أضرحة الشيوخ لبيت الله الحرام، من جعل الكسوة لها، وتحديد الحرم على مسافة معلومة بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم أصبح آمنًا، وسوق الذبائح إليها على هيئة الهدي، واتخاذ المواسم كل عام، وهذا وأمثاله لم يشرع إلا في حق الكعبة، ومن المناكير التي يجب أن تغير اجتماع القوم كل سنة للوقوف يوم عرفة بضريح عبد السلام ابن مشيش، ويسمون ذلك بحج المسكين، فانظر إلى هذه الطامة التي اخترعها هؤلاء العامة ((1).
فمن كانت هذه مقالاته فهل يستحق مدحًا أو منافحة؟
وإنك لتعجب من ابن عجيبة كيف يمدح الحلاج الذي اعتقد أن إبليس موحِّد، بقوله: "وما كان موحِّد في أهل السَّماء مثل إبليس"(2).
وابن عجيبة امتدادٌ لأولئك فلايستغرب منه ذلك، فالمعدن واحد، وكما قيل: الصوفية أهل بيت واحد وإن اختلفت عباراتهم.
فهؤلاء القوم تأثروا بفلسفات وأفكار إلحادية -والعياذ بالله- فجعلوا مقصودهم التشبه بصفات الله بحلولهم فيه -تعالى الله عمَّا يقولون- فزعموا أنَّ من أوليائهم من يتصرَّف في الكون(3)، أو ينطق بكن(4) قبل أن تكون--------------------------------------------
(1) ينظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 1/ 201، معلمة التصوف 1/ 209.
(2) طواسين الحلاج، ص 97.
(3) نقل الشيخ الألباني عن أحد الصوفية قوله: "ونراهم -يعني العامة- يحلفون بالأولياء، وينطقون في حقهم بما ظاهره الكفر الصراح، بل هو الكفر حقيقة بلا ريب ولاشك … فإن عندنا بالمغرب من يقول عن القطب الأكبر مولانا عبد السلام ابن مشيش: أنه الذي خلق الدين والدنيا! ومنهم من قال والمطر نازل بشدة: يا مولانا عبد السلام الطف بعبادك! فهذ كفر" وعلَّق الألباني على هذا بقوله: "فهذا الكفر أشد من كفر المشركين؛ لأنَّ هذا فيه التصريح بالشرك في توحيد الربوبية أيضًا، وهو مما لا نعلم أنه وقع من المشركين أنفسهم! وأمَّا الشرك في الألوهية فهو أكثر في جهال هذه الأمة، ولا أقول عوامهم". تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، ص 73.
(4) كقول ابن عربي: "ما ثمَّ إلا عبدٌ وربّ، والعبد لا يتميز عن الربِّ إلا بالافتقار، فإذا ذهب الله بفقره كساه حلَّة الصفة الربانية، فأعطاه أن يقول للشيء كن فيكون". الفتوحات المكية، لابن عربي 11/ 58، ينظر: شرح الآجرومية لابن عجيبة، ص 101.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 807)
الأشياء(1)؛
فقدسوا مشايخهم وأطاعوهم في غير طاعة الله ورسوله، فتفرقت بههم السبل، ولاذوا للطواف على قبورهم ومناجاتهم لكشف الكرب عنهم، فالحذر الحذر من هؤلاء القوم الذين لعب الشيطان بهم، وأخرجهم عن طريق أهل العلم، بزعمهم أنَّ الله عز وجل حالٌّ في كلِّ شيء، والأرض لا تخلو منه لكنه يظهرُ لخلقه في صور مختلفة في كل زمان غير الصورة التي ظهر بها في الزمان الذي قبله وفي الزمان الذي بعده، فلم يقدروا الله عز وجل حق قدره، وتكلموا فيه بكلام لا يوافق كتابًا ولا سنة، ولا قول الصحابة رضي الله عنهم، ولا قول أئمَّة المسلمين، فلا حُجَّة لهم فيما يدعون، ولا إمام من العلماء يتبعون فيما يفعلون(2).
وفي المقابل نجد أنَّ ابن عجيبة ذمَّ العلماء الذين يأخذون بظاهر النص مع وجوب العمل به، وهو بهذا يخالف أهل السُّنَّة وطريقتهم، بل ويحذِّر من الجلوس معهم فيقول: "والجلوس مع علماء الظاهر أقبح في حق الفقير … والله ما رأيت فقيرًا صحبهم فأفلح في طريق القوم أبدًا، فلا قاطع أعظم منهم، إلا من عرف بالتسليم لأهل النسبة، وقليلٌ ما هم"(3).
ويقول: "الجلوس معهم اليوم أقبح من سبعين عاميًا غافلًا، وفقيرًا جاهلًا؛ لأنهم لا يعرفون إلا ظاهر الشريعة، ويرون من خالفهم في هذا الظاهر خاطئ أو ضال، فيجهدون في رد من خالفهم، يعتقدون أنهم ينصحون، وهم يغشون، فليحذر المريد من صحبتهم والقرب منهم، ما استطاع، فإن توقف في مسألة ولم يجد من--------------------------------------------
(1) ينظر: جامع كرامات الأولياء 1/ 57 ..
(2) ينظر: الشريعة، ص 291، وكتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته على الاتفاق والتفرد 1/ 61، والتبصير في معالم الدين، ص 163، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة 3/ 197.
(3) الفتوحات الإلهية، ص 243.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 808)
يسأل عنها من أهل الباطن فليسأله على حذر، ويكون معه كالجالس مع العقرب والحيَّة، والله ما رأيت أحدًا قط من الفقراء قرب منهم، وصحبهم فأفلح أبدًا في طريق الخصوص"(1).
أمَّا بالنسبة للكتب فلقد زعم أنها سبب لتبديع الصوفية ورميهم بالكفر.
فيقول: "النظر في الكتب يضعف المسالك؛ لتشعبها وكثرتها عند اختلاف الهمم، لا سيَّما من جبلت طبيعته على علم الظاهر، فإنه أبعد الناس عن الطريق ما لم يتداركه الله بفتح منه؛ لأن التشريع كل حكمة تحتها حكم من لم يفهمها فبستانه مزهر غير مثمر، ومن هنا وقع الإنكار، حتى امتحن الله كثيرًا من الصوفية على أيدي علماء الظاهر، عندما نسبوهم للكفر والزندقة والبدعة والضلال، وسر الخصوصية يقتضي ذلك لا محالة"(2).
وهذا الذي سطره ابن عجيبة هو ديدن الصوفية الذين لقنوه لمريديهم منذ بداية سلوكهم في الطريق، فصوَّروا لهم علماء الشريعة بأنهم أعداء لهم حتى اعتقدوا أنه لا يصح منهم الاسترشاد ولا يقبل منهم نصيحة(3).
ولذا أعرضوا عن الكتاب، ونبذوا السُّنَّة وراء ظهورهم، وزهَّدوا الناس فيها، وانسلخ أقوام من حفظها ومعرفتها، فطعنوا في أهلها، ورموهم بالقبيح من القول والفعل، فكيف لمن لم يكن عالمًا بمعاني القرآن خبيرًا بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة رضي الله عنهم فقيهًا في ذلك عاملًا به أن يكون على صراط مستقيم!!(4).--------------------------------------------
(1) إيقاظ الهمم، ص 113.
(2) المرجع نفسه، ص 412.
(3) ينظر: الإبداع في مظاهر الابتداع، ص 309.
(4) ينظر: الانتصار لأصحاب الحديث، ص 42 - 45، العقيدة الأصفهانية، ص 165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 809)
المبحث الثاني: موقفه من طرقها
يرى ابن عجيبة أنَّ الصوفية وإن اختلفت مسالكها فأتباعها متفقون في الأصول والفروع، يقول: "كانت مذاهب القرَّاء خمسة وعشرين رواية، ثم تقررت في عشرة، وكانت مذاهب النُّحاة على مذهبين، بصري وكوفي، بخلاف مذهب الصوفية فهي متفقة في المقصد والعمل وإن اختلفت المسالك، فمرجع كلام القوم في كل باب لأحوالهم، وإلا فلا تنافي بين أقوالهم لمن تأمَّلها، وذلك بخلاف مذهب غيرهم، والوجه فيه أنَّ الحقَّ واحد، وطريقه وإن اختلفت مسالكها فالنهاية واحدة، والذوق واحد … ومذهب الصوفية هو الاتفاق في الأصول والفروع، أمَّا الأصول فنهايتهم الشهود(1) والعيان، وهم متفقون فيه؛ لأنه أمرٌ ذوقي لا يختلف"(2).
وقد تابع ابنُ عجيبة الهجويري(3) وهو من الأقطاب -عند الصوفية- فيقول: "ومهما كانوا -أي الصوفية- مختلفين في المعاملات والمجاهدات والمشاهدات والرياضات، فإنهم موافقون ومتفقون في أصول وفروع الشرع والتوحيد"(4).
وكلُّ من انتسب إلى الصوفية فقد وقع في البدعة؛ فانتسابه في حدِّ ذاته بدعة، فلا يوجد زهدٌ عند الصوفية بالمعنى الممدوح، وما يسمونه زهدًا بدعةٌ وانحراف، قال--------------------------------------------
(1) رؤية الحق بالحق، وحضور مرة بنعت المراقبة وأخرى بنعت المشاهدة، وأنه فيض من النور الإلهي ينغمس فيه الروح وينكشف به سر الخليقة، يسير فيه الصوفي من شهود الفعل إلى شهود الصفات، ثم شهود الذات. ينظر: عوارف المعارف، ص 528، التعريفات، ص 169.
(2) الفتوحات الإلهية، ص 64.
(3) هو: علي بن عثمان بن أبي علي الجلابي الهجويري، ولد سنة 380 هـ، له رحلات إلى الهند وتنقل فيها، ومن أشهر كتبه: كشف المحجوب، ولقد أُسر في لاهور على يد الهندوس، وتوفي فيها سنة 465 هـ. ينظر: الموسوعة الصوفية، ص 401، مقدمة كتاب كشف المحجوب 2/ 15 - 21.
(4) كشف المحجوب 2/ 403.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 810)
ابن تيمية رحمه الله: "فإنَّ المذاهب قد ظهرت بعد القرون المفضَّلة رويدًا رويدًا، وكان أصحابها الأولون قد انفردوا بما أتوا من الزهد والورع، الذي لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}(1) "(2).
وقال ابن أبي العز: "والرهبانُ وهم جُهَّال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمِّنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم والتعوض عن حقائق الإيمان بخُدع الشيطان وحظوظ النَّفس"(3).
ويقول أيضًا: "وأكثر المنحرفين من العبَّاد من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد"(4).
وقد مال ابن عجيبة إلى الطريقة الشاذلية وزعم أنها تسير بين الحقيقة والشريعة حتى يقع التمكين والاعتدال، بل قال زورًا وبهتانًا أنها هي التي تقوم عليها السَّاعة، وينزل عيسى ابن مريم ويجد منها خلقًا من حواريه(5).
فهو الداعي إلى الطريقة الدرقاوية(6) الشاذلية، وهو المتحدث باسم الدرقاوية، والمدافع عن مبادئها قولًا وفعلًا، وكتابة(7).--------------------------------------------
(1) سورة الحديد: 27.
(2) الصوفية والفقراء، ص 5، وينظر: مجموع الفتاوى 10/ 197.
(3) شرح العقيدة الطحاوية، ص 204.
(4) المرجع نفسه، ص 526.
(5) ينظر: الفتوحات الإلهية، ص 15.
(6) سيأتي الحديث عنها في مبحث مستقل من الكتاب.
(7) ينظر: إشكالية إصلاح الفكر الصوفي، ص 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 811)
فقد قال عن نفسه: "ولقد كنتُ حين دخلتُ في طريق القوم، وحصل لي الإذن من الشيخ في تذكير الناس نطوف عليهم في المداشر والقبائل نعلمهم الدين، وندلهم عليه، فعلت ذلك ثلاث سنين أو أكثر، وها نحن ما زلنا على ذلك … فنحن والحمد لله نُعلِّم الناس التوحيد الخاص في المداشر(1)، والقبائل، والمساجد، والجوامع لمن قدر عليه، ومن لم يقدر علمناه ما يقدر من توحيد الدليل، حتى يفتح الله سبحانه عليه في توحيد العيان"(2).
ولهذا كان من المهتمين بالطريقة الدرقاوية والداعين إليها وبلغ اهتمامه بها أنه كان يُنشئ مع كل دار له زاوية معمورة بالفقراء، ويخرج لهم الطعام في كل الفترات، ويجعل في كل زاوية فقيهًا، ومؤذِّنًا مرتاحًا(3).
وكان ابن عجيبة في الغالب موافقًا للانتقادات التي أبداها ابن البنا في منظومته في التصوف، والذي يعتبر ابن عجيبة أشهر شراحها.
فهذه طريقة قد درست … وشجر أغصانها قد يبست
كانت إذن مواردًا شريفة … فاستبدلت مذاهبًا سخيفة
قد أُسِّست على صحيحِ العقل … وأسُّها الآن بمحض الجهل
كانت تضاهي الكوكب المنيرا … والآن أضحت حائطًا قصيرا(4).
فلقد شرح ابن عجيبة البيت الأخير بقوله: "كانت طريقة القوم رفيعة القدر عالية الشأن تضاهي أي تشابه أو تحاكي الكوكب المضيء في الرفعة … والآن صار--------------------------------------------
(1) المداشر: كلمة مغربية تطلق على القرية الصغيرة، ينظر: الفهرسة، ص 16.
(2) الفهرسة، ص 76.
(3) الفهرسة، ص 87، طيب الأنفاس في تاريخ بعض زوايا وأضرحة فاس، ص 54 - 55.
(4) المباحث الأصلية، ص 349 - 350.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 812)
ينتسب إليها الأشرار والفُجَّار فتجد فيها هذا قائد وهذا باشا وغير ذلك، فمنهم من يتخذها حصنًا يتحصَّن بها من عواقب ظلمة يظن ذلك ينفعه بزعمه، ومنهم من يتخذها حرفة فصارت كالحائط القصير يتخطاه القوي والضعيف، وسبب ذلك عدم سقوطهم على شيخ التربية"(1).
ولكن ابن عجيبة لم يكن ليرتضي سحب هذا التعميم الذي قال به ابن البنا على سائر الطوائف الصوفية، فهو يقول: "لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّته، وشيخ التربية لا يخلو الزمان منه أبدًا؛ إذ لا يمكن أن يكون القطب إلا بعد التربية وهو لا تخلو الأرض منه كما هو مقرَّرٌ عند أهل الفن … "(2)، وتعتبر الطريقتان العيساوية والحمدوشية من الطرق الصوفية في عهد ابن عجيبة والتي ظهرت فيها بدعٌ أوضحت عن سذاجتها، فالطريقة العيساوية التي تنسب لمحمد بن عيسى الفهدي المكناسي، كان معظم اتباعها من العوام الذين كانوا يقومون بأعمال قبيحة، من افتراس لحوم الغنم والبقر قبل موتها بعد أن يبقروا بطونها ويمزقوا أحشاءها، فتتلوث أبدانهم وثيابهم بالدماء، ويأكلون تلك اللحوم الملوثة بها وبغيرها من الفضلات(3)، وكذلك طائفة الحمادشة التي تنسب إلى علي بن محمد حمدوش الشريف، والذي عرف بالجذب إلى حدِّ فقدان الوعي حيث يصير أحيانًا كالأسد يضرب الناس بكلِّ ما يقع بين يديه من حجارة أو آنية(4)، وانتسب إليه جماعة عرفوا بحمادشة مارسوا أعمالًا بدعية قبيحة فهم "يجلبون على رؤوسهم بالمعاول والفؤوس، فتسيل دماء رؤوسهم على وجوهم وثيابهم، وأرعبوا--------------------------------------------
(1) شرح المباحث الأصلية، ص 351.
(2) البحر المديد 2/ 271.
(3) ينظر: تاريخ تطوان 3/ 212، منهج ابن عجيبة في التفسير 1/ 78.
(4) سلوة الأنفاس 1/ 354.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 813)
النَّساء والأطفال، واعتقدوا بأنهم عابدون لله بهذه الأفعال"(1).
ولهذا يرى ابن عجيبة أنَّ هذه الطرق لا تتماشى مع أسس طريقته الدرقاوية، لأحياء أسس وأصول التصوف، كارتباط المريد بشيخ التربية، فيقول: "وقد ظهروا (أي شيوخ التربية) في زماننا هذا بعد اندراس(2) أنوار الطريقة، وخمود أسرار الحقيقة، فجدَّد الله بهم الطريقة، وأحيا بهم أسرار الحقيقة … "(3).
والحقيقة أنَّ الطرق الصوفية لا تخلو من الشرك، كعبادة بعض شيوخهم، والاستغاثة بهم، وعدم الاعتراف بالشَّرع الذي جاء به نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، إلى غير هذا من بدعهم الكثيرة، وكفعل بعضهم مع المريدين، حيث يقول: عليك أن تُسلِّم للشيخ حاله ومراده، وألا تعترض عليه، وأن تكون معه كالميت بين يدي الغاسل، فهذه كلُّها طرقٌ فاسدة، وكُلُّها ضالة(4).--------------------------------------------
(1) ينظر: تاريخ تطوان 3/ 212.
(2) اندراس: انمحاء واندثار، من اِنْدَرَسَ: اِمَّحَى، وانْدَثَرَ. ينظر: المعجم الوسيط 1/ 280.
(3) شرح المباحث الأصلية، ص 351.
(4) ينظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز 9/ 360.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 814)
المبحث الثالث:
أثره على من بعده
أ أثره على من خلفه في الطريقة
خلف ابن عجيبة بعد وفاته في إكمال المهمة محمد الحراق(1) الذي شرع بإلقاء دروسه في تطوان في أحضان الزاوية الدرقاوية، وظنَّ الناس أنَّ بدايته ستكون في شرح التفسير، والفقه، لكن البداية كانت بتدريس الحكم العطائية، فانتعشت الطريقة الدرقاوية من جديد في تطوان، ودخل فيها كثيرٌ من الناس، بعد أن أعاد تأسيسها على أربع قواعد: ذكر، ومذاكرة، وعلمٌ، ومحبَّة، وينهى عن التجرد وخرق العوائد، وينصح طلابه ألا يدخلوا في طريق التصوف إلا بعد التبحُّر في علم الظاهر.
وهكذا خلف الحراق ابن عجيبة في نشر التصوف، فلم يجد صعوبة في جلب الأتباع إليه بالإضافة إلى الدرقاويين المتبقين بتطوان، فقد تحوَّل كثيرٌ من المعجبين بعلمه وفصاحته إلى أنصار له في التلقين والتجربة الصوفية.
ولقد ذاع صيته وأصبحت له زاوية يجتمع عليه خلقٌ كثير، ثم توسَّعت زاويته سنة 1224 هـ، وأنشأ زاويتين رسميتين في فاس سنة 1246 هـ، وفي طنجة سنة 1254 هـ(2).
وممن تأثر بابن عجيبة أيضًا المَكُّودي(3) الذي رد على منكري الطريقة--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن محمد الحراق بن عبد الواحد بن يحيى، ولد سنة 1288 هـ بمدينة شفشاون على بعد ستين كلم من تطوان، أصبح هو الشيخ الصوفي المتصدي لتلقين الأوراد وتربية المريدين في تطوان. ينظر: النور البراق في ترجمة الشيخ محمد الحراق، ص 22.
(2) ينظر: إشكالية إصلاح الفكر الصوفي، ص 274.
(3) هو: أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عبد الله التازي المَكُّودي، وقيل بتخفيف الكاف، نسبة لبني مَكُّود قبيلة من البربر، وهم أهل ثروة من أحواز تازا وهي مدينة بين فاس ووجدة تبعد 320 كلم من مدينة الرباط، من شيوخه: العربي الدرقاوي، توفي المكودي سنة 1214 هـ. ينظر: كنز الأسرار ومعدن الأخيار ل/82، جذوة الاقتباس في ذكر من حلَّ من الأعلام مدينة فاس 1/ 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 815)
الدرقاوية، وأنكر على من سجن ابن عجيبة فقال: "وما ذنبه الذي استحق به السجن، والقهر على الرجوع عن حاله، والإشهاد عليه بذلك، واللَّوم والتوبيخ في مجلس أولئك العُلماء مع أنهم لو أنصفوا لجثوا على الرُّكب بين يديه طُول عمرهم … فإن قالوا: إنهم رأوا منه ما يخالف الشريعة المطهَّرة، وأثبتوا ارتكابه لأمور من البدع المحرَّمة، فأقول: هو أعرف منهم بالشَّريعة، وأشدهم عملًا بالطريقة والحقيقة"(1).
وهذا يدلُّ على تأثر المكودي بابن عجيبة مثله مثل المعسكري مؤرخ الدرقاوية وطبقاتهم الذي قال عن ابن عجيبة: "كان حُجَّة الطائفة الدرقاوية، مبيِّنًا لأحكامها، وناشرًا لأعلامها، سبر عن علومها حتى صار ينبوعًا لشموسها وأقمارها ونجومها … وقد ألَّف نيِّفًا وثلاثين تأليفًا بيَّن فيها الشريعة والطريقة والحقيقة … والحاصل هو أشهر من نار على علم، يبعد مثلي أن يُعرِّف به وبأمثاله"(2).
ب أثره على أسرته
لقَّن أحمد بن عجيبة علم الحقيقة أخاه محمد بن محمد بن عجيبة ويكنَّى بأبي عبد الله، وأصبح له نشاطٌ صوفيٌّ في مدينة سلا(3) وغيرها، وتاب على يديه كثير من--------------------------------------------
(1) سلوك الطريقة الدَّرقاويَّة والرد على منكريها، ص 37.
(2) مخطوط كنز الأسرار، مخطوط، ل/97.
(3) سلا: مدينة في المغرب، بينها وبين مراكش على ساحل البحر تسع مراحل، وهي مدينة قديمة أزلية، فيها آثار للأول معروفة بضفة الوادي، متصلة بالعمارة التي أحدثها هناك أحد ملوك بني عبد المؤمن، وكان قد اتخذ أرباب البلد مدينة بالعدوة الشرقية، وهي المعروفة الآن بسلا الحديثة، وهي على ضفة البحر، وسلا القديمة خراب الآن. وأما سلا الحديثة فهي منيعة من جهة البحر، لا يقدر أحد من أهل المراكب على الوصول إليها من جهته، وهي حسنة في أرض رمل، ولها أسواق نافقة وتجارات ودخل وخرج، ولأهلها سعة أموال، والطعام بها كثير رخيص جدًّا. ينظر: الروض المعطار في خبر الأقطار 1/ 319.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 816)
العصاة وسلكوا الطريقة الدرقاوية(1)، ولقد أُدخل السجن إثر واقعة حدثت له ذكرها أحمد بن عجيبة بقوله: ولما ظهر الطريق وانتشر ذكر الله في البلاد نقم علينا بعضٌ من العوام ادعى على أخي أنه دخل داره، ولقَّن امرأته الورد في غيبته وهو بريءٌ من ذلك، إنما لقَّنها مع بعض النساء في دار غيره، وهو لا يعرفها، فقُبض عليه وأُمِر بسجنه، فقلتُ(2): لا أفارق أخي فسُجِنت معه(3).
أثره على أولاده:
ذكر ابن عجيبة(4) أنه في حدود عام 1224 هـ كان متزوجًا بأربع نسوة إضافة إلى اثنتين قد تزوجهما من قبل، واحدة كان قد طلقها والأخرى ماتت بعد سبعة أشهر من البناء، وكان أول زواجه عام 1193 هـ، ومجموع ما ولد له من الأولاد واحد وثلاثون، توفي معظمهم في سنوات الوباء عام 1214 هـ(5)، أمَّا الذين ولدوا بعد ذلك وبقوا على الحياة فتسعة: ثلاث إناث وستة ذكور:
أما الذكور فهم:
- محمد الصديق، ولد في العشر الأواخر من رمضان عام 1220 هـ،--------------------------------------------
(1) ينظر: كنز الأسرار، مخطوط ل/131، 132.
(2) القائل: أحمد ابن عجيبة.
(3) ينظر: الفهرسة، ص 57.
(4) الفهرسة، ص 86.
(5) تاريخ تطوان 1/ 135، وينظر: الطاعون الأسود بين الواقع والتأويل في المغرب العربي (أحمد بن عجيبة وحمدان خواجة نموذجًا) رسالة ضمن كتاب خصوصية التجربة الصوفية في المغرب، ص 167.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 817)
- أحمد الحاضر، وقد ولد يوم رابع جمادى الآخرة من عام 1222 هـ
- عبد القادر، ولد في صفر من عام 1224 هـ.
وأُمُّهم منانة بنت محمد الرحموني العلمي، وهي آخر من تزوَّج من النساء.
- المهدي، ولد في ذي الحجة عام 1215 هـ.
- عبد السلام، ولد ليلة الثلاثاء آخر رمضان عام 1222 هـ. ـ
وأُمُّهما رحمة بنت المقدم الزراد.
- أمَّا السادس فهو عبد الباقي، وقد ولد في رمضان عام 1221 هـ وأُمُّه فاطمة بنت سيد الهاشمي.
أمَّا محمَّد الصديق(1) أو الصادق فكان من العلماء، قضى معظم سنين حياته في تدريس العلم وبثّه بين الناس في البادية، وقد خلف من الذرية أربع بنات، توفي عام 1290 هـ، وله من العمر سبعون سنة، وقد دفن قريبًا من ضريح والده.
وأمَّا أحمد بن أحمد بن عجيبة فقد نزل بطنجة بعدما درَّس العلم بفاس وباشر تدريس العلم بها مع تلقين الطريقة التي كان قد أخذها عن الشيخ أحمد بن عبد المؤمن(2)، ولما تبيَّن للناس ما يتصف به نزيل طنجة من حسن الخلق وشرف النسب ومهابة العلم أكرموه وزوجوه من زوجته بالبيت الذي كان يسكنه من دارها، ثم فصلت البيت عن الدار وتركته مزارًا يتبرك به.--------------------------------------------
(1) هو: عبد الله محمد بن الصديق الإدريسي الغماري صاحب الطريقة الصديقية ومؤسسها، ولد سنة 1295 هـ، وتوفي سنة 1350 هـ، ينظر: المطرب في مشاهير أولياء المغرب، ص 242، 251.
(2) هو: أحمد بن عبد المؤمن، ابن الصديق الغماري الحسني، متصوف (درقاوي) تنقل بين الطرق الصوفية بدأ بالطريقة الناصرية، ثم الخلوتية، ثم الطريقة الدرقاوية، نزل بمدينة طنجة وكثر أتباع طريقته، ولد سنة 1200 هـ وتوفي سنة 1262 هـ بها، ينظر: المطرب في مشاهير أولياء المغرب، ص 238، الأعلام 6/ 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 818)
وقد خلَّف تآليف كثيرة ضاع معظمها، ويذكر أحد أحفاد ابن عجيبة المعاصرين أنَّ له كتابًا في البدع تعرَّض فيه إلى لعب "الكرطة" والشطرنج وغيرهما، كما أنَّ له كتابًا آخر في النيات ضمَّنه آداب زيارة القبور وتحريم ما يرافق ذلك من ممارسات بدعية، وهم يرجعون إليه الفضل في بناء الزاوية الدرقاوية بالأنجرة، ويبدو أن أنجال ابن عجيبة وأحفاده كانوا على قدر من الجاه والمكانة في الوسط الطنجي بعد نزوح أحمد بن أحمد بن عجيبة إليها، فقد أورد جورج سالمون(1)
نصًّا صدر عام 1905 م يصف حالة الدرقاويين بطنجة قبل تأسيس الشيخ محمد بن الصديق لزاويته بها وفيه: "ويوجد بالفحص الكثير من الدرقاويين التابعين كإخوانهم بطنجة للشيخ ابن عجيبة أي أحمد بن أحمد بزاوية الأنجرة، إذ لا شيخ لدرقاويي طنجة الآن ولكن يوجد بها أولاد ابن عجيبة أنجال الشيخ الكبير بأنجرة وهم محترمون بطنجة كباقي الشرفاء بها".
وقد خلف أحمد بن أحمد بن عجيبة عدة أولاد من بينهم:
- محمد الساعد، وكان إمامًا بقرية الزميج وغيرها من القرى، توفي عام 1346 هـ.
- فاطمة بنت أحمد، أخذت الطريقة الدرقاوية عن عَمِّها سيدي عبد القادر بن عجيبة الآتي ذكره، تأدَّبت بأدب التصوف واشتهرت بالخير والصلاح مما جعلها عظيمة الجاه، مقبولة الشفاعة، وهي والدة محمد بن الصديق مؤسس الزاوية الدرقاوية بطنجة، وزوجها هو الصديق بن أحمد بن عبد المومن أحد تلامذة العربي الدرقاوي.--------------------------------------------
(1) جورج سالمون ولد في فرنسا عام 1867 م، ودرس في مدرسة اللغات الشرقية، ثم تابع تعليمه في السوربون بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس التي تأسست سنة 1868 م، والتي درس فيها العديد من مفكري فرنسا، له مؤلفات منها: أضرحة طنجة، الطرق والزوايا في طنجة. ينظر:
http: //www. aranthropos. com.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 819)
- عبد الحفيظ، كان صوفيًّا عالمًا، استقر بمدينة طنجة، وكان ذا وجاهة لدى الخاصة والعامة من الناس، وكثيرًا ما كان يرفع صوته بالهيللة في الطريق، اشتغل بالإمامة والتدريس طوال حياته إلى أن توفي عام 1353 هـ/ 1934 م، وقد زوج ابنته الزهراء لابن أخته فاطمة الشيخ محمد بن الصديق الذي علا صيته وقدره بفضل هذه المصاهرة.
أمَّا عبد القادر بن أحمد بن عجيبة، فقد ولد قبل وفاة أبيه بستة أشهر، ولهذا كان بحاجة إلى من يرعاه رعاية تامة وتربية صالحة، وهو ما تحمَّله الشيخ أبو الحسن علي اللغميش القائم بوظيفة الطريقة بعد وفاة أحمد بن عجيبة، وهكذا سهر على تربية عبد القادر إلى أن بلغ سنًّا يؤهِّله للإمساك بزمام الطريقة، فأصبح عالمًا مربيًا نَهَجَ نهْجَ أبيه في العض على مبادئ الدرقاوية والالتزام بها بشدة، وقد كان له عدد لا يُحصى من الأتباع والمريدين سواء في قبيلة أنجرا أو في قبيلتي غمارة وبني سعيد، وكان محترمًا من طرف الحُكَّام والسُّلطان، حتى إنَّ الملك الحسن الأول عندما زار مدينة تطوان في موكب رسمي سأل عنه فَقُدِّم إليه ومعه اثنان من فقراء الطريقة، يحملان تفسير والده "البحر المديد في تفسير القران المجيد"، فلما مثل بين يديه سلم إليه التفسير هدية وسلم إليه السُّلطان كيسين من النُّقود الحسنيَّة، فأخذهما الشيخ عبد القادر منه وسلمهما لوليِّ العهد آنذاك مولاي عبد العزيز الذي كان حاضرًا مع أبيه، فقال له الملك الحسن الأول: "والله لم أر زاهدًا وصالحًا مثل هذا"، وقد تزوَّج عبد القادر بن عجيبة عدة مرات وخلَّف حوالي أربعين من الأبناء، من بينهم خمسة ذكور كانوا علماء منهم:
- تاج الدين، وكان مقيمًا بتازة ونواحيها مدرِّسًا، وقد قضى بها أكثر من أربعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 820)
سنة عاد بعدها إلى قرية الزميج بعد وفاة والده، وقد اشتغل في القضاء بقبيلة أنجرة وخلَّف كتابًا في علم الوثائق، توفي عام 1342 عن سنٍّ يناهز الخامسة والثمانين ودُفن داخل ضريح والده.
- أحمد بن عبد القادر بن عجيبة، قضى حياته كلها في التدريس، سكن في الزميج ثم ارتحل إلى قبيلة غمارة حيث أخذ يعظ الناس ويرشدهم إلى معالم الطريق الصوفي، ثم ارتحل بعد ذلك إلى قبيلة بني سعيد حيث بنى زاوية هناك بقرية (أخليفاتن) عرفت بالزاوية الدرقاوية العجيبة، توفي عام 1354 هـ عن سنٍّ يناهز التسعين سنة.
ومن أبناء عبد القادر بن عجيبة أيضًا المأمون والأمين وعبد السلام.
ويظهر أنَّ أحمد بن عجيبة كان في سعةٍ من الرزق ولديه ما يكفيه لكي يعول أسرته بكامل أفرادها، فقد كان يملك دارين عامرتين إحداهما ببني سعيد وأخرى بالزميج، كما بُنيت له ثالثة بالفحص إلا أنه لم يسكنها، يقول في فهرسته في معرض تحدُّثه عمَّا منَّ به الله عليه في هذا الشأن: "وعندي داران وهما قائمتان بالله في كلِّ ما نحتاج إليه من مطعم ومشرب وملبس، وأهلي والحمد لله أغنياء، كل زوجة لها كسوة بنات الأغنياء وفراش الأغنياء، كل ذلك من عند الله، إذ ليس عندي خراجٌ معلوم ولا راتبٌ مرتَّب إلا ما يفتح الله به من الغيب، ومع كلِّ دار زاوية معمورة بالفقراء ويخرج إليها الطعام في الصباح والغداء والعشاء، وفي كل زاوية فقيهٌ ومؤذِّنٌ مرتبان، فلله الحمد وله الشكر … "(1).--------------------------------------------
(1) ينظر: ابن عجيبة ومنهجه في التفسير 1/ 98 - 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 821)
ج- أثره على من بعده في العصر الحاضر
لقد نال ابن عجيبة في العصر الحاضر تمجيدًا، تمثَّل هذا في كثرة الندوات(1)، والكتابات سواء من الأكاديميين أو المستشرقين، ومن هذه الندوات:
- المذهب المالكي والتصوف -ابن عجيبة نموذجًا-
قال عنه الدكتور محمود أي(2): "هو عالمٌ مدقِّقٌ وفقيهٌ غير مقلِّد، حتى إنه يعتبر من أهل الترجيج"، ويقول عنه أيضًا: " لا شكَّ أنَّ ابن عجيبة من أهم الشخصيات المتميِّزة بين العلماء والصوفيين تحديدًا في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري … "(3).
وقالت عنه كريمة بن سعاد وهي باحثة مساعدة بمركز الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة: عارفٌ ربَّانيٌّ كبير، وعالمٌ صوفي، اجتمعت لديه عوارف العلوم والفنون، وانكشفت له أسرار الفهوم، قلَّ نظيره في بلاد المغرب، وعلا صنيعه ببلاد المشرق، وقد سلكت طريقه العديد من النفوس(4).
وكذلك من المتأثرين به أيضًا عبد السلام العمراني الخالدي الذي يطلق على نفسه خديم الطريقة العجيبية، فله مداخلة في ندوة إمام العلوم الكسبية والوهبية أبي العباس سيدي أحمد بن عجيبة، بعنوان: سيدي أحمد بن عجيبة تربيته النبوية، وعلومه الذوقية، فيقول عنه: سيدي أحمد بن عجيبة هو الشيخ الإمام، الحبر الهمام، العارف--------------------------------------------
(1) أعمال ندوة أحمد ابن عجيبة المفكر والعالم الصوفي، منشورات جمعية تطاون أسيمر 11/ 12/ صفر 1425 هـ، ط/2006 م.
(2) باحث أكاديمي في تركيا.
(3) ندوة أكاديمية بعنوان المذهب المالكي والتصوف في سياقات المعاصرة، ص 39.
(4) http: \\www. aljounaid. ma/article. aspx com.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 822)
الرباني والفرد الصمداني قدوة السالكين، ومنار الواصلين، الجامع بين الشريعة والحقيقة، والمتغلغل في علوم القوم، المترقِّي في الذوق والإلهام، ثم أخذ بعد ذلك يتحدث عن التربية النبوية عند ابن عجيبة(1).
ومن المؤيدين لإخراج تراثه الصوفي الدكتور عبد المجيد الصغير الذي قال: جدير بأن يحظى تراث ابن عجيبة باهتمام الدارسين المعاصرين والعلماء المحققين الأكفاء، وإنَّ مسؤولية جامعة عبد المالك السعدي بتطوان لكبيرة بمعية النخبة المثقَّفة في هذه المدينة التي شهدت أعجب تجربة صوفية، تجربة ابن عجيبة التي شغلت الخاص والعام، وأشار إلى رفض ابن عجيبة لقضية الحلول والاتحاد بقوله: ليس بالغريب أن نجد ابن عجيبة وهو المتصوف والفقيه السُّنِّي الذي لم يفتأ يؤكد نفوره من نظرية الحلول والاتحاد(2).
د- امتداد الطريقة الدرقاوية.
لقد كان ابن عجيبة أحد المتصوفة المعروفين بشمال المغرب (تطوان)، وقضى معظم حياته فيها إلا أن شفشاون(3) قد تأثرت بطريقته؛ لأنه كان يتردد على شيخه البوزيدي في مدينة شفشاون في الشمال؛ فأُسِّست زاوية باسم ابن عجيبة في مدينة شفشاون في زمن ابنه عبد القادر المتوفى سنة 1313 هـ، ولا زالت هذه الزاوية--------------------------------------------
(1) ينظر: أعمال ندوة الشيخ أحمد ابن عجيبة المفكر والعلم الصوفي، ص 9 - 10 - 11.
(2) ينظر: ماذا بقي من فكر ابن عجيبة، رسالة ضمن كتاب خصوصية التجربة الصوفية في المغرب مفاهيم وتجليات، ص 180 - 181، 196.
(3) شفشاون: مدينة في شمال المغرب، وهي مركز إقليم شفشاون، اختطت في حدود سنة 876 هـ على يد الحسن بن محمد بن الحسن ينتهي نسبه إلى أبي محمد عبد السلام بن مشيش؛ لتحصين المسلمين من نصارى سبته؛ لأنهم عندما استولوا عليها كانوا يتطاولون على أهلها. ينظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 4/ 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 823)
مفتوحة الأبواب، وكان من أبرز من نشر الطريقة العجيبية بشفشاون المفضَّل بن الحسن أزيات الخرشافي المتوفى سنة 1360 هـ، وهو أحد مريدي عبد القادر بن عجيبة، ولذلك عُرفت شفشاون بنشاطٍ في نشر الطريقة الدرقاوية(1).--------------------------------------------
(1) ابن عجيبة وامتداد طريقته في شفشاون، منشورات جمعية تطوان، ص 103 - 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 824)
الفصل السادس: التعريف بالطريقة الدرقاوية، ودوره في تأسيسها وموقف علماء أهل السنة منها
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالطريقة الدرقاوية
المبحث الثاني: دوره في تأسيسها
المبحث الثالث: موقف أعلام السنة من الطريقة الدرقاوية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 825)
المبحث الأول:
التعريف بالطريقة الدرقاوية
أ- التعريف بالطريقة الدرقاوية وسبب تسميتها
بما أن ابن عجيبة أحد أئمَّة المتصوفة المنتسبين إلى الطريقة الدرقاوية فقد اقتضى البحث أن نقف على تعريف لهذه الطريقة، فقد سُمِّيت هذه الطريقة بهذا الاسم نسبةً لمؤسِّسها أبي عبد الله محمد العربي بن أحمد الدرقاوي الزروالي، ينتمي لجدِّه محمد بن يوسف الملقب بأبي درقة(1) من ذرية إدريس أبي العباس(2).
ولد في أوائل النصف الثاني عشر بقرية بني عبد الله من قبيلة بني زروال سنة 1150 هـ، وتوفي عام 1239 هـ، عُرف بكثرة زيارته لأضرحة الأولياء(3) طوافًا عليهم(4)، وهذه العقيدة راسخة عند العربي الدرقاوي فلقد لبث طويلًا يبحث عن شيخ مربي ليسلك على يديه طريق الصوفية، وأخبر عن نفسه أنه ختم القرآن ستين مرة عند ضريح المولى إدريس بفاس، وتضرع بالدعاء حتى أجاب الله عز وجل دعاءه--------------------------------------------
(1) حيث كانت له درقة كبيرة يحتمي بها في الحروب أيام الموحدين وصار هذا اللقب يطلق على ذريته وأتباعه، ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص 205، والدَرَق: ضَربٌ مِن التِّرسة، الواحدة دَرَقة، وتُجمَع على الأدراق تُتَّخذ من جلود دوابّ تكون في بلاد الحبش، الواحدة دَرَقَة والجمع دَرَق وأدراق ودِراق. ينظر: تهذيب اللغة 9/ 45، وجمهرة اللغة، لابن دريد 1/ 335.
(2) هو أحمد بن إدريس الإدريسي، صاحب الطريقة الإدريسية، ولد بنواحي فاس سنة 1172 هـ، التحق بمعهد القويين، أخذ الطريقة الشاذلية عن عبد الوهاب التازي، ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص 227.
(3) ضريح عبد السلام بن مشيش، في جبل العلم، وموقعه شرق جنوب طنجة وغرب جنوب تطوان، يبعد عن تطوان ستين كلم. ينظر: المطرب بمشاهير أولياء المغرب، ص 91.
(4) ينظر المرجع نفسه، ص 206.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 827)