الخيار الثاني: وهو أخذ الحضارة الغربية على علاتها ما طاب منها وما خبث:
يعبُّها كلهفة الظامئ المتلهف إلى الماء العذب دون التفكير في الفوارق الطبيعية بين تلك الحضارة وحضارة الإسلام في السياسة والتفكير والنظم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وسائر السلوك كما حصل في تركيا بعد أن تأخر خلفاؤها في القوة المادية والقوة الدينية وتمالأ عليها الأعداء من كل جانب حيث سقطت فريسة الحضارة الغربية على يد زعماء افتتنوا بما عند الغرب من التقدم المادي والإلحاد الذي لا حد لجماحه.
لقد واجهت تركيا الضعيفة طوفان الحضارة الغربية القوية دون تبصر ووعي وبعقلية غير متفهمة للأوضاع الجديدة بل تواقة إلى العلمانية الملحدة خصوصا وقد برز شباب كانت ثقافتهم غربية تماما ينظرون إلى الإسلام وإلى تعاليمه على أنه عقبة كأداء في سبيل رقيهم وتقدمهم وأن على الحضارة الغربية أن تقوم على أنقاضه راضية مطمئنة كما شاء لها أولئك الثائرون أمثال" أتاتورك" وأتباعه الذين نادوا بإلحاق تركيا بالحضارة الغربية في ذلك ما وسعهم من الدعاية لهذا الاتجاه وقلبوا ظهر المجن لكل حضارة يمت إليها الأتراك بصلة وخصوصا الحضارة الإسلامية وأتاتورك هو الشخصية الهامة التي كان عليها وزر تحويل تركيا إلى ركاب الحضارة الغربية وهو أعدى أعداء الإسلام في وقته عاقبه الله بما يستحق. ووجد كذلك مفكرون متحمسون للحضارة الغربية ونشرها بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات مثل " سيد أحمد خان" الهندي و" قاسم أمين" المصري صاحب كتاب (تحرير المرأة) وكتاب (المرأة الجديدة) و" طه حسين" الذي كان من كبار المتعصبين للحضارة الغربية ومن كبار المفاخرين بها وكان يود لو أن العالم الإسلامي كله وخصوصا مصر تنسلخ من كل ماضيها وتتقدم باحترام لتتقمص الحضارة الغربية بكل ما فيها (1)
وعلى مستوى أولي الأمر من الرؤساء مثل " الحبيب بورقيبة" الذي ظهر إلحاده وعداؤه للدين الإسلامي ولنبيه العظيم في تصريحاته التي كان يلقيها في المناسبات مثل تهجمه على القرآن الكريم ووصفه له بالتناقض وتهجمه على الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه بدويُّ يجوب الصحراء ويؤمن بالخرافات وغير ذلك من كفرياته وقد طلب إليه كثير من العلماء منهم الشيخ ابن باز – رحمه الله – أن يتوب ويرجع إلى الإسلام.
والحاصل أن هذا المسلك مرفوض ولا ينبغي للمسلمين أن يقعوا فيه فإن طريق الحضارة الغربية مملوء بالمخاطر الأخلاقية والدينية والعاقل من اتعظ بغيره وقد أسفر الصبح لذي عينين.
الخيار الثالث: وهو الأخذ من تلك الحضارة بحذر وترو دون اندفاع:
فلا ينظر إليها على أنها هي المثل الأعلى للحياة أو المورد العذب وإنما ينظر إليها على أنها متاع الحياة الدنيا وأنه سيفارقها أو تفارقه فهي عرض زائل مهما بدت في المظهر الأنيق والصور الخداعة البراقة.
فيعتقد المؤمن اعتقادا جازما أن الحياة السعيدة إنما هي الحياة الآخرة التي جعلها الله ثوابا لأوليائه وأن ما وجد على ظهر الأرض من أنواع المتع المباحة فإنما هي عون له من الله على الاستعداد لتلك الحياة يتمثل قول الله تعالى وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] فيجمع بين الدنيا والآخرة أو يجعل الدنيا في يده لا في قلبه فلا يفتتن بها افتتان من يسمون أنفسهم أصحاب التجديد الذين لا هم لهم إلا الحياة المادية وزخرفها أو جماعة التغريب الذين ينظرون بكل تقديس واحترام إلى الحضارة الغربية على أنها هي كل شيء في هذا الوجود.
لا حرج على المسلم أن يستفيد من أي أمر لا يتعارض مع دينه، لا حرج عليه من أن يستفيد من مصانع الغرب وآلاته المختلفة ما دام ذلك لم يصل إلى أن يكون على حساب دينه وقيمه أو تقليدا أعمى لا يفرق فيه بين المفاهيم الغربية والمفاهيم الإسلامية كما هو حال كثير من الأقطار الإسلامية مع الأسف ولذلك لا يحتاج الشخص إلى تفكير عميق أو دقة ملاحظة كي تتبين له تلك الأوضاع التي تردت فيها تلك الأقطار عن وعي أو عن غير وعي حيث كانوا كحاطب ليل أو كتلميذ صغير أمام أستاذه ينظرون إلى الغرب بكل انبهار ونسوا أنهم يملكون ما لا يملكه الغرب من القيم والمبادئ الإلهية التي لا يوجد لها مثيل في تنظيم الحياة البشرية من جميع الجوانب ونسوا كذلك أنه يجب أن يكونوا هم القدوة للغرب المتحير في سلوكه المتخبط في جهله وأن تقدمهم إنما هو ظاهر من الحياة الدنيا وأن السعادة كلها في أيدي المسلمين لو أرادوا تحقيقها حينما يعتزون بدينهم ويوصلوه إلى تلك القلوب الخاوية والأفكار البالية في العالم الجاهلي فيرتوون من معينه الفياض ويخرجون من حياة الفسق والفجور والظلم والطغيان إلى عدل الإسلام ونوره المشرق دائما.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 1/ 194--------------------------------------------
(1) انظر ((الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية)) (ص 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
المبحث الأول: عدم تطبيق الشريعة الإسلامية
إن أكبر رزية حلت ببعض المجتمعات الإسلامية وبغيرها هو إقصاء الشريعة الإسلامية، أو التهاون في تطبيقها، أو الاحتيال لتمييع أحكامها عمدا أو تحت مبررات شخصية كثيرة، سواء أكانت صادقة أم كاذبة.
إن العالم الإسلامي يعاني في هذا الزمن من ظاهرة الانبهار بما عند أعداء الإسلام، ويعاني من ظاهرة التخلف المفروض عليهم لأن أراضي المسلمين مشهورة بخصوبتها حتى قيل إن السودان سلة العالم، يعني لو استغل استغلالا حقيقيا سليما، كما يعاني من تكالب أعداء الإسلام عليه كما يعاني من جهل أبنائه وكيد أعدائه وحلول الكوارث والانهزامات على أيدي اليهود والنصارى والمجوس والملاحدة، تداعت عليه الأمم كما تداعى الأكلة على القصعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وصارت كثرة المسلمين لا تفرح كثيرا بعد أن أصبحوا غثاءا كغثاء السيل حين صاروا يتكففون الشرق والغرب يستمدون منهم قوانين معيشتهم ويطبقون أفكارهم الضالة ويحكمون دساتيرهم الوضعية فصار حالهم كحال العيس التي أخبر عنها الشاعر بقوله:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول
أو كالغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة فلم يفلح في تقليدها ولا في البقاء على مشيته.
فكثير من المسلمين لا هم بقوا على دينهم يعتزون به ويفتخرون بالانتماء إليه، ولا هم وصلوا إلى ما وصل إليه أعداؤهم من التقدم المادي، فكانت النتيجة أنهم خسروا دينهم ودنياهم فعادوا باللائمة على الشريعة الإسلامية وهي حجة الكاذب المنقطع.
ومن العجيب أنهم يحكمون على الإسلام وهم لا يحكمونه، ويتهجمون عليه وهم لا يعرفونه ولم يجربوه في حياتهم اليومية، إنهم متحيرون ضاقت صدورهم به من جراء الضغوط المختلفة عليهم خارجيا وداخليا، المسلمون الحقيقيون يطالبونهم بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأعداء الإسلام يطالبونهم بإقصائه وإحلال مذاهبهم المختلفة محله، هذا في الوقت الذي اضمحلت فيه شخصياتهم التي كادت أن تنصهر في بوتقة الحضارات الجاهلية الشرقية والغربية.
لقد توالت صيحات أعداء الإسلام يصدق بعضهم بعضا أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو التأخر والرجعية والجمود، وأن في نبذها التقدم والتطور، وصدق المغفلون هذا الهراء، فإذا بهم يصيحون إلى جانب سفاكي دمائهم بمثل صيحاتهم يتبعونهم كما تتبع الشاة الذئب من الرعب، ولم يبخل عليهم أعداء الإسلام بإطلاق الألقاب الفخمة والعبارات الرنانة ليتموا استبعادهم لهم من ناحية وليستجلبوا بهم غيرهم ممن لم يقع تحت تأثير شبهاتهم كاستدراج الفيل المدرب العميل لبقية الفيلة ليدخلوا الحظيرة كما أوصى بذلك " زويمر ". يجب أن يعرف كل من لا يطبق الإسلام أن الشريعة الإسلامية كاملة لا ينقصها شيء، وقد شهد رب الكون وخالقه بأنها كاملة، قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد جئتكم بها بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)) (1) (2).
أكمل الله بالإسلام الدين وأتم به النعمة ورضيه لعباده، فماذا بعد هذا كله؟!!--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه (43) وأحمد (4/ 126) (17182) والحاكم (331) والطبراني (15352) كلهم بلفظ ((تركتكم)) بدل جئتكم، وصححه الألباني.
(2) انظر ((اعتقاد أهل السنة)) (1/ 22، 74). وانظر ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) (1/ 8، 4/ 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
هدي الإسلام في العقيدة واضح تمام الوضوح، وهديه في الأحكام والعقوبات واضح تمام الوضوح ورادع، خير رادع، وهكذا في كل شأن من شئون الحياة، فلماذا لم يجربه الهاربون عنه ليتفيئوا ظلاله، وليعيشوا الحياة السعيدة الخالية من الشقاء والحرمان والأحقاد والذل والتبعية لمن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ألم يعلم المنهزمون من المسلمون أن أهل الحضارات القديمة العريقة قد تركوا حضاراتهم حينما عرفوا الحضارة الإسلامية وسموها العجيب، وأن أهل الديانات قد تركوا دياناتهم عن طواعية ورغبة في الإسلام حينما علموا شأنه العظيم، وصاروا جنودا بواسل لحمايته والدفاع عنه لا تأخذهم في الله لومة لائم، ألم يعلموا أن الله أعز أسلافهم بالدين حينما حكموه. لقد انحصر الحكم الإسلامي لشعوب العالم بعد خروج العرب الفاتحين، ولكن العقيدة الإسلامية ظلت حية في قلوبهم لم تنحصر ولم تضعف، وظل حنينهم إلى الإسلام وأحكامه العادلة خفاقا في قلوبهم رغم ما يحيط بهم من جبروت حكام ضالين محاربين للإسلام وأهله ليلا ونهارا وسرا وإعلانا.
وعلى الذين يدعون الإسلام أو يحكمون باسم الإسلام وهم يستحيون أن يعبروا به، عليهم أن يفيقوا وأن يعلموا أن عزهم ومجدهم ودوام حكمهم هوفي تطبيق الشريعة الإسلامية لو كانوا يعقلون، وأن يعلموا أن في قتل القاتل حياة لبقية الناس، وفي قطع يد السارق أمان للأموال لتبقى محفوظة لأهلها دون تعد عليها، وأن في تحريم الربا والغش مفخرة للإسلام، وكله مفاخر، وفي تحريمه الخمر حفظ للعقول، وفي رجم الزاني المحصن حفظ للأعراض وصيانة للأنساب وبعد عن الأمراض. وهكذا فإن في كل أحكام الشريعة الخير والسعادة والعيش الهنيء الذي يزعمون أنهم يريدونه لشعوبهم وأوطانهم وهم يصدون عن الإسلام. فلماذا لم يردوا هذا المنهل العذب. أي إلى الحكم بالشريعة الإسلامية لمن يبيح في دستوره التعامل بالربا علنا أو تحليل المحرمات كالخمر والزنا وإقامة بيوت الدعارة وحمايتها ومحاربة دعاة الإسلام وتلفيق التهم ضدهم للتنفير عنهم واختراع ما يبيح قتلهم ومحاربة التعليم الإسلامي ومدارسه وإهمال المساجد أو تخريبها والاستهزاء بها وإباحة أنواع المجون من رقص النساء أمام أولئك الحكام الجهلة بالإسلام في حفلات صاخبة وسمر فاضح. إن كثيرا من أبناء المسلمين هم حرب لا هوادة فيها ضد الإسلام وتطبيق شريعته، خلفوا الاستعمار وصاروا أشد وطأة على شعوبهم وأكثر فحشا من أيام الاستعمار لأنهم ماجنون بطبعهم وزيادة على ذلك يحبون التزلف إلى سلفهم رؤساء الاستعمار الملحدين. وشجعوا بذلك قادة الكفر والإلحاد فتبجحوا بأن ما هم عليه هو الصحيح والصواب، وما عليه المسلمون هو الضلال بدليل أن المسلمين رموا دينهم خلف ظهورهم وتلطفوا لهم لإعطائهم دساتيرهم التقدمية – الجاهلية – بدل التشريع الإسلامي.
ومن الغريب أن يدعي القاضي المسلم أنه يحكم بالإسلام وبين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله دساتير أولئك الملاحدة، هذا في الوقت الذي جمد عليه علماء الفقه الإسلامي على ما هم عليه من تعصبات مذهبية وأقوال خيالية قد لا تدع الحاجة إلى أكثرها، ولم ينهضوا – أو لم يسمح لهم – بإعطاء فقه كامل شامل موحد قائم على الشريعة الإسلامية، مما أعطى صورة سيئة لدى من لم يعرف الإسلام وتسامحه ودعوته المسلمين إلى أن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وقد سمعت – إن صح الكلام – أن دولة كافرة أراد حاكمها أن يدخل في الإسلام فسأل بعض الفقهاء ضيقي الأفق عن كيفية الدخول في الإسلام فوقع النزاع بينهم واشتد الخصام على أي مذهب يتم الدخول في الإسلام، وكل فضل مذهبه وذم مذهب الآخرين حتى ضاق صدر الحاكم فأخرجهم جميعا وامتنع عن الإسلام، واستدل بأن خلافهم دليل على بطلان الإسلام ظنا منه أن أولئك الجهال على صواب أو على علم ومعرفة، ولا شك أن وراء هذا التفكير الضيق من يغذيه لحاجة في نفسه.
ومن الملاحظ أن وسائل أعداء الإسلام الإعلامية المقروءة والمسموعة والمشاهدة كلها تتكتل في صف واحد – رغم ما بينهم من الخلافات – لمواجهة أي حركة إسلامية أو أي نشاط للدعوة إلى الإسلام، وترمي القائمين بذلك عن سهم واحد، وواقعنا المعاصر أقوى شاهد، خصوصا بعد ما يسمونه الإرهاب على مدينتي نيويورك وواشنطن، واستغلالهم لهذا الحادث استغلالا فاحشا، وأقصيت الشريعة الإسلامية وتطبيقها في معظم ديار المسلمين، وحرم على الخطباء والوعاظ ورجال الفكر طرق الجوانب التي تمس معالجة الإسلام للقوانين المدنية والتي استوردتها الحكومات الموالية للشرق أو الغرب، أو تبين خطورة المذاهب الفكرية الضالة، وحددت فيها العقوبات الصارمة بحجة أن طرقها يفضي إلى التدخل في السياسة العامة للدولة، أو هو خروج عليها، ومن خرج على الدولة فقد أخل بالأمن وناصب الشعب العداء فتصدر القرارات العاجلة باسم الشعب بمعاقبة كل من يجرؤ على مخالفة النظام العام للدولة. فأين حرية الكلمة التي يتشدقون بأنها مضمونة لكل فرد، بل هي حيل وتضليل، والشعب بريء من تلك الحيل الإجرامية لعملاء أعداء الإسلام من العلمانيين وغيرهم، بل إن كلامهم باسم الشعوب يشبه كلام الجني من داخل الإنسان بعد أن يصرعه، ولا أعتقد أن شخصا يشك في أن العالم اليوم يعيش في فراغ حقيقي، فالنصرانية أفلست فهي تقدم دينا غير معقول وخرافات سخيفة، واليهودية دينهم المادة والعنصرية، والشيوعية ماتت في عقر دارها، والمذاهب الفكرية تتطاحن فيما بينها للاستعلاء في الأرض، ولم يبق من منقذ سليم وحيد للبشرية غير الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى وتكفل بحفظه ورد كيد أعدائه إلى نحورهم على مر الزمن، وصلح به أمر البشر قديما، وسيصلحهم حديثا حينما يجربون تطبيقه ويوفقون للالتزام به، والناس عظة واضحة في الحياة السعيدة التي تنعم به الدولة التي تطبق الشريعة الغراء.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 1/ 79
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
المبحث الثاني: انتشار فساد الأخلاق والقيم
لقد رزء العالم الغربي والشرقي من تبعهم في أعز ما يجب الحفاظ عليه في السلوك وهي القيم والأخلاق الطيبة التي ميز الله بها الإنسان عن الحيوانات، لقد كانت البشرية - فيما عرف من تاريخهم - في غاية الحفاظ على التمسك بالأخلاق والحشمة والحياء بل منذ أن طفق آدم وحواء عليهما السلام يخصفان عليهما من ورق الجنة والتمسك بالأخلاق الحسنة والبعد عن سيئها فطرة في النفوس حتى إذا اجتالت الشياطين من اجتالته من حثالة البشر فإذا بالأمر ينعكس تماما بعد أن انتكست أخلاقهم وفسدت فطرهم وتردوا في مهاوي الضلال وتنكروا للفضيلة بل رأوها عارا وتخلفا ورأوا الثياب التي هي زينة للإنسان كالريش للطائر، رأوها تأخرا، فنبذوها في مجامع عامة تسمى نوادي العراة حيث وصلوا فيها إلى ما لا تصل إليه الحيوانات، وصدق قول الله تعالى عليهم: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].
لقد تمالأ الشرق والغرب كلهم بقيادة اليهودية العالمية على إفساد أخلاق المسلمين ونشر الرذائل بينهم بكل وسيلة، وما أكثر تلك الوسائل التي دخلت كل بيت – إلا من رحم الله – امتلأت بها البيوت والأسواق والواجهات، فلا ترى أمامك ولا عن يمينك ولا عن يسارك إلا دعوة فاجرة وصورة ماجنة وفحشا ورذائل في تخطيط دقيق ودعايات براقة وزخرف من القول، ولك أن تعجب حينما تقرأ في أساطير الملاحدة أن الإنسان كان في بداية حياته عاريا لا يعرف اللباس ولا ستر العورة، ثم ترقى قليلا قليلا إلى أن عرف اللباس، وبعد فترة – ولحاجة في نفس يعقوب – عادوا ونادوا بأن ترك المرأة لباس الحشمة وخروجها شبه عارية أو عارية هو التقدم بعينه والرقي الحضاري، هكذا ودون إبداء أي تعليل لهذه النقلة الغربية، وأصبحت المرأة سلعة رخيصة للرجل يقضي منها حاجته متى أراد، وأصبحت هي عارية والرجل يلبس الثياب الفضفاضة وهي تعاني الحر والبرد في سائر جسمها – اللهم ما تستر به السبيلين – والرجل يلبس لكل حالة لبوسها في دعة وسكون.
وانتشرت محلات الخمور التي تزكم الأنوف تحت حماية القوانين الوضعية – وما دامت الخمر أم الخبائث فماذا تتوقع من وجود الخبائث التي شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، ولك أن تسأل عن عدد المجرمين وعدد المجانين والمعتوهين، وكم عددهم في المستشفيات وفي السجون، إنها أعداد تبعث الرعب والأسى على مستقبل هذه البشرية.
وانتشر الزنا بصورة تتنزه عنها الحيوانات، وظهر عالم من الأولاد غير الشرعيين، وبنيت بيوت الدعارة علنا وتحت حماية القانون، بل وصارت بعض الحكومات السافلة تطلب من الزانيات زكاة مال فروجهن من البغاء، ولم يسمعوا قول الشاعر:
ومطعمة الأيتام من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
ووجدت في بعض مطارات الدول الإسلامية العربية بطاقات لدعوة السياح إلى كيفية معاشرة الزانيات، ووجوب التأكد من صلاحية بطاقاتهن الشخصية خوفا من مرض الإيدز؟!!، وقد جاء في الحديث الشريف ما معناه أنه ما انتشر الزنا في قوم إلا سلط الله عليهم عقابا لم يكن في أسلافهم، وقد عرفنا هذا العقاب في زماننا إنه مرض نقص المناعة " الإيدز" الذي جعلهم يجرون جثث موتاهم إلى المقابر كل يوم دون أن يجدوا له الدواء المضاد، ولن يجدوا إن شاء الله إلى أن تتطهر الأرض من رجسهم رغم تبجحهم بأنهم وصلوا في القوة إلى حد أنهم يخلقون الخلق عن طريق التناسخ وإلى حد أنهم يستطيعون إجبار السحاب على إنزال ما به من المطر في المكان الذي يريدون .. إلى آخر غرورهم. وانتشر الربا وعاد الناس إلى تطبيق العقيدة الجاهلية الأولى فيه حيث كانوا يقولون إنما البيع مثل الربا، فقامت البنوك الربوية الشاهقة البناء ونشطت الشركات في ابتلاع أموال الناس تحت مسميات مختلفة خادعة ودعايات براقة وصار من بقي فيه عرق ينبض ببقية خافتة من الخوف أو الحياء يسميه فائدة ليتحاشى تسميته ربا، مع أن هذه الحيلة قد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنها مبكرا حيث ذكر أنه سيأتي أقوام يستحلون الخمر والحرير والمعازف ويسمونها بغير اسمها (1)، وهذا هو الحاصل في زماننا، دخل إباحة الزنا تحت تسمية " الحرية الشخصية "، ودخل إباحة الربا تحت تسمية " الفائدة"، ودخل قتل كبار السن ومن لا يريدونه تحت تسمية " الموت الرحيم"، ودخل رفض الدين وتركه تحت تسمية " حرية الأديان " أو "حرية التدين"، ودخلت قلة الحياء ونبذ الحشمة تحت تسمية " التقدم" وترك الماضي، ودخلت أشياء وأشياء كثيرة لا تحصى تحت تسميات كاذبة وعناوين خادعة، ويا ويل البشرية من شر أشرارهم.
وانتشرت ظاهرة المساحيق والماكياجات التي أثقلت ظهور كثير من الرجال والنساء لتذهب فائدة قيمتها إلى بنوك اليهود، وغيروا خلق الله وغرروا ودلسوا واختفت حقائق كثيرة وظهرت أمور غريبة تنذر بشر مستطير ومصير مظلم لا يدري عاقبته إلا الله تعالى.
كما انتشرت ظواهر سيئة في جميع نواحي الحياة من غش وكذب وجشع لا حد له واستغلال القوي للضعيف، وماتت – أوفي طريقها – أخلاق وفضائل كانت عند الناس في قمة أولوياتهم، كفضيلة الكرم، والإيثار، والتواضع، والشهامة … وأخلاق كثيرة لم يعد لها وجود في أذهان كثير ممن مسخت فطرهم المذاهب الفكرية الضالة من اشتراكية ورأسمالية وعلمانية وغيرها من المذاهب المادية التي جنت على القائمين بها قبل غيرهم حينما جعلتهم يعيشون في فوضى وقلق واضطراب يصل إلى حد الجنون، لا يحسون بهدوء ولا راحة نفسية ولا عاطفة حب نحو الآخرين – غير المجاملات العابرة – وجوههم مقطبة، وأفكارهم شاردة، ولم يعد للرحمة تلك المكانة التي تبوأتها قبل ظهور قرن الشيطان فوق المذاهب الفكرية، ولم يعد للعدل والإنصاف أي مكان يحط رحاله فيه – إلا القليل – وذهب حتى ذكر أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة – وجاء الجيل الذي لا يأكل الوالد في مطعم ولده أو الولد في مطعم أبيه إلا بدفع القيمة نتيجة حتمية لإعراضهم عن هدي الله عز وجل واتباعهم لأهواء الضالين وقراصنة المال الذين لا يتكلمون إلا في المال، ولا يضحكون إلا للمال ولا يعملون إلا للمال، ولا يعطون شيئا إلا ليأخذوا ما هو أثمن منه، وحق للضعفاء والفقراء أن ينشدوا مع الشاعر قوله:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا … هشوا إليّ ورحبوا بالمقبل
وبقيت في خلف كان حديثهم … ولغ الكلاب تهارشت في المنزل--------------------------------------------
(1) انظر ((الإصابة)) (7/ 404) وانظر ((أحاديث في ذم الكلام وأهله)) (3/ 162) و ((الخصائص الكبرى)) (2/ 62).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
إن من المؤسف والداعي للرثاء حال الذين يتهجمون على النظام الإسلامي في الأخلاق والسلوك العام والخاص، إننا نرثي لحال أولئك الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئا وهم يناصبونه العداء، نرثي لجهلهم ونرحم حالهم وشقاءهم.
ونكون أشد حزنا لحال من يدعي الإسلام وهو يحاربه ويتهجم على نظامه الاجتماعي عن جهل أو عن معرفة، فحينما نسمع من يدعي الإسلام ثم يقول عن قتل القاتل إنه وحشية، وعن قطع يد السارق إنه همجية، وعن عقوبة الزنا بقسميها أنه تدخل في الحرية الشخصية، وعن الحجاب أنه ظلم للمرأة وطمس لها، وعن الحشمة والعفة والوقار أنه من مخلفات الماضي البغيض المتخلف، وعن أشياء أخرى كثيرة حث الإسلام على التمسك بها أو الانتهاء عنها يقول عنها أنها غير صالحة في زماننا، أو أنها كانت لقوم مضوا وانتهوا وانتهت معهم تلك المفاهيم.
إن حال هذا المتحذلق يدعو للرثاء ولا حزن عليه، لأنه يعيش في دوامة مطبقة من الجهل، إنه بحق كما يقول المناطقة " حيوان ناطق " إنه يقلد ما يقوله أعداء الإسلام حرفيا كما تقلد الببغاء الأصوات التي تسمعها، وفوق ذلك يرى نفسه أنه متحضر ومتطور، وأنه بلغ السماء طولا والجبال ارتفاعا، ولا يدري أنه قزم حقير ضئيل على حد قول الشاعر:
مثل المعجب في إعجابه … مثل الواقف في رأس الجبل
ينظر الناس صغارا وهوفي … أعينهم صغيرا لم يزل
وحينما ينبري بعض الكتاب السفهاء أو بعض الكاتبات السفيهات ليتباكوا على النظام الأخلاقي الذي أرشد إليه الإسلام بأنه غير حضاري، إنما هم أدوات في أيدي أعدائهم وأعداء دينهم، باعوا ضمائرهم بل ودينهم بثمن بخس وليس لهم عند الله – إن لم يتوبوا – من خلاق.
والذين يجتهدون في نشر الخلاعة والمجون في وسائط الإعلام المختلفة إنما هم عبيد لليهود وخدم لهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وحينما يدعون إلى تأخر الزواج بين الشباب والشابات إلى ما بعد فتور فوران الشهوة فيهم، وبالتالي يقدمون لهم كل وسائل الإغراء لاقتحام الشهوات الجنسية، إنما هم يطبقون جزءا من المخطط المرسوم لمحو الفضائل وإشاعة الفواحش، لأن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، لأن فطرهم انعكست وصار العالي سافلا والسافل عاليا في نظرهم. والذين يدعون إلى تحديد النسل لئلا يحصل الانفجار السكاني بزعمهم، وبالتالي فلا يجدون لقمة العيش (1) أو يدعون إلى الحد من الإنجاب محافظة على رشاقة المرأة وتألقها إنما هم مخادعون كاذبون ينفذون جزءا من المخطط اليهودي، إذ أن اليهود والنصارى يشجعون تكاثر النسل بينهم، وقد سمعت من إذاعة إسرائيل أنهم احتفوا واحتفلوا بامرأة أنجبت ثمانية أولاد وكرموها وأعطوها عدة جوائز.
ومثلهم دعاة منع الحمل بدون ضرورة أو الإجهاض بلا سبب أو الدعوة إلى خروج المرأة للعمل سافرة متبرجة مبدية زينتها لكل من هب ودب وتضحك مع هذا وتميل إلى هذا، وهذا يمدحها وهذا يضرب على كتفيها استحسانا لها أو لعملها وهي تمشي العنجهية مشية العسكري في طابور التدريب عارية أو شبه عارية.--------------------------------------------
(1) انظرالقضية الاقتصادية في هذه الدراسة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وكذلك احتقار الحياة الأسرية والعيش مع الأولاد وتهوين الخيانات الزوجية، وما إلى ذلك من الرزايا التي وصل إليها دعاة الأفكار المنحطة التي غزت كل بيت في ديار المسلمين إن أخطأته واحدة أصابته الأخرى ولابد. ومن الظلم الصارخ والغش المبين تشويههم لصورة الإسلام الناصعة، فقد ربطوا كل صورة من صور التأخر والتخلف الحضاري والمدني بالتمسك بالإسلام أو ترك مذاهبهم التي هي حبل النجاة بزعمهم، فربطوا كل صورة من صور التقدم والنهوض والعيش الرغيد بالتمسك بمذاهبهم وأفكارهم، وقد رأيت في بعض الاحتفالات ببعض الذكريات الخرافية أنهم يأتون بكلام عن الحضارة الغربية وتفوقها، وثم تأتي طائرات تهز الأرض ثم يخلفها رجل عربي يركب حمارا، وأحيانا يركب جملا وعليه أغراضه، ثم تتكرر مناظر كثيرة كأنها تقول انظروا إلى ما عندنا أيها المسلمون وانظروا إلى ما عندكم، وإذا جاز لنا أن نعذرهم لأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال:60] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)) (1)، وغير ذلك من النصوص التي يجهلونها، إذا جاز لنا أن نعذرهم، فبأي وجه نعذر من يدعي الإسلام ويقرأ تلك النصوص ثم يرجع باللائمة على الإسلام وتعاليمه وكأنه يقول لم يمنعنا من صناعة هذه الطائرات إلا أن نتخلى عن ديننا لنصبح أمة صناعية؟!!، أو نتخلى عن عاداتنا الشرقية – كما يسميها الغرب – أي نتخلى عن ديننا ونظامه في السلوك لنصبح في قمة التطور .. إنها أماني بلا برهان، وحجة العاجز الذليل، فهل الإسلام منعهم وأقام السدود والحواجز بينهم وبين أي مصدر فيه قوة المسلم أيا كان، أليس الإسلام قد دعا إلى القوة واعتزاز المسلم بدينه ويعمل يده واستغنائه عن غيره من المسلمين فضلا عن أعداء الإسلام؟
لقد انصب اهتمام أعداء الإسلام، أعداء الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن على نشر فساد الأخلاق وضياع القيم، فلماذا؟!!!
يأتي الجواب تلقائيا لأنهم يعرفون أن في فساد الأخلاق وضياع القيم تفتيت للروابط الاجتماعية كلها فتنتشر الرذائل التي تعجل بهدم كيان ذلك المجتمع الذي تنتشر فيه، حيث ينتشر الكذب والغش وقطع صلة الأرحام والعداوة والبغضاء والتهاجر وعدم الثقة بين الناس واختفاء الأمانة وانتشار الدعارة والفجور .. ومساوئ كثيرة هي أشبه ما تكون بالمسامير في النعش.
وتنتشر الرشوة بكل مظاهرها سرا وجهرا بين أصحاب النفوس الضعيفة فتضيع الحقوق وتختل موازين العدل بين الناس، ولهذا فسدت ضمائر كثير من الموظفين، فتجد المظلوم يصبح ظالما وصاحب الحق يصبح معتديا وباذل الرشوة يصبح صادقا محقا ناهيك عن اختلاس الأموال العامة بمجرد الحصول عليها بأي سبيل إذ لا رادع يردعه عن ذلك.
كما ينشأ عن فساد الأخلاق الاحتكارات المحرمة شرعا والإثراء عن طريقها وكذا تهريب المخدرات للحصول على المال من جهة، ولإفساد حياة المسلمين من جهة أخرى، لأن فساد الأخلاق هو فساد الفضائل، قال شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 1/ 86--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (2664).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
تمهيد
هذا الموضوع الحديث عنه ذو شجون، والحاجة إلى معرفته ملحة، وقد قيل " ما لا يدرك كله لا يترك كله"، وبالإيجاز فقد انطلق أعداء الإسلام إلى هدم الإسلام عن طرق كثيرة، من أبرزها حربه عن طريق النساء مستخدمين وسائل لا تكاد تحصر ومن أهمها:
إغراء الشباب والاستيلاء على ولائهم عن طريق غرائزهم الجنسية عن طريق العاهرات المتصنعات اللاتي لا يرددن يد لامس، حيث يوصلونهن إليهم عن طرق ماكرة كثيرة ودعايات مغرية، وفي هذه الأيام يردد الإعلام الغربي ما يسمونه بمحاربة فساد الاتجار بالبشر، أي عن طريق نشر البغايا، ويذكرون أن القائمين على هذه التجارة يكسبون ملايين الدولارات.
قتل الاحتشام عن طريق إغراء الفتيات بشتى الأزياء الفاجرة تحت الدعايات الباطلة بأنهن سيحزن على إعجاب الرجال وعلى الجمال وعلى الدلالة على أنهن متقدمات متحضرات، ثم عن طريق موضة أنواع الماكياجات التي ستعود أثمانها كلها إلى البنوك اليهودية الربوية.
بادر أعداء الإسلام إلى تعليم المرأة وفتح الباب لها على مصراعيه وفق خطة مدروسة لإخراج الفتاة المسلمة عن دينها، وتم لها ذلك، حيث تخرج الدارسة وهي على وفق ما جاء في المخطط المبيت لها وليس على وفق ما أراده الإسلام لها في حثه على تعليمها. قال زويمر: " تعليم المرأة بؤبؤ عيني "، والإسلام يوجب على المرأة أن تتعلم، ولكنه التعليم الذي ينفعها في دينها ودنياها.
التأثير على المرأة المسلمة في مجال الفنون الجميلة وزينة المرأة وكيفية وصولها إلى إغراء الرجل، لأنها تأثرت بما استخدمه الغزاة من وسائل الإعلام القوية (سينما – مسرح – قصص هادفة – صحف – مجلات – إذاعة – تلفزيون) وغير ذلك كلها تضافرت وصدق بعضها بعضا للتأثير، فأغرمت بالرسم والنحت والأزياء والموسيقى والتمثيل والتصوير، وشراء أدوات تلك الفنون بباهظ الأثمان.
التركيز الجاد من قبل أعداء الإسلام على انتشار الاختلاط بين الجنسين وسفور المرأة، وتم لهم هذا، وكانت له نتائج وخيمة، الأمر الذي أدى إلى هدم الأخلاق والآداب الإسلامية بسبب ضعف الوازع الديني، والدعاية القوية العارمة لتهوين أمر الفاحشة ونبذ الحجاب، فالتهبت الغرائز الجنسية وعرضت الصور الماجنة في كل وسيلة إعلامية يصدق بعضها بعضا.
وسبب هذا التكالب منهم على هذا المسلك هو معرفتهم التامة بأن الاختلاط والسفور هما من أقوى الأسباب لانهيار المجتمعات وتمييعها وقتل هممها.
ولقد تكاثرت الضباء على خراش، وبلغ السيل الزبى وانفلت الأمر من أيدي ولاة الأمر من الآباء والحكام في ثورة عارمة معلنة أو غير معلنة، وقد جعل المخدوعون من المسلمين نصب أعينهم هذه المقالة الحمقاء " متى نلحق بركب الدول المتقدمة " ظانين أن هذه القبائح هي التي تنقصهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وكان من جراء تلك الموجة العارمة أن نسي الرجل المسلم والمرأة المسلمة أن وراءهم حسابا وعقابا أخرويا لاستحلالهم ما حرمه الله عليهم فاتجهوا لإشباع شهواتهم الحيوانية، ولم يعد التماسك الاجتماعي بينهم قويا، بل تآكل، ثم حدث أن تفاخر كل من الرجل والمرأة في اقتناء أجمل الثياب وسائر المظاهر، ثم اتجهوا إلى أدوات التجميل التي تصنعها المصانع اليهودية والنصرانية، وانتشرت الفتن والخيانات وفقدت الحشمة والحياء بين الجنسين، وقد انتشرت خديعة كبرى يرددها كثير من الناس دون أن يعرفوا مصدرها الخبيث، وهي خديعة أن النساء المحجبات هن الداعرات والداعيات إلى الفواحش، وحيلة أخرى وهي أنهن يردن إخفاء قبحهن، بينما السافرات لا يتعرضن لأي أذى سائرات لا يلتفتن لأحد ولا يلتفت إليهن أحد، واثقات من أنفسهن، وتمت هذه الحيلة على كثير من النساء المسلمات فنبذن الحجاب خوفا من هذه الدعاية الكاذبة الضالة المضلة.
وقد اخترع أعداء الفضيلة لتقوية هذه الحيلة طرقا شيطانية منها:
توجيه بعض العاهرات الفاجرات أن يتسترن بمثل الألبسة التي تتستر بها المؤمنات العفيفات الشريفات وأن يسرن في الأسواق العامة ويتعرضن للفساق، وهن في هذه الألبسة الساترة المزورة، فيظن من لا يعرف سر هذه المكيدة أن الأمر على حقيقته. ويراد من وراء هذه المكيدة إعطاء الأدلة على أن المحجبات فاسقات، وكذلك لمضايقة المحجبات أيضا من ناحية أخرى. توجيه فريق من الفساق المأجورين أن يتعرضوا للمتسترات العفيفات في الطرقات العامة ويؤذونهن في عفافهن بفسق من القول أو الغمز أو اللمز أو اللمس .. الخ (1).
ويراد من هذه المكائد مضايقة المحجبات كي ينبذن الحجاب، ومن المتوقع أن المرأة المسلمة إذا لم تكن عندها حصانة كافية من المعرفة بالإسلام ومعرفة بثواب الصابرين من المتوقع لها أن تنهار أمام تلك الضغوط كلها، وهو ما حصل بالفعل حتى أصبحت بعض النساء تستحي أن تلبس ثياب الحشمة وكاد أن يتحقق ما توقعه الفاجر " فرويد" من أنه لابد من التركيز على ذم الحشمة عند النساء حتى تصبح عيبا في نظرهن.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 1/ 95--------------------------------------------
(1) انظر ((أجنحة المكر الثلاثة)) (ص414).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
المطلب الأول: قضية المرأة في النظم الجاهلية وفي الإسلام
لم تكن المرأة في يوم من الأيام في عصر خير القرون تمثل مشكلة تتطاحن حولها الآراء، بل كانت جوهرة مكنونة لها احترامها كأم أو أخت أو زوجة أو بنت، ولها حقوق وعليها واجبات معروفة في غاية البساطة، وعاش الرجال والنساء في غاية من المودة والتفاهم يكمل بعضهم بعضا دون أن يقف أحدهم في طريق الآخر لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32] وتعاليم الإسلام تظلل الجميع وتبين لكل منهم منهجه وطريقه إلى أن ظهر قرن الشيطان في أوربا، فإذا بالمرأة تصبح نهبا مشاعا بين الرجال وإذا بها تمثل مشكلة مفتعلة شغلتها وجلبت لها الشقاء وجعلتها تواجه الرجل وتقف في طريقه، بل وتشتبك معه في جوانب كانت في غنى عنها، وخدعها القائمون على إلقائها في معترك الحياة أيما خديعة، ولم يتركوا لها الفرصة للتفكير والتروي، بل صاحوا بها على عجل لترمي بنفسها في هذا الخضم، وليكن ما يكون، واستعجلت ونفذت ما خططوه لها وبدأت حياة الشقاء والكر والفر مع الرجل في دوامة لا نهاية لها، فلا هي تستطيع أن تخرج منها، ولا هي قادرة على إكمال ما رسم لها، ولا زالت تكابد الهموم والغموم في ظلام دامس، وكثر الحديث عن المرأة وتضاربت فيها الآراء بين جاد وهازل ومخادع، حتى كادت حقوق المرأة أن تضيع بين هؤلاء المتعاركين، وكثرت فيها المؤلفات وأصبحت مادة دسمة لكل متحذلق ومتزلف، واحتارت المرأة كثيرا أمام هذا الضجيج من حولها – ولابد لها أن تحتار – فهي لا تدري إلى أي ناعق تسمع، ولا إلى أي جانب تميل، كل يصيح بها إليَّ إليَّ النجاة عندي.
وتفنن الكتاب والممثلون والمغنون والرسامون والصحفيون والمذيعون، تفنن هؤلاء وغيرهم في وسائل إغرائها وجذبها، ولقد ارتابت كثير من العاقلات في أمر هؤلاء، هل هذا كله ناتج عن حب وعطف عليها؟ أم أنه ناشئ عن مؤامرات لا يعلم مداها إلا الله؟، وعلى أي حال فلا نجاة للمرأة ولا مفر من أن تسقط في أي فخ عاجلا أم آجلا إن لم تتداركها رحمة الله تعالى فتعود إلى رشدها.
ولم تكن هذه الحيرة عامة – ولله الحمد – لجميع النساء، بل هناك قسم نجاهن الله من تلك الحيرة وشعرن بالسعادة تغمرهن، وأخذن يندبن حظ من لم تدخل تلك السعادة الغامرة، فأين هي تلك السعادة التي تبدد كل تلك الشكوك والقلق، وأين هي السعادة التي تسكت أفواه أولئك الذين ينوحون عليها من كل جانب ويذرفون دموع التماسيح؟ إن تلك السعادة بدون ريب وجدنها في الإسلام، وجدنها بكل هدوء وأناة وقناعة تامة، ولعل القارئ يدرك معي أن الحديث حول المرأة ذو شجون، وأنه يحتاج إلى مجلدات، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، كما تقدم، وإليك أخي القارئ نبذة موجزة نافعة إن شاء الله لبيان ما وقع عن أحوال المرأة قديما وحديثا.
المرأة في النظم الجاهلية مظلومة ظلما فاحشا
لم تجد المرأة – ولن تجد - في جميع النظم من الإنصاف ما وجدته في الإسلام، والأدلة على ذلك كثيرة من الواقع ومما دون حول قضية المرأة في النظم الجاهلية، ومن تلك الأدلة:
جاء في أقدم النظم الجاهلية وهي شريعة حمورابي الذي يرجع إلى سنة 23 قبل الميلاد، جاء فيها:
" أن من حق رب الأسرة بيع أفراد الأسرة أو هبتهم إلى الغير مدة من الزمن ".
وفيه " أن الزوج إذا طلق زوجته فإنها تلقى في النهر، وإذا أراد عدم قتلها نزع ثوبها عن جسمها وطردها من منزله نصف عارية إعلانا منه بأنها أصبحت شيئا مباحا لكل إنسان"، فلتسمع الجاهلات المعاصرات.
(ج) وفيها "أن المرأة إذا أهملت زوجها أو تسببت في خراب بيتها تلقى في الماء".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
(د) ونص قانونه على أن " الزوجة التي ترمى بالزنا بدون دليل عليها وتناولتها ألسنة الناس تلقى في النهر وتغطس في الماء، فإن عامت على وجه الماء كانت بريئة، وإن غطست اعتبرت آثمة"، أي أن المتهم مدان إلى أن تثبت براءته حسب هذه المفاهيم الجاهلية، وهذا الحكم في المقذوفة – بدون دليل – أنها ترمى في النهر أمر عجيب، وأعجب منه الحكم لها بالبراءة إذا طفت على الماء ميتةّ!! .. هكذا حكم الجاهلية، وأين هو من حكم الله تعالى، وما الذي ستستفيد منه إذا طفت ميتة بريئة.
2 - كانت المرأة لا قيمة لها في القانون الصيني الذي قرر أنه: "ليس في العالم شيء أقل قيمة من المرأة".
وفي القانون اليوناني كانت القاعدة أن المرأة تدخل ضمن ممتلكات ولي أمرها قبل الزواج، وتدخل ضمن ممتلكات زوجها بعد الزواج.
وكانت قيمة المرأة عندهم كما سجلها "ديموستين" هي قوله: "إننا نتخذ العاهرات للذة، ونتخذ الخليلات للعناية بصحة أجسامنا اليومية، ونتخذ الزوجات ليكون لنا أبناء شرعيون".
وفي بلدان إيطاليا كانت الزوجة تعد خادمة في المنزل، وعليها أن تجلس على الأرض بينما يجلس الرجل على المقاعد، وخارج البيت إذا ركب زوجها الحصان، فلابد أن تسير على قدميها خلفه مهما كان بعد المسافة.
وفي القانون الهندي عدة قوانين منها:
لا يجوز للمرأة في أي مرحلة من مراحل حياتها أن تجري أي أمر وفق مشيئتها ورغبتها حتى ولو كان ذلك الأمر من الأمور الداخلية لمنزلها".
"المرأة في مراحل طفولتها تتبع والدها، وفي مراحل شبابها تتبع زوجها، فإذا مات تنتقل الولاية إلى أبنائه أو رجال عشيرته الأقربين، فإن لم يكن له أقرباء تنتقل الولاية إلى عمومتها، فإذا لم يوجد لها أعمام تنتقل إلى الحاكم".
(ج) وكانت شرائعهم تقضي أيضا بأن تحرق الزوجة نفسها مع زوجها إذا مات، وقيل إنهن في الهند كن يفعلن هذا حتى إن الزوجة تتحايل وتتظاهر بالموت لتحرق مع زوجها، إلى أن منعتهن بريطانيا من ذلك زمن احتلالها للهند.
وسبب هذه الإهانة للمرأة في القوانين الهندية بينه قانون "مانو" بقوله: "إن مانو عندما خلق النساء فرض عليهن حب الفراش والشهوات الدنسة والتجرد من الشرف وسوء السلوك، فالنساء دنسات، وهذه قاعدة ثابتة عندهم".
وفي القانون الروماني كما في الألواح الإثني عشر أن المرأة لا أهلية لها، لأن أسباب انعدام الأهلية عندهم هي: (صغر السن – الجنون – الأنوثة)، وفيه أن رب الأسرة يحق له أن يبيع زوجته وابنه وابنته كما يحق له أيضا النفي والتعذيب، بل والقتل إذا شاء، أي كما تذبح واحدة من غنمك أو تبيعها.
وفي القانون اليهودي: عند بعض فرقهم البنت بمنزلة الخادم ولأبيها أن يبيعها، ولا إرث للزوجة ولا للبنت.
وفي قانون الأحوال الشخصية في إسرائيل: "إذا توفي الزوج ولا ذكور له من زوجته فإنها تصبح زوجة لشقيق زوجها أو لأخيه من أبيه، ولا تحل لغيره إلا إذا تبرأ منها"، كما نصت عليه التوراة، وعندهم الحائض نجسة لا تلمس ولا تلمس إلى أن تطهر وتضع خرقة حمراء على فراشها.
وعند النصارى ليس في الإنجيل أي نص ينظم الحياة الاجتماعية، ولذا يعتمد أتباعه على ما جاء في التوراة، ويخالفون اليهود في طهارة الحائض.
لا يزال حق المرأة مهضوما في الدول الغربية رغم مناداتهم الكاذبة بإنصاف المرأة فهي مظلومة في احترامها، ومهضومة في تكليفها بالعمل والاكتساب، وكانت المادة (213) من القانون الفرنسي تقضي بإلزام المرأة طاعة زوجها وأن تسكن معه حيث يسكن، كما يقضي هذا القانون بإلزام الزوجة بعدم التصرف في أموالها إلا بإذن كتابي من زوجها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وآخر تعديل للقانون سنة 1942م هو الإذن الضمني بأن تثبت أن الأموال التي تتصرف فيها ليست ملك لزوجها، ولا هي من الأموال المقدمة منها للمساهمة في نفقات الأسرة، ولا هي من الأموال المختلطة بين الزوجين.
وقال "هربرت سبنسر" في كتابه (علم الاجتماع): "إن أوربا حتى القرن الحادي عشر الميلادي كانت تعطي الزوج الحق في أن يبيع زوجته، فجعلت حق الزوج قاصرا على الإعارة والإجارة وما دونها".
وفي إنجلترا يسمح القانون ببيع الزوجة حتى سنة 1805م، وكان الثمن محددا بست بنسات آنذاك، وقد حدث أن باع رجل إنجليزي زوجته سنة 1931م بخمسمائة جنيه، وفي مرافعات المحكمة قالوا له إن قانون بيع الزوجات قد ألغي سنة 1805م، وأخيرا حكمت عليه المحكمة بالحبس عشرة أشهر.
وفي القرن الخامس انعقد مجمع ماكون المسيحي المقدس للنظر في حقيقة المرأة هل هي جسم بلا روح، أم لها روح كالرجل، وكان قرارهم أن المرأة لها روح شريرة غير ناجية من العذاب، عدا أم المسيح.
وصرح بعض علمائهم بأن أجسام النساء خطيئة ومن عمل الشيطان وأنه يجب لعنهن!!
وفي سنة 586م انعقد مؤتمر في فرنسا للبحث هل المرأة من البشر أم لا؟ وخرج القرار أنها إنسان خلق لخدمة الرجال فقط. كما أنه في الدول الغربية تفقد المرأة اسمها وحريتها ونسبتها إلى أبيها بمجرد الزواج إذ تنتسب إلى زوجها (1).
وفي عصور أوربا المتأخرة أصبحت مشكلة كبرى تتطلب حلولا وقام الخادعون لها بالدعوة إلى حرية المرأة، ومساواتها بالرجل .. فهل نالت الحرية فعلا؟!! وهل حصلت على المساواة؟!!
أما الحرية التي يمنون بها على المرأة فهي حرية زائفة عبر عنها المتظاهرون في الصين حينما كانوا يصيحون "لا حرية عندنا إلا في الجنس"، فقد فتحوا لها باب الحرية الجنسية على مصراعيه تعاشر من تريد وتترك من تريد، وأعطوها حرية التبرج والرقص لتكون في متناول أيديهم، وأعمالا أخرى دون طموح كثير من النساء الشريفات، كما أعطوها حرية العمل لكي تكدح وتتعب مثل ما يكدح الرجل، وحملوها بأعمال هي من طبيعة الرجال، ولم يرحموا نعومتها وتكوينها الجسدي، ولهذا كثرت شكاوى النساء في مجتمعاتهم من قساوة الرجال وغلظ طباعهم، كما شكين من إرهاقهن بالعمل المضني، وشكين من اختفاء العاطفة الأسرية ومجابهة الشدائد كل واحدة بمفردها وجها لوجه، وما أكثر المنتحرات احتجاجا على سوء أوضاعهن، وتبين لهن أن المناداة برفع مستوى المرأة والعناية بها والتملق لها إنما هو موجه إلى من كان عليها مسحة من ملاحة، وأما اللواتي لم يحظين بالجمال والرشاقة والحيوية فالويل لهن، وعليهن أن يندبن حظهن. تقول إحدى الموظفات في أحد مطارات أوربا (2) إني لأعجب من الإسلام كيف جعل أتباعه يهتمون بالمرأة إلى حد أن الأخ يؤثر أخته ويدافع عنها ولو أدى إلى موته، ثم قالت وأنا لي أخ لا يراني أحيانا إلا في السنة مرة، وقد يسلم بيده من بعيد ويمضي.--------------------------------------------
(1) بتصرف عن كتاب ((مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية)) - سالم البهنساوي.
(2) سمعت هذا الكلام، وقد رواه أحد الدعاة في الراديو، وقد حصل له هذا الموقف شخصيا حينما أعطته تلك الموظفة تذكرة سفر له ولزوجته وأخرت أخته لعدم وجود مقعد، فامتنع عن السفر، فسألته في دهشة ولماذا ترفض إلا السفر بأختك؟ فقال لها هكذا يأمرنا ديننا، فاستفسرت عن هذا الدين، فشرح لها الداعية المسلم الدين ونظرته إلى الأسرة، فتأثرت جدا وقالت له: لا أريد أن أؤخركم عن السفر، وأعطتهم جميعا تذاكر، وطلبت منه أن يرسل لها كتبا إسلامية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
أما زعمهم المساواة بين الرجل والمرأة، فلها قصة قديمة، وذلك أن المرأة كانت تعمل إلى جانب الرجل، ولكنها كانت تأخذ أجراً أقل منه لضعفها عن الجهد الذي يبذله الرجل، واستمر الحال إلى أن نبهت – أو تنبهت – المرأة إلى هذا الغبن فطالبت بمساواتها بالرجل في الأجرة واستمر الطلب وقوي مع مرور الوقت، ومن هنا نشأ طلب المساواة بين الرجل والمرأة.
ثم تُنُوسي أساس الطلب وتطلعت المرأة إلى أبعد من ذلك، فإذا بها تدفع إلى ما لا يتفق وفطرتها وطبيعتها وشمخت بأنفها وأخذ الغرور منها كل مأخذ وظنت أنها مثل الرجل تماما فقلدته ومسخت أنوثتها، حلقت رأسها وأبعدت عنها الحلي، الذي أخبرنا الله تعالى أن المرأة تنشأ فيه، وقلدته في الصوت والمشية والحركات فكانت هي الخاسرة من حيث لا تشعر إذ نظر إليها الرجل على أنها لحم على ظهر وضم، فأعرض عنها واستهان بها فأخذت هي التي تبادله بالمغازلة ومراودته عن نفسه، ولم يبق لها عرق واحد ينبض بالحياء، وذلك عند الكثيرات في ظل هذا التيار الجارف.
إلى أن اكتشفت بعض العاقلات الحالة على حقيقتها، فهالها الغبن الفاحش الذي وصلت إليه المرأة على أيدي ثعالبة الشر، وأن الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في كل شيء إن هي إلا مهزلة ونفاق وخدع لا حد لها، وأنه يستحيل أن تتساوى المرأة والرجل الذي لا يحس بما تحس به المرأة في الحمل والولادة، وضعف القوى في المرأة وما تتعرض له من تقلبات نفسية ومواقف وشدائد فوق ما تتحمله من أعمال كلفها بها الرجل تنوء بكاهلها وتعجل لها الهرم والشيخوخة أبعدتها عن الزوج المؤنس والأولاد الذين يجلبون لها السرور والهدوء والراحة في بيتها وأخرجتها إلى عالم الصخب والضجيج وهدير الآلات والمشاكسات التي تحصل عادة بين أرباب العمل.
وإذا كان ما قدمنا عن حال المرأة في أوربا والدول التي تدعي التقدمية والحضارات غير العربية السابقة، فماذا عن المرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام وبعده؟
الواقع يدل على أنها في الجاهلية لم تكن شيئا يذكر، وإن كان حالها أحسن حالا من المرأة عند الأمم الأخرى، لأن تقاليد العرب في المروءة والشهامة كانت تحتم حماية المرأة والذود عنها، ومع ذلك فقد هضمت في جوانب عديدة سنذكرها فيما يلي مقارنة بحاله في الإسلام. –
مقارنة بين حال المرأة في الجاهلية وحالها في الإسلام:
تبين لنا مما تقدم أن المرأة في الإسلام لم تكن تشكل قضية تتطلب الحلول أو احتدام الخلاف حولها، وذلك لوضوح أمرها، فلها مكانتها ولها حقوق وعليها حقوق وواجبات وأمور أخرى ستراها أخي القارئ من خلال عرض حالها فيما يلي:
ولادة البنت في الجاهلية وفي الإسلام: يعرف القارئ الكريم أن الجاهليين كانوا يكرهون ولادة البنات ويتبرمون منها ويسود وجه أحدهم من الغيظ ويختفي عن مقابلة الناس حياء من ولادة البنت، ثم يأخذ في التفكير العميق هل يبقيها حية تتجرع أنواع الإهانة حتى تموت أم يعاجلها بالعقوبة فيدفنها في التراب حية دون أدنى مبالاة، وقد وصف الله هذا الحال بقوله تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ، وبعد هذا قال الله تعالى في الحكم عليهم: أَلَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ [النحل:58، 59]، إنها إساءة إلى الله تعالى، وإلى أم المسكينة، وإلى تلك المسكينة التي وجدت من دون اختيارها، وإلى المجتمع كله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وقال تعالى: عن دسها في التراب – أي دفنها حية -: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8 - 9]، وهو تهديد شديد، ويعود سبب تلك الكراهية لها إلى أن حياة الجاهلية كانت قائمة على الغارات والسلب والنهب، والبنت لا تستطيع ذلك فكرهوا ولادتها وتعللوا بخوف العار.
2 - كان حكم الجاهلية يقضي بأن المرأة لا إرث لها من مال والديها ولا أحدا من أقاربها، بل الذي يختص بالمال كله هو الرجل فقط، ولكن حكم الله تعالى: لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [النساء:7] فجعل المرأة ترث من المال مهما كان قليلا أو كثيرا بقدر نصيبها الذي بينته السنة أتم بيان.
3 - كانت المرأة تورث كالمتاع أو كالحيوانات التي يتركها الميت لورثته، هكذا حكم الجاهلية، ولكن حكم الإسلام يختلف تماما إذ حكم بأن هذا لا يحل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا [النساء:19].
4 - كانت المرأة تعامل كقطعة من جماد لا اهتمام بها ولا نظر لمشاعرها، فقد كان الرجل يجمع بين الأختين في الزواج دون أي اعتبار لما تحس به كل منهما من الغيرة والتعذيب النفسي، ولكن الله في القرآن الكريم جعل هذا العمل من المحرمات المؤبدة في حياة كل منهما تحت رجل واحد، حيث قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:22] إلى أن قال تعالى وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:23].
5 - كانت المرأة لا تملك الانفصال عن زوجها ولو طلقها مائة مرة، فجعلها الإسلام طلقتين فقط، وفي الثالثة تنتهي عشرتها مع زوجها.
6 - كان الرجل يعدد الزوجات حسب ما يريد، فجعلها الإسلام أربعا فقط مع أمن الجور والاستطاعة الكاملة.
7 – كانت المرأة لا رأي لها في اختيار الزوج الذي تريد، بل تزوج مكرهة.
8 - كانت المرأة إذا مات عنها زوجها ينكحها ولده من غيرها دون أي اعتبار لما كانت تتمتع به في حياة زوجها من منزلة ودون اعتبار لزوجة الأب التي هي بمنزلة الأم، فأبطل الله هذه الفعلة القبيحة وحرمها بقوله تعالى وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً [النساء:22].
ثلاث صفات قبيحة لهذا السلوك البهيمي.
9 - كانت المرأة التي تقع أمة لشخص بأي سبب تقهر وتهدر كرامتها، بل تصبح سلعة رخيصة معروضة إذ كان سيدها يكرهها على البغاء ليثرى على حساب عفتها، فأبطل الله ذلك فقال تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:23] فحرم الله ذلك السبيل الجائر إلى الأبد.
كما أنه لم يكن للمرأة أي حقوق أو دور مع الرجل في الأمور المهمة، فلا يسمع لها رأي، ولا يقام لها وزن، وإنما هي لمتعة الرجل فقط، فجاء الإسلام الذي أعطى المرأة حقوقا لم تنلها في حياتها لا من قبل ولا من بعد في غير الإسلام، فقد بين الله في كتابه الكريم وفي سنة نبيه أن المرأة هي بخلاف ما كانت تتصوره الجاهلية، فهي تماما مثل الرجل في أشياء كثيرة تأملها فيما يلي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
أولاً: أصل الخلق: تحدث الله في القرآن الكريم عن الأصل الذي تكاثر منه الإنسان وجعل المرأة شريكة الرجل في تكوين ذلك الأصل وجعله نعمة توجب على الإنسان التقوى والمراقبة، قال الله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13]، وأن الذكر والأنثى خلقا من نفس واحدة، قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً [النساء:1].
ثانيا: أن كلا من الرجل والمرأة سواء في اعتبار كل منهما هبة ومنحة من الله تعالى، قال تعالى لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49 - 50].
ثالثا: سوى الله في القرآن الكريم كذلك بين الرجل والمرأة في الاستقلال في المسئولية الشخصية، وهذا يتمثل في الأمور الآتية:
1 - تحميل المرأة مسئولية تصرفها في الدنيا كالرجل سواء بسواء، قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَ بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة:38].
2 - ترتيب الجزاء في الآخرة على العمل الفردي من الرجل والمرأة طاعة كان أو معصية، قال تعالى عن الطاعة: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ [آل عمران:195].
وبالنسبة للمعصية قال تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:73].
3 - سوى بينهما في إباحة كسب المال بالطرق المشروعة رغم اختلاف طبيعتهما وأرشد كلا منهما إلى تحري الفضل والخير من الأموال بالعمل دون التمني والتشهي، وأنه ليس للرجل أن يسلب المرأة مالها ولا العمل الذي يتناسب مع طبيعتها، كما أنه ليس للمرأة أن تطمع فيما وراء مؤهلاتها الطبيعية، قال تعالى: وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32].
ومعنى ما فضل الله به بعضكم على بعض: أي تمني النساء أن يكن رجالا أو تمني بعضكم أموال البعض الآخر.
4 - سوى بينهما في استحقاق الإرث بحكم الصلة التي تربط كلا منهما بالموروث، فقال تعالى لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [النساء:7].
وبهذا أبطل ما كان متعارفا عليه قبل الإسلام من حرمان المرأة والصغير من الميراث، وإن كان نصيب الرجل أكثر من المرأة في الميراث، فذلك لما كلفه به الإسلام من النفقة عليها والقيام بشؤونها، وعلى هذا فإن نصيب المرأة وإن كان يبدو قليلا لكنه كثير، إذ أن ما تأخذه سيكون باقيا لها بخلاف الرجل فإن ما يأخذه سيذهب في الإنفاق على النساء وعلى كل من يعول الرجل، فقليل يبقى خير من كثير يزول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
5 - وسوى بينهما في توجيه الخطاب عندما تحدث عن الآداب العامة ووجوب مراعاتها مثل غض البصر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء المرأة لزينتها، فقال تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:30 - 31]
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].
وسوى بينهما في التكافل الاجتماعي، فاعتبر المرأة طرفا مساويا للرجل، ولها نفس التأثير وعليها نفس التبعة، يقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].
وسوى بينهما عندما هدد من يعمل على إيذاء المؤمنين والمؤمنات، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب:58].
وسوى بينهما في طلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وسلم لكل منهما، قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد: 19].
ومن تكريم الله للمرأة ولطفه بها أن أوجب الإسلام على الرجل أن يقوم بالإنفاق على وليته، والزوج على زوجته، فهو مسئول عن مسكنها وكسوتها ومطعمها ومشربها على قدر طاقته، قال تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق:7]، وهذا بخلاف البهائم فإن الأنثى هي التي تقوم بالإنفاق على نفسها وعلى أولادها. ومن تكريم الله للمرأة أن جعل الرجل قيما عليها ومسئولا عنها، فهو الذي يقوم بكل ما تحتاج إليه مما لا تقدر عليه، وقد جعل الله للرجل درجة عليها ليقوم بالتوجيه والإرشاد، قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، ولم يقل سبحانه "بما فضلهم عليهن"، ولعل ذلك إشارة إلى أن هذا التفضيل ليس إلا كتفضيل بعض أعضاء الجسم على بعضها الآخر دون أن يكون ذلك احتقارا للمفضول كتفضيل اليد اليمنى على اليد اليسرى مثلا، أو كتفضيل العقل على البصر، ونحو ذلك مما اقتضته الحكمة الإلهية (1).
ومن تكريم الله للمرأة في الإسلام كذلك أن جعلها راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، ومنحها كل الحقوق التي تليق بطبيعتها وبما يقوم به صلاحها، ولقد شهد الكثير من الكفار أن الإسلام أعطى المرأة فوق ما كانت تحلم به، وأنها سعيدة جدا في ظل حضارته الوارفة.--------------------------------------------
(1) ([24]) بتصرف واقتباس عن كتاب ((نعم الله في خلق الإنسان كما يصوره القرآن))، (ص110 – 117).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
هذا هو الوضع السليم للمرأة في الإسلام، وظلت على هذا الخير إلى أن جاءت الحضارة الغربية الجارفة فإذا بالمرأة تخدع عن هذا الخير وتنزل إلى الحضيض دون أن تشعر حيث نفخوا في روعها أن الحشمة والعفة والحجاب وبيت الزوجية والاقتصار على تربية الأولاد فقط في داخل بيتها وعدم مشاركتها الرجل في العمل جنبا إلى جنب نفخوا في روعها أن كل هذا وما يشبهه من مظاهر عدم انفلات المرأة، أنه تأخر ورجعية إلى الوراء، وأن اقتحام المرأة كل ميدان هو التقدم، فالرقص والاختلاط، وكشف العورة، ونبذ الحياء، كله أدلة قوية على السير في الطريق العلماني السليم بزعمهم، طريق تقدم المرأة وحريتها في ظل الحضارة اللادينية.
وما نسمعه اليوم من المناداة الملحة في أكثر البلدان الإسلامية إلى تقديم المرأة وإلى دخولها في الحكم أقوى دليل على أن النية مبيتة، بل إن البلدان الإسلامية أصبح الحكم عليها بالتقدم أو التأخر عند الغرب يقاس بمدى استهتار المرأة بكل القيم الفاضلة ونبذ الحجاب والانفلات عن الدين.
وانهالت على المرأة المدائح تلو المدائح لجرأتهن على اقتحام الميادين التي كانت للرجال، وأخذ الكتاب والمفكرون في الصحف والإذاعة والتلفزيون وكل وسائل الإعلام يطالبونهن بالمزيد من هذه الجرأة التي لا حد لها عندهم حتى تصورت أنها علت فوق منزلة الرجل وظنت أنها وصلت إلى خير، بينما هي في الواقع مظلومة ظلما فاحشا في ظل هذه الحضارة اللادينية، فأصبحت تعاني من الهموم والمتاعب وإرهاق العمل مثل ما يعانيه الرجل، رغم طبيعتها الضعيفة، وقد أدركت كثير من النساء زيف تلك الدعايات الكاذبة التي بهرجها دعاة تحرير المرأة، وجأرت كثير من نساء العرب المثقفات بالشكوى من وضعهن، وتمنين لو أنهن يعشن عيشة النساء المسلمات كما صرحن بذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وعن الحياة التعيسة التي تعيشها المرأة الأوروبية بعد أن زج بها أدعياء الحضارة والتقدم من العلمانيين اللادينيين في كل معترك الحياة، وبعد أن أصبحت سلعة معروضة بأرخص الأسعار، لا هم لها إلا استرضاء الرجل، وهو أيضا لا هم له إلا الاستمتاع بها إن كانت ذات جمال وكمال، والويل لها إن لم تكن كذلك. عن تلك الحياة التعيسة تقول الكاتبة الإنجليزية " آني رود ": " إذا اشتغلت بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد. أيا ليت بلادنا كبلاد المسلمين حيث فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء الخادمة والرقيق الذين يتنعمان بأرغد عيش، ويعاملان معاملة أولاد رب البيت، فلا يمس عرضهما بسوء. نعم إنه عار على بلادنا الإنكليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطتهن للرجال، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية كما قضت بذلك الديانة السماوية وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها " (1).وتقول الكاتبة " اللادي كوك": "إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، ولا يخفى ما في هذا من البلاء العظيم على المرأة. فيا أيها الآباء لا يغرنكم بعض دريهمات تكسبها بناتكم باشتغالهن في المعامل ونحوها ومصيرهن إلى ما ذكرنا، فعلموهن الابتعاد عن الرجال إذ دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من الزنا يعظم ويتفاقم، حيث يكثر الاختلاط بين الرجال والنساء، ألم تروا أن أكثر أولاد الزنا أمهاتهن من المشتغلات في المعامل ومن الخادمات في البيوت، ومن أكثر السيدات المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، ولقد أدت بنا الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصوره في الإمكان حتى أصبح رجال مقاطعات من بلادنا لا يقبلون البنت ما لم تكن مجربة، أعني عندها أولاد من الزنا فينتفع بشغلهم، وهذا غاية الهبوط في المدنية، فكم قاست هذه المرأة من مرارة الحياة حتى قدرت على كفالتهم، والذي اتخذته زوجا لها لا ينظر لهؤلاء الأطفال ولا يتعهدهم بشيء يكون ويلاه من هذه الحالة التعيسة نرى من كان معينا لها في الوحم ودواره والحمل وأثقاله والفصال ومرارته " (2).وتقول " أجاثا كريستي " أشهر كاتبة إنجليزية للمؤلفات البوليسية: " إن المرأة الحديثة مغفلة، لأن مركزها في المجتمع يزداد سوءا يوما بعد يوم، فنحن النساء نتصرف تصرفا أحمقا لأننا بذلنا الجهد الكبير في السنين الماضية للحصول على حق العمل والمساواة في العمل مع الرجال، والرجال ليسوا أغبياء، فقد شجعونا على ذلك معلنين أنه لا مانع مطلقا من أن تعمل الزوجة وتضاعف دخل الزوج، ومن المحزن أن نجد بعد أن أثبتنا نحن النساء أننا الجنس اللطيف، أننا نعود اليوم لنتساوى في الجهد والعرق الذي كان من نصيب الرجل وحده " (3).--------------------------------------------
(1) ([25]) ((الإسلام روح المدنية)) – مصطفى الغلاييني – (ص211). نقلا عن ((العلمانية)) د. سفر (ص419).
(2) ([26]) ((الإسلام روح المدنية)) – مصطفى الغلاييني – (ص420). نقلا عن ((العلمانية)) د. سفر (ص419).
(3) ([27]) مجلة ((الاعتصام)) – العدد 3 – السنة 41/ 1398هـ - عن ((العلمانية)) (ص435).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وفي استفتاء لمعهد غالوب في أمريكا تقول النتيجة: " إن المرأة متعبة الآن، ويفضل 65% من نساء أمريكا العودة إلى منازلهن: كانت المرأة تتوهم أنها بلغت أمنيتها في العمل، أما اليوم وقد أدمت عثرات الطريق قدمها، واستنزفت الجهود قواها فإنها تود الرجوع إلى عشها لاحتضان أفراخها (1).بل وصل الحال بدعاة العلمانية الغربية إلى أن يعتبروا الفضائل رذائل، والعفة مشكلة فقد " انزعجت السلطات التعليمية في اسكوتلانده بسبب موجة الزواج التي تعصف بالمدرسات، فقد تبين أنه خلال عام 1960م عينت 1463 مدرسة في اسكوتلانده، وفي نهاية العام تركت ألف منهن الوظيفة للزواج، وقالت السلطات إن الزواج يهدد النظام المدرسي " (2).
وهؤلاء الذين ينزعجون من تزويج النساء يشابهون انزعاج قوم لوط حينما دعاهم عليه السلام إلى الطهارة والعفة، فاعتبروا دعوته جريمة، كما قال تعالى مخبرا عن ذلك: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ النمل [:56].
وكان لوقوف دعاة الشر في وجه فطرة المرأة آثاره السلبية، فقد ارتفعت نسبة الانتحار بين النساء في تلك المجتمعات، وارتفعت نسبة الطلاق بينهن، بل وارتفعت نسبة السرقات بين النساء دون أن يكن في حاجة إلى المال، وإنما إلى الانتقام من المجتمع الذي أوصلهن إلى تلك الحالة التعيسة. أقدمت الممثلة الشهيرة "مارلين مونرو" على الانتحار رغم بهرجة الحياة التي كانت ترى عليها، وقد كتبت قبل أن تنتحر هذه النصيحة لبنات جنسها تقول فيها: "احذري المجد .. احذري من كل من يخدعك بالأضواء، إني أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أما، إني امرأة أفضل البيت والحياة العائلية الشريفة على كل شيء .. إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة، بل الإنسان .. "، وتقول في النهاية: " لقد ظلمني كل الناس، وإن العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة" (3).وقد كتب بعض الأطباء في " فيينا " تقريرا عن نسبة محاولات الانتحار بين الفتيان والفتيات قال فيه: "وقد لوحظ أن النساء أكثر محاولة من الرجال، ففي عام 1948م كان عدد المحاولات من النساء 381، وهذا يوافق 61ر58% من المجموع، وفي عام 1956م كان العدد 590 أي بنسبة 73ر56%، وفي عام 1959م كانت النسبة 92ر55%، كما لوحظ أن نسبة المحاولات من الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين 14 عاما، و20 عاما ترتفع باستمرار، فعند الفتيان كانت النسبة في عام 1948م 5ر6%، وفي عام 1956م كانت 53ر6%، وفي عام 1959م كانت 81ر6%. وأما عند الفتيات فالتصاعد مخيف، ففي عام 1948م حاولت 50 فتاة الانتحار، وهذا يشكل نسبة 69ر7% من مجموع محاولات الانتحار في ذلك العام، وفي عام 1956 حاولت 89 فتاة الانتحار، وهذا يشكل نسبة 55ر8%، وفي عام 1959م حاولت 150 فتاة الانتحار، وهذا يعني نسبة 20ر14%، وهذا يعني أن كل تسعة أيام توجد ست محاولات انتحار، أربع منها من جانب الفتيات، واثنتان من جانب الفتيان" (4).
وقالت إحدى الكاتبات الألمانيات: " أتمنى أن أعيش مع رجل ناجح حتى ولو كانت له عشر زوجات " لأنها لا تعرف أن للرجل أن يجمع بين أربع زوجات فقط في الإسلام عند حاجته لذلك.
ومع كل ما سبق فإنه من المؤسف ما تلاحظه – أخي القارئ – من استشراء ذلك الداء العضال الذي أصيب به الغرب في أخلاقهم وفي سلوكهم الاجتماعي، من المؤسف أن ينتقل ذلك كله إلى ديار المسلمين الذين أصبحوا أشبه ما يكونون بتلك القرية التي ضربها الله مثلا بقوله تعالى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل:112].
ومما يجدر التنبيه إليه قضية الفوارق بين الناس وما هو الصحيح في النظرة إليها.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 1/ 99--------------------------------------------
(1) ([28]) ((المرأة بين الفقه والقانون)) (ص259) – عن ((العلمانية)) (ص 435).
(2) ([29]) ((المرأة بين الفقه والقانون)) (ص257) – عن ((العلمانية)) (ص 435).
(3) ([30]) ((المرأة بين الفقه والقانون)).
(4) ([31]) ((المرأة بين الفقه والقانون)) (ص273).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)