مؤلفاته غالبا في الحديث وعلومه، وسلك فيها منهج السلف، وابتعد عن البدع والفسلفات في أمر العقيدة رحمه الله، فأخذ العقيدة من مصدرها الصافي الأصيل: كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن الصلاح:
"وروى ابن طاهر أن الدَّارَقُطْنِيّ قال: ما في الدنيا شيء أبغض إليّ من الكلام""1".
ويقول الحافظ الذهبي:
"وصح عن الدَّارَقُطْنِيّ أنه قال: ما شيء أبغض أليَّ من علم الكلام، قلت "القائل الإمام الذهبي": لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال، ولا خاض في ذلك بل كان سلفيا، سمع هذا الكلام منه أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ"2"، وقال الدَّارَقُطْنِيّ: اختلف قوم من أهل بغداد، فقال قوم: عثمان أفضل، وقال قوم: عليّ أفضل، فتحاكموا إليّ فأمسكت، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من علي باتفاق جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يُحلّ في الرفض""3".--------------------------------------------
"1" "طبقات الشافعية"، لابن الصلاح: ق 68.
"2" ورواه في سؤالاته: ق 8أ.
"3" "سير أعلام النبلاء": جـ10 ق 524، وعلّق الإمام الذهبي على قول الدَّارَقُطْنِيّ هذا بقوله: "قلت ليس تفضيل عليّ برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعليّ ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء رضي الله عنهما.
ولكن قول جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام عليّ، وإليه نذهب والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليس بإمامَي هُدى فهو من غلاة الرافضة أبعدهم الله". "سير أعلام النبلاء": جـ10 ق524.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
وقال الخطيب البغدادي الحافظ:
"انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب … ""1".
قلت: وقد ورد في جواباته عن السؤالات التي وجهها إليه تلاميذه ما يؤيد الذي سبق ذكره في أمر عقيدته ومذهبه في الصحابة رحمه الله تعالى وقد ألف مؤلفات في العقيدة عني فيها بجمع النصوص في المسألة التي يتحدث عنها، ومن هذه المؤلفات: كتاب أحاديث الصفات، وكتاب النزول، وكتاب الرؤية، وغيرها.--------------------------------------------
"1" "تاريخ بغداد": 12/34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
5- ورعه، وصراحته في الحق
وكان رحمه الله تعالى ورعا صريحا في الحق، وقد تقدم عنه قريباً قصته مع الذين اختلفوا في تفضيل عثمان على عليّ فاستفتوه، فيحكي عن نفسه ويقول: ""فتحاكموا إليّ فأمسكت، وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت، وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
عثمان أفضل باتفاق أصحاب رسول الله r، هذا قول أهل السنة … "".
وقال الحاكم: ""صار الدَّارَقُطْنِيّ أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع … """1"، ومثل هذا قال عنه غيره من العلماء.
ولا يضيره ما كان يأخذه من الهدايا من بعض الناس، وإن لمزه من لمزه بسبب ذلك"2".--------------------------------------------
"1" "طبقات الشافعية الكبرى": 2/310.
"2" سيأتي مناقشة ذلك إن شاء الله في مبحث: "أقوال الأئمة فيه" من هذا الفصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
6- ذكاؤه
كان الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله ذكيّا، اشتهر بقوة الذاكرة، وبجودة الفهم، حتى عرفت عنه أمور لا تؤكد ذكاؤه فحسب، بل تثير العجب والدهشة من ذكائه.
?من ذلك قراءته الكتاب على مسلم بن عبيد الله من غير أن يلحن، رغم حرص الأدباء على الاستدراك عليه وأن يحفظوا عليه لحنة واحدة"3".
?ومن ذلك قصته في مجلس إسماعيل الصفار التي رواها الخطيب البغدادي في "تاريخه" 12/36"4" التي فيها أنه حفظ ثمانية عشر حديثاً أملاها الصفار بأسانيدها ومتونها مرتبة، مع أنه كان في وقت الإملاء ينسخ من جزء كان معه.
ولم أجد سند هذه القصة سوى أن الخطيب رواها عن الأزهري قال:--------------------------------------------
"3" انظر: ما ذكرته في "إمامته في اللغة والنحو والأدب" في هذا الفصل.
"4" ذكرتها في "طلبه للعلم" من هذا الفصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
بلغني أن الدَّارَقُطْنِيّ … إلخ.
ولكن لا يستبعد ذلك من الدَّارَقُطْنِيّ، لا سيما أن الأئمة قد تناقلوها وأقرّوها، كالخطيب، وابن كثير، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي.
قال السخاوي: ""وقد سمعت شيخنا يحكي عن بعضهم أنه كان يقرنها بما وقع للبخاري حيث قُلبت عليه الأحاديث، ويتعجب شيخنا من ذلك، وهو ظاهر في التعجب"""1".
?ومن ذلك ما رواه الخطيب بقوله: ""حدثني الصُّوريّ، قال: سمعت رجاء ابن محمد الأنصاري يقول: كنا عند الدَّارَقُطْنِيّ يوما والقارئ يقرأ عليه، وهو قائم يصلي نافلة، فمر حديث فيه ذكر نُسير بن ذعلوق، فقال بَشِير
ابن ذعلوق، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: سبحان الله، فقال القارئ: بُشير بن ذعلوق فقال الدَّارَقُطْنِيّ: سبحان الله، فقال القارئ: يُسُير بن ذعلوق، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} "2"، فقال القارئ: نسير بن ذعلوق ومرّ في قراءته -أو كما قال-.
حدثني حمزة بن محمد بن طاهر قال: كنت عند أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ وهو قائم يتنفل، فقرأ عليه أبو عبد الله بن الكاتب حديثاً لعمرو بن شعيب، فقال: عمرو بن سعيد، فقال أبو الحسن: سبحان الله، فأعاد الإسناد وقال: عمرو بن سعيد، ووقف، فتلا أبو الحسن: {يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فقال ابن الكاتب: عمرو بن شعيب.--------------------------------------------
"1" "فتح المغيث": 2/43.
"2" 1: القلم: 68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
حدثني الأزهري قال: رأيت محمد بن الفوارس -وقد سأل أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ- عن علة حديث أو اسم فيه، فأجابه، ثم قال له: يا أبا الفتح ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيري""1".
?ومن ذلك إملاؤه كتاب "العلل" من حفظه.
وغير ذلك مما يراه من يطالع ترجمة الدَّارَقُطْنِيّ.--------------------------------------------
"1" "تاريخ بغداد": 12/38-39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
7- تواضعه وحِلْيَته
تواضعه:
وكان متواضعا تواضع العالم التقي، لا تواضع الجاهل المادي الذي يُذْهب ماء وجهه في سبيل الحصول على حطام الدنيا، ولكنه كان يلين لطلابه حتى يشعرهم أنه واحد منهم.
ومن تواضعه ما حكاه عنه أبو عبد الله محمد بن الصُّوري الحافظ بقوله: ""قال لي عبد الغني بن سعيد: ابتدأت بعمل كتاب المؤتلف والمختلف، وقَدِم علينا أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، فأخذت عنه أشياء كثيرة، فلما فرغت من تصنيفه سألني أن أقرأه عليه ليسمعه مني، فقلت له: عنك أخذت أكثره، فقال لي: لا تقل هكذا، فإنك أخذته عني مفرقا، وقد أوردته مجموعاً، وفيه أشياء كثيرة أخذتها عن شيوخك، فقرأته عليه. أو كما قال"""2".
الله أكبر. هذا الإمام الحافظ الدَّارَقُطْنِيّ يقول لأحد تلاميذه -مع أنه--------------------------------------------
"2" "الاستدراك": ق3ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
لا زال شابا-: اقرأ عليّ ما كتبتَ فإنّي أحب أن أسمعه منك!! أي إني أحب أن أتتلمذ عليك!!.
وقال الصُّوري أيضاً:
""وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي: قال لي أبي:
""خرجنا يوما مع أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ من عند أبي جعفر مسلم الحسيني، فلقينا عبد الغني بن سعيد، فسلم على أبي الحسن، ووقفا ساعة يتحدثان. ثم انصرف عبد الغني، فالتفت إلينا أبو الحسن فقال: يا أصحابنا: ما التقيت من مرة مع شابكم هذا فانصرفت عنه إلا بفائدة. أو كما قال! """1".--------------------------------------------
"1" "الاستدراك": ق3ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
حِلْيَته:
لم أقف على شيء من صفاته الجسمية سوى ما ذكره ابن الصلاح بقوله: "" … وإنه كان طُوالا أبيض"""2".--------------------------------------------
"2" "طبقات الشافعية": ق68أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
8- عصره
تمهيد:
عاش الإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى في القرن الرابع الهجري، إذ وُلد في بداية القرن الرابع وتوفي في نهايته تقريباً، فقد توفي سنة 385هـ "خمسه وثمانين وثلاثمائة من الهجرة".
وقد كانت هذه الفترة من تاريخ المسلمين في كثير من الأحيان فترة محن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وشدائد يقصر عنها الوصف … وفيما يلي الحديث -بإيجاز- عن هذا العصر من ثلاث نواح:
1- الناحية السياسية.
2- الناحية الاجتماعية.
3- الناحية العلمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
أ- عصره من الناحية السياسية:
ما يكاد ينتهي المرء أو يبدأ باستعراض هذه الحِقْبة من التاريخ إلا ويشعر بالأسى والحزن الشديد، ولِما حلّ بالمسلمين خلال هذا القرن من مصائب، وذلك لانعدام الأمن في فترات كثيرة من هذه الحقبة، ولعدم الاستقرار السياسي في العالم الإسلامي، وبخاصة في العراق، وعاصمته مدينة بغداد "مدينة السلام، وقلب العالم الإسلامي، وعاصمته السياسية والعلمية … "، وذلك بسبب:
1- وجود الخلافات السياسية على الخلافة، سواء فيما بين العباسيين أنفسهم، أو فيما بينهم وبين غيرهم، كالأتراك الذين تمت على أيديهم حوادث عظيمة بشأن التنازع على الخلافة، وقتل وتنصيب الخلفاء العباسيين الذين ليس لهم من أمر الخلافة إلا الاسم فقط في أغلب الأحيان.
وقد كانت ولادة الدَّارَقُطْنِيّ في خلافة المقتدر بالله، وكانت فترة ضعف سياسي، وفقر، وقلاقل، ومحن"1".
ثم جاء بعده في سنة 320 "ثلاثمائة وعشرين من الهجرة" القاهر بالله ثم--------------------------------------------
"1" انظر: "مرآة الجنان"، في سنوات خلافته، و"تاريخ الخلفاء"، أيضاً في سنوات خلافته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الراضي بالله، وهكذا تتابع الخلفاء حتى كان آخرهم الطائع لله أبو بكر من سنة 363-393هـ.
ولم يكن عهد أولئك الخلفاء بأحسن من عهد المقتدر بالله في أغلب الأحيان.
2- ولظهور الفتن والثورات والاضطرابات الناجمة عن ضعف الخلافة نتيجة للسبب السابق، ونتيجة انصراف الخلفاء عن الاهتمام بشئون الدولة، وتصريف أمورها مباشرة، وتسليم مقاليد الأمور إلى غيرهم من الولاة.
3- ولظهور القرامطة أيضاً طوال هذه الفترة، ولعبهم بأمن الخلافة وأمن المسلمين في كثير من أقطار العالم الإسلامي، فلم يأمن أهل المدن فيها، ولم يأمن المسافرون في أسفارهم، وتعطّلت فريضة الحج بسببهم سنين.
4- ولجور بعض الخلفاء والسلاطين، وميلهم أحيانا إلى بعض الفرق والمذاهب المنحرفة، كميل بعضهم إلى الرافضة وغيرهم.
5- ولضعف شوكة المسلمين -إِثْر هذه الظروف- أَمام الأعداء كالروم والقرامطة، الأمر الذي أغرى أولئك الأعداء بغزو المسلمين والغارات عليهم كلما رأوا فرصة مهيأة لهم.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما كان يحصل بين المسلمين أنفسهم من خلافات وحروب على الخلافة والسلطة، وما يقع من الخلفاء والسلاطين من جور وانحراف في تلك الفترة أدركنا حقيقة الوضع السياسي والواقع الأَمنيّ في الأقطار الإسلامية لا سيما بغداد موطن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ التي كانت مركز الخلفاء ومنبع كثير من تلك الأحداث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
ب- عصره من الناحية الاجتماعية:
من الحديث المتقدم عن الوضع السياسي في عصر الدَّارَقُطْنِيّ، يتضح لنا كثير من الجوانب الاجتماعية في عصره، سواء من حيث الوجهة -من خلال التنازع والفوضى- أو من حيث الواقع المرّ الذي يعيشه أغلبية الرعية تحت ضغط تلك الأحداث المؤلمة.
هذا بالإضافة إلى ما ينتج عن اختلال الأمن من عدم استقرار في حياة الناس، ومن قلة الموارد الاقتصادية، ووقوع بعض الكوارث الاقتصادية كالغلاء، والمجاعة، واعتداءات اللصوص وقطاع الطرق …
وقد حصل من ذلك شيء ليس بالقليل في بغداد وغيرها على فترات، كان له أثر سييء في حياة الناس ولا شك.
فالحاصل أن الناس في تلك الفترة لم ينعموا دائما بالرخاء، ولا بالأمن، بل كانوا يصابون في أحيان كثيرة بالضيق المادي، والخوف، والقتل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
جـ- عصره من الناحية العلمية:
من المفروض أن ينصرف الناس عن العلم في مثل الظروف السياسية والاجتماعية السابقة، وأن ينشغلوا بتلك المشاغل عن طلب العلم والانشغال فيه.
لكن العصر لا زال حديث عهد بخير القرون، ولا زالت البلدان الإسلامية تزخر بعلماء السلف الصالح، وكانوا يعتقدون أن طريق سعادة المرء هو العلم الشرعي، فكانت سوق العلم والعلماء نافقة في تلك الحقبة من التاريخ، رغم كل ما سبق ذكره، وكان طلاب الحديث النبوي يتسابقون على الشيوخ:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
1- فكانت الرحلات العلمية من قطر إلى قطر مميزة واضحة من مميزات ذلك العصر، يظهر ذلك جليا بالنظر في تراجم الأئمة الذين عاشوا في تلك الفترة، وعدد البلدان التي رحلوا إليها، وقد رحل الدَّارَقُطْنِيّ نفسه إلى بلدان متعددة سيأتي ذكرها.
2- وعدد العلماء الذين أنجبتهم البلدان الإسلامية آنذاك عدد هائل، وعدد الحفاظ والأئمة عظيم جدا.
3- والمؤلفات التي كتبت في ذلك الزمن في الحديث وغيره كثيرة جدا.
ويعدّ العلماء رأس القرن الثالث العصر الذهبي للسّنة النبوية، لِما تمَّ فيه من تدوين وشرح وتحقيق للسّنة وعلومها، وقد امتدت حياة كثير ممن تمَّ على أيدهم ذلك إلى منتصف القرن الرابع أو أكثر، فيعتبر القرن الرابع "عصر الدَّارَقُطْنِيّ" امتداداً للفترة الذهبية في القرن الثالث ومكملاً لها.
وليس بنا حاجة للتدليل على كثرة العلماء والمؤلفات في ذلك العصر أن نستعرض العلماء ومؤلفاتهم، لأن ذلك أمر يطول، وليس له نهاية.
وحسبك دليلا على ذلك أن تنظر في شيوخ الدَّارَقُطْنِيّ نفسه كم هم؟ وكم فيهم من حافظ وإمام عظيم الشأن؟ "1".
فالحاصل: أن تلك الظروف لم تؤثر تأثيراً سلبيّاً في الإمام الدَّارَقُطْنِيّ وطلبه للعلم شأنه شأنُ أمثاله من أهل عصره، بل ربما كانت في بعض الأحيان حافزاً لهم على طلب العلم، والرحلة في طلبه.--------------------------------------------
"1" انظر: فهرس شيوخه الآتي بعدُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
حقا، إن هذه معجزة من معجزات الإسلام التي لا يستطيع أن يعرف كنهها أعداء الإسلام، وقد تحققت على أيدي أسلافنا عندما كان اهتمامهم بأمر الآخرة ورفعة شأن هذا الدين ونشر علومه والعناية بها كاهتمامنا اليوم بأمور الدنيا أو أشدّ!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
9- طلبه للعلم
عاش الدَّارَقُطْنِيّ في الفترة التي تقدم الحديث عنها، وطلب العلم من صغره، وظهرت نباهته وأهليته لتحمّل أمانة العلم بشرع الله عز وجل، ورشّحه الناس لهذه المكانة من قبل أن يصل إليها وهو لا يزال في أول شبابه وأول طلبه للعلم، كما ينقل ذلك الدَّارَقُطْنِيّ نفسه إذ يقول:
""كنت أنا والكَتَّاني نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكتاني محدّث البلد، ويخرج الدَّارَقُطْنِيّ مقرئ البلد، فخرجت أنا محدثاً والكتَّانِي مقرئا"""1".
ويقصّ الحافظ ابن كثير حادثة عجيبة حصلت للدارقطني في حداثة سنه وهو يطلب الحديث، فيقول:
"" … وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث، والدَّارَقُطْنِيّ ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: "إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ"، فقال له الدَّارَقُطْنِيّ: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحْضَرُ، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثاً؟ فقال: إنه أملى--------------------------------------------
"1" "المنتظم": 7/184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
ثمانية عشر حديثاً"1" إلى الآن، والحديث الأول منها: عن فلان عن فلان … ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئاً. فتعجب الناس منه" "2".
ويبدو أن الدَّارَقُطْنِيّ قد اشتهر بالفضل والذكاء وهو في وقت الطلب، حتى عرفه أهل الكوفة بذلك، ويقدّر له ذلك شيوخه وأساتذته، كما يدل عليه وعلى غيره القصة الآتية:
"قال الخطيب البغدادي: ""أخبرنا البَرْقانِيّ قال: سمعنا أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يقول: كتبت ببغداد من أحاديث السوداني"3" أحاديث تفرد بها، ثم مضيت إلى الكوفة لأسمع منه، فجئت إليه وعنده أبو العباس، ثم رمى بها واستنكرها وأَبَى أن يقرأها، وقال: هؤلاء البغداديون يجيئوننا بما لا نعرفه.
قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه"4" فمضى في جملة ما قرأه حديث منها، فقل له: هذا الحديث من جملة الأحاديث"5"، ثم مضى آخر، فقلت: وهذا أيضاً من--------------------------------------------
"1" وفي بعض الروايات أن الدَّارَقُطْنِيّ سأل الرجل: كم أملى الشيخ حديثاً؟ فقال: لا أدري، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: ثمانية عشر حديثاً … إلخ!!.
"2" "البداية والنهاية": 11/317، وانظر: "تاريخ بغداد": 12/36، و"علوم الحديث"، لابن الصلاح: 257-258.
"3" في بعض المصادر: "السوذجاني" وهو خطأ، والصواب ما ذكرته، كما في "تاريخ دمشق": جـ22 ق241ب، و"تاريخ بغداد": 12/37، والسوداني هو: محمد بن القاسم السوداني المحاربي أبو عبد الله، أحد شيوخ الدَّارَقُطْنِيّ، حدّث عنه في "السنن"، وهو كذاب، توفي سنة 326هـ.
"4" أي قرأ على الدَّارَقُطْنِيّ غير الأحاديث التي عرضها عليه.
"5" أي التي سألتُك عنها فاستنكرتَها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)