Arabic source text

📘 মানহাজুন নাকদ ফী উলূমিল হাদীস (নূরুদ্দীন ইতর - মৃত্যু 1442 হিজরী)

📘 منهج النقد في علوم الحديث (نور الدين عتر - ت 1442 هـ)

📘 মানহাজুন নাকদ ফী উলূমিল হাদীস (নূরুদ্দীন ইতর - মৃত্যু 1442 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وهذا كله يثبت كيف أن بحثهم النقدي قد جاء شاملا لجوانب الحديث، ولكل الدلائل الخارجية التي ترشد إلى معرفة قوة الحديث أو ضعفه، مما يجعل كل مطلع متفهم منصف يقطع بسلامة أحكامهم على الأحاديث، وبأن منهجهم هو السبيل الوحيد المتكامل للوصول إلى تمييز المقبول من المردود من المرويات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)

‌‌شبهات ومناقشات:
لكن بعض الناس ممن لم يتمعن منهج المحدثين وأعمالهم العلمية القيمة تصور هذا المنهج النقدي تصورا شائها يقلب حقيقته، ويغير الواقع تغييرا يدعو للنقد والاعتراض. وهو فيما يبدو ما وقع فيه كثير من المستشرقين الذين كتبوا عن هذا العلم، وإذا بهم ينتقدون عمل المحدثين ويطعنون فيه بمطاعن شاعت بينهم وإن كان قد حمل رايتها أحد كبرائهم مثل جولد تسيهر المستشرق المجري اليهودي، الذي فاق غيره، حتى "يعتبر الدارسون -أي المستشرقون واتباعهم- ما توصل إليه في هذا الصدد نتائج حاسمة على وجه العموم، وكان حسبهم عند التعرض للقضايا الأساسية والتفصيلات الجزئية أن يحيلوا على نتائج جولد تسيهر" (1).
نقول هذا ونحن نحسن الظن، ولا نفترض أن ثمة في الصدور نزعة--------------------------------------------
(1) قرر ذلك فؤاد سيزكين في بحث كتابة الحديث من كتابه "تاريخ التراث العربي: 1: 1: 225.والأستاذ سيزكين تلقى عن المستشرقين مدة طويلة وعرف أحوالهم واطلع على أبحاثهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)

تنزغ بأصحابها لتوجيه هذا الطعن، أو أية عوامل أخرى تدفع بعضهم إلى ذلك (1).
والحقيقة أننا ما كنا لنعير شبهات هؤلاء القوم اهتمامنا، ولا نوليهم إشارة أبدا لولا أننا وجدنا من بني جلدتنا أتباعا ومنبهرين يعملون لنشر أفكارهم، ويرددون مقالاتهم.
ولعل زيف هذه التقولات أضحى ظاهرا لقارئ هذا الكتاب أكثر من أي وقت مضى بسبب هذه الصياغة التي وفقنا إليها بفضل الله تعالى، والتي تظهر دقة فلسفة علم الحديث النقدية وإحاطتها بدرس الحديث من جميع جوانبه.
ولذلك فإنا سنكتفي باليسير من التذكير للقارئ بالدلائل القاطعة بإبطال تلك المتقولات، نأتي بها بمثابة تلخيص لنتائج الأبحاث في هذه الخاتمة (2).--------------------------------------------
(1) بين الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله أن قسما كبيرا من المستشرقين يعمل في دوائر استخبارات وزارات الخارجية للدول الأجنبية. انظر كتابه "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي": 21 - 28.
(2) وقد نبهنا على بطلان طائفة من شبهاتهم في أثناء هذا الكتاب لتعلقها ببعض موضوعاته: ونستكمل هنا مناقشتهم ببحث انتقاداتهم التي تتناول جملة علو الحديث وعمل المحدثين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)

‌‌أولا: تدوين الحديث وأثره في الفقه
وهي شبهة شائعة حتى أصبحت كأنها مسلمة يلقيها بعض المتخصصين في الدراسات الفقهية على طلاب الجامعات يزعم أن تدوين الحديث تأخر عن تدوين الفقه وانتشار المذاهب الفقهية، وهو بزعمه الأمر الذي أدى إلى الخلاف بين الفقهاء، بل إن بعض من حمل هذه الفكرة من المتمجهدين قد زاد على ذلك وراح يبالغ إلى درجة توهم البعد بين بضع المذاهب الفقهية المعتمدة وبين السنة النبوية .. ! ! .
وهذه الشبهة من أصلها قول من أبعد النجعة عن الحقيقة، وعمد إلى المبالغة في تضخيم الأثر المتوهم لتأخر تدوين الحديث المزعوم. والحقيقة التاريخية تثبت خلاف ما ادعاه هؤلاء، وذلك لما تقدمه فيما يلي:
1 - أن حفظ الحديث قد توفر لدى الصحابة رضوان الله عليهم بأقوى ما يكون، وكان جماعة من الصحابة على إحاطة بجملة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجد في كل صقع وقطر من الأقطار من يؤدي بلاغ الحديث بجملته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة ثم من التابعين وهكذا، ناهيك عن حفظهم للقرآن واعتنائهم بدرسه والتفقه فيه، وهو الأصل الأول في التشريع، فكانوا بذلك بغنى عن التدوين لما وعته صدورهم من العلم.
2 - ما سبق أن ذكرناه من تحقق التدوين منذ عهده صلى الله عليه وسلم، وهو على كل حال يدل على أن الحديث حظي من التدوين والنشر بما لم يحظ به الفقه إلا بعد عهد.
3 - أن تدوين الفقه بدأ في ضمن تدوين الحديث، حيث جمعت المصنفات والموطآت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والمقطوعة (1)--------------------------------------------
(1) كما سبق في ص 59 و 463، لكن هذا لا يعني أن القرن الثاني للهجرة لم يعرف "فرقا مذكورا بين كتب الفقه وكتب الحديث المصنف". بل عرف ذلك جيدا، فهذه كتب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة هي كتب فقه خاصة. لكن وجدت كتب تضم الفقه والحديث، كما وجدت كتب الحديث فقط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)

فالحقيقة أن العكس هو الصواب، وهو أن تدوين الحديث سبق تدوين الفقه، وانتشار المذاهب.
4 - أن أسباب الخلاف بين الفقهاء ترجع في حقيقتها إلى أمور جوهرية أوسع وأبعد مدى بكثير جدا من غيبة حديث أو رواية عن الفقيه، ولو استقصينا المسائل التي وقع فيها الخلاف بسبب ذلك لكانت مسائل يسيرة من أبواب الفقه، كثير منها في الآداب والمستحبات، أما سائر المسائل الخلافية فيرجع الخلاف فيها إلى أسباب جوهرية أخرى تتصل بطبيعة تلك المسائل الاجتهادية التي من شأنها ومن سنة الله أن تختلف فيها الفقهات والأفهام، سواء في ذلك قوانين الشريعة الإسلامية، والقوانين الوضعية، كما هو معلوم لمن ألم بأوضاع التطبيقات القانونية.
وقد وقع الخلاف في عهده صلى الله عليه وسلم بين الصحابة في نص واحد وجهه إليهم جميعهم يوم بني قريظة (1)، ولم يعنف صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين، وها هي ذي المصادر الإسلامية فيها الكثير مما يرويه الفقيه من حديث صحيح لا شك في صحته عنده ثم يخالف ما دل عليه ظاهر الحديث لقيام دليل آخر عنده على خلافه، أو لأن له فهما في النص غير الفهم الذي وقع لغيره، أو غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها، وموطأ مالك مثال ظاهر لذلك، فقد روى فيه أحاديث كثيرة، ولم يعمل بظاهرها (2).
هذا كله وغيره كثير من الوجوه تبطل ادعاء تأخر تدوين الحديث عن تدوين الفقه، وتبطل زعم أن ذلك التأخر كان منشأ تفرق المذاهب الإسلامية الفقهية.--------------------------------------------
(1) كما سبق في ص 29 من هذا الكتاب.
(2) انظر على سبيل المثال ما سبق في ص 105.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)

‌‌ثانيا: التدوين وأثره في صحة الحديث
هذه دعوى اخترعها بعض غلاة المستشرقين من قديم، وأقام بناءها على وهم فاسد سبقت مناقشتة في بحث كتابة الحديث.
يقول هذا الزعم: أن الحديث بقي مائيت سنة غير مكتوب، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث، فصار هؤلاء يقول الواحدج منهم: سمعت فلانا يقول سمعت فلانا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن لما أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على حق.
وقد قام عليماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوع إلى أقسام كثيرة جدا، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح أو هذا الحديث موضوع (1).
وقد سبق لنا في بحثو كتابة الحديث، وتأريخ الإسناد، وشروط الرواة، التحقيق الذي يغني عن نقاش هذا الزعم، فنكتفي بهذه الخلاصات للرد عليه هنا:
1 - أن تدوين الحديث قد بأ منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وشمل قسما كبيرا من الحديث، كما حققناه بالأدلة القاطعة (2)، وأشرنا إلى أمثلة من تلك الكتابة. وننبه هنا إلى ما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في--------------------------------------------
(1) من الفصول المترجمة من كتاب "دراسات في السنة الإسلامية" مع إدماج مسأةل كتابة الحخديث، وانظرها بعزوها في كتاب علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح.
(2): 45 - 50.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)

تراجم هؤلاء الرواة تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جدا تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة، حتى لقد يقع في ظن الباحث أن الحديث قد دون جميعه منذ عهده المبكر (1).
2 - أن تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة كثيرا في كتابة الحديث، وقد تم ذلك قبل سنة (200) للهجرة بكثير، بل أنه قد تم في أوائل القرن الثاني، بين سنة 120 - (130) هـ (2). بدليل الواقع الذي يحثدنا عن ذلك، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية، مثل جامع معمر بن راشد " (154) " وجامع سفيان الثوري " (161) " وهشام بن حسان " (148) " وابن جريج " (150) " وغيرها كثير.
وقد وجد العلماء بعض هذه الجوامع، ويجري الآن تحقيق جامع معمر بن راشد في الهند، ليكون إخراجه شاهد حق ودليل صدق على ما بيناه في هذه المسألة.
3 - أن علماء الحديث وضعوا شروطا لقبول الحديث تكفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط، حتى يؤدي كما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوضحنا من شروط الراوي التي توفر فيه غاية الصدق لما اجتمع فيه من الدوافع الدينية والاجتماعية والنفسية، مع الادراك التام لتصرفاته وتحمل المسؤولية، كما أنها توفر فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معا مما يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه (3)، وكما أوضحناه من شروط الصحيح والحسن التي تكفل ثقة الرواة ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد وسلامته--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال فؤاد سيزكين في "تاريخ التراث العربي": 1: 1: 231 وما بعد، وفيه نقول هامة وتتبع جيد.
(2) كما حدده أبو طالب المكي في قوت القلوب: 1: 350 وانظر تاريخ التراث: 1: 229.
(3) كما بيناه في صفات من تقبل روايته وفروعها: 70 - 79.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)

من القوادح الظاهرة والخفية (1). ثم بما بيناه من دقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فقد الدليل على صحته، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضاد له (2).
4 - أن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا، بل تنبهوا إلى عوامل في الرواية المكتوبة لم يتنبه إليها هؤلاء المتطفلون بالاقتراح عليهم، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح، لذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راوٍ إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه، ونجد عليها إثبات السماعات وخط المؤلف أو الشيخ المسمع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها ..
فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم، وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات، والمستندات المكتوبة.
5 - أن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعم، بل قتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة (35) هجرية، لصيثانة الحديث من الدس (3).
وقد ضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحاثا عنها، واختبارا لرواة الحديث، حتى اعتبرت الرحلة شرطا أساسيا لتكوين المحدث (4).
6 - أن المسلمين -كما تبين مما سبق. لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث، بل بادروا لمحاربة ذلك باتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السنة في--------------------------------------------
(1) كما أوضحناه في شروط الصحيح ص 242 - 243.
(2) في الحديث الضعيف ص 286 - 287.
(3) انظر ص 55 - 56.
(4) انظر بحث هذا والتنبيه على حرصهم، حتى بلغ بهم أن يرحلوا في الحديث الواحد في ص 56 - 57.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)

قيود رواية المبتدع (1)، ولبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع (2).
7 - أن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه، وهو دليل على عمق نظر المحدثين ودقة بحثهم، وقد بحثنا ذلك في جلاء في هذا الكتاب، فكان على هذا القائل أن يسلم لهم، كما أننا نستدل على دقة العلم وإحكام أهله له بتقاسيمه وتنويعاته. بل لا يعبد علما ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع؟ ! !
8 - إن علماء الحاديث قد أفردوا لكل نوع من الحديث وعلومه كتبا تجمع أفراد هذا النوع من أحاديث، أو أسانيد أو رجال، كما أوضحناه في بحث كل نوع في كتابنا هذا، فلا يصلح بعد هذا أن يقول قائل كيف نعرف هذا الحديث أنه صحيح من بين تلك الأنواع.
ونحن نقول له: كذلك وقع التنوع في كل علم وكل فن، فلو قال إنسان كيف نحكم على هذا المرض بأنه كذا وأنواع الأمراض تعد بالمئات، وكيف نبين هذا المركب الكيمائي من بين المركبات التي تعد بالآلاف لحلناه على الخبراء المتخصصين ليأخذ منهم الجواب الشافي، والحل المقنع.
فكما يرجع في الطب إلى الأطباء، وفي الهندسة إلى المهندسين وفي الكيمياء إلى علمائها، والصيدلة إلى أصحابها .... كذلك فارجع في الحديث إلى علماء الشرع المتخصصين في هذا العلم لأخذ البيان الجلي المدعم بالأدلة القاطعة عن كل حديث تريده وتود معرفة حاله.--------------------------------------------
(1) ص 83 - 84.
(2) ص 302 - 304.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)

‌‌ثالثا: المصطلح بين الشكل وبين المضمون
يقول المستشرقون:
" .. إن وجهات النظر التي تبناها النقد الإسلامي للسنة لم يكن بإمكانها أن تساهم في تشذيب المادة المحترمة للأحاديث من الزيادات التي هي أكثر ظهورا إلا في مقياس محدود، ففي النقد الإسلامي للسنة تهيمن النزعة الشكلية في القاعدة التي انطلق منها هذا العلم.
والعوامل الشكلية هي بصورة خاصة العوامل الحاسمية للحكم على استقامة وأصالة الحديث، أو كما يقول المسلمون على صحة الحديث، وتختبر الأحاديث بحسب شكلها الخارجي فقط، ثم إن الحكم الذي يمس قيمة مضمونها يتعلق بالقرار الذي يعطونه حول تصحيح سلسلة الرواة. وعندما ينتصر إسناد في امتحان هذا النقد الشكلي ويكون قد نقل به فكرة مستحيلة ملوثة بتناقضات خارجية وداخلية وعندما يقدم هذا الإسناد سلسلة غير منقطعة لشيوخ جديرين بالثقة تماما وعندما يبرهن على أن هؤلاء الأشخاص كان في إمكانهم أن يكونوا على صلة فيما بينهم فإن الحديث يعتبر عند ذلك صحيحا، ولا يبادرن أحد لأن يقوفل: بما أن المتن يتضمن استحالة منطقية أو تاريخية فإني أشك في أن يكون الإسناد منتظما" (1).
هذا أخطر اشكالات المستشرقين وأشهرها، وإن كان أشدها ضعفا وأوضحها سقوطا، لكنهم عنوا بتسديده نحو قواعد المصطلح ليظهروا هذا العلم بمظهر العلم الناقص الذي يرى شيئا شكليا هو ما أسموه "النقد الخارجي" أي نقد السند، على حين أنه يعشو بصره عن أشياء خطيرة في النقد، حيث إنه بزعمهم لا يعتني بنقد المتن الذي يسمونه "النقد--------------------------------------------
(1) من الفصول التي ترجمها لنا الزميل الدكتور عبد اللطيف الشيرازي الصباغ من كتاب "دراسات في السنة الإسلامية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)

الداخلي"، وقد سرت العدوى بهذا الظن الخاطئ إلى بعض كتابنا ومفكرينا مثل الدكتور أحمد أمين (1)، والدكتور أحمد عبد المنعم البهي (2)، فقد كرر الدكتور أن هذا الطعن في المحدثين، بدافع من التقليد للمستشرقين وحب التظاهر على الناس بمعرفة شيء خفي بزعمهم عن الأئمة الكبار، من حيث إن هؤلاء المقلدة هم ومتبوعوهم ليسوا من علم المحدثين في ذلك المكان، ومَثَلُ الدكتورين في مقاليهما كمثَلِ تلميذ يتلقف ما يسمعه ثم يردده دون أن يدرك ما فيه من عظيم البهتان.
ومن الدليل على ما قلناه:
1 - أن الدكتور أحمد أمين ذكر أنهم قسموا الحديث بحسب النقد الخارجي إلى صحيح وحسن وضعيف وشاذ .. إلخ. والحقيقة التي نعرفها منذ حداثة عهدنا بعلم الحديث أنهم قسموا الحديث بحسب النقد الداخلي والخارجي إلى الأقسام التي ذكرها، لا بحسب النقد الخارجي فقط.
بيان ذلك أنك تجد من شرط الحديث الصحيح والحسن أن لا يكون شاذا ولا معلا، ثم نقرأ كلام القوم وإذا بهم يقسمون الذوذ إلى شذوذ في المتن وشذوذ في السند، كذلك يقولون: إن العلة قد تكون في المتن كما قد تكون في السند، فلو كان ناقد المحدثين اطلع على مؤلف يسير في علم الحديث أكان يجترى على أن يقول ما قال، بل إنا نكتفي منه أن ينظر نظرة في تعريف علوم الحديث إذا لوجده علما يبحث في أحوال السند والمتن، لكنه سقط فيما عابه بزعمه على المحدثين--------------------------------------------
(1) في كتابه "ضحى الإسلام" 2: 130 و 131.
(2) في مقاله المنشور في مجلة العربي الكويتية عدد/ 89/ ص 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)

بسبب تقليده للمستشرقين حيث إنه لم يتثبت ولم يعتبر ظروف المستشرقين التي هي أكبر دافع يدفع لاختلاق المطاعن، فحق عليه المثل رمتني بدائها وانسلت".
2 - أن المحدثين قد احتاطوا من النظرة الشكلية حيث قرروا قاعدة اتفقوا عليها وهي أنه لا تلازم بين صحة السند وصحة المتن، بالعكس أيضا فإنه لا تلازم بين ضعف السند وضعف المتن، وهذا واضح في قواعد هذا العلم مسلم به لا يحتاج إلى الاستكثار من النقول والتطويل بها (1). وهو يدل بما لا يدع مجالا للشك على أن المحدثين النقاد قد احتاطوا لكل احتمال وأعدوا له العدة العلمية في منهج موضوعي متعمق بعيد غاية البعد عن الشكلية والانخداع بالمظاهر.
3 - أن النقد الداخلي كان أول علوم الحديث وجودا حين كان الناس على العدالة، وذلك في عصر الصحابة كما سبق بيانه (2). والعجيب أن الدكتور أحمد البهي قال في آخر مقالته التي أومأنا إليها: "وقد ذكر العلماء وجوها في رد المتن بناء على معناه مع صحة السند … "، ومثل لذلك بقصة فاطمة بنت قيس (3)، وقصة علي بن أبي طالب حين رد حديث معقل ابن سنان في مهر من مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يسم لها مهرا فقال علي رضي الله عنه: "لا ندع كتاب ربنا لقول أعاربي بوال على عقبيه" (4). الأمر الذي يبين أن الكاتب غلب عليه التقليد فجاءت مقالته متناقضة ينسف آخرها أولها! ! ، وتثبت هي نفسها أن النقد الداخلي قد عني به المحدثون منذ قديم العهد برواية--------------------------------------------
(1) انظر علوم الحديث 35 و 92، وغيره، وانظر ما سبق في ص 290 - 291 من هذا الكتاب.
(2) في ص 53 - 54 من كتابنا هذا.
(3) السابق ذكرها في ص 53 - 54 و 246.
(4) انظر تحقيق نقد هذه الرواية عن علي في سبل السلام: 3: 151.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)

حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنا نجد أن نقد المتن يؤدي إلى الحكم على الحديث بأشد الأحكام وهو الوضع، حيث قرروا أن الوضع قد يعرف من النظر في المروي، كما سبق أن أوضحنا وجوهه العديدة.
4 - أن فكرة الاعتماد على النظر في المتن وحده ليست من اختراع المستشرقين، بل أن تجربتها قد سبقت في تاريخ المسلمين القديم على أيدي أناس جعلوا الرأي وحده يتحكم في المتون سلبا وإيجابا نفيا وإثباتا، وقد أسفرت التجربة عن أسواء النتائج وأغرب التناقضات.
لقد استحسن بعض المتزهدين الجهلة وضع الحديث في الترغيب والترهيب وقالوا: "نحن نكذب له"، والوعليدإنما جاء لمن "كذب علي"، فجعلوا هذا العبث في النص الصريح ذريعة للاختلاق على النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنهم جهلوا أن فعل "كذب عليه" معناه ألصق به ما لم يقله، سواء أكان مؤيدا له أم طاعنا فيه، وهكذا أدى التصور الخاطئ بهذه الطائفة إلى أن تتصور أن كل كلام صحيح فإنه قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا يسندون ما يشاؤون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منه ومنهم براء.
وفي الطرف المقابل نهض أناس لرفض المتون الصحيحة لمجرد بعدها عن خيالاتهم ومألوفاتهم، كما فعل بعض المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وإذا بهم يبلغون من الإسفاف مبلغا عظيما، حيث راحو يتحكمون إلى المشاهدات المادية المعتادة يقيسون عليها ما ورد من النصوص في عوالم مغيبة غير عادية، كالأحاديث في الملائكة أو الجن ينكرونها أو يتأولونها تأويلات هزيلة، حتى خرجوا بذلك عن نصوص الإسلام القطعية، بل عن الأديان السماوية، فلو رام أحدهم أن ينتقل إلى النصرانية لما وجد له فيها متنقلا، أو إلى اليهودية لم يجد متسعا .. ! ! .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)

وهذا كله يثبت أبلغ إثبات أن نقد المتون ليس له بمفرده تلك الجدوى إلا إذا كان في ضمن الاطار العام لنظرية النقد الشامل الذي سلكه المحدثون وانتهجواه.
5 - أن النقد الخارجي للأحاديث أن نقد الأسانيد الذي عابه العائبون وسموه شكليا يتصل اتصالا وثيقا بالنقد الداخلي أن نقد المتون، لأن إثبات ثقة الرواة وكونهم جديرين بالثقة هذا الذي استخف به تسيهر وأشياعه ليس عملا شكليا سطحيا، بل إنه مرتبط بالمتن ارتباطا قويا، وذلك لأن توثيق الراوي لا يثبت بمجرد عدالته وصدقه بل لا بد من اختبار مروياته بعرضها على روايات الثقات، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا (1).
وهذه كتب الجرح والتعديل ملأى بالجرح لرواية المناكير والأباطيل نسوق أمثلة لذلك من كتاب المغني في الضعفاء للإمام الذهبي:
80 - إبراهيم بن زكرياء الواسطي. قال ابن عدي: حدث بالبواطيل. وقال أبو حاتم: حديثه منكر.
82 - إبراهيم بن زيادة القرشي، عن خصيف، وعنه محمد بن بكار الريان بخبر منكر جدا، ولا يدر من هو؟ .
85 - إبراهيم بن زيد الأسلمي، عن مالك، وهاه ابن بان والدراقطني، وله عن مالك خبر كذب.
86 - إبراهيم بن سالم النيسابوريز قال ابن عدي: له مناكير.--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق في ص 83 - 84.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)

89 - إبراهيم بن سلم، قال ابن عدي: منكر الحديث لا يعرف.
فهذه ست تراجم اخترناها من عشرة فقط من كتاب مختصر جدا في نقد الرواة يأتي جرحهم بنقد مروياتهم. وذلك يوضح قوة ارتباط نقد السند بالمتن وعلاقته بمرويات الرواة علاقة وشيجة لا يصح أن يدور حولها جدال.
6 - سبق أن بينا أن ظهور الفرق دعا علماء الأمة إلى تحري أحوال الرواة ودراستها من كافة الوجوه، ولا سيما بيئة الراوي ومذهبه، حتى إنهم لم يقبلوا رواية من يدعو لبدعة ولو كان الحديث الذي يرويه غير متعلق ببدعته (1)، فقد كانوا في الاحتياط أبلغ مما يريده المتطفلون عليهم
وإننا ندعوا الناقدين كلهم أن يأتوا بحديث من كتب السنة الأصول يدل على وضعه ما ذكروه من عامل سياسي كدعم بني أمية أو غيرهم، أو عامل بيئة أو غير ذلك.
اللهم إلا أن يكون بعض هؤلاء الوالغين في علم المحدثين قد اطلع على بعض تلك الأحاديث في كتاب "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للإما السيوطي، أو في كتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة" للحافظ أبي الحسن بن عراق فحسب بما أوتي من السعة في علم الحديث أن هذه الكتب هي مصادر نقل السنة النبوية؟ ! فحق له أن يقول ما شاء له القول .. ! !
وحق للعقلاء المنصفين أن يقروا بحقيقة الجهود العظيمة والوسائل العلمية الدقيقة التي اتبعها المحدثون في خدمة الحديث.--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق في ص 83 - 84.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)

‌‌رابعا: منهج المحدثين في حقل تطبيقه
يقول تسيهر ومن يقلده:
"والناقد المسلم يبقى باردا أمام المناقضات للتاريخ وللعرف الاجتماعي ذات النوع الأكثر عامية "يعني أنها مسفة جدا" بشرط واحد هو أن يكون الإسناد بحسب القاعدة. والامتياز النبوي لمحمد هو وسيلة للتغلب على مثل هذا المشكلات".
ثم يقول بعد ذلك:
"ونوضح هذه الخصوصية لنقد الحديث عند المسلمين بذكر مثال مأخوذ من حقل تطبيقه نفسه، فيوجد بين الفئات العديدة من الأحاديث المغرضة فئة نستطيع أن نسميها فئة "أحاديث المذهب"، وهذه الأحاديث هي الأحاديث المختلفة في داخل نزعة مذهب علمي التي يقصد بها البرهنة على تفوق هذا المذهب في مقابل نزعة منافسة وأن يخلع شيئا من الثقل والقوة على آرائها المذهبية الخاصة. ولم تنتحل الأحاديث المغرضة بعدد كبير ضد البدع الاعتقادية فقط، بل إن الواضعين كانوا يدخلون النبي نفسه كحكم أعلى في الخلاف الذي يفصل بين علماء العراق وعلماء الحجاز، فللبرهنة على أن أبا حنيفة هو أفضل فقيه من فقهاء الشريعة الدينية اخترع تلامذته الحديث التالي: "يكون في أمتي يوما رجل يقال له أبو حنيفة وسيكون سراج الأمة".
الحديث بشكل مباشر من فم النبي، ولم يجهدوا مطلقا في أن يجعلوا الناس يصدقون بأن النبي قد ذكر فعلا اسم العالم العراقي" (1).--------------------------------------------
(1) من الفصول التي ترجمها لنا الزميل الدكتور عبد اللطيف الشيرازي الصباغ من كتاب "دراسات في السنة الإسلامية".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)

انتهت الترجمة الحرفية لما قاله بورشيه مستخلصا عن جولدتسيهر أستاذ المستشرقين المتحاملين على الإسلام.
وقد كنت أتساءل عن المنهج الذي يريد هؤلاء الناس أن نأخذه عنهم كي نحسن نقد الروايات حتى عثرت عليه ظاهرا جليا في مناقشاتهم لأهل الحديث، وظهر أوضح ما يكون في هذه الكلمة التي يتحدث فيها عن مثال تطبيقي من علم الحديث، فإذا منهجهم المنتظر منهج متهافت يقوم على التسرع في الحكم والمجازفة، بعيدا عن التحقيق والرواية، حتى لقد أصاب هؤلاء الناقدون من أنفسهم المقاتل بطعنهم المفتعل في منهج المحدثين وتطبيقهم لقواعد الحديث.
بيان ذلك:
1 - أن المحدثين قد ذكروا أن من دلائل الوضع في الحديث مخالفته للوقائع الحسية المشاهدة، أو للتاريخ، وذلك أمر مفروغ منه في كتب المصطلح، مطبق على أوسع نطاق في نقد الأحاديث كما يشاهد في كتب الأحاديث الموضوعة.
وهذه واقعة لطيفة لها دلالتها الهامة جرت مع الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي سنة 447، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: "أظهر بعض اليهود كتابا بإسقاط النبي صلى الله عليه وسلم الجزية عن الخيابرة -يعني يهود خيبر-، وفيه شهادة الصحابة، فعرضه الوزير على أبي بكر؟ فقال: هذا مورو! قيل: من أين قلت هذا؟ ، قال: "فيه شهادة معاوية وهو أسلم عام الفتح بعد خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، ومات قبل خيبر بسنتين". فاستحسن الوزير ذلك منه ولم يقبل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)

منهم ما في هذا الكتاب (1).
فهذا الناقد المسلم لا يتردد لحظة ولا يتوقف عن الحكم ببطلان الوثيقة المزورة التي أسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أساتذة الأفك في العالم، وها نحن نجعل هذه التجربة التي خاضها أجداد تسيهر من قبل هدية إليه تعبيرا عن الموقف البارد الذي يزعمه في حق النقاد المسلمين. ولا ندري إذا كان تسيهر وأمثاله لا يزالون بعد هذا يقولون: "إن الناقد المسلم يبقى باردا أمام المناقضات للتاريخ وللعرف الاجتماعي ذات النوع الأكثر عامية". إذن فما الذي يمكن أن يعتبر موقفا حاميا والنووي، والعراقي والعسقلاني، في الأرض المقدسة، ولن يكون ذلك بعيدا بإذن الله تعالى.
2 - زعم أن الامتياز النبوي أي ادعاء كون الخبر المغيب أو الخارق للعادة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وسية للتغلب على التناقضات التاريخية في الأحاديث.
وهذا القول منه غاية في المكابرة والبعد عن الحق، حيث أحال--------------------------------------------
(1) التذكرة: 1141، وانظر طبقات الشافعية الكبرى: 4: 35، والإعلان بالتوبيخ للسخاوي: 10، والخطيب البغدادي للدكتور يوسف العش: 235، وقد أحال إلى هذه المصادر وغيرها، وأوردنا ذلك في تصديرنا لكتاب: "الرحلة في طلب الحديث" للخطيب البغدادي، مع واقعة أخرى في عتق سلمان ص 53 و 54.
لكن الغريب أن القوم لم يرتدعوا بما حاق بهم من الخيبة بل حاولوا تثبيت هذه الوثيقة كرة ثانية فأحضروا هذا الكتاب بين يدي ابن تيمية رحمه الله وحوله اليهود يزفونه ويجلونه وقد غشي بالحرير والديباج فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: هذا كذب من عدة أوجه وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصغار. انظر القصة وتفصيل الأوجه وهي عشرة في كتاب تلميذه ابن القيم: "المنار المنيف في الصحيح والضعيف": 102 - 105.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)

المعجزات وإبناء النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيب إلى اختلاق الرواة عوضا من أن يجعله هذا الاعجاز يعيد النظر في موقفه، كما فعل بعض المستشرقين حيث اعتنق الإسلام حين انزاحت عن بصائرهم غشاوة التعصب.
والحقيقة أن أنباء الغيب المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة الثابتة كثيرة تفوق درجة التواتر في جملتها، ويبلغ عدد كثير منها التواتر بمفرده، كالأحاديث الواردة في ظهور المسيح الدجال اليهودي وفي نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام مما لا يسع أحدا إنكاره إلا أن ينكر عقله وحسه (1).
وإذا كانت أنباء الغيب لا تقبل في زعم تسهير فلا ندري لماذا يتعب نفسه في الطعن على الإسلام واصطناع البحث العلمي من أجل ذلك وهو إنما يفعل ذلك لتشكيك المسلمين وتشتيتهم تمهيدا لتحقيق النبوءة المزعومة عن أرض الميعاد!
على أن المسلمين لم يتلقوا أحاديث الخوارق وأنباء الغيب جزافا من غير تمييز، بل محصوها وفحصوها فصحا دقيقا ميزوا به الصواب من الخطأ والصدق من الكذب، وها هي ذي الأحاديث الكثيرة في ذم الأمويين وفي مدحهم وفي التنبئ ببعض الوقائع لهم تملأ بطون الكتب الخاصة بالأحاديث الموضوعة والتحذير منها، وها هي ذي أيضا الأحاديث الساقطة في فضل العباس وفي التنبي بدولة العباسيين والأحاديث فيهم مدحا أو غير ذلك قد جمعت في كتب الموضوعات والضعيفات التالفة للتحذير منها.
أرأيت لو كان المحدثون يودون إثبات المعجزات ولو بالتلفيق أفما--------------------------------------------
(1) انظر أحاديث هذين الأمرين في كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" لفضيلة مولانا محمد شفيع ابن مفتي باكستان. واخترنا هذين المثالين لتوفر المرجع الذي يبحثهما ويجمع أحاديثهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)

كانوا يختارون من هذه الأحاديث ما فيه إنباء عن واقع مجرد بعيد عن المدح أو الذم على الأقل؟ ! فما لنا لا نجد لهذه الروايات ظلا في كتب السنة المعتمدة؟ ! ولماذا نجد كتب الموضوعات تحذر من جملة كبير من أحاديث المعجزات والخوارق … ؟ !
3 - إن الحديث الذي أورده على "أنه مأخوذ من حقل تطبيق هذا العلم نفسه" لهو نفسه برهان عظيم يثبت دقة نظر المحدثين، فإنهم قد وسموا بالكذب راويه مأمون بن أحمد السلمي الهروي منذ الأيام التي ظهر فيها وطلع على الناس بهذا الحديث ونحوه، وكان منه آنذاك عصرية الإمام أبو حاتم بن حبان البستي رحمه الله، كما نقل عنه الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (1).
وقد كنت فيما خلا من الزمن أتساءل عن هؤلاء الناقدين (2) أن يكونوا اطلعوا في كتب الأحاديث الموضوعة والتالفة على بعض تلك الأحاديث التي يتذرعون بها فحسبوا بما أوتوا من السعة في علم الحديث أن هذه الكتب هي مصادر السنة النبوية؟ ! فقد -والله- وجدت ذلك واقعا بهم على أفحش وضع وأبينه سقوطا حيث مخرقوا على العالم بحديث موضوع كذبه المحدثون ونفوه منذ اللحظة الأولى لصدوره من آفكه! .
4 - قوله: "ولم يجهدوا مطلقا في أن يجعلوا الناس يصدقون بأن النبي قد ذكر فعلا اسم العالم العراقي".
هذا قول مناقض للحقيقة وللواقع تماما، حيث إن هذا الحديث قد استنكر هو وأضرابه غاية الاستنكار من قبل العلماء كلهم ومن قبل العامة على حد سواء، حتى سقط راويه نفسه ولم يعد يسمع منه--------------------------------------------
(1): 3: 429 - 430.
(2) في المدخل إلى علوم الحديث: 17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)