أنكره الإمام أحمد على إسماعيل بن عيّاش، مما يدل على أنه علة الحديث، وفسر عبد الله وجه النكارة بأن الحديث وهمٌ من إسماعيل، وشيخه في هذا الحديث هو موسى بن عقبة إمام المغازي، وهو حجازي من ثقات أهل المدينة. وهذا الوهم يحتمل أحد وجهين: الأول: أن يكون ذلك راجعاً إلى تفرد إسماعيل ابن عياش عن موسى بن عقبة بهذه الرواية، وهو ممن لا يحتمل تفرده لعدم ضبطه لحديث أهل الحجاز، وهذا وجه إعلال الإمام البخاري للحديث.
قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: "إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به"(1). ونقل عنه أيضاً أنه قال: "لا أعرفه من حديث ابن عقبة، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق"(2). وممن نص على تفرد إسماعيل عن موسى بن عقبة بهذه الرواية الترمذي(3)، والبزار(4).
الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعاً إلى ما ذكره أبو جاتم قال: "هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله"(5)، فيكون الوهم في رفعه للحديث. ولم أقف على رواية الوقف إلا ما ذكره أبو حاتم هنا.
وقد يقال إن إسماعيل بن عياش لم ينفرد بهذا عن موسى بن عقبة بدليل ما رواه الدارقطني من ثلاث طرق أخرى عن موسى بن عقبة، وعليه فلا يستقيم--------------------------------------------
(1) الجامع 1/ 237.
(2) علل الترمذي الكبير 1/ 190.
(3) الجامع الموضع السابق.
(4) نقل ابن دقيق العيد عن البزار أنه قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا إسماعيل بن عياش، ولا نعلم يُروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض إلا من هذا الوجه الإمام في معرفة أحاديث الأحكام 1/ 70.
(5) علل ابن أبي حاتم 1/ 49 ح 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
الإعلال بالوجه الذي ذكره الإمام البخاري من توهيم إسماعيل بن عياش من أجل التفرد، وهذه الطرق هي:
1. طريق عبد الملك بن مسلمة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى ابن عقبة به(1).
2. طريق أبي معشر، عن موسى بن عقبة به. رواه الدارقطني أيضاً من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل عنه(2).
3. طريق إبراهيم بن العلاء، وسعيد بن يعقوب الطالقاني كلاهماعن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، عن نافع به(3).
أما الطريق الأول ففيه عبد الملك بن مسلمة، قال ابن حبان: شيخ يروي عن أهل المدينة المناكير الكثيرة. وقال ابن يونس: منكر الحديث(4). وأما المغيرة ابن عبد الرحمن المخزومي فقيه أهل المدينة، فوثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة، وقال أبو زرعة: لا بأس به(5). واغتر به ابن سيد الناس فصحح الحديث من أجله، وذهل عن وجود عبد الملك بن مسلمة في السند، فخطّأه ابن حجر(6).
وأما الطريق الثاني ففيه رجل مبهم في السند، وفيه أيضاً أبو معشر نجيح ابن عبد الرحمن المديني، قال أحمد: كان صدوقاً، لكنه لا يقيم الإسناد، ليس بذاك(7)--------------------------------------------
(1) سنن الدارقطني 1/ 117.
(2) سنن الدارقطني 1/ 118.
(3) أخرج الطريقين الدارقطني السنن 1/ 117، وأخرج ابن عدي طريق إبراهيم بن العلاء الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 294، وذكر ابن عدي طريق الطالقاني تعليقاً.
(4) المجروحين 2/ 134، المغني في الضعفاء 2/ 408.
(5) تهذيب الكمال 28/ 382.
(6) تلخيص الحبير 1/ 138.
(7) الجرح والتعديل 6/ 494.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
وقال ابن معين: ضعيف، يكتب من حديثه الرقاق، وكان رجلاً أميا، يتقى أن يروى من حديثه المسند(1). وقال البخاري: منكر الحديث(2). فمثل هذا لا يعتبر به في غير الرقاق من المسند، والأمر الآخر هو أن الرجل المبهم يحتمل أن يكون مجروحاً جرحاً شديداً. وبهذا ينتفي صحة متابعة إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة.
وأما الطريق الثالث، ففيه إبراهيم بن العلاء أبو هارون الغنوي، لم يحدث عنه يحيى القطان وابن مهدي(3)، لكن قال عنه الذهبي: بصري صدوق(4)، إلا أن الراوي عنه، وهو محمد بن جعفر بن رزين لم أجد له ترجمة. وإبراهيم بن العلاء مقرون بسعيد بن يعقوب الطالقاني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة، والنسائي، والذهبي(5). وهذا السند ظاهره الصحة، إلا أنه معلول، فإن الشيخ الثاني لإسماعيل ابن عيّاش، وهو عبيد الله بن عمر حجازي أيضاً فروايته عنه ضعيفة أيضاً، ولذلك قال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله(6)، يشير إلى تفرد إسماعيل بن عيّاش به عن عبيد الله، وهو ممن لا يحتمل منه هذا التفرد.
وقد ضعف الحافظ ابن حجر هذا الحديث من جميع طرقه(7).
2. قال أبو طالب: سألت أحمد عن حديث ابن عياّش، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قاء، أو رعَف، أو أَحدث--------------------------------------------
(1) تهذيب الكمال 29/ 326.
(2) التاريخ الكبير 8/ 114.
(3) الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 212.
(4) ميزان الاعتدال 1/ ترجمة 152.
(5) تهذيب الكمال 11/ 123، الكاشف 1/ 447 ترجمة 1983.
(6) الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 294.
(7) فتح الباري 1/ 409.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
في صلاته فلْيذهب فلْيتوضأ، ثم ليَبْنِ على صلاته" فقال: هكذا رواه ابن عيّاش، إنما رواه ابن جريج فقال: عن أبي، إنما هو عن أبيه، ولم يُسنده عن أبيه، ليس فيه ذكر عائشة(1).
وفي رواية أبي داود:
"سمعت أحمد قيل له: حديث ابن عيّاش ـ وهو إسماعيل ـ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في البناء ـ يعنى من الحدث في الصلاة؟ قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن جريج، عن أبيه، ولم يسمعه أيضاً من أبيه، قلت: يجمعهما ـ أعني إسماعيل بن عياش؟ قال: ليس هذا بشيء"(2).
هذا الحديث أخرجه ابن ماجة(3)، وابن عدي(4)، والدارقطني(5)، والبيهقي(6) من طرق عن ابن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به مرفوعاً.
وقد رواه ابن عيّاش بإسناد آخر فقال: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الربيع موسى بن عامر، عن الوليد بن مسلم، عن إسماعيل به(7)،--------------------------------------------
(1) السنن الكبرى للبيهقي 1/ 142. رواه من طريق ابن عدي، والذي في أصل الرواية كما في الكامل لابن عدي 1/ 288: عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، والصواب ما ذكره البيهقي من طريق ابن عدي بذكر عائشة مكان ابن عباس، لأن الحديث حسب مصادر التخريج إنما ورد عن عائشة، وليس عن ابن عباس، وأيضاً نسخة الكامل المطبوعة معروفة بكثرة الأخطاء فيها.
(2) مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود 399/ 1889.
(3) سنن ابن ماجة 1/ 385 ح 1221.
(4) الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 292، 5/ 1928.
(5) سنن الدارقطني 1/ 154 ح 15.
(6) السنن الكبرى 1/ 142، 2/ 255.
(7) أخرجه البيهقي من هذا الوجه السنن الكبرى 2/ 255. والوليد بن مسلم ثقة معروف، وإنما عيب عليه كثرة التدليس التقريب 7506.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
وتابعه مروان بن محمد الطاطري عن إسماعيل به(1).
ورواه داود بن رُشيد، عن إسماعيل، عن ابن جريج، عن أبيه، وعن عبد الله ابن أبي مليكة، عن عائشة به(2).
وقد أعلّ الإمام أحمد الإسناد الأول كما في هذه الرواية من طريق أبي طالب عنه، ووجه ذلك أن الحفاظ من أصحاب ابن جريج رووا الحديث عنه، عن أبيه مرسلاً. رواه كذلك: عبد الرزاق(3)، وأبو عاصم النبيل، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الوهاب ابن عطاء الخفاف(4). فهؤلاء مقدّمون على إسماعيل ابن عياش في ابن جريج وخاصة أن إسماعيل معروف بعدم ضبطه لحديث شيوخه الحجازيين، وابن جريج منهم.
وقد وافق الإمام أحمد على إعلال الحديث من هذا الوجه محمد بن يحيى الذهلي ـ وقد روى الحديث بالوجهين مسنداً من طريق ابن عياش، ومرسلاً من طريق أبي عاصم النبيل ـ فقال: "هذا هو الصحيح عن ابن جريج، وهو مرسل، وأما حديث ابن جريج، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة الذي يرويه إسماعيل بن عياش فليس بشيء"(5).
وتبعهما البيهقي، قال: "وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم … "(6).--------------------------------------------
(1) أخرجه من هذا الوجه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 1928. ومروان بن محمد الطاطري ثقة انظر: تهذيب الكمال 27/ 401 - 402.
(2) أخرجه الدارقطني 1/ 153 ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى 2/ 255. وداود بن رُشيد ثقة التقريب ترجمة 1794.
(3) انظره في منصنفه 2/ 341 ح 3671.
(4) والأربعة رواياتهم عند الدارقطني في السنن 1/ 155.
(5) سنن الدارقطني 1/ 155.
(6) السنن الكبرى 2/ 255 - 256.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
وأما أبو حاتم وأبو زرعة فرجحا أيضاً رواية الإرسال لكن من وجه آخر فقالا: "الصحيح عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل"(1). وهذه الرواية لم أقف عليها، والظاهر أنها غريبة، ومن أجل ذلك قال ابن دقيق العيد: "هذا لون آخر ينبغي أن يتتبع بالكشف"(2).
وقد يعترض على هذا الإعلال بثلاثة أمور، سأوردها مع الجواب عليها.
الأول: أن إسماعيل بن عياش توبع عن ابن جريج: تابعه سليمان بن أرقم قال: حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث(3). قال الدارقطني: "تابعه سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وأصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلاً، والله أعلم"(4)، يشير إلى أنه مع هذه المتابعة، حتى ولو صلحت، فإنها لا تقارن برواية أصحاب ابن جريج الحفاظ.
الثاني: أن بعض الرواة روى الحديث عن إسماعيل بن عيّاش، عن عباد ابن كثير، وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بمثله مرفوعاً. رواه الدارقطني، وقال: عباد بن كثير، وعطاء بن عجلان ضعيفان(5). وعباد بن كثير الذي يروي عنه إسماعيل بن عياش هو الثقفي البصري(6)، وهو أسوأ حالا من الرملي، فقد قال فيه غير واحد: لا يكتب حديثه(7)، وقال الإمام أحمد: روى--------------------------------------------
(1) علل ابن أبي حاتم 1/ 31 ح 57، و 1/ 179 ح 512.
(2) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام 2/ 345.
(3) أخرجه الدارقطني 1/ 155.
(4) سنن الدارقطني 1/ 154.
(5) الموضع نفسه.
(6) انظر: تهذيب الكمال 3/ 163 - 164.
(7) تهذيب الكمال 14/ 147 - 148.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
أحاديث كاذبة لم يسمعها(1). وأما عطاء بن عجلان فمتروك أيضاً، وأطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب(2). فروايته ساقطة أيضاً كالتي قبلها.
الثالث: أن إسماعيل بن عياش قد روى الحديث من وجهين: مرسلاً كما رواه الجماعة، ومسنداً بذكر عائشة؛ رواه عنه بالإسنادين معاً: محمد بن المبارك، ومحمد بن الصباح، والربيع بن نافع(3). وهذا يُشعر بأنه ضابط للحديث، فتقبل روايته المسندة ولا تعلّ، وهذا الذي مال إليه ابن دقيق العيد، وتبعه ابن التركماني. قال ابن دقيق العيد: "وهذه الروايات التي جمع فيها إسماعيل بن عيّاش بين الإسنادين جميعاً ـ أعني المرسل والمسند في حالة واحدة ـ مما يبعد الخطأ على إسماعيل، فإنه لو اقتصر على رفع ما وقفه الناس لتطرّق الوهم إلى خطئه تطرقاً قريباً، فأما وقد وافق الناس في روايتهم المرسل، وزاد عليهم بالمسند، فهذا يُشعر بتحفظ وتثبت فيما زاده عليهم، وإسماعيل قد وثقه يحيى بن معين، وقال يزيد بن هارون: ما رأيب شامياً ولا عراقياً أحفظ من إسماعيل بن عيّاش"(4).
والجواب على هذا أن إسماعيل قد روى الحديث من وجه آخر عن ابن جريج غير الوجهيْن المذكوريْن، وهو: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة، ولم يتابع على هذا الوجه كما لم يتابع على الرواية المسندة من طريق ابن أبي مليكة من وجه معتبر. والذين رووا الحديث عنه من هذه الوجوه الثلاثة كلهم ثقات، واختلافهم عليه يدل على اضطرابه لا على مزيد تثبت، فالوجه الذي توبع عليه من قبل ثقات--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل 6/ 84.
(2) قاله الحافظ في التقريب 678 ترجمة 4627.
(3) ورواياتهم كلهم عند الدارقطني في سننه 1/ 154. وكلهم ثقات انظر: التقريب: 1912، 6004، 6302.
(4) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام 2/ 345، وانظر: الجوهر النقي بحاشية السنن الكبرى حيث نقل كلام ابن دقيق العيد بدون عزو 1/ 142.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
أصحاب شيخه ابن جريج يكون هو المحفوظ والوجهان الآخران يكونان غير محفوظيْن، وهذا ما ذكره ابن عدي عن الوجهين المسندين(1)، والله أعلم.
وقد ردّ الإمام أحمد على احتجاج أبي داود برواية إسماعيل للحديث من الوجهين ـ أعني مسنداً ومرسلاً ليدل على قبوله عنده ـ فقال: ليس هذا بشيء(2).
2. سفيان بن عيينة:
ذكر الإمام أحمد أن حديثه عن الكوفيين فيه غلط كثير، فقال كما جاء في رواية الفضل بن زياد: "كان سفيان بن عيينة حافظاً، إلا أنه كان إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء"(3).
ولا يدل هذا في الحقيقة على سوء حفظ سفيان لحديث الكوفيين، وذلك أن كلام الإمام أحمد ورد في معرض مقارنة حفظ الثوري بابن عيينة، فالرواية كما جاءت عن الفضل بن زياد هي:
"سئل أحمد بن حنبل، قيل له: سفيان الثوري كان أحفظ أو ابن عيينة؟ فقال: كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطاً، وأما ابن عيينة فكان حافظاً، إلا أنه إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء. قيل له: فإن فلاناً يزعم أن سفيان بن عيننة كان أحفظهما؟ فضحك ثم قال: فلان حسن الرأي في ابن عيينة فمن ثَمّ"(4).
والأمر الآخر أن هذه الرواية أشارت إلى غلط ابن عيينة في حديث الحجازيين أيضاً، وهذا أيضاً ليس على إطلاقه بدليل أن شيخ الإمام أحمد وهو--------------------------------------------
(1) الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 293.
(2) تقدم في صدر المسألة ص 293.
(3) تاريخ بغداد 9/ 170.
(4) تاريخ بغداد 9/ 170.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
عبد الرحمن بن مهدي قد قال في ابن عيينة: إنه من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز(1). فكثرة الغلط المشار إليها في رواية ابن عيينة عن الكوفيين هي بالمقارنة برواية الثوري عنهم، فالثوري أحفظ لحديث الكوفيين من ابن عيينة وأقل غلطاً، وأما بالنسبة لرواية ابن عيينة عن الحجازيين فإنما يقصد به الغلط الذي لا يسلم منه أحد حتى وإن كان ثقة، والله أعلم.
ولم يجتنب أصحاب الصحاح رواية ابن عيينة عن الكوفيين كالأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر الأحمسي، وأبي إسحاق الشيباني وغيرهم(2).--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 482 رقم 6062.
(2) تهذيب الكمال 7/ 179 - 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
المطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد، والإعلال به عند الإمام أحمد.
ومن العلل التي تعلّ بها الروايات في حالة دون أخرى أن يكون الراوي ليس له من الضبط ما يقبل منه أن يروي حديثاً واحداً عن عدد من الشيوخ ثم يسوقه سياقاً واحداً، وذلك أن الحديث الواحد إذا رواه عدد من الشيوخ فلا بد أن يقع بطبيعة الحال بعض الاختلافات في ألفاظهم بين شيخٍ وآخر لتصرفهم في لفظ الحديث، فإذا جاء راوٍ وروى الحديث عنهم ولم يميز لفظ هذا من ذاك، فإن ذلك مشعر بأنه قد حمل لفظ بعضهم على بعض، وبالتالي يقع في الخطأ والوهم لا محالة، ولكن هذا ليس في جميع الرواة، ولا هو في جميع الحالات، فبعض الرواة قد يكون له من الحفظ والإتقان ما يجعله يميز الألفاظ فيقبل من مثله جمع الشيوخ، كما أن في حالة الرواية بالمعنى ممن توفرت فيه شروطها، يسوغ له أن يروي عن عدد من الشيوخ ما اتحد فيه معنى حديثهم وإن اختلفت ألفاظهم.
وقد بيّن الحافظ ابن رجب هذا الوجه من الإعلال فقال: "ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره"(1).
والمسئلة في الحقيقة ذات شقين:
الشق الأول: أن يروي الراوي الحديث عن عدد من الشيوخ اختلفوا في--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي 2/ 816.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
اللفظ لكن المعنى واحد، فيروي عنهم بلفظ واحد ولا يشير إلى اختلاف ألفاظهم اعتماداً على اتحاد المعنى، فهذا يرجع إلى مبحث الرواية بالمعنى، فيتقيد جواز هذا الصنيع بشروط الرواية بالمعنى. لكن الاتقان يقتضي من الراوي أن يبين صاحب اللفظ، وفي حالة عدم علمه بما يميز لفظ بعضهم عن البعض، يبين كذلك(1). وقد كان الإمام أحمد حريصاً على تمييز الألفاظ في السند والمتن، ومنه أخذ الإمام مسلم هذا الصنيع كما قال السخاوي(2). فإن قيل إن هذا يقتضي حمل حديث بعض الشيوخ على البعض، يجاب بأن المحذور في هذا حيث كان بين الأحاديث اختلاف في المعنى، أو بالزيادة والنقصان، وهو خارج عن صورة المسألة.
الشق الثاني: أن يكون متن الحديث مجموعه من جماعة من الشيوخ ملفقاً بأن يكون عن كل شيخ قطعة منه، فيخلط ألفاظهم ويسوق الحديث سياقاً واحداً بلا تمييز لما عند كل واحد منهم(3)، فهذا لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه عارف بمواضع الاتفاق والاختلاف بين شيوخه كما تقدمت إشارة ابن رجب لصنيع الإمام الزهري في روايته لحديث الإفك، فإنه رواه عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم عن عائشة رضي الله عنها، قال: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيْتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، وإن كان بعضهم--------------------------------------------
(1) انظر: فتح المغيث 3/ 181.
(2) المصدر السابق 3/ 183. وانظر المثال الذي ذكره عن الإمام أحمد في المسند 19/ 339: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض ـ قال حجاج: رجل من بني عامر ـ عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة".
(3) انظر: فتح المغيث 3/ 211 - 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
أوعى له من بعض"(1). فذكر أنهم اختلفوا في الحديث، وكل واحد حدثه بجزء منه، وأنه حافظ لرواية كل واحد منهم على حدة، فلم يؤثر ذلك في الجمع بين ألفاظهم. على أنه قد انتقد على الإمام الزهري هذا الصنيع منه، كما نقله القاضي عياض قال: "انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقاً عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الاخر"(2).
ويزاد على هذا شرط آخر، وهو أن يكون الشيوخ كلهم ثقات، وأما حيث كان بعضهم يُستضعف فإنه يقع احتمال اختصاص الضعيف بشيء من الحديث عن الآخرين، ولأجل هذا المحذور كان يكره الإمام أحمد أن يروي الراوي حديثاً عن رجلين أحدهم مجروح، فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على حمل الحديث عن الثقة وحده، فقد روى الخطيب من طريق الخلال عن حرب الكرماني أن أبا عبد الله قيل له: "فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتاً وأترك أباناً؟ قال: لا، لعل في حديث أبان شيئاً ليس في حديث ثابت، وقال: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما"(3).
وهناك صورة أخرى لهذا الشق، وهي ما إذا كان بين أولئك الشيوخ تباين في أوجه رواية الحديث، كأن يكون عند بعضهم مرفوعاً وعند الآخرين موقوفاً، أو يكون عند بعضهم بزيادة رجل في الإسناد، ولا يكون كذلك عند الآخرين، أو غير ذلك من أوجه الاختلاف في السند، فالجمع بينهم في هذه الحالة أيضاً لا يكون مقبولاً إلا من حافظ متقن. وقد ذكر ابن رجب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: "كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري 7/ 431 ح 4141 - مع فتح الباري.
(2) لم أقف عليه في الإلماع في تقييد السماع للقاضي عياض ونقلته بواسطة فتح الباري 8/ 456.
(3) الكفاية في علم الرواية ص 537.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله"(1).
وحيث لم يكن لدى الراوي من الحفظ والاتقان ما يجعله يميز الألفاظ أو أوجه الرواية فجمعه للشيوخ في الإسناد يكون موضع الانتقاد لما يقع من حمل حديث بعضهم على بعض، وإدخال حديث في آخر.
ومما تقدم تتلخص الصور المحذورة لجمع الشيوخ في الإسناد عند رواية الحديث الواحد في ثلاث صور:
1. أن لا يكون لدى الراوي من الحفظ والمعرفة ما يؤهله للرواية بالمعنى، في حالة روايته لحديث تتفاوت ألفاظ شيوخه فيه مع اتحاد معنى ما رووه.
2. أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاتفاق والاختلاف في مرويات شيوخه.
3. أن يكون بعض الشيوخ ضعيفاً، فإنّ جمع الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة.
وقد كان الإمام أحمد ينتقد على الرواة جمعهم بين الشيوخ في الأسانيد، وتكلم فيهم من أجل ذلك، والظاهر أن ذلك راجع إلى هذه المحاذير. وهذا أحد أوجه جرحه لمحمد بن عمر الواقدي وتركه لحديثه. قال إبراهيم الحربي: "سمعت أحمد ـ وذكر الواقدي ـ فقال: ليس أُنكر عليه شيئاً إلا جمعه الأسانيد ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا. قال إبراهيم: ولم؟ وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، وفلان، وفلان، والزهري أيضاً قد فعل هذا"، وفي رواية أخرى ذكر معهم حماد بن سلمة أيضاً(2). وما ذكره الحربي من الاستدراك--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي 2/ 866.
(2) تاريخ بغداد 3/ 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
بمحمد بن إسحاق وحماد بن سلمة، فقد ورد عن الإمام أحمد إنكاره عليهم بالعلة نفسها كما سيأتي، وأما الزهري فقد تقدم أنه بلغ من الحفظ والاتقان ما يسوغ له ذلك.
ومن هؤلاء الرواة أيضاً محمد بن إسحاق إمام المغازي. قال المروذي: "سألته يعني الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق، كيف هو؟ قال: هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجليْن. قلت: كيف؟ قال: يحدّث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا "(1). فإذا جمع بين الرجلين فقد يكون الرجل الآخر ضعيفاً، أو يكون في نفسه ثقة لكن بين حديثه وحديث الزهري مثلاً تفاوتاً فيحمل حديث أحدهما على الآخر بلا تمييز، ويقع بسبب ذلك في الوهم والغلط.
وروى الخطيب من طريق أيوب بن إسحاق بن سافري قال: "سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله! ابن إسحاق إذا انفرد بحديثه تقبله؟ قال: لا والله! إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا"(2).
وقال ابن هانئ عن الإمام أحمد أنه سمعه يقول: "إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثاً عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين، يقول: حدثني فلان وفلان، لم يحكمه"(3). يقصد ابن إسحاق إذا جمع بين رجلين، ولا يقصد إبراهيم بن سعد، إذ لم يرد عن الإمام أحمد تضعيفه بحال. وقوله: "لم يحكمه" يدل بمفهومه على أن من يُحكم هذا الجمع لما له من مزيد الضبط والاتقان يكون ذلك منه مقبولاً.
فهذه من الأمور التي اعتمدها الإمام أحمد لتقرير خفة ضبط ابن إسحاق--------------------------------------------
(1) العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره 61 رقم 55.
(2) تاريخ بغداد 1/ 230.
(3) مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 225 رقم 2226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
عنده، حيث لم يكن يحكم أن يميز بين ألفاظ الشيوخ إذا اشتركوا في رواية حديث واحد، فمن أجل ذلك لم يكن يحتج به إذا انفرد بالحديث، وإنما يحتج به في المغازي، ولم يكن يحتج به في السنن كما قال عبد الله(1).
ولم أقف على حديث لابن إسحاق أعله من أجل جمعه للشيوخ في الإسناد.
وذكر منهم أيضاً أبا بكر بن عبد الله أبي مريم الحمصي الغساني:
قال عبد الله: "سئل أبي عن حريز وأبي بكر بن أبي مريم، فقال: أبو بكر ضعيف، كان يجمع فلان وفلان"(2).
قال ابن هانئ: "وسئل: أيما أحب إليك: صفوان أو أبو بكر بن أبي مريم؟ قال: صفوان أحب إليّ، وهو صالح الحديث، وأبو بكر ضعيف، كان يجمع الرجال فيقول: حدثني فلان، وفلان، وفلان"(3).
فضعفه الإمام أحمد من أجل جمعه للشيوخ لأنه ليس له من الحفظ ما يضبط هذا.
وكذلك قال في حماد بن سلمة، مع أنه ثقة عنده كما تقدم، فقال كما في رواية الأثرم: "في حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي صلى الله عليه وسلم في آنية المشركين: قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال، ثم يجعله إسناداً واحداً، وهم يختلفون"(4).
وهذا الحديث عن حماد بن سلمة رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن محمد القرشي، عن حماد، عن أيوب وقتادة به، ولفظه: "قال أبو ثعلبة الخشني:--------------------------------------------
(1) تاريخ بغداد 1/ 230، وانظر: الجرح والتعديل 7/ 193.
(2) العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 39 رقم 1484.
(3) المصدر السابق 2/ 229 رقم 2258.
(4) شرح علل الترمذي 2/ 815.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
[يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قُدورهم ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء" ثم قال: يا رسول الله! إنا بأرض صيدٍ فكيف نصنع؟ قال: "إذا أرسلتَ كلبَك المُكلَّب وذكرت اسم الله فقتل فكُلْ، وإن كان غير مُكلّب فذُكِّي فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرتَ اسم الله فقتل فكُل"، وقال الترمذي: حسن صحيح(1). ورواه الطبراني(2)، والدارقطني في العلل(3). ورواه حماد بن سلمة عن أيوب وحده، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة به. أخرجه أحمد(4)، وابن أبي عاصم(5)، والحاكم(6). ولم أر من تابع حماداً عن قتادة إلا ما ذكره الدارقطني في العلل تعليقاً أن أبا حنيفة رواه عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة ـ ليس بينهما أبو أسماء(7).
وقد خولف حماد بن سلمة عن أيوب: خالفه شعبة(8)، ومعمر(9)، وحماد ابن زيد(10)، وسعيد بن أبي عروبة(11)، وابن جريج(12)، وعبد الوهاب الثقفي(13)،--------------------------------------------
(1) الجامع 4/ 255 ح 1797.
(2) المعجم الكبير 22/ 217 ح 580.
(3) علل الدارقطني 6/ 321.
(4) المسند 29/ 284 ح 17750.
(5) الآحاد والمثاني 5/ 89 ح 2631.
(6) المستدرك 1/ 144 بذكر الآنية فقط.
(7) علل الدارقطني 6/ 322.
(8) وحديثه عند الترمذي الجامع 4/ 109 ح 1560، وأحمد المسند 29/ 266 ح 17731، وابن الجعد ص 184 ح 1193، والحاكم المستدرك 1/ 143.
(9) وحديثه عند عبد الرزاق المصنف 4/ 471 ح 8503، وأحمد المسند 29/ 273 ح 17737.
(10) وحديثه عند أبي داود الطيالسي مسند الطيالسي ص 136 ح 1014، والحاكم المستدرك 1/ 143.
(11) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير 22/ 230 ح 604.
(12) وحديثه عند الطبراني أيضاً المعجم الكبير 22/ 231 ح 605.
(13) ذكره الدارقطني تعليقاً علل الدارقطني 6/ 321.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
وابن عيينة(1)، فكلهم رووه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، لم يذكروا فيه أبا أسماء.
وتابع هشيمٌ حمادَ بن سلمة في ذكر أبي أسماء، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة. أخرج حديثه الحاكم، والبيهقي(2). ولكن الثوري خالفه، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، كرواية الجماعة عن أيوب. أخرجه الطبراني(3)، والحاكم(4).
ورجح الدارقطني قول من أرسل الحديث عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة بدون ذكر أبي أسماء.
ووجه إعلال الإمام أحمد للحديث هو من حيث جمع حماد بن سلمة للإسنادين، الأول عن أيوب، والثاني عن قتادة، فجعلهما إسناداً واحداً وحمل أحدهما على الآخر، والواقع أنهما مختلفان، فإسناد حديث أيوب وقع عنده بذكر أبي أسماء، وأما إسناد قتادة فتدل رواية أبي حنيفة أنه بدون ذكر أبي أسماء، فحيث جعل الإسنادين واحداً وقع في الغلط فحمل إسناد قتادة على إسناد أيوب والواقع أن بينهما اختلافاً، فلذلك قال أحمد: "كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال ثم يجعله إسناداً واحداً وهم يختلفون"، كما تقدم.
وهذا يدل على أن الجمع بين الرواة في الأسانيد لا يقبله الإمام أحمد من كل أحد، حتى ولو كان ثقة.
وقد ذكر الخليلي أن سبب تجنب البخاري لحديث حماد بن سلمة هو من--------------------------------------------
(1) ذكره الدارقطني تعليقاً أيضاً الموضع نفسه.
(2) المستدرك 1/ 144، والسنن الكبرى 1/ 33.
(3) المعجم الكبير 22/ 230 ح 603.
(4) المستدرك 1/ 143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
أجل هذه العلة ـ أعني جمعه للرجال في إسناد واحد. قال الخليلي: "ذاكرتُ يوماً بعضَ الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح، وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك! فقلت: أليس ابنُ وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم(1)؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه، وأحفظ له"(2).
وحتى كبار الحفاظ البارزين في الحفظ والاتقان قد يقعون في الخطأ والغلط من جراء هذا الصنيع، ومن ذلك ما ذكره الترمذي عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، وشعبة ـ غير مرة ـ عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه"(3). فحكم الحفاظ على يحيى القطان بالوهم في هذا الحديث. قال ابن عدي: "وذِكرُ سعد بن عبيدة في هذا الإسناد عن الثوري غيرُ محفوظ، وإنما يُذكر هذا عن يحيى القطان، جمع بين الثوري وشعبة فذكر عنهما جميعاً في الإسناد في هذا الحديث: سعد بن عبيدة، وسعد إنما يذكره شعبة،--------------------------------------------
(1) وقد يجمع بين الثقة والضعيف كما روى البخاري من طريقه في كتاب الاعتصام عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو حديث: "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً" الحديث. فالغير هنا هو عبد الله بن لهيعة، أبهمه البخاري لضعفه فتح الباري 13/ 282 - 283. ونبه الحافظ على أنه ليس بين معنى حديثهما كبير أمر، وهو ما يسوغ مثل هذا الصنيع. وذكر السخاوي عدة أمثلة أخرى للجمع بين الثقة والضعيف خصوصاً عن ابن وهب انظر: فتح المغيث 3/ 210.
(2) الإرشاد في معرفة علماء الحديث 1/ 417 - 418.
(3) الجامع 5/ 160.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
والثوري لا يذكره، فحمل يحيى حديث شعبة على حديث الثوري، فذكر عنهما جميعاً سعداً، ويقال: لا يُعرف ليحيى بن سعيد خطأ غيره"(1).--------------------------------------------
(1) الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 1234، وانظر: فتح الباري 9/ 75. واهتديت إلى هذا المثال من كتاب الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات للشيخ طارق بن عوض الله ص 265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
المطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى.
درج كثير من رواة الآثار من لدن عهد الصحابة على رواية الأحاديث بالمعنى، ولم يروا ضرورة الالتزام باللفظ المسموع في الرواية إذا كان المعنى المؤدّى صحيحاً، قال الإمام الشافعي: "وقد قال بعض التابعين: لقيت أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا في المعنى، واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك، فقال: لا بأس ما لم يُحيل المعنى"(1)، أي يُعدله عن وجهه. وعن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: "كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد واللفظ مختلف"(2).
وذهب معظم أهل العلم إلى جواز ذلك، لكن اشترطوا في الذي يروي بالمعنى أن يكون عالماً بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، وما يحيل معناها(3). قال الإمام الشافعي في بيان من تقوم بخبره الحجة: "إذا حدّث به أي الحديث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام"(4).
وكان الإمام أحمد ممن ذهب إلى جواز الرواية بالمعنى، ويستدل لذلك بفعل السلف، قال: "ما زال الحفاظ يحدّثون بالمعنى، وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنى وما لا يحيله"(5). ومما يدل على تقريره للرواية بالمعنى إذا لم تحصل الإحالة في المعنى ما ذكره أبو داود في مسائله قال: "سمعت أحمد بن محمد بن حنبل قال: قال عبد الرحمن: سألت سفيان عنه ـ يعني عن حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "للفارس--------------------------------------------
(1) الرسالة ص 275/ 755.
(2) جامع بيان العلم وفضله 1/ 344 رقم 464، 465.
(3) انظر: شرح علل الترمذي 1/ 427، وفتح المغيث 3/ 137 - 138.
(4) الرسالة ص 370 - 371.
(5) شرح علل الترذي 1/ 427.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)