إلا أن إخراج الله عباده المؤمنين من الظلمات إلى النور لا يقف عند هذين الأمرين اللذين نص عليهما ابن جرير رحمه الله، بل إنه سبحانه يهيئ لهم من لطفه بهم، أسباباً تصرفهم عن كل ظلمة تكون في طريقهم، أو تصرفها عنهم، وبذلك يكون هذا الأثر عاماً في كل سبب يؤدي إلى خلاص المؤمن من أفكار الجاهلية وخصائصها.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} [الطلاق:2، 3] .
ففي هذا السياق المبارك بيّن سبحانه ثلاثة مظاهر لولايته لعبده المتقي، وهي:
أولاً: يجعل له مخرجاً، أي فرجاً وخلاصاً مما وقع فيه من الشدائد والمحن1، ومن ذلك الفتن وانتشار الأفكار الهدامة، ودعوات الضلال والفرقة في الدين، فإنها من الشدائد التي كثيراً ما تمر على المسلمين، فييسر الله لعبده طريقاً للسلامة والنجاة.
روى ابن جرير عن قتادة2 –رحمهما الله- في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ--------------------------------------------
1 انظر: فتح القدير للشوكاني 5/241.
2 الإمام العلامة المفسر قتادة بن دعامة السدوسي البصري، روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب وغيرهما، توفي سنة 117هـ. انظر: وفيات الأعيان 4/85، وسير أعلام النبلاء 6/269.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} .
قال: "من شبهات الأمور والكربات عند الموت"1.
الثاني: يرزقه من حيث لا يحتسب، أي يقدر الله لوليه ما يحتاج إليه وما يصلح شأنه من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه2.
ومسألة الرزق وتجاوز الحد في الحرص على المصالح الدنيوية، من أكبر ما يصد الناس عن طريق الله، ويعرضهم للفكر الهدام، ويكون مصيدة ينصبها أعداء الله لعباده المؤمنين، وسيأتي تفصيل ذلك –إن شاء الله- عند بيان أثر الإيمان في تطهير القلوب من الحرص على الدنيا، فإذا كفى الله وليه هذا الجانب فأعطاه وأرضاه، انتفى الدافع، وزال الحرص، وسلم له دينه.
الثالث: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} .
أي أن: "من وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه" 3.--------------------------------------------
1 جامع البيان 28/139.
2 انظر: فتح القدير 5/242.
3 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ولا شك أن من أشد ما يهم المسلم هو خوفه من الفتنة في الدين.
لذلك كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "1.ويأتي مزيد إيضاح لهذا المعنى في المطلب التالي.--------------------------------------------
1 رواه الإمام أحمد، المسند 6/302، 315 من حديث شهر بن حوشب.
والترمذي وقال:"هذا حديث حسن"، أبواب الدعوات 5/199.
وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة 1/100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
المطلب الثاني: تثبيت المؤمن عند الشدائد
الشدائد هي النوازل والأمور المضرة التي يشتد وقعها على المؤمن، وقد تضعف نفسه عن تحملها ومقاومتها، ويُخشى عليه فيها أن تزل قدمه فتصدر منه أعمال أو أقوال، أو ظنون ترديه في دينه أو دنياه.
ولا شك أن من أعظم الشدائد التي عاناها المسلمون في مختلف عصورهم هي جهود أعدائهم من محاولة فتنتهم بمختلف الوسائل {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل} [البقرة:217] .
ومن ذلك الوسائل الفكرية التي تهدف إلى التأثير على السلوك، وزعزعة العقائد بالفكر الخبيث، والتي اشتد وقعها في القرون المتأخرة، حيث عمت المصيبة في الدين، ونجم النفاق، وانتشرت أسباب الفساد، وارتفعت أصوات الناعقين بالكفر، والشبهات والتلبيسات، وتسلط الأعداء على المسلمين وظهروا عليهم.
فالله تعالى يتولى عبده المؤمن في مثل هذه الأحوال، فيثبته ويربط على قلبه، ويهديه ويهيئ له من الأسباب ما يعينه على الخلاص منها.
قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27] .
وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:11] .
وورد في رواية الإمام أحمد رحمه الله لحديث ابن عباس –رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّفْ إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة " 1.
فالمؤمن الذي تعرَّف إلى الله في الرخاء، بتحقيق التقوى، يجد ثمرة تلك المعرفة عناية وحماية من الله له في الشدة، فالله هو الشكور الحميد.
فما أحوج المسلمين في هذا العصر إلى الالتزام بالإيمان الصحيح الراسخ، الذي هو السبب في تحصيل ولاية الله، فيهدي قلوبهم ويثبتهم على الصراط المستقيم، ويصلح أحوالهم، ويلهمهم رشدهم، ويبصرهم بما فيه صلاح دينهم ودنياهم.--------------------------------------------
1 رواه الإمام أحمد، المسند 1/307 من حديث ابن عباس.
وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ح318 1/139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
المطلب الثالث: الحيلولة بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من الإرادات السيئة
وكما أن عناية الله لعبده المؤمن تكون بحمايته من الفتن والشرور الخارجية، تكون أيضاً بالحيلولة بينه وما قد يقوم في قلبه من الإرادات الباطلة، في لحظة من لحظات الضعف البشري، كما يدل على ذلك عموم قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24] .
قال ابن عباس –رضي الله عنهما: "يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. وعنه أيضاً: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته" 1.
ومظاهر عناية الله تعالى بالمؤمن في هذا المجال تكون بتثبيطه عن تلك الشرور وصرف همته عنها، أو عدم تمكينه منها. كما قيل: "من العصمة عدم القدرة" كما تكون بتهيئة الأسباب الصارفة للفتنة والشر عنه.
وأكتفي بهذه الإشارة لهذا الأثر نظراً لأنه سيأتي له مزيد إيضاح في الباب الثاني الأثر القلبي.--------------------------------------------
1 جامع البيان لابن جرير 9/216.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
المطلب الرابع: مظاهر الولاية الكاملة للكُمّل من عباد الله
إن أعلى مراتب ولاية الله تكون لعباد الله الذين كمّلوا الإيمان وحققوا التقوى، وسارعوا في الخيرات، وكمل توحيدهم وتوكلهم على الله.
وقد بين الله سبحانه أنه يتولاهم ولاية خاصة، ويحوطهم بعنايته الفائقة، ويحفظ جوارحهم الناقلة للشبهات أو لمثيرات الشهوات إلى القلب، فلا تنبعث إلا إلى الخير، ولا تتجاوب إلا مع ما يحبه الله ويرضاه.
فقد ورد البيان لمظاهر ولاية الله الكاملة في حديث الأولياء المشهور، وفيه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " 1.
قال ابن رجب–رحمه الله: "قوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
يمشي بها " …
المراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة، كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به، والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة، مشاهداً له بعين البصيرة … فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادته إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به، وإن بطش، بطش به، فهذا هو المراد بقوله: " كنت سمعه الذي يسمع به....""1.
ففي هذا الكلام السديد لابن رجب –رحمه الله ذكر لما يحدث في قلب المؤمن وفي سلوك جوارحه، نتيجة لولاية الله لعبده، ومحبته له، فقد ذُكر في الحديث عدة أمور بعضها من فعل العبد، وبعضها من فعل الله، وما ينتج عن كل منها.
فذكر فعل العبد بقوله: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما--------------------------------------------
1 جامع العلوم والحكم ص344، 345.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل " ثم ذكر أنه ينتج عن ذلك محبة الله لعبده، ثم ذكر ما ينتج عن المحبة بقوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به … " أي إن الله إذا أحب العبد جعل الإيمان هو السلطان الوحيد على قلبه، وجوارحه فلا تنفعل ولا تنبعث إلا لموجب أمره ونهيه، وهذه أعلى الكرامات وأسمى المقامات، وهو عناية إلهية ومنحة ربانية، ومعية ومعرفة خاصة يكرم بها الله خواص عباده تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه، وإجابة دعائه وإنجاءه من الشدائد.
ولا شك أنه إذا كان سلطان الإيمان مسيطراً على السمع والبصر والفؤاد، فإن الطريق يكون مقطوعاً على شياطين الإنس والجن، الذين يدعون الناس إلى الضلال بنشر الشبهات وإثارة الشهوات.
وخلاصة هذا المبحث أن الله تعالى يتولى عبده المؤمن فيخرجه من الظلمات إلى النور، ويجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته ويوفقه ويسدده، ومن ذلك صرفه عن الأفكار الخبيثة أو صرفها عنه بما يهيئ له من الأسباب.
وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته به، ومعيته له، حتى لا تنبعث جوارحه ولا قلبه، إلا لما يرضي الله، وما فيه خيره في دينه ودنياه، فهو محاط بعناية الله، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، وقلبه عامر بذكره ومراقبته.
فهو في حصن حصين من كيد المفسدين، وأنّى لشبهاتهم وضلالاتهم الفكرية أن تجد سبيلاً إلى قلبه، نسأل الله من واسع فضله ورحمته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
المبحث الثاني: مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة
الغرض من هذا المبحث بيان أهم مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة التي التزمت شعائر الإيمان ظاهراً وباطناً.
وأكتفي في هذا المبحث بالإشارة المجملة لما ورد في بعض النصوص من ذكر عناية الله بالجماعة المؤمنة، وذلك لأنه سيأتي تفصيل الآثار الإيمانية –التي جعلها الله حصوناً تقي المجتمع من الشرور الفكرية وغيرها- في الباب الثالث الأثر الاجتماعي.
إن الجماعة المؤمنة تمر بأطوار مختلفة من حيث القوة والكثرة، أو الضعف والقلة، وعناية الله تلازمها في جميع أطوارها بشرط أن تأتي بشرط الولاية وهو نصرة دين الله، بتحقيق التوحيد والتقوى والعمل من أجل إعلاء كلمة الله في أرضه.
ففي بعض الأحوال يكون الضلال منتصراً، يمتلك أهله كثيراً من أسباب القوة والغلبة، وفي مقابل ذلك يكون أهل الإيمان ضعفاء مهزومين، أو أذلاء مقهورين، فقد شاء الله العليم بأحوال خلقه، الحكيم في كل ما قدره وفعله، أن تكون الحياة دولاً بين الناس {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
[آل عمران:140] ومن ذلك أنه قدر أن يظهر الكفار على أهل الإسلام ويتسلطوا عليهم في فترة من الفترات، أو بقعة من البقاع، كما في العهد المكي، وما شابهه من الحالات في مسيرة الأمة إلى أن يأتي أمر الله. كما قدر في مرات أخرى ظهور أهل الإسلام إذا هم قاموا بشرط ذلك وعملوا ما في وسعهم واستطاعتهم لنصرة دينهم.
والمعركة مستمرة بين الخير والشر، والصراع قائم بين قُوى الإيمان وقُوى الطغيان، منذ أن خلق الله آدم وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.
ومن طبيعة الشر أنه جامح مسلح، يبطش ولا يتحرج، ويضرب ولا يتورع، ويملك من أسباب الفتنة ما يصد به عن الحق، وقد يملك من القوة المادية والمغريات ما قد يزلزل القلوب، ويستهوي النفوس، ويزيغ الفِطَر، وللصبر حدود، وللاحتمال أمد، وللطاقة البشرية منتهى، والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم … ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة1.
فبين سبحانه أنه سيتولى الدفاع عنهم، إذا جاءوا بشرط الولاية، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] .
وهذه الآية الكريمة وردت في سياق ذكر فيه أولاً: الدفاع عن--------------------------------------------
1 انظر: في ظلال القرآن مجلد 5 ج17/601.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
المؤمنين، ثم الإذن لهم بالقتال، ثم الوعد بنصرهم إذا جاؤوا بشرطه، ثم ذكر التمكين في الأرض، ثم الأعمال التي يتعين على الأمة التي تولاها الله أن تقيمها وتعمل على إقامتها في الأرض.
فدل هذا الترتيب على أهمية هذا المظهر العظيم من مظاهر ولاية الله، ألا وهو دفاعه عن المؤمنين، كما دل على أنه يستمر معهم في جميع حالاتهم.
ففي حال ضعفهم يثبتهم، ويعينهم على الصبر، ويقوي قلوبهم فلا يرتدون ولا يتشككون.
وعند وجود الشوكة، ومنازلة الأعداء، يتجلى دفاعه عنهم نصراً لهم ودفعاً لتسلط الأعداء عليهم.
وبعد انتصارهم وتمكينهم في الأرض يستمر دفاعه عنهم بخذلان أعدائهم، وإدخال الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم وكشف مخططاتهم السرية، كما يكون بصرف أسباب الضلال عنهم.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:38-41] .
فبين سبحانه أول السياق أنه سيتولى الدفاع عن المؤمنين {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} لأنهم جاؤوا بموجب ذلك، وهو الإيمان.
وأشار إلى أن أعداءهم قد جاؤوا بموجب المقت والخذلان، وهو الكفر والخيانة {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} .
وأن عليهم أن يطمئنوا إلى دفاعه عنهم وولايته إياهم {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} لذلك شرع لهم قتال الكفار، وأذن لهم به، وهو من الأسباب التي جعلها الله لعباده المؤمنين، لمكافحة الباطل والدفاع عن الحق {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} .
ثم زادهم من البيان ما يوجب طمأنينة قلوبهم، إلى ولايته ودفاعه ونصره إذا التزموا أسباب ولايته {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} .
ثم ختم السياق بذكر أعمال صالحة هي: الصلاة، والصوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فدل ختم هذا السياق الذي ذكرت فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
المدافعة والنصر والتمكين بهذه الأعمال على أهميتها في حصول ذلك واستمراره.
وإذا كان الله قد تكفل لعباده المؤمنين الذين جاؤوا بأسباب ولايته، بالمدافعة عنهم ونصرهم في حال قوتهم، ووجود شوكة لهم على العدو الظاهر وكيده السافر، فإنه من باب أولى أن يدافع عنهم في حال ضعفهم، أو في مقابلة الكيد الخفي الماكر، فتكون عنايته بهم في ذلك أشد، بحيث لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً يتمكنون به من إخراج المؤمن من دينه …
قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء:141] .
قال ابن كثير رحمه الله: "يحتمل أن المراد: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}
أي في الدنيا، بأن يُسلطوا عليهم استيلاء استئصال، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة"1.
وقال ابن القيم رحمه الله: "والتحقيق … أن انتفاء السبيل عن أهل--------------------------------------------
1 تفسير القرآن العظيم 1/567.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهراً وباطناً"1.
وكلا المعنيين اللذين أوردهما ابن كثير وابن القيم –رحمهما الله- صحيح.
فانتفاء السبيل بالكلية لأهل الإيمان الكامل، فالإيمان جالب لولاية الله الموجبة حفظه عباده، وتحصينهم من شرور الكافرين، ومن نقص في تحقيق التقوى، كان ذلك ثغرة في الحصن، وسبيلاً للكافرين عليه، بقدر نقصه، كما أن معه من ولاية الله بقدر إيمانه، إلا أن هذا السبيل الذي فتح عليه لا يصل إلى الاستئصال الكامل للجماعة المؤمنة، بل يبقى لهم باقية يُحيون دين الله في أرضه، والعاقبة للمتقين، والله أعلم.
والله تبارك وتعالى عندما بين للمؤمنين أنه معهم يدافع عنهم، وينصرهم ويحبط كيد أعدائهم، بيّن لهم بنفس الوضوح ما يريده منهم من الأمور التي جعلها أسباباً لحصول ذلك، فقال: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا--------------------------------------------
1 إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان 2/263.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120] .
قال ابن جرير رحمه الله: "وإن تصبروا أيها المؤمنون على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه … وتتقوا ربكم … لا يضركم كيدهم شيئاً: أي كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم، ويعني بكيدهم: غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين ومكرهم بهم، ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق"1.
وخلاصة القول: إن لله بعباده المؤمنين –الذين حققوا الإيمان الذي أراده منهم وبين معالمه لهم- ألطافاً جلية وخفية، فهو يحوطهم بتوفيقه وعنايته ورعايته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم، ويثبتهم على صراطه المستقيم، ويخرجهم من ظلمات الكفر والشرك والنفاق والبدع والعصيان، بما أنزل عليهم من العلم والبيان، وبما يحدثه في قلوبهم من نور الإيمان والبصيرة، وبتهيئة الأسباب التي تصرفهم عن الباطل أو تصرفه عنهم، وهو –سبحانه- دائماً معهم، يدافع عنهم في جميع أحوالهم، أفراداً كانوا أو جماعات.
فولاية الله لعباده هي أعلى المصالح التي يستفيدها المؤمنون من تحقيق الإيمان، وهي الخطوة الأولى التي يجب أن يسعى إليها المؤمنون في مجابهة المخططات الفكرية، أو الخلاص منها، وفي مجابهة كل أساليب الأعداء،--------------------------------------------
1 جامع البيان لابن جرير 4/44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
فهي حصن عظيم يحصن الله به عباده من كل مكروه. لكن شرطها قوي يحتاج من أئمة الدين وقواد المسلمين إلى العمل الجاد المشترك في استخلاص الأسباب الجالبة لولاية الله من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ثم إعداد الخطط المناسبة لحمل الناس على المجيء بها، والصدق في تنفيذ تلك الخطط.
وبهذا ينتهي ما يسره الله لي من الحديث عن الأثر الأول والأهم من آثار الإيمان في مجابهة الأفكار الهدامة. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة " الأثر القلبي "
*
…
والمقصود بهذا الباب بيان ما يحدثه الإيمان في القلب من الآثار التي يتحصن بها من تسلل الأفكار الخبيثة.
فالقلب هو ملك الأعضاء، وسيدها وأشرفها، والمتصرف فيها، فهو مركز الاعتقاد والإرادة، وموجه السلوك، وبصلاحه يكون الإنسان صالحاً، ويفسد بفساده.
قال صلى الله عليه وسلم: " … ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " 1.
فإذا كان القلب بهذه المنزلة من التأثير على السلوك وتوجيهه، فإن جهود شياطين الإنس والجن متوجهة في المقام الأول إلى قلوب العباد، لا لإفسادها بالأفكار المهلكة لها، بقذف الشبهات وتزيين الشهوات.
وفي مقابل ذلك جعل الله الإيمان وما يحدثه من الآثار في قلب المؤمن السبب -بعد عناية الله- في سلامته وتحصينه منهم.
وإذا كانت ولاية الله هي الأثر الخارجي -الخارج عن إرادة الإنسان وفعله- فإن عمران القلب بالإيمان سبب داخلي، وحصن يحصن الله به المؤمن من غوائل أعداء الله ومكرهم، وهو من آثار عناية الله وولايته لعبده.--------------------------------------------
1 رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ح52 الصحيح مع الفتح 1/162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فوجود الإيمان في القلب وجود حقيقي، يحدث في القلب تغيراً جذرياً يسري إلى كل ما يقوم بالقلب من الوظائف.
وقبل أن أتكلم عما يحدثه الإيمان في القلب من الآثار، أرى أن البحث يتطلب الكلام على ما يقوم في قلوب الناس من الوظائف، والعلاقة بينها، والمؤثرات الموجهة لها، وأحوال القلوب، لكي يسهل معرفة أثر الإيمان عليها بإذن الله.
وسيجري الكلام -إن شاء الله- على الأثر القلبي في ثلاثة فصول، هي:
الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله.
الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب.
الفصل الثالث: أثر الإيمان في تزكية القلوب.
وإلى الفصل الأول من هذا الباب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)