العموم المطلق بين هذه الألفاظ؛ ولذا قال التهانوي في تعريف القاعدة: "هي تطلق على معانٍ: مرادف الأصل، والقانون، والمسألة، والضابطة، والمقصد. وعرّفت بأنّها أمر كلّي منطبق على جميع جزئيّاته عند تعرّف أحكامها منه"(1).--------------------------------------------
(1) كشاف اصطلاحات الفنون (ص 886)، نشر: دار صادر - بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم
مما لا شك فيه أن القواعد والأصول والكليات لا يكاد يخلو منها علم من العلوم، ولا فن من الفنون، وذلك لما لها من الأهمية العظيمة، والأثر الكبير في صياغة هذه العلوم، وسهولة حفظها وانتشارها، وخاصة القواعد المتعلقة بالتوحيد والشرك.
يقول الإمام ابن تيمية(1): "فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك، والغلو، كلما تنوع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان"(2).
وفيما يأتي أذكر بعض الأمور الدالة على هذه الأهمية العظيمة، والمكانة الجليلة، والأثر البالغ خاصة فيما يتعلق بقواعد التوحيد، وأصول العقيدة، وكليات الشريعة:--------------------------------------------
(1) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الدمشقي، الإمام الفقيه المجتهد المحدث الحافظ الأصولي، أبو العباس تقي الدين، شيخ الإسلام، سيرته بلغت من الشهرة ما يكفي عن الكلام فيه، صاحب التصانيف الكثيرة والشهيرة، وهي أعظم دليل على عظيم باعه في العلم، وقوة فهمه، بلغ الغاية في الإمامة والفتوى والاجتهاد، المجاهد بلسانه وسنانه، وآية في الحفظ والاستنباط وقوة الذاكرة، مع تمسكه التام بالكتاب والسُّنَّة، وسيره على نهج سلف الأمة وتصانيفه كثيرة وقيمة منها: الإيمان، ودرء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السُّنَّة، وبيان تلبيس الجهمية، واقتضاء الصراط المستقيم، توفي رحمه الله سنة 728 هـ. [انظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة: (2/ 387)، والبدر الطالع (1/ 63)].
(2) مجموع الفتاوى (1/ 313).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
أ- أن هذه القواعد هي كليات اشتملت على مسائل جزئية، وفروع عديدة، فهي بذلك تجمع الكم الكثير من المسائل تحت مبنى القاعدة ذات الكلمات القليلة، والعبارات المختصرة، والألفاظ المقتضبة، وهذه هي صفة النصوص الشرعية التي استخلصت منها القواعد الشرعية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم كما أخبر عن نفسه في قوله صلى الله عليه وسلم: "وبعثت بجوامع الكلم"(1)، فكلامه صلى الله عليه وسلم تضمن المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وفي هذا حث على التفهم والاستنباط(2).
وهكذا سائر نصوص الشريعة سواء كانت من القرآن أو من السُّنَّة عباراتها موجزة، على هيئة الكليات المتضمنة للجزئيات والمسائل.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الله سبحانه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة، كلية عامة لما كان متفرقًا منتشرًا في كلام غيره"(3).
فهو صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كليه، وقاعدة عامة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تحصى، بل هي عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه ومكانه أو لم تكن(4).
يقول الإمام ابن القيم: "وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم، ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم، مع قصور بيانهم، فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم يأتي--------------------------------------------
(1) قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" (3/ 1087)، برقم (2815)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد (1/ 371)، برقم (523).
(2) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (3/ 349).
(3) مجموع الفتاوى (4/ 133).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (19/ 280)، و (34/ 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة، وقضية كلية، تجمع أنواعًا وأفرادًا، وتدل دلالتين؛ دلالة طرد ودلالة عكس(1) "(2).
ويقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب(3): "ومن أعظم ما منَّ الله به عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته إعطاء جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خصه الله بالحكمة الجامعة، ومن فهم هذه المسألة فهمًا جيدًا فهم قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، وهذه الكلمة أيضًا من جوامع الكلم؛ إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه … "(4).--------------------------------------------
(1) ينقسم القياس إلى قياس طرد وقياس عكس: فقياس الطرد: هو ما اقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه، وقياس العكس: هو ما اقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه. يقول ابن تيمية رحمه الله: "وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يُعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم (قياس الطرد) فيتقي تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة"، [مجموع الفتاوى (9/ 239).
ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك (قياس العكس).
(2) إعلام الموقعين (1/ 333).
(3) شيخ الإسلام الإمام المجدد المصلح محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي النجدي، أبو عبد الله، ولد عام 1115 هـ بالعيينة من بلاد نجد، ورحل إلى المدينة ومكة والعراق وغيرها، كان من المجددين للدعوة السلفية في الجزيرة العربية بمساعدة الأمير محمد بن سعود، ولا زالت آثار دعوته المباركة لا ينكرها إلا أهل مغرور أو حاقد قتله الحسد، له مصنفات كثيرة ونافعة؛ منها كتاب التوحيد وهو أعظمها، وكشف الشبهات والأصول الثلاثة، وغيرها من الكتب التي لا يستغني عنها أحد، توفي رحمه الله عام 1206 هـ. [نظر ترجمته في: روضة الأفكار (1/ 25 - 26)، عنوان المجد (1/ 89 - 96)، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، لمعاني الشيخ صالح العبود (ص 65 - 152)].
(4) أربع قواعد تدور الأحكام عليها، للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وبذلك تظهر أهمية القواعد وأثرها في حفظ العلوم وأهمية إتقانها وفهمها والقياس عليها، وتفريع المسائل الجزئية منها.
فإن من ضبط القواعد والكليات استغنى بها عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، وانضبط في ذهنه ما تناقض عند غيره، وحصل مقصوده في أقرب وقت وأقصر زمان(1).
ب - سبق بيان أن قواعد التوحيد والعقيدة منها ما هو من قواعد الدين وأصوله؛ كالإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر، ومنها ما هو من فروعه الواجبة التي هى من مكملات تلك الأصول والكليات، وعليه فإن معرفة تلك القواعد وما ينبني عليها هي من أصول الدين، وأسس العقيدة، إذ بدون تحقيق هذه القواعد الأصلية معرفة واعتقادًا وقولًا وعملًا لا يستقيم إسلام، ولا يتم إيمان، وقد يخرج من الدين باعتقاده لنقيض تلك الأصول العظيمة، والقواعد الكبيرة، ويكفي هذا في الدلالة على أهمية هذه القواعد العقدية، وضرورة الحرص عليها واعتقادها وتعلمها والعمل بها والدعوة إليها كما فعل أئمة الإسلام.
يقول الإمام الشاطبي: "اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولًا، والذي نزل بها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كُمِّلَت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة، وإنفاق المال، وغير ذلك، ونهي عن كل ما هو كفر، أو تابع للكفر؛ كالافتراءات التي افتروها؛ من الذبح لغير الله، وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها؛ كالعدل والإحسان والوفاء بالعهد، وأخذ العفو والإعراض عن--------------------------------------------
(1) انظر: الفروق، للقرافي (1/ 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الجاهل، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر، والشكر، ونحوها، ونهي عن مساوئ الأخلاق؛ من الفحشاء والمنكر والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرًا في دين الجاهلية، وإنما كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر"(1).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ(2) فيما وضعه جده الإمام من القواعد والمسائل: "والجهل بما فيها من الأصول هلاك وضلال؛ فلا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما تضمنته هذه الأصول والقواعد"(3).
ج - ومما يدل على أهمية القواعد في جميع العلوم أنها تضبط الأمور المنتشرة الكثيرة، وتجمع النظائر والأشباه، فتعرف الصفات الجامعة بين الجزئيات المتعددة، وعن طريقها يحصل التفريق بين المسائل المتشابهة.--------------------------------------------
(1) الموافقات (3/ 102 - 103).
(2) هو: الإمام العالم العلامة، الحبر البحر الفهَّامة، مفيد الطالبين، مرجع الفقهاء، العام الرَّباني، والمجدد الثاني، الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي، ولد عام 1196 هـ بالدرعية، قرأ على جده كتاب التوحيد، وآداب المشي إلى الصلاة وحضر عليه مجالس كثيرة، عمل على نشر الدعوة السلفية، وانتهت إليه رئاسة علماء نجد، وتخرج به خلائق كثيرون، منهم: ابناه: الشيخ عبد اللطيف، والشيخ إسماعيل، وكذلك الشيخ صالح الشثري، وخلق كثير، له مصنفات منها: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، وقرة عيون الموحدين، وغيرها، توفي رحمه الله في سنة 285 اهـ. [انظر ترجمته: مقدمة فتح المجيد نقلًا عن عنوان المجد لابن بشر].
(3) الدر السنية في الأجوبة النجدية (11/ 365)، وليس قصد الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجهل بذات القواعد التي وضعها الشيخ بحروفها وألفاظها، وإنما المقصود الجهل بتوحيده سبحانه وتعالى، وعدم العلم بأصول هذا التوحيد وقواعده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
يقول ابن رجب(1) في مقدمة كتاب "القواعد": "فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تَغَيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد"(2).
ويقول الشيخ السعدي(3): "ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبني عليها الفروع، والفروع تثبت وتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرًا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها، ولها من الفوائد الكثيرة غير ما ذكرنا"(4).--------------------------------------------
(1) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي الدمشقي الفقيه، الزاهد البارع الأصولي المحدث. له مصنفات كثيرة منها: فتح الباري شرح صحيح البخاري لم يكمله، وذيل طبقات الحنابلة، والقواعد الفقهية، وجامع العلوم والحكم، توفي سنة 795 هـ. [انظر ترجمته في: شذرات الذهب (6/ 339)، والجوهر المنضد (ص 46)].
(2) القواعد، لابن رجب (ص 3).
(3) هو: العلامة الورع الزاهد، الفقيه الأصولي المحقق المدقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة التائية، وتوضيح الكافية الشافية، وغيرها، توفي رحمه الله عام 1376 هـ. [انظر ترجمته في: علماء نجد خلال ستة قرون، للبسام (2/ 422)، و (الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة): للأستاذ الدكتور عبد الرزاق البدر.
(4) طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، للعلامة السعدي (ص 5 - 6)، دار الآثار - صنعاء، ودار البصرة - الإسكندرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ويقول أيضًا: "من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أنَّ أحكامَها الأصوليَّة والفروعية، والعبادات والمعاملات، وأمورها كلّها لها أصولٌ وقواعدُ، تَضبِطُ أحكامَها، وتَجمعُ مُتفرِّقَها، وتَنشر فروعَها، وتَردُّها إلى أصولها، فهي مبنية على الحكمة والصلاح، والهدى والرحمة، والخير والعدل، ونفي أضداد ذلك"(1).
"ولهذا فإنَّه يترتَّب على العناية بالقواعد المأثورة والأصول الكليّة المنقولة عن السلف الصالح رحمهم الله من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلّا اللَّه؛ لأنَّ فيها كما يقال: وضعُ النقاط على الحروف، وفيها تجليةٌ للأُمور، وتوضيحٌ للمسائل، وإزالةٌ للّبْس، وأَمْنٌ من الخَلْط، إلى غير ذلك من الفوائد"(2).
د - ومما يدل على أهمية القواعد والأصول: أنها تقي المسلم بإذن اللَّه من الانحراف والزلل، وتجعله ينظر إلى الأقوال والأعمال والأعيان بتأنٍ وتؤده، وبها يكون كلامه مبنيًا على علمٍ متينٍ وعدل وإنصافٍ.
ولذا يقول الإمام ابن تيمية: "لا بُدَّ أنْ يكون مع الإنسان أصولٌ كليّةٌ تُردُّ إليها الجزئيّات، ليتكلّم بعلمِ وعدل، ثمّ يعرف الجزئيّات كيف وقعت، وإلّا فيبقى في كذب وجهلٍ في الجزئيّات، وجهلٍ وظُلمٍ في الكليّات فيتولّد فساد عظيمٌ"(3).--------------------------------------------
(1) الرياض الناضرة، للسعدي (ص 522)، ضمن المجموع الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي، المجلد الأول/ ثقافة إسلامية.
(2) انظر: الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء، للأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، ضمن: مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (111) (ص 35).
(3) مجموع الفتاوى (19/ 203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
المبحث الثالث التقعيد ومنهج العلماء فيه
عرفنا فيما سبق أهمية القواعد الشرعية، لا سيما القواعد التي تتعلق بأصول الدين وأسس العقيدة، ونتعرف في هذا المبحث على المناهج المتبعة والطرق التي سلكها أهل العلم عمومًا في وضع القواعد، واعتمادها في سائر الفنون ولا سيما علم أصول الدين، وفيما يأتي أقف بعض الوقفات التي يتضح من خلالها منهج أهل العلم وطريقتهم في اعتماد القواعد وتقريرها:
أولًا: معنى كلمة التقعيد قد مرَّ معنا في المبحث الأول من هذا التمهيد عند الكلام على مادة (قعد)، وأنها راجعة إلى الثبوت والاستقرار، فتقعيد الأمر أو الشيء هو أن تجعل له أصلًا وأساسًا ثابتًا مستقرًا يعتمد عليه، ويتقوى به، وهذا الأساس هو القاعدة.
وعليه فالتقعيد في عرف أهل العلم واستعمالهم: هو عملية وضع القواعد، أو إبرازها من مصادرها لتطبيقها والاستفادة منها.
ثانيًا: منهج أهل العلم في وضعهم للقواعد:
لقد تميزت طريقة العلماء في اعتماد القواعد وإبرازها والاستدلال بها بعدة أمور، أذكر فيما يأتي ما ظهر لي منها:
أ - كان اعتمادهم في وضع القواعد وإبرازها في المقام الأول على نصوص الكتاب والسُّنَّة، إذ لا تخلو قاعدة شرعية من دليلٌ شرعي يدل عليها، وإلا لم تكن قاعدة صحيحة، وكما ذكرنا من قبل فإن نصوص
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الكتاب والسُّنَّة يصلح بعضها لأن يكون قاعدة في نفسه، فيأتي العالم ويبرز هذه المعاني التي جاء التنصيص عليها في الكتاب أو السُّنَّة؛ كمن يقعد فيقول: الشرك لا يغفره اللَّه تعالى أبدًا، مستخلصًا لها من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وكمن يقعد قاعدة: صلاح الأعمال بصلاح النيات، من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"(1)، وهكذا في سائر ما وضعه أهل العلم من قواعد في سائر العلوم.
يقول الإمام ابن تيمية مبينًا أهمية الاعتماد على النصوص في وضع القواعد: "وقد كتبت قبل هذا في القواعد ما في طريقي أهل الكلام والنظر، وأهل الإرادة والعمل من الانحراف إذا لم يقترن بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما بينت في قاعدة كبيرة أن أصل العلم والهدى والدين هو الإيمان باللّه ورسوله، واستصحاب ذلك في جميع الأقوال والأحوال"(2).
ويقول الشيخ السعدي: "ولهذا كان الكتاب والسُّنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين، وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم، وأحكامهم، إلى علوم غير علم الكتاب والسُّنَّة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل للّه ولرسوله"(3).
وبيَّن رحمه الله الواجب تجاه النصوص النبوية، بقوله: "ولذلك أمر اللَّه بالقاعدة الكلية، والأصل العام فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وهذا شامل لأصول الدين وفروعه،--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريج الحديث في قاعدة النيات، من هذه الرسالة.
(2) مجموع الفتاوى (10/ 360).
(3) تفسير السعدي (ص 220).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به، واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص اللَّه تعالى، لا رخصة لأحد، ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله"(1).
ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه اللَّه في دفاعه عن -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سياق حديثه عن القواعد: "ولكن الواجب: أننّا نرجع في تقعيدنا إلى الكتاب والسُّنَّة، ليكون هذا التقعيد تقعيدًا صحيحًا، سليمًا، مأخوذًا من كتاب اللَّه وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا سيّما في هذين الأمرين العظيمين -التوحيد والشرك-، والشيخ رحمه الله لم يذكر هذه القواعد من عنده أو مِنْ فكره، كما يفعل ذلك كثيرٌ من المتخبِّطين، وإنما أخذ هذه القواعد من كتاب اللَّه ومن سُنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسيرته.
فإذا عرفت هذه القواعد وفهمتها سهُل عليك بعد ذلك معرفة التوحيد الذي بعث اللَّه به رسله، وأنزل به كتبه، ومعرفة الشرك الذي حذّر اللَّه منه، وبيّن خطره وضرره في الدنيا والآخرة، وهذا أمرٌ مهمّ جدًّا، وهو ألزم عليك من معرفة أحكام الصلاة والزكاة والعبادات وسائر الأمور الدينيّة؛ لأن هذا هو الأمر الأوّلي والأساس؛ لأنّ الصلاة والزكاة والحج وغيرها من العبادات لا تصحّ إذا لم تُبنَ على أصل العقيدة الصحيحة، وهي التوحيد الخالص للّه عز وجل"(2).
فجميع ما سبق من نقول تدلل على أن الواجب في التقعيد والتأصيل التقيد بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وما يتبع ذلك من إجماع صحيح ثابت، أو استقراء تام.
يقول يعقوب الباحسين مبينًا أن القاعدة الفقهية لا بد أن تستند على--------------------------------------------
(1) تفسير السعدي (ص 851).
(2) شرح القواعد الأربع، للشيخ صالح الفوزان، تحقيق: خالد الردادي (ص 7 - 8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
النص الشرعي: "تُعَدُّ النصوص الشرعية أقوى مصادر القواعد الفقهية، وأرسخها، كما تُعَدُّ القواعد المستندة إليها أقوى أنواع القواعد، وأرجحها في الاستدلال"(1). ثم ذكر أن بناء القواعد على النصوص إما أن تكون مباشرة فتكون القاعدة بصيغة النص، أو تستخرج القاعدة من النص عن طريق الاجتهاد والنظر.
ب - ومن أبرز ما تَمَيَّزَ به منهج العلماء في صياغة القواعد وتقريرها هو التزامهم بفهم السلف الصالح من الصحابة وأهل القرون المفضلة فيما يؤصلونه ويقعدونه؛ وذلك لما لهم من الخصائص التي انفردوا بها عن غيرهم من مشاهدة التنزيل ومعايشة الوحي، والتلقي عن النبع الصافي الذي لا كدر فيه ولا نقص، ولما لهم من الفهم الثاقب، والذهن المتوقد، والنظرة العميقة الفاحصة، والقلب الصافي المتهيئ لمباشرة النصوص وفهمها الفهم الصحيح، مع إخلاصهم للّه تعالى، وتجردهم للحق، إضافة إلى ما اختصوا به من علوم الآلة التي كانت سجيتهم بدون تعب ولا تكلف.
يقول الإمام ابن تيمية: "وكل من أمعن نظره، وفهم حقيقة الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علمًا، وأبر قلوبًا، وأقل تكلفًا، وأنهم فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم، وقبلوا الحق، وردوا الباطل"(2).
ويقول الإمام ابن القيم في تعظيم شأن الصحابة: "أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبو قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن؛ لما خصهم اللَّه تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو--------------------------------------------
(1) القواعد الفقهية، للباحسين (ص 195).
(2) درء التعارض (3/ 454).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد، وأحوال الرواة، وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول، وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران؛ أحدهما: قال اللَّه تعالى كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما.
وأما المتأخرون فقواهم متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم، وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها، وصلوا إلها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة، إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وافاها بذهن كال، وقوة ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة، تضعف قوته عند العمل المشروع، كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني، فإذا جاءه قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة، وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور، أو المال، أو الجاه، فإذا طالب قلبه بمحبة اللَّه فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة، قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام اللَّه ورسوله جاء بفكرة كالة، فأعطى بحسب ذلك.
والمقصود أن الصحابة أغناهم اللَّه تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الأذهان، وصفائها، وصحتها، وقوة إدراكها، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه، فكيف نكون نحن، أو شيوخنا، أو شيوخهم، أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل، ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم واللّه المستعان"(1).
فهذا هو المنهج الذي سار عليه علماء الإسلام من أهل السُّنَّة والجماعة فيما يتعلق بوضعالقواعد وتقريرها، إذ ما برحوا يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب اللَّه عز وجل، وبما صح من سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوا فبما ثبت وأُثر عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السُّنَّة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم(2).
ج - طريقة أهل العلم فيما يبرزونه من القواعد والأصول إنما يكون لفائدة مرجوة من هذا التقعيد، أو لحاجة طرأت لهم، كما حصل لهم عندما كثرت الفرق والطوائف والآراء، وخالفت ما هو مقرر من أصول أهل السُّنَّة والجماعة اضطر العلماء بعد ذلك لإبراز هذه الأصول والتعبير بالقواعد؛ لأن القواعد في الأصل لم يكن معبِّرًا عنها بالقاعدة عند السلف الصالح؛ يعني عند الصحابة والتابعين، وإنما وضعها العلماء وعبروا عنها بلفظ قاعدة، أو باصل ونحو ذلك من التعبيرات؛ لأجل أن تُضبط المسائل، وحتى يسهل على الناظر أنْ يتفطّن للمسائل المتفرقة وما يجمعها من قاعدةٍ وأصلٍ واحد(3).--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (4/ 148 - 150).
(2) انظر: وسطية أهل السُّنَّة بين الفرق (ص 103 - 104).
(3) محاضرة بعنوان (قواعد القواعد) لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ (كاسيت)، مع التصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
د - بالنسبة للتنصيص على أن هذه قاعدة أو لأصل موجود في كثير من أقوالهم رحمهم الله، فيقولون: لأنّ القاعدة كذا، أو لأنّ الأصل كذا، وتارة لا تجد التعبير بلفظ القاعدة أو أصل، وإنما تجد التعبير بالأمر الكلّي، أو الكلمة الجامعة في كذا كذا، ويقولون: كل كذا ثم يذكر الحكم، أو يقول فكل شيء ثم يذكر الحكم، ومن المعلوم أن التعبير بالأمر الكلي يفهم منه أنّ هذا تقعيد؛ لأنّ الكليات ترجع إليها أفرادها(1).
ثالثًا: ومما يتعلق بمبحث التقعيد أن بابه ليس مفتوحًا بحيث يتاح لكل أحد أن يُقَعِّد، وأن يستخرج قواعد أو أصول كلية من خلال النصوص الشرعية، وإنما مرجع هذه الأمور للمجتهد المتمرس الذي استقرى الأدلة، وسبر النصوص، وبالنسبة للعالم الذي يريد وضع قواعد في العقيدة لا بد أن يكون متمكنًا في العقيدة، مُلِمًّا بأقوال السلف في أدق الأمور، وبأقوال مخالفيهم واستدلالهم وشبهاتهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنه قعَّد وأصَّل في كثير من مسائل العقيدة وهو أَهْلٌ لذلك؛ لمعرفته الدقيقة بمآخذ الأدلة وأصول الاعتقاد من الكتاب والسُّنَّة، إذ جميع ما قرره من قواعد لها أدلتها من الكتاب والسُّنَّة، ولم يأت بشيء يخالف هذه الأصول في الغالب.
وما يجب التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يسوغ لأحد أن ينسب قاعدة من القواعد؛ سواء كانت في العقيدة، أو في العبادة فينسبها للسلف الصالح فيقول: القاعدة عند السلف كذا، أو من قواعد السلف كذا إلا بأحد طريقين:
الأول: أنْ يجد نصًا من أحد علماء السلف على أنها قاعدة، مثل قولهم: والقاعدة كذا، والأصل كذا، حتَّى لا نجعل السلف مقعدين--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه، مع التصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
لقواعد لا علم لهم بها، هذا الطريق الأول لفهم التقعيد المنسوب للسلف الصالح أن ينص على هذه القاعدة عند السلف.
الثاني: أنْ يستقري(1) عالم راسخ متأن لكلام السلف في المسألة، وبعد استقرائه لكلامهم ولأحوالهم يُخْرِج تقعيدًا وينسبه للسلف الصالح كما فعل الإمام ابن تيمية في كثير من مسائل العقيدة، وإذا نظرت في غالب أقوال السلف وأحوالهم لا تجد أنها تخرج عن تقعيدات شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنّه استقرى وهو راسخ في العلم، واستقرى وهو ينظر إلى أقوال السلف جميعًا بروية وتؤده وبدودن عجلة، حتَّى لا يقع في مخالفة أقوال السلف(2).--------------------------------------------
(1) الاستقراء: من الفعل استقرى يستقري، وهو الحكم على كلي بما تحقق في جزئياته، فإن كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تامًا؛ … والناقص؛ كالحكم على الحيوان بأنه إذا أكل تحرك فكه الأسفل عند المضغ؛ لوجود ذلك في أكثر جزئياته، ولعله فيما لم يستقرى على خلافه. [انظر: المعجم الوسيط (2/ 732)، ومجموع الفتاوى (9/ 196)].
(2) محاضرة بعنوان (قواعد القواعد)، الشيخ صالح آل الشيخ (كاسيت)، مع بعض التصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
المبحث الرابع توحيد العبادة ومنزلته الشرعية
وتحته أربعة مطالب:
المطلب الأول: معناه وحقيقته.
المطلب الثاني: أهميته ومنزلته من الدين.
المطلب الثالث: أدلته.
المطلب الرابع: أسماؤه وإطلاقاته.
* المطلب الأول* معناه وحقيقته
مما لا يخفى تقسيم أهل العلم للتوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية أو العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات، والذي يتعلق بمبحثنا هنا هو النوع الثاني وهو توحيد العبادة.
ولمعرفة معنى توحيد العبادة فلا بد من معرفة معاني مفردات هذا التركيب:
فالتَّوحِيدُ: على وزن (تَفْعِيلٌ)، مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (وَحُدَ)، وهو مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف العين فيه، وهو مثال واوي، من باب: (كَرُمَ) وقيل من باب (عَلِمَ)، يقال: وَحُدَ يُوْحُدُ وحَادَةً وَوَحْد ووَحَدًا، وكل شيء على حدة: بائن من آخر، يقال: ذلك على حدته، وهما على حدتهما، وهم على حدتهم، والرجل الوحيد ذو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الوحدة، وهو المنفرد لا أنيس معه، والتوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل.
وأصل هذه الكلمة يدل على الانفراد والتفرد، كما قال ابن فارس(1) في مادة (وحد): أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك الوَحْدَة، وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله(2). أما معنى العبادة، لغة فهي من الذل والخضوع والتطامن(3).
وشرعًا: هي غاية الذل والخضوع مع غاية الحب والخوف والانقياد، مع تضمنها لأفعال المكلفين وأقوالهم الظاهرة والباطنة التي أمرهم اللَّه بها، وأحبها منهم، ورضيها لهم(4).
ويدخل في العبادة الشرعية كل ما شرعه اللَّه تعالى، وأحبه، ورضيه؛ من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة؛ كمحبة اللَّه، وتعظيمه، وإجلاله، وطاعته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، ودعائه خوفًا وطمعًا، وسؤاله رغبًا ورهبًا، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل، وكذا النحر والنذر فإنَّهما من أجل العبادات، وأفضل الطاعات، وكذا الطواف ببيته تعالى، وحلق الرأس تعظيمًا وعبودية، وكذا سائر الواجبات والمستحبات(5).
وفيما يأتي بعض أقوال علماء الأمة في تعريف توحيد العبادة:
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا التوحيد: هو عبادة اللَّه وحده لا--------------------------------------------
(1) ترجمته في: (ص 473).
(2) انظر: تهذيب اللغة (5/ 125)، ومعجم مقاييس اللغة (6/ 90)، والعين، للخليل (3/ 281)، ولوامع الأنوار (1/ 56)، والمعجم الوسيط (2/ 1016).
(3) انظر: العين، للخليل (2/ 50)، ومقاييس اللغة (4/ 206).
(4) سيأتي الكلام على العبادة بمزيد تفصل. [انظر: (ص 330) وما بعدها].
(5) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (3/ 321 - 322).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
شريك له، وأن لا نعبده إلا بما أحبه، وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله -صلوات اللَّه عليهم-، فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما، وهو يتضمن أن يحب اللَّه حبًا لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضي أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه، فإذا كان الرسول -لأجل أنه رسول اللَّه- يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، فكيف بربه سبحانه؟ "(1).
فبيَّن رحمه الله أن توحيد العبادة: أن نعبد اللَّه تعالى وحده ونفرده بالعبادة، وأن نعبد كما شرع على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى محبته سبحانه وتعالى، ومحبة ذلك الرسول الكريم أكثر من محبة النفس والمال.
وعرَّفه الشيخ سليمان آل الشيخ(2) بقوله: "النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله للّه تعالى؛ من المحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والدعاء للّه وحده، وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها؛ ظاهرها وباطنها للّه وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئًا لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلًا عن غيرهما"(3).
وإخلاص التأله: هو إفراده تعالى بجميع العبادات الظاهرة والباطنة.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (14/ 378).
(2) هو: الشيخ الفقيه المحدث سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الدرعية، وقد بلغ مرتبة عظيمة، حيث ولي قضاء مكة المكرمة في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز، وبعدها قاضيًا في الدرعية، من أشهر كتبه: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، وله كتب أخرى: رحمه الله ظلمًا وعدوانًا عام 1233 هـ بأمر من إبراهيم باشا. انظر: عنوان المجد (1/ 282)، وعلماء نجد خلال ستة قرون للبسام (2/ 341).
(3) تيسيير العزيز الحميد (ص 28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ويقول الشيخ السعدي: "الثالث: توحيد الإلهية ويقال له: توحيد العبادة: وهو العلم والاعتراف بأن اللَّه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين للّه وحده، وهذا الأخير يستلزم القسمين الأولين ويتضمنهما، لأن الألوهية التي هي صفة تعم أوصاف الكمال، وجميع أوصاف الربوبية والعظمة، فإنَّه المألوه المعبود لما له من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والأفضال، فتوحده تعالى بصفات الكمال، وتفرده بالربوبية يلزم منه أن لا يستحق العبادة أحد سواه"(1).
وهنا نص رحمه الله على مسألة العلم والاعتقاد واليقين بألوهية اللَّه تعالى، واستحقاقه عز وجل للعبادة دون ما سواه، وبئن أن هذا الاستحقاق للعبادة هو لازم استحقاقه تعالى لصفات الربوبية، وتفرده بصفات الجلال والكمال.
ويبيِّن الشيخ السعدي حقيقة توحيد العبادة بقوله: "يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه؛ محبة وذلًا، وإخلاصًا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، وينهى عن الشرك به شيئًا؛ لا شركًا أصغر، ولا أكبر، لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا ولا غيرهم من المخلوقين، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد"(2).
ولذا يقول الإمام ابن تيمية: "وَمِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُ حَقًّا لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ، كَالْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى"(3).--------------------------------------------
(1) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص 19).
(2) تفسير السعدي (ص 178).
(3) مجموع الفتاوى (3/ 106).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)