بذلك من يحيي أصحاب العظام، فمثل هذا لا يجوز فيه تقدير مضمر إِلَّا بدليل استقلال الكلام دونه.
(فصل)
وأما الضرب الثاني فهو فحوى الخطاب، فهو ما يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلم لعرف اللغة، نحو قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}، فهذا يفهم من جهة اللغة المنع من الضرب والشتم، ويجري مجرى النص على ذلك في وجوب العمل به والمصير إليه.
(فصل)
وأما الضرب الثالث وهو الحصر، فله لفظ واحد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق)، فظاهر هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
اللفظ يدل على أن غير المعتق لا ولاء له، وقد يرد مثل هذا اللفظ لتحقيق المنصوص عليه، لا لنفي ما سواه، نحو قولك: إنما الكريم يوسف، وإنما الشجاع عمرو، ولم يرد نفي الكرم عن غير يوسف، ولا نفي الشجاعة عن غير عمرو، وإنما أردت إثبات ذلك ليوسف عليه السلام، وأن يجعل له مزية في الكرم، على غيره إِلَّا أن الظاهر ما بدأنا به أولاً، فلا يعدل عنه إِلَّا بدليل.
(فصل)
ومما يلحق بذلك ويقرب منه عند كثير من الناس دليل الخطاب، وهو أن يعلق الحكم على معنى في بعض الجنس، فيقتضي ذلك عند القائلين به نفي ذلك الحكم عمَّن لم يكن به ذلك المعنى من ذلك الجنس،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (في سائمة الغنم الزكاة)، فيقتضي ذلك نفي الزكاة في غير السائمة.
فهذا النوع من الاستدلال يسمى عند أهل النظر دليل الخطاب.
وقد ذهب إلى القول به جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ومنع منه جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لأن تعليق الحكم بصفة في بعض الجنس يفيد تعليق ذلك الحكم بما وجدت فيه تلك الصفة خاصة، ويبقى الباقي في حكم المسكوت عنه، يطلب دليل حكمه في الشرع.
باب أحكام القياس
وأما الضرب الرابع من معقول الأصل، فهو معنى الخطاب، وهو القياس وحده حمل أحد المعلومين على الآخر في إثبات الحكم أو إسقاطه بأمر جامع بينهما.
وهو دليل شرعي عند جميع العلماء.
وقال داوود: يجوز التعبد به من جهة العقل، إِلَّا أن الشرع منع منه.
والدليل على ما ذهب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
إليه جماعة أهل العلم قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ}، والاعتبار في اللغة: هو تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه، وكذلك يقال: عبرت الدنانير والدراهم، إذا قايستها بمقاديرها من الأوزان، ويقال لمفسر الرؤيا معبر، وعبرت الرؤيا حكمت لها بحكم ما يماثلها وقستها بما يشاكلها، وعبرت عن كلام فلان إذا جئت بما يطابق معانيه وتقابلها وتقاس بها.
دليل ثان: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، ونحن نجد أحكاماً ليس لها ذكر في القرآن ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل رجل له دينار وقع في محبرة لغيره،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
فلم يستطع إخراجه، ومثل: ثوب أبيض وقع في قدر لصباغ، فكمل صبغه وحسن وغير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالآية أنه نص على حكم كل حادثة في القرآن، وإنما أراد به أنه نص فيه على بعض الأحكام وأحال على سائر الأدلة فيه، فكان ذلك بمنزلة أن ينص في القرآن على جميعها.
فمن الأدلة التي أحال على الأحكام لها القياس؛ لأنا نجد أحكاماً كثيرة لا طريق لإثباتها إِلَّا بالقياس والرأي، فالأحكام التي ذكرنا وما شاكلها.
ومما يدل على ذلك من جهة السنة قوله عليه السلام لعمر حين سأله عن غلبة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت هل كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
عليَّ جناح؟) قال: لا، قال (ففيم إذاً!).
وقوله للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟)، قالت: نعم، قال: (فدين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الله أحق أن يقضى).
وقوله للذي أنكر لون ابنه: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر، قال: (هل بها من أورق؟) قال: نعم، قال: (فأنى ترى ذلك؟)، قال: عرق نزع، قال: (فلعل هذا عرق نزعه)، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة.
ومما يدل على ذلك علمنا بأن الصحابة اختلفت في مسائل كثيرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
جرت بينهم فيها مناظرات كثيرة ومنازعات مشهورة ومراجعات كثيرة، كاختلافهم في توريث الجد مع الأخوة، واختلافهم في الحرام والقول والظهار، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: إما أن يكون في هذه الأحكام المختلف فيها نص لا يقبل التأويل، أو ظاهر يحتمل التأويل، أو لا يجوز ذكر لحكمها جملة.
ويستحيل أن يكون فيها نص لا يحتمل التأويل، لأنه لو كان لسرع إليه الموافق له فانقطع الخلاف وثبت الاجماع على الحق ويستحيل أن يكون فيها نص فيذهب عن جميعهم لأن ذلك إجماع منهم على الخطأ، ولا يجوز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
هذا ولو جاز ذلك لجاز أيضاً أن تذهب عليهم شرائع وصلوات وصيام وعبادات، قد نص عليها صاحب الشرع، وهذا باطل باتفاق المسلمين.
ويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويلين، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقره العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي نطق به، وتبين احتجاجه منه، ولا يحتج بالرأي والقياس؛ لأن المستدل والمحتج إنما يحتج بما ثبت عنده به الحكم، ولا يعدل عند المناظرةِ وقصد إثبات الحق إلى ما ليس بدليل ولا حجة عنده ولا عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
خصمه.
ولما رأينا كل واحد منهم احتج في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف، علمنا إجماعهم على القول بصحة القياس والرأي.
كإجماعهم على إمامة أبي بكر بالقياس والرأي، وإجماعهم على إمامة عثمان، وغير ذلك مما أجمعوا عليه.
ومن ذلك خبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ ذهب إلى الشام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ سرنج بلغه أن الوباء وقع بها، فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا يفر من قدر الله، ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم، ثم دعا من حضر من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر آية من كتاب الله ولا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أشار كل واحد منهم برأيه، وبما أداه إليه اجتهاده إليه، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مصبح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: فرارًا من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها … ، نعم نفر من قدر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لرجل إبل في واد له عدوتان: إحداهم خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله، فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي، وجاوبه عمر بالرأي، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ثم شاعت هذه القصة وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر على أحدهم القول بالرأي.
وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة.
(فصل)
إذا ثبت أن القياس دليل شرعي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
فإنه يصح أن يثبت به الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يثبت شيء من ذلك بالقياس، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن الآية عامة في الأمر بالاعتبار، فلا يجوز أن يخص إِلَّا بدليل.
(فصل)
العلة الواقعة عندنا صحيحة، نحو علة منع التفاضل في الدنانير والدراهم؛ لأنها أصول الأثمان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وقيم المتلفات.
وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست بصحيحة.
والدليل على ما نقوله أن القياس امارة شرعية، فجاز أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
تكون خاصة وعامة كالخبر.
(فصل)
ذكر ابن خويز منداد أن معنى الاستحسان الذي ذهب إليه بعض أصحاب مالك رحمه الله تعالى هو القول بأقوى الدليلين، مثل تخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر، للسنة الواردة بذلك؛ وذلك لأنه لو لم يرد بذلك شرع في إباحة بيع العرايا بخرصها تمراً لما جاز؛ لأنه من بيع بالرطب باليابس.
وهذا هو الدليل وإنما سماه استحساناً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
على معنى المواضعة، ولا يمتنع ذلك في عرف أهل كل صناعة.
(فصل)
ذهب مالك رحمه الله تعالى إلى المنع من الذرائع
وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها بخمسين نقداً،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
ليتوصل بذلك إلى بيع خمسين مثقالاً نقداً بمائة إلى أجل.
وأباح الذرائع أبو حنيفة والشافعي.
والدليل على ما نقوله قوله عز وجل: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} الآية، فوجه الدليل من هذه الآية أنه تعالى حرم الاصطياد يوم السبت وأباحه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)