكن وصفه بدقة إلا في إطار ملاءمته لمعناه المراد، وحسن انسجامه مع الألفاظ الأخرى في الجملة الواحدة بحيث يصبح الكلام معبرا أحسن تعبير عن معنى مراد.
وبالرغم من اهتمام الجرجاني بالتلاؤم والانسجام والتوافق بين اللفظ والمعنى فإنه لا يتجاهل أهمية اللفظ، فاللفظ هو الأداة الأولى للتعبير، وهو الجانب الواضح في النظم، وهو معيار ضروري لجودة الكلام وفصاحته وبيانه، فاللفظة تجد مكانها المناسب والمعنى الدقيق يبحث عن لفظ معبر، ولولا ذلك اللفظ لما ظهرت المعاني ولما برزت الفصاحة، فاللفظة تقع في الجملة معبرة مجسدة مصورة مبينة ناطقة، وكأنها تصور المعنى تصويرا، وترسم الملامح بدقة، فتكون أكثر قدرة على التأثير، فلا يستطيع القارئ أو السامع إلا أن يجد فيها المعنى الذي يريد أو تحدثه هي عن المعنى المراد.
وفي مثل هذه المواقف لا يملك الإنسان إلا أن يقف بإعجاب أمام اللفظة المعبرة عن المعنى، وينظر في النظم فيجد التلاؤم والتكافل والتعاهد بين اللفظة واللفظة، وكأن كل لفظة تقود إلى أخرى مجسدة الصورة البيانية، معبرة عن معنى أراده الكلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
من هنا بدأ الإعجاز:
إعجاز لفظ معبر مختار وإعجاز معنى عظيم، ويبرز الإعجاز في تلاؤم عجيب بين ذلك النظم والمعنى، بحيث تمتد الأبصار شاخصة مترقبة يقظة، تتابع النظم الدقيق المعجز.
لو رأى العرب كلمة نابية لأمسكوا بها، ولما سمحوا لها بأن تفلت من أيديهم، واحتجوا بها على ما يريدون من الإساءة للقرآن، ولكنهم لم يجدوا في القرآن إلا كل ما يدعوهم للإعجاب به من حيث اللفظ والمعنى، ومن حيث التوافق والتلاؤم.
وقال الجرجاني معبرا عن حسن الملاءمة بين اللفظ والمعنى: «وهل تجد أحدا يقول هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها في النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها، وهل قالوا لفظة متمكنة ومقبولة وفي خلافه قلقة ونابية ومستكرهة إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم» (1).
كتابات أخرى في الإعجاز:
وبالإضافة إلى هؤلاء الأعلام ممن أفردوا للإعجاز مصنفات مستقلة، وتميزوا بما كتبوه عن الإعجاز بمناهج ثابتة، هناك مجموعة أخرى من العلماء كتبوا في الإعجاز، وأبانوا عن وجوه الإعجاز القرآني، وآراؤهم لا تخرج عن آراء أولئك الأولين من رواد مدارس الإعجاز القرآني.
ولا نهاية للإعجاز، ولذلك تصدى المفسرون لبيان أوجه الإعجاز، وعرف الزمخشري بأنه صاحب مدرسة في الإعجاز، وقد أبرز جوانب الإعجاز ومظاهره من خلال تفسيره للقرآن، ويعتبر كتابه «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل» من أشهر المؤلفات في علم التفسير، وحرص على أن يبرز جوانب الإعجاز من خلال رصده الذكي لكل وجوه الإعجاز، متعقبا كل آية يجد فيها ذلك الإعجاز،--------------------------------------------
(1) انظر دلائل الإعجاز ص 39 - 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
شارحا ذلك مبرزا عظمة النص القرآني، مؤكدا من خلال تفسيره أن القرآن محكم الآيات سديد العبارة جيد التصوير البياني عظيم في أسلوبه البياني رائع في صوره البلاغية لا يضاهى ولا يقارن بما اعتاده العرب من أساليب البيان، فهو أفصح من كل أسلوب وأعلى من كل بيان.
وألف «السيوطي» في إعجاز القرآن، وكتب كتابا سماه «معترك الأقران في إعجاز القرآن» (1)، تحدث فيه عن وجوه الإعجاز، وأوصلها إلى خمسة وثلاثين وجها، وخصص الوجه الأخير للحديث عن مشترك القرآن وجمع في هذا الباب ألفاظا من القرآن وفسرها وبيّن معانيها، واعتمد في ذلك كله على كتب التفسير والحديث واللغة، وقال في بداية كلامه في معرض حديثه عن وجوه الإعجاز أنه لا نهاية لوجوه الإعجاز، ونقل كلامه السكاكي في المفتاح أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن.
ونقل الزركشي عن أبي حيان التوحيدي في البصائر قوله:
لم أسمع كلاما ألصق بالقلب وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال:
هذه مسألة فيها حيف على المفتي وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان بل ومتى أشرت إلى جملته فقد حققته، ودللت على ذاته، وكذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدي لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه، فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده» (2).
وأكد «الزركشي» أن مما يبعث على معرفة الإعجاز اختلاف المقامات وذكر كل شيء في موضعه الملائم، ووضع الألفاظ اللائقة والمناسبة، بحيث لو أبدلت لفظة بأخرى ذهبت تلك الطلاوة وفاتت تلك الحلاوة.--------------------------------------------
(1) الكتاب مؤلف من ثلاثة أجزاء، قام بتحقيقه الأستاذ علي محمد البجاوي وطبعته دار الفكر العربي بالقاهرة.
(2) انظر البرهان، ج 2، ص 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
والمقامات لا تدرك إلا بالذوق فالفرق بين الفصيح والأفصح والرشيق والأرشق في الكلام لا يمكن إقامة دليل منطقي عليه، وذكر «ابن أبي الحديد المدائني» صاحب شرح نهج البلاغة أن ذلك بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة، دقيقة الشفتين، نقية الشعر، كحلاء العين، أسيلة الخد، دقيقة الأنف، معتدلة القامة، والأخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن ولكنها أحلى في العيون والقلوب منها، وأليف وأملح، ولا يدري لأي سبب كان ذلك، ولكن بالذوق والمشاهدة يعرف، ولا يمكن تعليله، وهكذا الكلام .. وإذا كان الجمال الظاهري يدرك بالعين المجردة فإن جمال الكلام لا يدركه إلا أهل البيان، وممن اشتغلوا بهذا الفن من العلوم (1).
من وجوه الإعجاز عند السيوطي:
ومن وجوه الإعجاز التي ذكرها «السيوطي» في كتابه الإعجاز ما يلي (2):
أولا: اشتماله على مختلف العلوم، وبالغ بعضهم في ذلك، واعتبر العلوم المستنبطة من القرآن بقدر حروف القرآن.
ثانيا: حسن تأليفه والتئام كلمه وخصاصتها ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن فجاء نطقه العجيب وأسلوبه الغريب مخالفا لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاءت عليه.
ثالثا: احتواؤه على جميع لغات العرب، وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها …
وقال أبو عبيد: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول، وقد اهتم--------------------------------------------
(1) انظر البرهان، ج 2، ص 124.
(2) انظر معترك الأقران في إعجاز القرآن الجزء الأول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)