إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني)القسم: أصول الفقه
الكتاب: إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه
[آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (19)]
المؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المُعَلِّمي اليماني (1313 - 1386 هـ)
المحقق: محمد عزير شمس
راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - عبد الرحمن بن حسن بن قائد
الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1434 هـ
قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 10 شوّال 1442
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
الرسالة الثالثة
إرشاد العَامِه إلى معرفة الكذب وأحكامه
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 173)
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد، فإنني لما نظرت في ما وقع من الاختلاف في العقائد والأحكام، ورأيت كثرة التأويل للنصوص الشرعية، تبين لي في كثير من ذلك أنه تكذيبٌ لله عز وجل ورسله، ثم رأيت في كلام بعض الغلاة ما هو صريح في نسبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، وفي كلام من دونهم ما يقرب من ذلك، ووقع التلبيس على أكثر المسلمين لالتباسٍ في حقيقة الكذب، فجرَّني البحث إلى تحقيق معنى الكذب، فرأيت أن أفرد ذلك في رسالتي هذه، وأسأل الله تعالى التوفيق.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 175)
الخبر
الخَبَر بفتحتين: الاسم من الإخبار، والإخبار: إفعالٌ، من الخُبْر بضم فسكون.
وقد اتفقوا على أن الخُبْر ــ بضم فسكون ــ العلم ببواطن الأمور، وعلى أن الأصل في همزة «أفعلَ» أن تكون للتعدية، فقضية هذا أن يكون معنى قولهم: «أخبرت فلانًا» جعلته ذا خبرٍ، أي ذا علمٍ بباطن. فالظاهر أن هذا هو الأصل، ولكن خُصَّ بما يكون بالقول.
وعلى هذا فالخَبَر ــ بفتحتين ــ كان ينبغي أن يخص بالقول الذي يحصل به جعْلُ المخاطب ذا خُبْرٍ ــ بضم فسكون ــ، فيختص بما يطابق الواقع، لكنهم توسعوا فيه، فأطلقوه على ما يخالف الواقع أيضًا.
وقال أهل العلم: الخبر ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.
وقال الراغب في «المفردات»(1): الخُبْر ــ بضم فسكون ــ العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر.
كذا قال! وهو عكس التحقيق، ومما يدفعه تسمية الله عز وجل نفسه خبيرًا، فتدبر.--------------------------------------------
(1) (ص 273).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 176)
الصدق والكذب
حكوا(1) عن أهل السنة والجمهور: أن الصدق مطابقة الخبر للواقع في نفس الأمر، والكذب عدم مطابقته له في نفس الأمر.
وحكوا عن النظَّام: أن الصدق هو مطابقة الخبر للواقع في اعتقاد المخبِر، والكذب عدم مطابقته له في اعتقاده.
وعن الجاحظ: أن الصدق مطابقة الخبر للواقع في نفس الأمر وفي اعتقاد المخبِر، والكذب عدم مطابقته له فيهما، وما دون ذلك لا يسمى صدقًا ولا كذبًا.
وذهب الراغب(2) إلى نحو هذا، إلا أنه قال: إن ما دون ذلك صدقٌ من جهةٍ، كذبٌ من جهةٍ.
وزعم بعض المتأخرين أن الصدق والكذب إذا نسبا إلى الخبر فكما قاله الجمهور، وإن نسبا إلى المخبر فكما قاله النظَّام.
والصواب مع الجمهور، لكن غلب في العرف أن لا يقال للكذب خطأً «كذب»، بل يقال: خطأ وغلط، إلا حيث يقصد نسبة المخبر إلى التقصير، أو يقصد التنفير عن اتباعه.
وعلى هذا يُحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: «كذب--------------------------------------------
(1) يراجع في هذا الموضوع: «شرح جمع الجوامع» للمحلي (2/ 111 وما بعدها) و «إرشاد الفحول» (ص 39، 40) و «شروح التلخيص» (1/ 173 وما بعدها).
(2) «المفردات» (ص 478، 479).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 177)
أبو السنابل»(1)، وبقية الأمثلة التي ذكرها ابن عبد البر(2) وغيره.
الخبر المحتمل لمعنيين أو أكثر
لم يتعرض أهل البيان عند كلامهم في تعريف الصدق والكذب لفرقٍ بين الخبر الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والخبر المحتمل لمعنيين فأكثر.
ووجه ذلك أن المحتمل لمعنيين مثلًا، إن كان احتماله لهما على السواء بدون رجحان، فذلك راجع إلى معنى واحد.
ألا ترى أنه لو كان لك أخوان غائبان، فجاءك رجل فقال: «مات أحد أخويك» كان هذا معنى واحدًا؟ فهكذا إذا قال ــ حيث لا قرينة ترجِّح أحدهما ــ: «مات أخوك». فهكذا الخبر المحتمل لمعنيين بدون رجحان.
وإن كان ظاهرًا راجحًا في أحد المعنيين، والآخر مرجوحٌ، فقد اتفقوا على أن المعنى الذي يجب أن يبنى عليه ويُحكم به هو الظاهر الراجح. فإذا قيل لك: «مات أخوك»، ولا قرينة، فالمعنى الذي يقضى به لهذا الخبر هو أن أخاك الحقيقي قد مات موتًا حقيقيًّا، ولا يلتفت إلى احتمال غير ذلك. فالصدق والكذب في هذا الخبر مدارهما على ذاك المعنى الظاهر الراجح.
ثم رأيت في «البيان والتبيين» للجاحظ (1/ 183(3) طبعة القاهرة سنة--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في «المسند» (4273) من حديث ابن مسعود، وأعلَّه في كتاب «العلل» (4795) بالإرسال.
(2) «جامع بيان العلم وفضله» (2/ 1102 - 1105). وانظر: «التمهيد» (9/ 289، 290).
(3) (1/ 337، 338) تحقيق عبد السلام هارون. والنص طويل، ولذا لم يثبته الشيخ ولم نثبته، فليراجع هناك.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 178)
1332) ما لفظه: «وسئل (ابن شُبرمة) عن رجل … كلامًا يطول»، فجَزْم النظَّام بأن ذلك كذبٌ ــ أي حيث لا قرينة ــ موافقٌ لما تقدم، وأما الجاحظ فإنه جزم بأن أدنى منازلِه أن لا يسمى صدقًا، وتوقف عن الجزم بأنه يسمى كذبًا.
وكأن علماء البيان لم يلتفتوا إلى هذا التوقف؛ لأن الجاحظ موافقٌ على أن الخبر إذا خالف الواقع ولم يعتقد المخبر مطابقته فهو كذب، وموافقٌ على أن المعنى الذي يُقضى به للخبر هو الظاهر الراجح، فلزمه الجزم بأن ذلك كذبٌ، فلا عبرة بتوقفه.
وقد يقال: لعله إنما توقف لأن هناك قرينة قد يعرفها بعض السامعين دون بعض، فلا يطلق على الخبر: كذب؛ لأن منهم من يعرف القرينة فلا يفهم خلاف الواقع، ولا يطلق عليه: صدق؛ لأن منهم من لا يعرف القرينة فيفهم خلاف الواقع.
فإن كان إنما لحظ هذا فلا نزاع في ذلك؛ فإن الخبر صدقٌ بالنظر إلى من يعرف القرينة، وكذبٌ بالنظر إلى من لا يعرفها، فليس بصدقٍ مطلقًا، ولا كذبٍ مطلقًا، والجمهور لا ينازعون في هذا.
إرادة المخبر وإضماره
إذا كان للخبر معنى ظاهر راجح، ويحتمل احتمالًا مرجوحًا معنًى آخر، وقد أراد المخبر عند بناء الخبر أن يكون كذلك= فلا ريب أنه أراد أن يكون المعنى الذي حقه أن يفهم من الخبر هو الظاهر الراجح، ثم قد يضمر في نفسه المعنى الراجح، وقد يضمر المرجوح.
ومعنى الإضمار: أن يخيّل لنفسه عند تلفظه بالخبر أنه يقصد به هذا
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 179)
المعنى أو ذاك، فإن أضمر الراجح فلا خفاء أنه إن كان هو الواقع فالخبر صدق، وإلا فكذبٌ. وإن أضمر المرجوح، فقد يكون خلاف الواقع، وقد يكون هو الواقع، فانظر فيما إذا كان خلاف الواقع، هل يصير الخبر كذبًا، وهل يَلزمُ المخبرَ قبحُ الكذب وذمُّه وإثمه؟
وذلك كأن تعلم أن والد زيد مات في ليلة ولم ينم فيها، فتُبكِّر إلى زيد قاصدًا أن تخبره خبرًا يكون ظاهره الراجح هو الواقع أي الموت، ويحتمل خلاف الواقع وهو النوم، فتقول له: مات أبوك البارحة، وتضمر في نفسك عند قولك: «مات» معنى «نام»، وليس هناك قرينة.
أقول: لا يخفى على من يتدبر أن هذا الإضمار لا يصير به الخبر كذبًا، ولا يلزم المخبرَ اسمُ الكذب ولا قبحه ولا ذمه ولا إثمه. نعم، قد يُكره له ذاك التخيل، كما يكره للرجل تخيلُ أنه يلابس معصية، هذا أشد ما قد يقال فيه.
ونظيره أن تَعمِد إلى عصير تفاح ــ مثلًا ــ تعلم أنه حلال، فتصبَّه في كأسٍ تُشبه في الجملة الكأسات التي يشرب الفجار فيها الخمر، وتخيِّل لنفسك أنه خمر، وتشربه مع ذاك العلم وذاك التخيل. أو تَعمِد إلى امرأتك فتكسوها ثوبًا يشبه في الجملة ثوبًا رأيته على أجنبية، ثم تواقعها عالمًا بأنها امرأتك، متخيلًا أنها تلك الأجنبية.
فهل يلزمك بهذا اسم شرب الخمر والزنا وإثمهما؟
فانظر الآن في عكس هذا، وهو أن يكون المعنى الظاهر الراجح من الخبر هو المخالف للواقع، والمعنى المرجوح مطابق للواقع، وأضمره المخبر، وذلك كأن يكون الواقع أن والد زيدٍ لم يمت وإنما نام، فقصدتَ زيدًا عازمًا على أن تخبره خبرًا يكون الظاهر الراجح منه هو الموت الذي تعلم أنه
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 180)
خلاف الواقع، ويكون محتملًا احتمالًا مرجوحًا لمعنى مطابق للواقع، وهو النوم، فقلتَ له: «مات أبوك البارحة»، وأضمرت في نفسك معنى «نام»، ولا قرينة. فهل تخرج بهذا عن اسم الكذب وقبحه وذمه وإثمه؟
ونظير هذا أن تعمد إلى خمر تعلم أنها خمر محرمة، فتصبَّها في قعبٍ وتشربها، مخيِّلًا لنفسك أنها حليب. أو تعمد إلى امرأة جارك وأنت بها عارف، فتلقي عليها ثوبًا من ثياب امرأتك، وتواقعها مخيلًا لنفسك أنها امرأتك. فهل يخرجك هذا عن اسم شرب الخمر والزنا وإثمهما؟
وبهذا يتضح أننا إن سمينا تخيل المتكلم للمعنى المرجوح إرادةً، فليست هي إرادة المتكلم التي ينبغي أن يُناط بها الحكم، وإنما إرادته التي ينبغي أن يناط بها الحكم هي إرادته عند بناء الخبر أن يكون ظاهرًا راجحًا في معنى، فإن كان يعتقد أن ذاك المعنى حق وصدق فلم يرد إلا الصدق، وإن كان لا يعتقد ذلك فقد أراد الكذب ولا بدَّ.
وقد حصل بيدنا مثالٌ للدعوى الباطلة، لكن إنما يظهر البطلان حيث يظهر عدم التأويل، وإنما يتم ذلك في مثالٍ غير صالح للتأويل، وذلك كأن تشير لصاحبك إلى حصاةٍ وتقول: «أرى أسدًا»، فهذه دعوى باطلةٌ وكذب.
أما البطلان؛ فلأن الحصاة لا تكون أسدًا حقيقة، كما هو واضح، ولا مجازًا؛ لفقد العلاقة المعتبرة التي يترتب عليها التأويل.
وأما الكذب؛ فلأن الخبر مخالف للواقع، لأن المجاز لا يصح، فيبقى اللفظ على حقيقته، أي أن الحصاة أسد حقيقي، وظهور بطلان هذا لا يوجب العدول عنه، إذ ليس هنا معدلٌ صحيح، فلا معنى للعدول عن باطلٍ
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 181)
إلى باطل.
نعم، قد يقال: الأشبه أن المتكلم لم يرد أن الحصاة أسد حقيقة، وإنما أراد أنها أسد مجازًا، جهلًا منه بوجه المجاز، وظنًّا لصحته في مثل ذلك، فإن احتمال الجهل المركب في هذا أقرب من احتمال دعوى أنها أسد حقيقة. وعلى هذا فالكذب بحاله، فإن حاصل الخبر: «أرى أسدًا مجازيًّا» وهذا أيضًا باطل، ومخالف للواقع.
وبالجملة، فهذا الاستعمال لا هو حقيقة ولا مجاز، فهو كما قال السعد في «المطول»(1): من قبيل ما لا يعتدُّ به، ولا يعدُّ في الحقيقة ولا في المجاز، بل ينسب قائله إلى ما يكره، كما صرح به في «المفتاح».
وقريب منه قول عبد الحكيم(2): كلامٌ لغوٌ لا يصدر عن عاقل، فضلًا عن أن يكون صادقًا أو كاذبًا.
أقول: فكأن السكاكي لاحظ ذلك فسمى نحو قولك ــ مشيرًا إلى حصاة ــ: «أرى أسدًا» دعوى باطلة، ولم يسمها كذبًا.
وقريب منه تفسير الشارح العلامة(3) للدعوى الباطلة بأنها ما يكون على خلاف الواقع.--------------------------------------------
(1) انظر «فيض الفتاح» (ج 2/ 160). [المؤلف].
(2) «فيض الفتاح» (ج 2/ 172). [المؤلف].
(3) المصدر السابق (4/ 152). والشارح العلَّامة هو القطب الشيرازي (ت 710).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 182)
وأما تفسير السيد(1) لها بالجهل المركب، فقد مر وجهه.
وأما ما سمّاه السكاكي كذبًا، فيحتاج بيانه إلى تمهيد.
فأقول: إذا قلت: «رأيتُ أسدًا»، وأضمرتَ في نفسك أن تريد بقولك: «أسدًا» رجلًا شجاعًا، ولم تنصب قرينة، فالخبر إنما يعطي أسدًا حقيقيًّا، وهذا مخالف لما أضمرته على كل حال.
ثم قد يكون الخبر مخالفًا للواقع في نفس الأمر وفي اعتقادك، كأن يكون الواقع أنك رأيت رجلًا شجاعًا، واعتقدت ذلك وتعمدت ترك القرينة، وقد يكون مخالفًا للواقع في نفس الأمر فقط، كأن تكون رأيت لصًّا رجلًا شجاعًا مختبئًا في غار بعيد، فعرفت ذلك وأردت الإخبار به، وظننت أن هناك قرينة والواقع أنه لا قرينة، أو تكون حسبته أسدًا حقيقيًّا، ولكن أحببت أن تخبر بأنه رجل شجاع، وغفلت عن نصب القرينة.
وقد يكون موافقًا للواقع في نفس الأمر فقط، كأن تكون رأيت أسدًا حقيقيًّا في غار، فعرفت ذلك، ولكن أردت الإخبار بأنه رجل شجاع، وغفلت عن نصب القرينة، أو حسبته رجلًا شجاعًا وأردت الإخبار بذلك، وغفلت عن نصب قرينة، أو حسبته رجلًا شجاعًا، ولكن أردت إيهامَ أنه أسد حقيقي، فتأولت في نفسك، وتركت نصب القرينة عمدًا.
وأغلب هذه الصور وقوعًا وأقربها إلى الاشتباه بالاستعارة هي الأولى، وهي كذبٌ عمدٌ.--------------------------------------------
(1) انظر «فيض الفتاح» (4/ 152).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 183)
فبنى السكاكي عليها فعبَّر بالكذب، وكذلك بنى عليها السيد الجرجاني، ففسَّر الكذب بالكذب العمد.
أما الشارح العلامة فكأنه لاحظ تلك الصور كلها، ورأى أن المشترك بينها جميعًا هو مخالفة الخبر لما في الضمير، أي للمعنى الذي يضمره المتكلم في نفسه، ففسر الكذب بذلك.
ثم جاء صاحب «تلخيص المفتاح»، فعدل عن عبارة «المفتاح»، إلى قوله(1): [والاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل ونصبِ القرينة على إرادة خلاف الظاهر].
والظاهر أنه بنى على تسمية الدعوى الباطلة كذبًا، وقد تقدم وجه ذلك، ثم ضم هذا الكذب إلى الذي سماه السكاكي كذبًا، فكأنه قال: والاستعارة تفارق الكذب الذي سماه السكاكي دعوى باطلة، والكذب الذي سماه كذبًا، بالتأويل والقرينة.
وعبارته تحتمل معنيين:
الأول: أن يكون أراد أنها تفارق الكذب الذي هو الدعوى الباطلة بالتأويل، وتفارق الكذب الآخر بالقرينة.
المعنى الثاني: أن يكون بنى على أن التأويل والقرينة متلازمان، إذا وُجِد أحدهما وجد الآخر، فالاستعارة تفارق كلًّا من الكذب بقسميه بكلٍّ من التأويل والقرينة.--------------------------------------------
(1) (ص 306 بشرح البرقوقي)، وانظر «شروح التلخيص» (4/ 68).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 184)
وبيان استلزام التأويل للقرينة ما نبه عليه شارحه السعد التفتازاني في الكلام على التأويل في المجاز العقلي، فإنه قال(1): «ومعنى التأويل: طلب ما يؤول إليه من الحقيقة، أو الموضع الذي يؤول إليه من العقل، وحاصله أن تنصب قرينة».
قال الدسوقي في حواشيه(2): «المراد ملاحظة الحقيقة أو الموضع ملاحظة يعتدُّ بها، وهي إنما تكون مع القرينة … ».
فالحاصل أن التأويل الذي يعتد به هو ما كان مع القرينة، فلا اعتداد بالتأويل الذهني الذي لا قرينة معه.
وأما استلزام القرينة للتأويل، فلأن القرينة هي الدليل الذي يمنع من إرادة المتكلم للظاهر، ويدل على إرادته غيره، وهذا إنما يتحقق في نحو قولك ــ مشيرًا إلى رجلٍ ــ: «أرى أسدًا»؛ لأمرين:
الأول: أن المخاطب يرى أنك عاقل لا تكابر ولا تعبث، فيبعد أن تريد أن الرجل أسد حقيقة.
الثاني: أن هناك مسوغًا واضحًا للتأويل، بأن تكون أردت أن الرجل شجاع، فشبهته بالأسد، وادعيت وتأولت على ما هو معروف.
فأما إذا أشرت إلى حصاةٍ قائلًا: «أرى أسدًا» فالأمر الثاني منتفٍ، وبانتفائه يضعف الأمر الأول.
فالمشاهدة والإشارة قرينة في المثال الأول؛ لأنها مانعة من إرادة--------------------------------------------
(1) انظر «شروح التلخيص» (1/ 234).
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 185)
الظاهر، دالة على إرادة غيره إرادةً سائغة، وليست في المثال الثاني كذلك.
فإن قيل: فإذا كان صاحب «التلخيص» بنى على تلازم التأويل والقرينة كما زعمتَ، فهلّا اكتفى بأحدهما؟
قلت: كأنه أراد أن ينبِّه على أن كلًّا منهما مقصودٌ لذاته، فالتأويل هو الذي يدفع الدعوى الباطلة، والقرينة كالشرط له، والقرينة هي التي تدفع الكذب، والتأويل كالشرط لها.
وذكر ابن السبكي في «جمع الجوامع»(1)
ما نُسب إلى بعض الظاهرية من نفي وقوع المجاز في الكتاب والسنة، فقال المحلي في شرحه(2): «قالوا: لأنه كذب بحسب الظاهر، كما في قولك للبليد: هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب. وأجيب بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة».
اعترضه بعضهم(3) بأن الذي يدفع الكذب هو القرينة، فكان ينبغي أن يقول: لا كذب مع وجود القرينة.
ويجاب عن هذا بأجوبة:
الأول: أن القرينة عند الأصوليين شرط، فالمراد اعتبار العلاقة على الوجه المعتدّ به، وإنما يكون ذلك بوجود الشرط، وهو القرينة.
الثاني: أن يقال: مراده باعتبار العلاقة اعتبارها من كلٍّ من المتكلم والمخاطب، فاعتبار المتكلم لها ملاحظته لها بالتشبيه والدعوى والتأويل،--------------------------------------------
(1) (1/ 308) بشرح المحلي ..
(2) المصدر السابق.
(3) هو البناني صاحب الحاشية على شرح المحلي في الموضع المذكور.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 186)
على ما هو معروف في علم البيان. وملاحظة المخاطب لها تصوره لها على حسب ذلك، ومعلوم أن المخاطب إنما يلاحظها إذا كان هناك ما يدل عليها، وهذا الدليل هو القرينة.
الثالث ــ وهو التحقيق ــ: أن الكذب الذي زعمه الظاهري إنما هو الكذب بحسب الظاهر، ومقصوده به ما يتراءى في نحو المثال الذي ذكره، وهو قولك للبليد: «هذا حمار».
والذي يتراءى هنا ليس هو الكذب الحقيقي، فإن العلاقة موجودة مشهورة، والقرينة واضحة، وهي المشاهدة والإشارة، فالسامع يعلم أن المتكلم لم يدَّعِ أن ذاك الإنسان حمار حقيقة، وإنما أراد وصفه بشدة البلادة، ولكنه مع ذلك يتراءى له أن لفظ الخبر مخالف للواقع؛ لأن الإنسان لا يكون حمارًا، وهذا الترائي لم يأت من غفلة عن القرينة، بل هي بغاية الوضوح، والسامع عارف لها، ولم يأت من عدم العلاقة، فإن العلاقة موجودة معروفة، وإنما يأتي من عدم ملاحظة العلاقة على ما ينبغي، بالتشبيه والدعوى والتأويل، على ما هو مشروح في كتب البيان.
فأراد المحلِّي أن المتكلم إذا اعتبر العلاقة على ذاك الوجه لم يكن الخبر كذبًا حقيقيًّا، ولا ظاهرًا، والسامع إذا لاحظ ذلك على ما ينبغي زال ما كان يتراءى له، فإن لم يلاحظ فمن تقصيره أُتي.
القرينة
أجمع أهل العلم على أنه لا بد للمجاز من قرينة، سواءً من قال منهم: هي ركن، ومن قال: هي شرط.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 187)
وأجمعوا أنه إذا لم يكن هناك قرينة فالكلام على حقيقته، وإن كان معناه الحقيقي مخالفًا للواقع فأهل السنة والجمهور يسمونه كذبًا، وغيرهم يشترط في تسميته كذبًا أن لا يكون المتكلم يعتقد أنه مطابق للواقع.
والقرينة الصحيحة هي الدليل الصحيح الذي يكون المتكلم عالمًا به وبدلالته على خلاف الظاهر، وبأن من شأنه أن لا يخفى على السامع.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 188)
المطلب الثاني(1)
في محطِّ المطابقة
المتكلم قد يعتقد الواقعة على ما هي عليه، وقد يعتقدها على خلاف ما هي عليه، ثم قد يريد أن يخبر بها على ما اعتقده، وقد يريد أن يخبر بها على خلافه، وقد يريد أن يكون الخبر صالحًا ولو على بعدٍ لما يعتقده، مفهمًا ظاهرًا لخلاف ما يعتقده.
ومدار الصدق والكذب إنما هو على الواقع في نفس الأمر من جهة، وعلى مدلول الخبر نفسه من الجهة الأخرى، فإن تطابقا فصدقٌ، وإلا فكذبٌ.
ومدلول الخبر هو ما حقُّه أن يفهم منه مع ملاحظة القرائن، فإذا سمعنا خبرًا، فنظرنا فيه، ولاحظنا القرائن فوجدناه مفهمًا لمعنى، فزعم زاعم أنه بذاك المعنى غير مطابق للواقع= كان بزعمه هذا زاعمًا أن الخبر كذب، وأن المخبر به كاذبٌ.
ولا يدفع هذا أن يقول: لعل المتكلم أراد بهذا الخبر غير ظاهره، ونقول له: إن كان المتكلم لم يجهل ولم يخطئ، فقد أراد ــ ولا بدَّ ــ أن يكون خبره هذا مفهمًا لما هو مفهم له، فإن كان مع ذلك تأول في نفسه معنى آخر فلا شأن لنا به؛ لأن الكلام إنما وضع للإفهام، وحق المتكلم أن يكون كلامه مع ما ينصبه من القرائن صورة مطابقة للمعنى الذي في نفسه.
ولا ريب أن الخبر إنما يطابق حق المطابقة ما أراد المتكلم أن يكون--------------------------------------------
(1) كتب قبله: «بسم الله الرحمن الرحيم».
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 189)
مفهمًا له، فهذا هو المعنى النفسي الذي حق أن يعتد به، وعليه ينبغي أن يحمل ما يقع في كلام أهل العلم «المراد كذا»، «لعل المراد كذا»، ونحو ذلك، ومن قال غير هذا فقد غلط.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 190)
المطلب الثالث
في المجاز
ليس المراد هنا الإفاضة في أحكام المجاز، وإنما نُلِمُّ منه بما يتعلق بموضوعنا على الاختصار.
اتفق القائلون بالمجاز على أن المجاز المفرد هو: «الكلمة المستعملة في غير ما وُضِعت له في اصطلاحٍ به التخاطب على وجهٍ يصح، وذلك بأن يكون بين المعنى الموضوع له والمعنى المستعمل فيه علاقة معتبرة»(1).
هذا أصح تعريف استقر عليه الأمر. وبقية التعريفات تحوم حول هذا المعنى.
ثم اتفقوا على أنه لا بد للمجاز من قرينة معتبرة، إلا أن كثيرًا من الأصوليين يجعلون القرينة شرطًا لصحة الاستعمال بقصد الإفهام، وصحة الحمل في فهم الكلام.
فعندهم أن من رأى إنسانًا مشؤومًا فقال: «رأيت غرابًا» مريدًا بالغراب ذاك الإنسان= كان هذا مجازًا، لكنه يجب على المتكلم إذا أراد الإفهام أن ينصب قرينة.
وكذلك لا يسوغ لمن يسمع آخر يقول: «رأيت غرابًا» أن يحمله على معنى «رأيت إنسانًا مشؤومًا» إلا إذا كانت هناك قرينة معتبرة.
وعُلم من هذا ــ مع ما تقدم ــ أن من لم ير غرابًا، ولكن رأى إنسانًا--------------------------------------------
(1) انظر «فيض الفتاح» (4/ 132) و «شروح التلخيص» (4/ 22 - 26).
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 191)
مشؤومًا، فقال مخبرًا لغيره: «رأيت غرابًا»، وأراد إنسانًا مشؤومًا، ولكن لم ينصب قرينة= يكون كاذبًا، ويكون الكلام كذبًا؛ لأن المعنى المفهوم منه غير مطابق للواقع.
وهؤلاء قد لا يذكرون القرينة عند تعريف المجاز؛ لأنها عندهم ليست ركنًا له، ولكن يعلم من مواضع أخرى من كلامهم أنه لا بد منها، على حسب ما ذكرنا.
ونقلوا عن الظاهرية منع وقوع المجاز في كلام الله عز وجل وكلام رسوله. قال المحلي في «شرح جمع الجوامع»(1): «قالوا: لأنه كذبٌ بحسب الظاهر، كما في قولك للبليد: هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب».
ثم قال: «وأجيب: بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة».
اعترضه بعضهم(2)، فقال: «إذا تأملت قول المجيب: مع اعتبار العلاقة، وقول المستدل: بحسب الظاهر= وجدت الجواب غير ملاقٍ للدليل، والمناسب سوق الدليل مجردًا عن قوله: بحسب الظاهر».
أقول: سوق الدليل مجردًا عنها لا وجه له؛ لأنها من كلام المستدل، فأنى يجوز للحاكي إسقاطها؟
ثم قال المعترض(3): «ثم الكذب لازم لإرادة المعنى الحقيقي،--------------------------------------------
(1) (1/ 308) مع حاشية البناني.
(2) هو البناني في حاشيته.
(3) أي البناني في الموضع المذكور.
(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 192)