دِينه، لأنه -في رأيه- متكلِّم بالهوى غير منصف.
ولَمّا تكلم الإمام الدَّارَقُطْنِيّ في بعض الرواة وكانوا حنفية، ذمّه بعض الحنفية وطعنوا فيه.
ولَمّا ضعّف الدَّارَقُطْنِيّ بعض الأحاديث حسب قواعد وأصول المحدّثين في قبول وردّ الأخبار، وصادف أَنَّ تلك الأحاديث تؤيد مذهب الحنفية تكلم فيه بعضهم.
ولَمّا صحح أحاديث وافقت مذهب الشافعي اتهمه بعضهم بأنه متعصب لمذهب الشافعي … حتى أن بعض متأخري الحنفية -وهو الشيخ بدر الدين محمود العَيْني- ضعّف الإمام الدَّارَقُطْنِيّ بكلام مُجْمل من غير دليل فقال:
""هو مستحق للتضعيف"""1".
إن الأمر أكبر من هذا المسلك الذي سلكه هؤلاء، إنه دِين، وإنه عِلْم، وإنه قواعد وأصول، وليس العصبية والهوى.
فإن ساغ لبعض الحنفية أن يتكلم في الدَّارَقُطْنِيّ لمجرد أنه أَفْتى بما يعلمه في راوٍ حنفي، فإنه كذلك يسوغ للمالكية أن يسلكوا مسلكهم، ويسوغ أيضاً الحنبلية … ثم بعد ذلك ما قيمة علم الجرح والتعديل؟!.
وهل من المنطق العلميّ أن يحكم الإمام الدَّارَقُطْنِيّ في "الحسن بن عِمارة" مثلا بأنه: "ضعيف"، "متروك الحديث" في القرن الرابع، ثم يأتي بعض الناس في القرن الرابع عشر -أي بعد عشرة قرون- فيصدر بياناً بعنوان: "بيان--------------------------------------------
"1" "البناية شرح الهداية"، في بحث "القراءة"، نَقْلاً عن أبي الطيب محمد شمس الحق آبادي في ترجمة الدَّارَقُطْنِيّ مِن تعليقه في أول "السنن": 1/9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
منشأ تضعيف "الحسن بن عِمارة" والقول الفصْل فيه""1"!! وجاء فيه بكلام لا يستحق إصدار البيان. وقال في نهايته:
""وقد تعسّف الدَّارَقُطْنِيّ في قوله: إنه متروك، نقول: وكيف يروي عنه السفيانان، وابن القطان لو كان متروكاً؟!!، والله يقول الحق، ويهدي السبيل"""2".
قلت: ولم يتعرّض لمناقشة الدَّارَقُطْنِيّ بأكثر من هذه الكلمات، ومثل هذا قول أحدهم مُعَلِّقاً على كلام للكوثري:
""قال الرَّاقم: وكأن الأستاذ الكوثري يعرّض إلى كثير من الحفاظ الشافعية ولا سيما حامل لوائهم في المتأخرين، الحافظ ابن حجر، فإنه بِضد الحافظ الزيلعي، يبخس الحنفية حقهم في أمثال هذه المواضع، ويتكلم فيما لا يكون للكلام فيه مجال، ومن دَأبه في كتبه -ولا سيما فتح الباري- أنه يغادر حديثاً في بابه يكون مؤيداً للحنفية، مع علمه، ثم يذكره في غير مظانه، لئلا ينتفع به الحنفية"""3".
قلت: سامح الله هذا الراقمَ، فقد رقم ما لا يحل له رقمه، وما معنى هذا الكلام؟!!.
ويقول هو أيضاً: ""بخلاف الحافظ ابن حجر، فيتطلب دائماً مواقع العلل، ويتوخّى مواضع الوهن من الحنفية، ولا يأتي في أبحاثه بما يفيد الحنفية، ويقول شيئاً وهو يعلم خلافه، … """4".
قلت: سبحان الله، سبحان الله!! ليس أمير المؤمنين في الحديث بعالم سوء.
وليس مرادي الطعن على أحد، لكن أردتُ أن أبيّن أن هذا الأسلوب لا--------------------------------------------
"1" انظره في أول الجزء الثالث من "نصب الراية": ص:22.
"2" "نصب الراية": 3/23.
"3" "نصب الراية": 1/7 في ترجمة الزيلعي.
"4" "نصب الراية": 1/8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
يجوز، وأن هذا الكلام في الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ونحوه مردود بمقتضى قواعد الجرح والتعديل.
كما أنه مردود بالمبدأ الذي ادعوا به الطعن فيه، وذلك:
1- لأن قول المخالف في المذهب لا يُقبل فيمن يخالفه إذا عارضه قول غيره من الأئمة.
وقول هؤلاء في الدَّارَقُطْنِيّ يخالف قول الجمهور من الأئمة فيه.
2- وكذا لا يقبل قول المتأخر في المتقدم إذا لم يؤيده كلام المعاصر.
كما هو حال المتكلمين في الدَّارَقُطْنِيّ، لِما علمتَ أنه لم يوجد فيه كلام لأحد من الأئمة المتقدمين.
3- وكذا لا يقبل قول صاحب المذهب المتعصب ضد غيره فيمن يخالفه. كما هو حال المتكلمين في الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً.
وما ذكروه من ادعاء تشدّد الدَّارَقُطْنِيّ في الجرح يردّه ما قاله الإمام الذهبي في الردّ على ابن الجوزي عندما قال في حديث أعلّه الدَّارَقُطْنِيّ: ""إنه لا يقبل حتى يبين سببه"""1". فقال الذهبي مُعلِّقاً على ذلك: ""هذا يدل على هوى ابن الجوزي، وقلة علمه بالدَّارَقُطْنِيّ، فإنه لا يُضعِّف إلا من لا طِبَّ فيه"""2".
وهذا حكم عامّ من الذهبي رحمه الله، ولو كان يرى أن الدَّارَقُطْنِيّ متشدد في الحنفية لخصصه. والله أعلم.
وسيأتي في "الفصل الثالث" من "الباب الرابع" دراسة مقارنة لأقواله في الجرح والتعديل لبيان هل هو متشدد في الجرح والتعديل أو متساهل؟.--------------------------------------------
"1" "فيض القدير": 1/28.
"2" "فيض القدير"، للمناوي: 1/28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
الفصل الثاني: مكانته في الحديث وعلومه
*
…
تظهر مكانة الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، في الحديث وعلومه، في: حفظه للحديث وبراعته فيه، وفي رسوخه في معرفة العلل، وفي إمامته في الجرح والتعديل، وفي استدراكاته على الأئمة، وفي مصنفاته.
وفيما يلي الحديث عن مكانته في الحديث وعلومه، من خلال الحديث عن هذه الأمور كلها:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
المبحث الأول
حفظه للحديث، وبراعته فيه
كان الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى آية في حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودقائق علومه.
وقد اجتمع له مع الحفظ النادر، الدراية التامة، وقد سبق الحديث عن حفظه أقوال الأئمة في ذلك.
وهذا الحفظ الفريد، والخبرة والدراية العجيبتان، التي توافرت في أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يمكن أن يتبينها الإنسان من الأمور الآتية:
1- من أقوال الأئمة فيه.
2- من خلال كتبه، وموضوعاتها وإبداعه فيها.
3- من خلال نماذج من الأسئلة التي وجهت إليه، فأجاب عنها بما يدهش المرء، في باب الحفظ والدراية.
وإليك الحديث عن هذه الجوانب الثلاثة فيما يلي:
1- أما أقوال الأئمة فيه، فقد مضى بعضها، لا سيما في موضوع: إمامته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وحفظه، وفيه كفاية؛ فلا حاجة إلى زيادة النقل، أو إعادته هنا.
2- وأما مصنفاته: ففيها الدلالة الظاهرة على حفظه للحديث، سواء إِن نظرنا إلى استيعابه للمسائل والروايات التي يتعرض لها في كتبه أو إلى الموضوعات التي يقصدها بالتأليف:
فهو قد ألَّف في "علل الحديث" وفي "الأفراد والغرائب" من الحديث، وفي "التصحيف" وفي "الاستدراكات" على الأئمة ونقدهم، وفي "الجرح والتعديل" وفي "المؤتلف والمختلف من أسماء الرجال".
وكل هذه الموضوعات -كما ترى- لا يتأهّل للكلام فيها -فضلاً عن التأليف فيها- إلا الأئمة الأفذاذ من أئمة هذا الشأن، وقد ألّف فيها الدَّارَقُطْنِيّ وأجاد وأتى في كل موضوع بما دعا الأئمة الحفاظ إلى التسليم له بالتقدم، والرجوع إليه في ذلك، وانظر ما قلته في كل مصنف من مصنفاته في هذه الفنون.
3- وأما إحاطته بالروايات والمسائل التي يوردها في كتابه، فسأضرب أمثلة عليها بما يأتي:
المثال الأول: حديث "الأذنان من الرأس" وما جمع فيه من الروايات والطرق. فقد قال الدَّارَقُطْنِيّ: "باب ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم "الأذنان من الرأس".
حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا الجراح بن مخلد، نا يحيى
ابن العريان الهروي، نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأذنان من الرأس". كذا قال،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وهو وَهَمٌ، والصواب عن أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة الفهري، عن ابن عمر موقوفاً، هذا وهم لا يصح وما بعده، وقد بينت عللها""1".
ثم أخذ يسرد الروايات فذكر سبعة وأربعين طريقاً في معنى هذا الحديث!!.
وتكلم على كل طريق بالتضعيف، بالوقف أو الإرسال أو الانقطاع أو ضعف أحد الرواة بما يريح القارئ في بيان الحكم من غير تطويل وبما يدهش المرء كذلك إذا نظر إلى جانب الاستيعاب والإحاطة في الحكم. وقد بدأ الحديث عن هذه الروايات من 1/97 إلى 107.
المثال الثاني: حديث الحج عن "شبرمة"، وما جمعه من طرقه.
ذكره الدَّارَقُطْنِيّ في "السنن" 2/267-271 فسرد له ثلاثة وعشرين طريقاً- وإن سكت عنها في الجملة.
المثال الثالث: أحاديث القهقهة في الصلاة، إذ جمع الطرق التي وردت فيها من ص161 إلى 175 في 68 طريقاً، وبيّن عللها.
المثال الرابع: حديث القلتين -أول حديث ذكره في سننه 1/13-25 في كتاب الطهارة- وما جمعه فيه من الطرق واختلاف الروايات فيه في شيخ "الوليد بن كثير" ففي بعض الروايات: "عن أبي أسامة، عن الوليد
ابن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير". وفي بعضها: "عنه عن محمد بن عباد بن جعفر". فجمع الدَّارَقُطْنِيّ بين الروايات في ذلك بطريقة تدل على حفظه وبراعته في الفهم فقال:--------------------------------------------
"1" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": 1/97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
""فلما اختلف على أبي أسامة أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب، قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعاً، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم اتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعا عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعاً … """1".
وذكر 28 طريقاً للحديث.--------------------------------------------
"1" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": 1/17، وروايات حديث القلتين ذكرها في "السنن"، من 1/13 إلى 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
المبحث الثاني
رسوخه في معرفة العلل
الإمام الدَّارَقُطْنِيّ واسع المعرفة بعلل الحديث، انتهت إليه فيها الإمامة في عصره، وكتابه في العلل لعله أجود الكتب السابقة واللاحقة في العلل.
وقد أثنى عليه الأئمة بذلك، كما أثنوا على كتابه، وقد تميز الدَّارَقُطْنِيّ بمعرفة العلل حفظاً وفهما، ويظهر هذا بوضوح لمن تأمّل كتابه "العلل" وعلم أنه أجود وأجمع كتب العلل، وأنه أملاه من حفظه، فقال الذهبي عن ذلك:
""قلت: إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه الدَّارَقُطْنِيّ من حفظه -كما دل عليه هذه الحكاية- فهذا أمر عظيم، يُقْضى به للدارقطني أنه--------------------------------------------
"1" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": 1/17، وروايات حديث القلتين ذكرها في "السنن"، من 1/13 إلى 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
أحفظ أهل الدنيا، وإن كان أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن … """1".
قلت: الذي تدل عليه الحكاية أنه أملى جميع كتاب العلل الموجود، كما هو الظاهر، وراويها إمام من الأئمة الثقات، وتلميذ من تلاميذ الدَّارَقُطْنِيّ، وهو أبو بكر البَرْقانِيّ"2".
قال القاضي أبو الطيب الطبري: ""وسألت البَرْقانِيّ: قلت له: كان أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يملي عليك العلل من حفظه؟ فقال: نعم … """3".
والإمام الذهبي على هذا الرأي، إلا أنه قال هذا لِبيان عِظَم الأمر، ولذلك علّق على القصة في "تاريخ الإسلام" بقوله:
""قلت: وهذا شيء مدهش، كونه يملي العلل من حفظه، فمن أراد أن يعرف قدر ذلك فليطالع كتاب "العلل" للدارقطني ليعرف [كيف] "4" كان الحفاظ"""5".
والحديث عن كتاب الدَّارَقُطْنِيّ في العلل جزء من الحديث عن رسوخ الدَّارَقُطْنِيّ في معرفة العلل، وقد تحدثت عنه في مبحث مؤلفاته بما يَفِي بالغرض المطلوب هنا.
وفيما يلي بعض النقول، من كتاب "العلل" للدارقطني رحمه الله تعالى،--------------------------------------------
"1" "سير أعلام النبلاء": جـ10 ق523.
"2" انظر: ترجمته في الفصل الأول، من الباب الأول.
"3" "تاريخ دمشق": جـ22 ق262أ.
"4" زيادة من عندي ليستقيم الكلام.
"5" "تاريخ الإسلام": جـ5 ق5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
نماذج لتأكيد المعنى المتقدم.
جاء في كتاب "العلل" ما يلي:
1- "وسئل عن حديث قتادة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَطَع في محجن.
فقال: يرويه ابن أبي عَروبة، وشعبة، وأبو هلال الراسبي، وأبان العطار، عن قتادة، واختلف فيه عنهم: فرواه عبيد بن الأسود، وسعيد بن عامر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في محجن.
وغيرهما عن شعبة أن أبا بكر قطع …
ورواه يحيى بن أبي بُكير، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعاً أيضاً، وكذلك روي عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، والمحفوظ: عنه موقوفاً.
وروي عن عبد الله بن الصباح العطار، عن أبي علي الحنفي، عن هشام، ورفعه أبو هلال، عن قتادة.
والصواب: عن قتادة، عن أنس أن أبا بكر قطع … -غير مرفوع-""1".
فانظر كيف جمع الطرق، وبيّن أن الراجح فيها الوقف لا الرفع، فأعلّ الحديث بذلك.
2- "وسئل عن حديث يروى عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوليمة: "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله".
فقال: يرويه أبو عون، واختلف عنه:
فرواه أبو صالح الفراء عن ابن الميول، عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن--------------------------------------------
"1" "العلل"، للدارقطني: جـ4/ق30أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وغيره يرويه عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عمر: "من دعي فأجاب … " ولم يرفعه.
والصحيح من الإسناد الموقوف"""1".
وهنا وَازَنَ بين طرق الحديث، فوجد بعضها ينتهي إلى رفعه، وبعضها إلى وقفه، فبين أن الصواب الوقف، فالحديث معلّ به.
3- "وسئل عن حديث عروة، عن عائشة: سمى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغرابَ فاسقاً.
فقال: يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه:
فرواه أبو أويس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
وخالفه شريك: رواه عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكلاهما وَهَمٌ، والصحيح ما رواه ليث بن سعد، وحماد بن سلمة، وأبو معاوية، والمحاربي، رووه عن هشام،
عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً""2".
فانظر كيف استوعب الطرق، وأبان أوجه الاختلاف بينها، ورجح رواية الأوثق، والأكثر عددا، وبيّن أن ما عداه وَهَم، فالحديث عنده معلّ بالإرسال.
4- "وسئل عن حديث القاسم، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أَعلِنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال".--------------------------------------------
"1" "العلل": جـ4 ق48ب.
"2" العلل": جـ5ق125أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
فقال: حدّث به ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فروى حديثه عيسى بن يونس، واختلف عنه فيه:
فرواه جماعة من الحفاظ عنه، منهم: نصر بن علي، وعلي بن خَشْرم، وأبو همام، والحسين بن حريث أبو عمار المروزي، ومخلد بن مالك. رووه عن يونس، عن خالد بن إلياس، عن ربيعة.
وخالفهم أبو خيثمة مصعب بن سعيد، فرواه عن عيسى، عن حسين المعلم، عن ربيعة، ووهم في ذلك، وإنما هو: خالد بن إلياس.
وكذلك رواه المعافى بن عمران الموصلي، عن خالد بن إلْياس، عن ربيعة، وهو الصواب""1".
وهنا -أيضا بعد جمع الطرق- رجّح رواية العدد الكثير من الثقات، وعلى هذا الرأي جمهور المحدثين.
5- "وسئل عن حديث قتادة، عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
فقال: تفرد به أبو هلال الراسبي عنه.
وغيره يرويه عن قتادة، عن الحسن مرسلا، والمرسل أصح""2".
وهنا أعلّ الحديث بالإرسال.
6- "وسئل عن حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أم سلمة: "كان رسول--------------------------------------------
"1" "العلل": جـ5ق143ب.
"2" "العلل": جـ4/ق28ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
فقال: يرويه شعبة، واختلف عنه:
فرواه أحمد بن الصباح بن أبي سريج، عن شبابة، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن أم سلمة.
وعن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى مرسلا، وكذلك قال أصحاب شعبة عن شعبة، وهو الصواب""1".
أيضاً أعلّه بالإرسال.
وينبغي أن يُعلم هنا، أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، قد أعلّ الأحاديث في الأمثلة السابقة بالوقف أو بالإرسال، وللعلماء في ذلك خلاف معلوم، لكن الراجح من أقوالهم: أن زيادة الثقة مقبولة إذا لم يخالِف من هو أوثق منه.
ولذلك اختلفوا هل إسناد المرسل أو الموقوف يكون هو الراجح أو العكس؟.
والصواب أنه لا يعتبر إسناد المرسل أو الموقوف زيادة ثقة مقبولة إلا إذا لم يخالِف من هو أوثق منه.
قال ابن رجب: "" … وكذلك قال الدَّارَقُطْنِيّ: المرسل لا تقوم به حجة"""2".
وقال أيضاً: ""وهكذا الدَّارَقُطْنِيّ يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يردّ في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجّح الإرسال على الإسناد، فدّل على أن مرادهم زيادة الثقة في تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرّزا في الحفظ.--------------------------------------------
"1" "العلل"، للدارقطني: جـ5 ق172ب.
"2" "شرح علل الترمذي": ص 220.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وقال الدَّارَقُطْنِيّ في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلا، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قولَ من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة.
وهذا تصريح بأنه إنما تقبل زيادة الثقة إلى لم يخالِف من هو أحفظ منه""1".
قلت: وهذا التفصيل ينزّل على الأمثلة السابقة، وبناء عليه يؤخذ بالمسند أو المرسل والموقوف.
ومن خلال هذه النصوص -المتقدمة القليلة- عن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، في تعليل الأحاديث من حفظه، يظهر للناظر مدى تمكّن هذا الإمام من معرفة العلل، وتبصره بالأحاديث، وأن الأئمة النقاد لم يبالغوا حين قالوا عنه:
""انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله … """2".
""وحيد عصره، وبه خُتم معرفة العلل … """3".
""انتهى الحفظ إلى أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ … """4".
وقال الحاكم:
""وسألته عن العلل والشيوخ، ودوّنت أجوبته في سؤالاتي، وقد سمعها مني أصحابي"""5". إلى آخر ما قاله عنه الأئمة في هذا الشأن.--------------------------------------------
"1" "شرح علل الترمذي": ص312.
"2" الذهبي في "سير أعلام النبلاء": جـ10 ق520.
"3" الذهبي في "من يعتبر قوله في الجرح والتعديل": ق15.
"4" الحافظ الخطيب الغدادي، قاله لمن قال له: "أنت الشيخ الحافظ أبو بكر؟ ". "تاريخ دمشق": جـ22 ق261ب.
"5" "تاريخ دمشق": جـ22 ق240ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
المبحث الثالث
إمامته في الجرح والتعديل
أولاً: قبول قوله فيه:
الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى، كان اهتمامه بالجرح والتعديل وتاريخ الرواة ومعرفة أسمائهم، ونحو ذلك، أكثرَ من اهتمامه بغيره، سوى الحديث.
ولهذا أَلّف في علوم الحديث كثيرا، وحكم على الرواة، جرحاً وتعديلاًً، بكثرة بالغة.
وقد اعتمد حكمه في الرواة أئمة الحديث من لدن عصره إلى اليوم في الجملة، وإن ردوه أحيانا حين يظهر خطؤه.
وإن المتأمل في الأقوال المنقولة في الرواة المعاصرين للدارقطني يجد العلماء أكثر ما ينقلون من الأقوال فيهم -جرحاً وتعديلا- قول الدَّارَقُطْنِيّ نفسه، أو قول تلميذه الإمام الحاكم أبي عبد الله، وتلميذه الإمام البَرْقانِيّ.
وقد تأمّلت كتاب "العِبَر … " للحافظ الذهبي فوجدته لا ينقل الجرح والتعديل -غالباً- في الرواة المعاصرين للدارقطني إلا عنه أو عن الحاكم أو عن البَرْقانِيّ، ومثله في ذلك الخطيب في "تاريخ بغداد".
وللحافظ الذهبي كتاب ذَكَر فيه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وقال في مقدمته: ""ونشرع الآن بتسمية من كان إذا تكلم في الرجال قبل قوله، ورجع إلى نقده، ونسوق من يسّر الله تعالى منهم على الطبقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
والأزمنة، والله المسئول الموفق للسداد بمنه"""1".
وذكر الدَّارَقُطْنِيّ فيهم فقال: ""أبو الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ وحيد عصره، وبه ختم معرفة العلل"""2".
وقال الذهبي -أيضاً- في ترجمة "محمد بن الفضل عَارِم السدوسي" بعد نقله قول الدَّارَقُطْنِيّ فيه: ""قلت فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخَسّاف المُتهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره، وتغير حتى كان لا يدري ما يحدِّث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة … """3".
وكذا عوّل أئمة الحديث على أقواله في الجرح والتعديل، ولم أعلم أحدا ردّ قوله في الجرح والتعديل في الجملة أو في قاعدة معينة، اللهم إلا أقواله في انتقاده لبعض رجال الصحيحين فإنه قد ردّ عليه عدد من الحفاظ كما هو معلوم.
إلا أنه ربما تكلم فيه من هذه الناحية من ليس بإمام، ولا معتبر قوله فيه، وما سَلِم من الكلام أحد كما قال الإمام الذهبي:
""فمن يسلم من الكلام بعد أحمد؟! """4".--------------------------------------------
"1" "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل"، للذهبي: ق3.
"2" المصدر السابق: ق15.
"3" "ميزان الاعتدال": 4/8.
"4" "رسالة من تكلم فيه وهو موثّق أو صالح الحديث"، للذهبي: ص33. ويَقْصد بأحمد الإمام أحمد بن حنبل. وقد تكلَّم في الدَّارَقُطْنِيّ بعض المتأخرين كمحمد بن طاهر، ومحمد بن زاهد الكوثري، وغيرهما، ومضت مناقشتهم في: "14- أقوال الأئمة فيه" في "الباب الأول".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
ومما يدل دلالة قوية -عندي- على اعتماد قوله في هذا الشأن لدى الأئمة سؤالات الأئمة له، وتدوينها، وتدوين أجوبته عليها، فلولا اعتمادهم لأجوبته لَمَا وجَّه الإمام الحاكم النيسابوري أسئلة إليه، ولَمَا دوّن أجوبته، وكذا الإمام البَرْقانِيّ، وكذا السهْمي، وكذا السُّلَمِيّ، ولما تناقلها الرواة"1".--------------------------------------------
"1" وقد وقفت على عبارة لطيفة أثناء أسئلة الإمام البَرْقانِيّ للدارقطني، ونصها: "سألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله، ونضّر وجهه، وغفر لنا، وله، ولجميع المسلمين، عن … ".
"البَرْقانِيّ": ق6أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
ثانياً: اعتداله فيه:
وكان الدَّارَقُطْنِيّ -رحمه الله تعالى- معتدلا في الجرح والتعديل، فليس هو بالمتشدد ولا بالمتساهل في ذلك.
ولم أعلم له قاعدة في الجرح والتعديل أو في التصحيح والتضعيف معلومة الفساد، لأنه كان بصيراً بالأمور الجارحة والمعدّلة للراوي، فكان يميز بين الجرح المطلق والجرح المقيد في كلامه في الرواة دائماً، فلم يقع فيما وقع فيه بعض المحدِّثين.
ولهذا كان قوله معتبرا في هذا الشأن عند الأئمة، وعدّوه في جملة أئمة الجرح والتعديل المعتدلين.
وأَستدلّ على أن الأئمة قد اعتبروا الدَّارَقُطْنِيّ معتدلا في الجرح والتعديل بثلاثة أمور هي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
الأمر الأول: اعتمادهم لأقواله في الرواة، ونقلهم لها، وعدم استدراكهم عليه بإنكار تشدّد أو تعصّب أو نحو ذلك.
ولم أر أحدا منهم حكم عليه بالتشدد أو التساهل في ذلك، سوى أقوال متأخرة ذكرت فيه من غير دليل، قيلت فيه لأسباب تسقط حكم قائليها في هذا الإمام الجليل، وقد ذكرتها، وناقشتها في مبحث: "أقوال الأئمة فيه".
الأمر الثاني: ذكر بعضهم له في المعتدلين، وممن عدّ الدَّارَقُطْنِيّ في المعتدلين في الجرح والتعديل الإمام الذهبي، إذ قسّم المتكلمين في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث …
2- وقسم منهم متسمّح كالترمذي والحاكم …
3- وقسم معتدل كأحمد والدَّارَقُطْنِيّ وابن عدي … ""1".
الأمر الثالث: نتيجة موازنة أقواله في الرواة بأقوال غيره، وقد جعلتها في فصل مستقل"2".
ويُلمح اعتداله في الجرح والتعديل في الثلاثة الأمور الآتية:
1- في مسلكه في الجرح والتعديل مع من يخالفه في المعتقد، أو ضُعّف بسبب المعتقد:
إذ أنه أنصف في هذا الجانب أيما إنصاف، وإليك الأمثلة على ذلك، من--------------------------------------------
"1" "فتح المغيث"، للسخاوي: 3/325، و"الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ": 167-168.
"2" الفصل الثالث، من الباب الرابع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)