الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله.
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب.
*
…
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب.
القلب مركز لأهم الوظائف الإنسانية، مثل:
1-وظيفة التعقل.
2-الاعتقاد.
3-النيات والإرادات.
4-العواطف.
5-الانفعالات.
وسوف أتكلم في هذا المبحث على كل منها في مطلب مستقل بحدود ما أرى أنه يفي بالغرض إن شاء الله، والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
المطلب الأول: وظيفة التعقل
لقد اختلفت تعاريف الباحثين والمفكرين للعقل، والوظائف التي تناط به، كما اختلفوا في مكان وجوده، وسبب ذلك أن لفظ العقل يطلق على عدة وظائف وصفات تقوم بالإنسان، ويسمى مَنْ قامت به عاقلاً، وسوف أشير إلى أهمها:
الأولى: يطلق العقل على مجموع الوظائف النفسية المتعلقة بتحصيل المعرفة كالإدراك، والفهم والتمييز والتذكر والتخيل والحكم والاستدلال … الخ. ويرادفه على هذا المعنى الفهم والذهن1.
وعلى هذا الاعتبار يسمى الإنسان عاقلاً أي ليس بمجنون.
ويوصف بأنه متعقل أي يفهم الخطاب، ويرد الجواب، ويميز ويستدل.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان، التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، كما قال أحمد بن--------------------------------------------
1 المعجم الفلسفي د. جميل صليبا 2/88، 89 دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط الأولى، 1973م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
حنبل والحارث المحاسبي1 وغيرهما: أن العقل غريزة"2.
وبمقدار هذه الغريزة، تكون نسبة الذكاء قوة وضعفاً.
وهذا الأمر يستوي في أصله الناس العقلاء، وهو طريق العلم الذهني.
الثانية: يطلق العقل على التفكر والفقه فيما تنقله الحواس للقلب، وأخذ العبرة منها، واستشعار القلب للمعاني والعبر، والتفاعل معها رغبة ورهبة، حباًَ أو كراهية … وهذا هو طريق العلم الباعث على صلاح السلوك.
فالعقل على هذا يطلق على وظيفة التفكر والاعتبار التي هي وظيفة القلب الأساسية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله-: "فصلاح القلب وحقه، والذي خلق من أجله، هو أن يعقل الأشياء، لا أقول يعلمها فقط، فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلاً له، بل غافلاً عنه ملغياً له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنياً، فيطابق عمله قوله، وظاهره باطنه، وذلك--------------------------------------------
1 الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي، صاحب التصانيف الزهدية، منها: الرعاية وغيرها، توفي سنة 243هـ.
انظر: وفيات الأعيان 2/57، وسير أعلام النبلاء 12/110.
2 مجموع الفتاوى 9/287.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
هو الذي أوتي الحكمة" 1.
وهذا القدر زائد على الإدراك الذي يتحصل عليه الإنسان بذهنه وذكائه، فالعلم قد يكون علماً نظرياً من الحواس إلى الدماغ، فيحفظ العلم، أو يعرف كثيراً من خصائص الأشياء، والسنن التي أودعها هذا الكون وأسرار المخلوقات، وقد يعرف معاني ودلالات الكلام دون أن يصل ذلك العلم إلى القلب، ويستشعر ما دل عليه من الخير، وأدلته وأسبابه وعواقبه، فيرغب فيه ويندفع إليه، ودون أن يستشعر ما دلت عليه من الشر، وأدلة قبحه وأسبابه وعواقبه، فيحدث فيه نفوراً منه وخوفاً من عواقبه.
والعاقل بهذا الاعتبار: هو الذي ينتفع بسمعه وبصره ويعمل عقله لاستخلاص التجارب والعبر، ومعرفة الخير والشر، وسنن الله الجارية في عباده، وينعكس أثر ذلك على سلوكه.
قال ابن تيمية رحمه الله: "ثم إن الله خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء … وإذ قد خلق القلب، لأن يعلم به، فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها، هو الفكر والنظر … " 2.
وقيل لابن عباس رضي الله عنه بماذا نلت العلم؟ قال:" بلسان--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 9/309.
2 مجموع الفتاوى 9/307، 308.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
سؤول، وقلب عقول" 1.
وقال الرازي في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج:46] : "فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار، وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب، لأن من عاين وسمع، ثم لم يتدبر ولم يعتبر، لم ينتفع البتة، ولو تفكر فيما سمع لانتفع" 2.
وهذه الوظيفة -التي هي القدرة على التعقل- موجودة لدى سائر العقلاء من الناس، لكن منهم من استفاد منها -بإذن الله- ومنهم من عطلها، أو استخدمها في غير ما ينبغي لها، لذلك لام الله الكفار على عدم التعقل، والانتفاع به، واللوم دليل الإمكان، كما في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] .وقال أيضاً: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ--------------------------------------------
1 نفس المصدر السابق 9/303.
2 التفسير الكبير 23/44، 45 ط الثانية، دار الكتب العلمية، طهران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
أَأفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] .وقال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس:62] .
ففي هذه الآيات ونحوها لوم من الله للكفار على عدم انتفاعهم بما أعطاهم الله من نعمة التفكر والاعتبار، والنظر في مخلوقاته، وفي أحوالهم وما يجري منهم من التناقض، ونحو ذلك مما لو تفكروا فيه ونظروا نظراً صحيحاً، وتدبروا ما وصلهم من الكتب ومواعظ الأنبياء، لكان كفيلاً بهدايتهم وإخراجهم من الضلال.
أما الآيات التي تنفي عنهم التعقل في نحو قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاءً وَنِدَاءصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171] .
وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} [يونس:42] .
فهذا النفي ليس للقدرة ووجود وظيفة التعقل، وإنما هو نفي للانتفاع بها، فالواقع أنهم لم يتعقلوا، وإن كانوا قد هُيئوا بأصل الخلقة لذلك.
قال ابن جرير رحمه الله في قوله تعالى: {بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171] .
قال: "ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم الذي لا يفقه من الأمر والنهي غير الصوت الذي يسمعه … فكذلك الكافر، مثله في قلة فهمه لما يؤمر به، وينهى عنه بسوء تدبره إيّاه، وقلة نظره وفكره فيه، مثل هذا المنعوق به فيما أمر به ونهي عنه" 1.
فقوله رحمه الله: "بسوء تدبره إياه، وقلة نظره وفكره فيه" يدل على وجود القدرة على التدبر والنظر، وإنما هو أساء في ذلك أو أعرض عنه.
وسبب ذلك أن ظلمة الكفر والمعاصي، تظلم القلب وتحرف التفكر والتعقل، قال تعالى: {كَلاّ َبَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .
لذلك لا تحصل الهداية إلا إذا شرح الله صدر من علم فيه الخير، فأزال ذلك الران الذي غطى قلبه.
قال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر:22] .
الثالث: يطلق لفظ العقل صفة يوصف بها العلم المكتسب--------------------------------------------
1 جامع البيان 2/81.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
المهذب للسلوك.
فالعقل على هذا الاعتبار، يطلق على:"ما يكتسبه الإنسان بالتجارب والأحكام الكلية، فيكون حده أنه معان مجتمعة في الذهن، تكون مقدمات يستنبط بها الأغراض والمصالح"1.
فتصير المعارف والعبر مخزونة عند القوة العاقلة بتكرار الاكتساب فتقوي ملكة العقل، كما يوصف من قام به ذلك بأنه عاقل، إذا أثرت تلك المعارف في عمله وتصرفاته وعَقَلته ووجهته، وكلما كانت كمية العلوم التي عقلها كبيرة، كان عقله أقوى وأرجح، كما أن العقل يكون سليماً بسلامة وصلاح تلك المعقولات المتراكمة.
إلا أن العاقل حقيقة هو الذي عقل عن الله مراده في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فوعى العلم واعتقده، وأثر في عمله وأخلاقه وتصرفاته جميعاً.
قال ابن تيمية رحمه الله:" والمقصود أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العلماء إنما هو صفة … وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم" 2.--------------------------------------------
1 المعجم الفلسفي 2/84.
2 مجموع الفتاوى 9/286، 287.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
فالعاقل على هذا هو الذي يفكر تفكيراً صحيحاً، وعقل بذلك علوماً وتجارب نافعة، تمكنه من الحكم على الأشياء حكماً صادقاً، وتهديه إلى العمل الصالح، والخلق القويم، وتحمله على أن يكبح جماح نفسه، فيعرض عن كل ما يوقعه في المهالك، أو يخرج عن نطاق قدرته أو مسئوليته، وأولئك هم أولو الألباب الذين آمنوا بالله وتعلموا من وحيه.
وقد بين الله في سياق مبارك أن الذين يعلمون أن الحق فيما ما نزل من الوحي، هم الذين يتذكرون ويتعقلون تعقلاً صحيحاً، وهم العقلاء حقاً، وبيّن أنهم يعملون بموجب علمهم، وبذلك كله استحقوا الوصف بأنهم أولو الألباب، فقال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:19-22] .
أما مقر العقل في بدن الإنسان فيرى كثير من المشتغلين في دراسة النفس البشرية: "أن الجهاز العصبي ومركزه المخ، هو القاعدة الرئيسية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
للنشاط العقلي" 1.
إلا أن هذا الرأي لا يزال مجرد ظن لم يصلوا فيه إلى يقين.
وحول هذا قال الدكتور: حلمي المليجي: "ويعتقد كبار المفكرين في كل العصور، أن نشاط العقل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمخ، ولا نزال في هذه الأيام نعتبر أن المخ مركزاً للعمليات الشعورية، ولقد أجريت دراسات طويلة في المخ استمرت عدة قرون، أثبتت أن التنقيب الصناعي عن مركز العقل في المخ، كان باطلاً، فلا توجد نقطة واضحة محددة نستطيع أن نبرهن على أنه في هذه النقطة، وفي هذا المكان يرتبط العقل أو النفس بمادة الروح" 2.
والذي دل عليه صريح القرآن أن العقل بمعنى التعقل والتدبر والتفقه، إنما مقره القلب، فالقلب هو آلة التفكر.
قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] .
قال الرازي: "وقوله يعقلون بهاكالدلالة على أن القلب آلة لهذا--------------------------------------------
1 علم النفس المعاصر د. حلمي المليجي ص65، دار النهضة، بيروت.
2 المصدر السابق ص64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل"1.
وقال أيضاً في بيان الحكمة من ذكر الصدور في الآية مع أن القلوب لا تكون إلا في الصدور: "وعندي فيه وجه آخر، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر … وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ، فالله تعالى بيّن أن محل ذلك هو الصدر" 2.
وقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24] .
وقال: {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} [المنافقون:3] .
فبين سبحانه أن المانع من التدبر هو أقفال القلوب، وأن الطبع عليها ينتج عنه عدم التفقه، مما يدل أنها هي آلة التدبر والتفقه.
أما بقية الوظائف الأخرى التي توصف بأنها عقلية -كالوظائف الغريزية المتعلقة بتحصيل المعرفة، والمذكورة في المعنى الأول للعقل، وكذلك حصيلة العلوم والتجارب والمعارف المخزونة في نفس العاقل، المؤثرة في سلوكه، والمذكورة في المعنى الثالث للعقل -فلا يوجد لدينا ما ينص على مركزها في البدن، فليس هناك -في نظري- ما يمنع من القول أن مستقرها في الدماغ.--------------------------------------------
1 التفسير الكبير 23/45.
2 نفس المصدر 23/45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
فيكون مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ثم التعقل واكتمال النظر في القلب، ثم تخزن المعلومات والعبر المعقولة في الذاكرة في الدماغ.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ"، ثم قال: "فيبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء" 1.
ومن هذا نخرج بنتيجة هي أن القلب محل لأهم وظيفة أمر الله بها الإنسان، وهي التفكر والتعقل، الذي هو طريق العلم والهداية بإذن الله.--------------------------------------------
1 مجموع الفتاوى 9/304.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
المطلب الثاني: الاعتقادات
الاعتقاد هو حكم الذهن الجازم، أو هو تصديق القلب الجازم، فإذا كان مطابقاً للواقع كان صحيحاً، وإذا كان غير مطابق له كان فاسداً.1
إلا أن الاعتقاد يطلق على العلم تارة، وتارة على اليقين، وتارة على التصديق مطلقاً، فيكون -على الأخير- أعم من أن يكون جازماً أو غير جازم، مطابقاً أو غير مطابق، ثابتاً أو غير ثابت2.
والاعتقاد باعتبار ثباته في القلوب ثلاثة أنواع:
الأول: اعتقاد تلقاه الإنسان من آبائه أو علماء ملته أو مجتمعه، دون أن يعرف أدلته وبراهينه.
وهذا النوع قد يكون صحيحاً أو باطلاً، ولكنه يقبل التشكيك في قلب معتقده لجهله بأدلته3.--------------------------------------------
1 كشاف اصطلاحات الفنون 2/954، والمعجم الفلسفي 1/104.
وقد قرر هذا التعريف الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود، رئيس قسم العقيدة، لطلاب السنة الرابعة بكلية الدعوة وأصول الدين عام 1407هـ، وكنت من بينهم.
2 نفس المرجع.
3 وهذا النوع إذا كان صحيحاً، فإنه يكون من الاقتداء الذي يحصل به إيمان مجمل، ينفع صاحبه، لكنه لا يوجب له الرسوخ في الإيمان، أو التحصن من الشبهات المضلة، والشهوات المحرمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ولرسوله، فهم مسلمون وعندهم إيمان مجمل … " إلى أن قال: "هؤلاء إن عوفوا من المحنة، وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق" [كتاب الإيمان، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص232] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
الثاني: اعتقاد عن اقتناع: "وهو إذعان نفسي لما يجده المرء من أدلة تسمح له بقدر من الرجحان والاحتمال، كاف لتوجيه عمله إلا أنه دون يقين" 1.
فهو أمر تبين للمعتقد صحته في النظر في محاسنه وعواقبه وبراهينه على وجه الإجمال، دون التمكن في معرفة براهينه على وجه التفصيل، وهذا أكثر رسوخاً في قلب صاحبه من النوع الأول، وإن كان أقل من اليقين.
الثالث: اليقين: وهو اعتقاد الأمر عن بصيرة ومعرفة بأدلته وبراهينه القاطعة، فهو اعتقاد عن اقتناع مستند إلى أسباب وحجج ثابتة قاطعة، وهذا هو الاعتقاد الراسخ الذي لا يقبل التشكيك إلا أن يشاء الله.
وقد وردت نصوص تدل على أن العقائد التي يؤمن بها الإنسان--------------------------------------------
1 المعجم الفلسفي 1/111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
محلها القلب، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14] .
فدلت الآية على أن الإيمان -وهو جملة اعتقادات- يدخل في القلب.
وقال: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران:167] .
أيْ إنّهم لا يعتقدون الإيمان الذي يتلفظون به، فقولهم ليس عن عقيدة قائمة في قلوبهم.
وقال: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ} [المجادلة:22] .
فدلت هذه النصوص على أن القلب محل الاعتقاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
المطلب الثالث الإرادات
الإرادة هي: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه1.
فهي تتركب من أمرين:
رغبة في الفعل أو شعور بالحاجة إليه أو تعلق أمل به، ثم قصده وميل النفس لفعله.
ويراد بالإرادة القصد، فتكون بمعنى النية2.
وهي نوعان:
أحدهما: قصد الفعل المعين، كتوجه الإرادة إلى القتال.
والثاني: تمييز المقصود بالفعل، كأن يقصد بالقتال وجه الله.
وقد وردت كثير من النصوص تدل على أن الإرادات والنيات محلها القلب، من ذلك:
قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقر:225] .--------------------------------------------
1 كشاف اصطلاحات الفنون 1/552.
2 جامع العلوم والحكم ص8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
وقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5] .
وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24] ففي هذه الآية بين تعالى تمكنه من قلوب العباد، فيصرفها كيف يشاء، بما لا يقدر عليها صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويلهمه رشده، ويزيغ عن الصراط السوي قلبه … 1
وعلى هذا فالعزائم والمقاصد والإرادات تقوم بالقلب.--------------------------------------------
1 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 9/191، شهاب الدين محمد الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
المطلب الرابع: العواطف
العواطف تتعلق بالمحبوبات والمكروهات، وكل عاطفة عبارة عن مجموعة انفعالات.
فمثلاًَ: مجموعة انفعالات سارة نحو شخص ما -كالإعجاب أو الشهوة، أو السرور والراحة أو الامتنان- تكون عاطفة محبة له أو حنواً عليه.
ومجموعة انفعالات غير سارة -كمشاعر الضيق، والاشمئزاز والاحتقار أو الحقد- فإنه تكون عاطفة كراهة1.
فالعواطف السارة مثل: المحبة والحنو، والاشفاق، والرحمة، والرجاء، ونحوها.
والعواطف غير السارة مثل: الكراهية، والابتئاس، والقنوط ونحوها.
والعواطف من أعمال القلوب، وتكون مستقرة أو سائدة.
فالعاطفة المستقرة هي:"استعداد وجداني مكتسب يجعل صاحبه--------------------------------------------
1 انظر: معجم المصطلحات النفسية والتربوية، إعداد د. محمد مصطفى زيدان ص188، دار الشروق، جدة ط الثانية 1404هـ. وانظر: علم النفس المعاصر ص167.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
قابلاً للانفعال، ولاتخاذ سلوك معين كلما اتصل بالموضوع أو الشخص الذي ركز حوله هذه العاطفة"1.
وعرفها بعضهم بأنها: "صفة نفسية ثابتة مكتسبة لها أثر كبير في تكوين الشخصية"2.
ويراد بوصفها بالثبات: تمييزاً لها عن الانفعالات الطارئة -كالغضب والفزع- فإنها توجد مع وجود المهيج، وتزول بزواله، أما العاطفة فهي شعور معين يقوم بالنفس نحو شخص معين أو أرض أو فكرة معينة وتكون ثابتة نسبياً.
والمراد بوصفها مكتسبة: أي أنها وإن كنت تَمُت بالأصل إلى دوافع فطرية3، إلا أنها تتأثر بالعوامل الاجتماعية، فتنمو وتقوى تحت تأثر التفكر والتأمل، والتجارب الانفعالية وتكرارها وتتوجه نحو موضوع--------------------------------------------
1 بحوث في علم النفس، د. فائز محمد على الحاج 1/158، المكتب الإسلامي، ط 4، 1402هـ.
2 معجم المصطلحات النفسية والتربوية ص188.
3 الدوافع الفطرية المراد منها: الغرائز التي جُبل الإنسان عليها، كحب الأكل والجماع مثلاً، إلا أن الدافع الفطري يكون عاماً غير متوجه إلى معين، بخلاف العاطفة، فإنها تكون متوجهة إلى معين، فمثلاً: حب الأكل دافع فطري، ولكن حب التفاح يكون عاطفة، والميل إلى النساء دافع، ولكن توجهه إلى الزوجة المعينة يكون عاطفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
معين، أو شخص أو جهة معينة1.
ووصفها بأنَ لها تأثيراً كبيراً في تكوين الشخصية: أي أن العواطف لها تأثير على إرادات الإنسان، ونواياه الدائمة التي تأخذ شكل العادات أو العبادات المتكررة، ومواقفه الثابتة.
"فتقوم العواطف بتنظيم الحياة الانفعالية للفرد، وتنظيم السلوك والدوافع الفطرية، وتعدلها وتوجهها وجهة معينة، ونتيجة لذلك يكتسب المرء قسطاً وفيراً من الثبات والاستقرار، مما يساعد على التنبؤ بسلوكه، ويرجع هذا إلى الاتجاه الثابت الذي تكونه العاطفة لدى الفرد تجاه موضوعات معينة أو أشخاص وأفكار … " 2.
وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى العاطفة المستقرة بقوله: "حتى تصير الطاعات أو المعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، وملكات ثابتة" 3.
أما العاطفة السائدة: فهي عاطفة من عواطف الإنسان إلا أنها تزيد على غيرها من العواطف، وتستحكم حتى تسيطر على جميع عواطفه--------------------------------------------
1 انظر: بحوث في علم النفس العام 1/157، 158، وعلم النفس المعاصر ص166.
2 علم النفس المعاصر ص168.
3 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام ابن قيم الجوزية ص57، 58 المطبعة السلفية، ط الأولى، 1394هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)