ثالثاً: ذكر أمثلته من استدراكاته على الإمام النسائي:
رسالةُ: "ذكر أقوام أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما وضعفهم النسائي في "كتاب الضعفاء" وسئل عنهم الدَّارَقُطْنِيّ فأجاب بتوثيق أكثرهم" رسالة مهمّة، لأنها تُصوّر حقيقة ذكرته من الاستدراك على النسائي الشيخ المبجّل عند الدَّارَقُطْنِيّ.
وفيما يلي سأذكر أمثلة من استدراكاته عليه في هذه الرسالة:
1- "قال أبو عبد الرحمن: إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق: ليس بالقوي. سئل عنه الدَّارَقُطْنِيّ، فقال: ثقة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
2- "إسحاق بن محمد الفَرْوي: ليس بثقة.
سئل عنه علي بن عمر فقال: لا يترك".
3- "أحمد بن صالح المصري: ليس بثقة.
سألت أبا الحسن عنه فقال: ثقة".
4- "حسّان بن إبراهيم الكِرْماني: ليس بالقوي.
سألت أبا الحسن عنه فقال: ثقة".
5- "عبد الرزّاق بن همّام: فيه نظر لمن حدَّث عنه بأَخَرة.
سألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ عنه فقال: ثقة يخطيء على مَعْمر في أحاديث لم تكن في الكتاب".
6- "يحيى بن عبد الله بن بكير: ضعيف.
سألت أبا الحسن عنه فقال: ما عندي به بأس".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
المبحث الخامس
في موقف الدَّارَقُطْنِيّ من الصحيحين
أولاً: عرض موقفه من الصحيحين:
مقدمة:
المشهور عن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ أنه ينتقد الصحيحين، ولم يشتهر عنه أي موقف آخر تجاه الصحيحين، فإذا ذُكر رأي الدَّارَقُطْنِيّ في الصحيحين، فإن الأذهان لا تنصرف إلا إلى نقده لهما.
والواقع أن للدارقطني موقفين من الصحيحين، يَبْدُوَان -في الظاهر- متعارضين، ولكن لا تعارض بينهما، وهما:
1- موقف المؤيّد المناصر، المعترف بمكانة الصحيحين، وصحة منهجهما.
2- موقف الناقد لبعض أحاديث الصحيحين.
لا تعارض بين الموقفين:
ولا بدّ أن أبيّن أنه لا تعارض بين الموقفين، لأنه:
في الأول: يرى سلامة منهج الشيخين في صحيحيهما، وصحته، وموافقته لأصول المحدثين المعتبرة في قبول الأخبار وردها.
وفي الثاني: يخالفهما في بعض الجزئيات التطبيقية، فيرى أن بعض الأحاديث معلّة، أو منتقدة من الناحية الصناعية الحديثية، أو ضعيفة أحياناً قليلة في نظره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
ثانياً: بيان الموقف الأول:
بعد أن يتتبع المرء كتابات الدَّارَقُطْنِيّ بإمعان، يسلِّم بيقين أنه معترف بصحة منهج الصحيحين، ومطابقتهما لأصول المحدّثين الصحيحة في قبول الأخبار وردِّها، بل تمكنها في ذلك.
وقد نخلْت كتاب "السنن" وأسئلة تلاميذ له، فاستخرجت منها ما يدل على موقفه هذا أو ذاك.
وإليك -فيما يلي- الأدلة على الموقف الأول:
1- الدليل الأول:
إحالته في توثيق بعض الرواة عليهما، واعتباره إخراج الشيخين بعض الرواة في صحيحيهما غالباً، دليلاً على ثقتهم.
ومن الأمثلة على هذا:
أ - قال الحاكم: ""قلت "أي للدارقطني": فإسحاق بن راشد الجَزَري؟ قال: تكلموا في سماعه من الزهري، وقالوا إنه وَجَدَه في كتاب، والقول عندي قول مسلم بن الحجاج فيه"""1".
ب- وقال -أيضاً-: ""قلت: فمحمد بن عبد الرحمن الطفاوي؟ قال: احتج به البخاري"""2".
جـ- وقال: ""قلت: فميمون بن سِياه؟ قال: محتج به في الصحيح قلت:--------------------------------------------
"1" "أسئلة الحاكم": ق10أ.
"2""أسئلة الحاكم": ق10ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
فمنصور بن سعد؟ قال: كمثله"""1".
د- وقال: ""قلت: فيونس الإسْكاف عن قتادة؟ قال: قد خرّجه البخاري"""2".
هـ- وقال: ""قلت: فطلحة بن عبد الملك؟ قال: ثقة مخرّج في الصحيح"""3".
و وقال: ""قلت: فعبد الله بن عمر النميري؟ قال: ثقة محتج به في كتاب البخاري"""4".
ز - وقال: ""قلت: فعلى بن الحكم المروزي؟ قال: ثقة، يروي عنه البخاري"""5".
حـ- وقال: ""قلت: فمحمد بن إبراهيم بن دينار؟ قال: ثقة مخرّج في الصحيح"""6".
ط- وقال: ""قلت: فعمر بن يحيى بن سعيد بن العاص؟ فقال: مخرّج في الصحيح"""7".
ي- وقال السُّلَمِيّ: ""وسألته عن أبي حمزة السكري، فقال: ثقة أخرج عنه--------------------------------------------
"1" "أسئلة الحاكم": ق10أ.
"2" "أسئلة الحاكم": ق10ب.
"3" "أسئلة الحاكم": ق9أ.
"4" "أسئلة الحاكم": ق9أ.
"5" "أسئلة الحاكم": ق9ب.
"6" "أسئلة الحاكم": ق10أ.
"7" "أسئلة الحاكم": ق9ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
في الصحيح"""1".
قلت: فمن خلال النصوص السابقة، عن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، في توثيق الرواة، يتضح أنه يجلّ الصحيحين، ويعترف بصحة منهجهما ويعتبر إخراجهما للراوي في الجملة توثيقاً، ولهذا يقول في الرواة السابقين، الذين هم ثقات عنده، عند ما يسأله أحد تلاميذه عن واحد منهم: قد أخرجه البخاري، أو مسلم، أو أخرج في الصحيحين. وكأن هذا من الأدلة في نظره على ما يراه من توثيق الراوي، والله أعلم.
2- الدليل الثاني:
إحالته في تصحيح الأحاديث -أحياناً- على الصحيحين أو أحدهما، كما حصل له هذا في مواضع كثيرة من كتاب "السنن" منها:
أ - في "السنن" 1/380 قال في حديث: "أخرجه البخاري".
ب- في "السنن" 2/162 قال في حديث: "أخرجه البخاري".
جـ- في "السنن" 2/283 قال في حديث: "إسناد ثابت صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد".
د- في "السنن" 3/65 قال في حديث: "أخرج في الصحيح".
هـ- في "السنن" 3/65 أيضاً قال في حديث: "هذا صحيح أخرجه البخاري".
و في "السنن" 3/90 قال في حديث: "أخرجه البخاري".
ز- في "السنن" 3/92 قال في حديث: "صحيح أخرجه مسلم".--------------------------------------------
"1" "السُّلَمِيّ": ق11ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
فكأن الدَّارَقُطْنِيّ في هذه المواضع يصحح الأحاديث، ويعتبر من الأدلة على صحتها إخراج الصحيحين أو أحدهما لها.
3- الدليل الثالث:
كتاب "الإلزامات" الذي ألّفه لإِلزام صاحبي الصحيحين بإخراج أحاديث يرى صحتها، مثل ما أخرجاه -في الجملة- في صحيحيهما.
فموضوع الكتاب من لازمه تصويب منهج الصحيحين -في الجملة-، ولهذا فإنه يقول في الكتاب: ""يلزم مسلما إخراج حديث كذا … ""، أو ""يلزم البخاري إخراج حديث كذا … ""، أو ""يلزمهما إخراج حديث كذا … "". وقال في مقدمة الكتاب:
"ذِكْرُ ما حضرني ذكره، مما أخرجه البخاري ومسلم، أو أحدهما، من حديث بعض التابعين، وتركا من حديثه شبيها به، ولم يخرجاه أو من حديث نظير له من التابعين الثقات ما يلزم إخراجه على شرطهما ومذهبهما فيما نذكره إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق"""1".
ومضمون الكتاب يؤكد -أيضاً- رأي الدَّارَقُطْنِيّ هذا -تصريحا لا تلميحا- زيادة على الذي مرّ آنفاً.
ومن ذلك قوله: ""واتفقا على إخراج حديث معيقيب، ولم يَرْوِ عنه غير أبي سلمة من وجه يصح مثله.
وانفرد البخاري بحديث سنين بن جميلة، ولم يرو عنه غير الزهري من--------------------------------------------
"1" "الإلزامات" للدارقطني: ص73-74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وجه يصح مثله …
وانفرد البخاري بحديث شيبة بن عثمان، ولم يرو عنه غير أبي وائل من وجه يصح مثله …
وانفرد مسلم بحديث الأغر المزني، ولم يروه عنه غير أبي بردة بن أبي موسى، من وجه يصح مثله.
وانفرد مسلم بحديث أبي رفاعة العدوي، ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي، من وجه يصح مثله.
وانفرد مسلم برافع بن عمرو الغفاري أخي الحكم بن عمرو، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت، من وجه يصح مثله، … إلخ"""1".
ومن ذلك قول الدَّارَقُطْنِيّ -بعد أن ذكر أحاديث لبعض الصحابة، فلخصهم بقوله:
ذِكْر أحاديث رجال من الصحابة رضي الله عنه رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، رُويت أحاديثهم من وجوه لا مطعن في ناقلهما، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئاً، فيلزم إخراجها على مذهبهما، وعلى ما قدّمنا ذكره ما أخرجاه أو أحدهما، وبالله التوفيق.
1-"2" قد بدأنا في أول الورقة"3" بحديث قيس بن أبي حازم عن دُكين ابن سعيد.--------------------------------------------
"1" "الإلزامات" للدارقطني: ص92-94.
"2" الأرقام من وضعي.
"3" يعني: أول "الإلزامات".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
2- وحديثه عن الصنابح بن الأَعسر.
3- وحديثه عن أبيه أبي حازم.
4- وحديثه عن أبي شهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
5- وحديث نبيط بن شريط، من رواية أبي مالك الأشجعي.
6- وحديث محمد بن حاطب، من رواية سماك بن حرب.
7- وحديثه أيضاً من رواية أبي مالك الأشجعي.
8- وحديث قتادة، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير، عن أبيه.
9- وحديث أبي المليح عن أبي عزة يسار بن عبد، رواه أيوب عنه.
10- وحديث أبي الأحوص الجشمي، عن أبيه، من رواية ابن إسحاق، وأبي الزعراء، وعبد الملك بن عمير، عنه.
11- وحديث الحسن بن أحمر بن جزء السدوسي، من رواية عباد بن راشد، عنه"""1".
قلت: وقد بلغت الأحاديث في الإلزامات نحو سبعين حديثاً. وأظن هذا الرأي واضحاً في الكتاب، لا يحتاج إلى توضيح أكثر من هذا.
وهو موقف من الصحيحين يقابل موقفه رحمه الله من الصحيحين في كتاب: "التتبع … " ظاهراً.
ولكن الذي أعجب منه هنا شهرة موقفه منهما في "التتبع … " عند عامة طلاب العلم، وعند المعاصرين بخاصة، بحيث إنه عند إطلاق رأي الدَّارَقُطْنِيّ--------------------------------------------
"1" "الإلزامات": ص97-98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
في الصحيحين، لا يتبادر إلى الذهن سوى هذا، ولا يخطر بالبال أن له "كتاب الإلزامات" وغيره من الأمور التي تدل على الرأي المقابل. وموقفه هذا شبيه بموقف الحاكم تماما.
لكن الحاكم رحمه الله، يعذر الشيخين في ترك ما تركاه من الحديث الصحيح كما هو معلوم عنه، وكما يدل عليه قوله في مقدمة "المستدرك": "" … ولم يحكما "يعني الشيخين"، ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه … """1".
في حين أن الدَّارَقُطْنِيّ -فيما يبدو لي- لا يعذرهما في ترك ما تركاه من الأحاديث على شرطهما أو مثله، ويدل على هذا اسم كتابه "الإلزامات"، ومقدمته، وما نقلته منه قريباً، وغيره كثير من الكتاب. والله أعلم.
وقد صرّح الدَّارَقُطْنِيّ نفسه بذلك في النصوص السابقة على أن رأي الدَّارَقُطْنِيّ هذا مردود عند الأئمة بالنصوص المأثورة عن الشيخين رحمهما الله تعالى في أنهما لم يقصد كلٌ منهما جمع كل حديث صحيح في كتابه.
وفوق ذلك فإن الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى قد أورد بعض الأحاديث في "الإلزامات" مدعيا أنها على شرط الشيخين، وليست كذلك، كما في حديث رقم 35،و36، و52، و56، و64، وغيرها من الإلزامات.
وأيضاً فإنه ليس كل رجل أخرج له الشيخان يكون من شرطهما على الإطلاق، لأنه قد يكون على شرطهما في بعض شيوخه، وليس على--------------------------------------------
"1" "المستدرك" للحاكم: 1/2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
شرطهما في بعض شيوخه الآخرين، ونحو ذلك.
وعلماء الحديث بعامة على هذا الرأي، ولم يقبلوا ما ادعاه الدَّارَقُطْنِيّ أو غيره.
قال السخاوي: "" … فإلزام الدَّارَقُطْنِيّ لهما، في جزء أفرده بالتصنيف بأحاديث رجال من الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح، تركاهما مع كونهما على شرطهما، وكذا قول ابن حبان: ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما. ليس بلازم"""1".
ثم إن الأحاديث التي ينطبق عليها شرط الشيخين أو أحدهما كثيرة إذا تتبعها الحافظ المحدث واستقصاها، فلا معنى لذكر سبعين حديثاً وإلزام الشيخين بها.
إلا أن عذر الدَّارَقُطْنِيّ في هذا أنه أَراد ضربَ الأمثلة فقط، لا سيما أنه أورد في كتاب "الإلزامات" ما جال بخاطره وَقْتَ الكتابة، ولذلك قال في مقدمته: ""ذِكْر ما حضرني ذكره … إلخ"".
4- الدليل الرابع:
رسالته في "ذِكْر أقوام أخرج لهما الشيخان في صحيحيهما، وضعفهم النسائي في كتابه: "الضعفاء … "، وسئل عنهم الدَّارَقُطْنِيّ، فأجاب في أكثرهم بالتوثيق، فخالف النسائيَّ فيهم.
وهذه الرسالة دليل قوي على هذا المسلك من الإمام الدَّارَقُطْنِيّ تجاه الصحيحين، وقد ضربت أمثلة من هذه الرسالة في المبحث الرابع من هذا الفصل.--------------------------------------------
"1" "فتح المغيث": 1/31
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
فمجموع هذه الأدلة الأربعة تؤكّد هذا الموقف -في نظري- والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
ثالثاً: بيان الموقف الثاني:
الموقف الثاني هو نقد، للصحيحين، وذلك بتضعيف راوٍ فيهما، أو في أحدهما، أو بتضعيف حديثٍ فيهما، أو في أحدهما.
ويمثّل هذا الموقف كتابه: "التتبع، لما أخرج في الصحيحين، وله علّة"، إذ تتبع فيه كل حديث ينتقده على الصحيحين، وبلغ مجموعها 200 مائتي حديث، وليست كلها عنده بعلة قادحة.
وهذا لا يتعارض مع رأيه السابق -كما تقدم-، لأن هذا نقد للصحيحين ليس في منهجهما جملة بل في بعض الجزئيات التطبيقية.
والإمام الدَّارَقُطْنِيّ رحمه الله تعالى منتقد في أكثر آرائه في هذا الموقف.
والحث أن "كل حديث في الصحيحين متصل السند فهو حديث صحيح" وهذه قاعدة أُسلّم بها.
وقبول العلماء للصحيحين، وإجماعهم على ذلك على مرّ العصور يؤيدها، وأقوالهم كذلك تؤيدها، وإن كان هناك أقوال أخرى لبعض الأئمة -كالدَّارَقُطْنِيّ في موقفه هذا- تُعارِض عموم هذه القاعدة، إلا أنه لا معوّل عليها، وليست هي المعتمدة، لأن تلك الأقوال لا تخرج عن أمرين:
الأول: إما أن تكون مبنيّة على سبب أو أسباب مسلّم بها، ولكنها لا تضرّ بصحة الحديث في منهج المحدثين.
الثاني: وإما أن تكون مبنيّة على سبب أو أسباب غير مسلّم بوجودها في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
الحديث أو الأحاديث فتُردّ أصلا.
فتكون هذه الأقوال على كلا الحالين غير مقبولة وغير مؤثرة في مكانة الصحيحين وفي صحة جميع ما فيهما من الأحاديث المتصلة.
ولست أرى حاجة لسرد أقوال الأئمة في الثناء على الصحيحين ومنهجهما، والاعتراف بصحتهما، لأن أقوالهم في ذلك معروفة، موجودة في الكتب، فنقْلها من جديد لن يفيد بل هو عَبَث. ولأن السامع أو القارئ سيقول إذا قرأها: إن هناك أقوالا تعارضها.
ولديّ قناعة بمطابقة الصحيحين في منهجهما لأصول المحدثين في قبول الأخبار وردِّها وأن كل ما فيهما من الحديث المتصل صحيح.
وأرى أن يكتب في هذا الموضوع على ضوء دراسة تطبيقية موضوعية وستؤكد هذه الدراسة -إذا خرجت بعلم ومنهج سليم- قاعدَة: "كل حديث في الصحيحين متصل السند فهو حديث صحيح""1".
وقد درس العلماء انتقادات الناقدين للصحيحين بعامّة، وانتقادات الدَّارَقُطْنِيّ بخاصة، فردوا عليها.--------------------------------------------
"1" وقد كنت أردتُ تسجيل بحثي في هذا الموضوع، لقناعتي الشديدة بما ذكرت، ولكن لم يقدر الله تعالى ذلك، وفي تقديري أن الموضوع يحتاج إلى دقة، وسعة اطلاع، وسداد منهج.
ولا يمكن أن يبحث الموضوع هنا على أنه جزئية في موضوع آخر، لأن هذه الأحاديث، يحتاج -على أقل تقدير- كل حديث منها ثلاث صفحات، فيكون المجموع ستمائة صفحة، ولو تجاوزْتُ هذا كله فكتبت فيه بهذا الحجم لخرجت عن الموضوع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
ومن ذلك -على سبيل المثال-:
1- جوابات أبي مسعود الدمشقي "إبراهيم بن محمد بن عبيد الحافظ" لانتقادات الدَّارَقُطْنِيّ لصحيح مسلم.
وقد أورد فيه أوهاما للدارقطني -رحمه الله تعالى- في تتبعاته.
2- "هَدْيُ الساري مقدمة فتح الباري" لابن حجر، فقد أجاب فيه ابن حجر رحمه الله تعالى عن تلك الانتقادات، على وجه الإجمال ثم على وجه التفصيل.
3- "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" لابن حجر أيضاً، تعرّض فيه للردّ على تلك الانتقادات في مواضعها.
4- "شرح صحيح مسلم" للإمام النووي، تعرّض فيه للردّ على الانتقادات الموجهة لمسلم أو للشيخين أحيانا.
وكذا غالب شروح الصحيحين.
5- "المدخل" الكبير للحاكم أبي عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك وأحد تلاميذ الدَّارَقُطْنِيّ، عقد فيه بابا طويلا خاصا بالدفاع عن البخاري ومسلم في إخراجهما لبعض المنتقدين عليهما.
وسواها من المؤلفات التي تولَّت الدفاع عن الصحيحين إجمالاً أو تفصيلاً، على وجه الشمول أو الاقتصار على بعض المواضع، مما يفيد بمجموعه مكانة عظيمة للصحيحين.
ودرس هذا الموضوع بعض الباحثين المعاصرين، منهم الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، في رسالته للدكتوراه، بعنوان: "بين الإمامين: مسلم والدَّارَقُطْنِيّ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
وتوصَّل الشيخ ربيع -بعد دراسةٍ نَقْدية تطبيقية، أَجْراها على الأحاديث المنتقدة على الإمام مسلم من قِبل الدَّارَقُطْنِيّ -إلى نتائج لا تختلف- في الجملة- مع الحقيقة التي ذكرتها تجاه أحاديث الصحيحين بل تؤيدها، ولخص ما توصّل إليه بقوله: ""يمكن إرجاع انتقادات الدَّارَقُطْنِيّ وتتبعاته للإمام مسلم إلى الأقسام الآتية:
1- انتقاد موجّه إلى أسانيد"1" معينة، فيبدي لها عللا من إرسال، أو انقطاع، أو ضعف راو، أو عدم سماعه، أو مخالفته للثقات في أمرٍ ما. ويتبين في ضوء الدراسة والبحث أنه غير مصيب فيما أبداه من علة. وهذا النوع من الانتقادات لا يكون له تأثير في متون تلك الأسانيد لعدم ثبوت العلل التي أبداها.
2- انتقاد موجّه إلى الأسانيد، فيبدي لها عللا من انقطاع، أو عدم سماع، … إلخ، ويكون مصيبا فيما أبداه من علّة، لكن تأثيره قاصر على ذلك الإسناد المعين. والمتن يكون صحيحاً من طريق أو طرق أخرى، وله من المتابعات والشواهد ما يزيده قوة.
3- انتقاد موجّه إلى المتن، كأن يدعي في حديثٍ ما أنه لا يصح إلا موقوفا ولم يثبت رفعه، أو يدعي أنه من قول أحد التابعين، ولا يصح رفعه أو يدعي أن جملة معينة قد زِيدت في متنٍ بسبب وهم أحد الرواة.
ويكون مصيبا في ذلك، ويكون لهذا الانتقاد أثره، لثبوت دعواه، ولعدم--------------------------------------------
"1" في الأصل: "أسناد".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
المتابعات والشواهد لذلك المتن. وهذا النوع قليل جداً لا يجاوز خمسة أحاديث.
4- انتقاد موجَّه إلى المتن، كأن يدعي في حديثٍ ما أنه لا يصح إلا موقوفاً على"1" صحابي معين، أو مرسلاً من قول فلان، ويبين في ضوء الدراسة أن دعواه لا تثبت. وهذا يكون بالبداهة لا أثر له في ذلك المتن الذي ادعى فيه تلك العلة""2".--------------------------------------------
"1" في الأصل: "عن".
"2" "بين الإمامين: مسلم والدَّارَقُطْنِيّ"، للشيخ ربيع مدخلي: 2/233.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
الباب الثاني: مصنَفاته والكلام عنها
الفصل الأول: مؤلفاته الموجودة
*
…
تمهيد: مكانته في التصنيف:
كما أصبح الدَّارَقُطْنِيّ مرجعاً للعلماء والطلاب في زمنه، فقد أصبحت مؤلفاته مرجع الناس من لدن زمنه إلى الوقت الحاضر.
ولهذا يقول ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر أصحاب الكتب الخمسة المعتمدة في الحديث: ""سبعة من الحفاظ في ساقتهم، أحسنوا التصنيف وعظم الانتفاع بتصانيفهم في أعصارنا:
أبو الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ البغدادي … ثم الحاكم أبو عبد الله
ابن البيِّع النيسابوري … ثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأَزْدي حافظ مصر … ومن الطبقة الأخرى:
أبو عمر بن عبد البَرَّ النمري حافظ أهل المغرب … ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي … ثم أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي … رحمهم الله وإيانا والمسلمين أجمعين، والله أعلم"""1".
ويقول الحافظ ابن كثير، رحمه الله تعالى، مُثْنياً على الدَّارَقُطْنِيّ ومؤلفاته: "الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة: … سمع الكثير، وجمع وصنف وألّف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية، والاطلاع التامّ في الدراية، له كتابه المشهور"2"، من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله،--------------------------------------------
"1" "علوم الحديث"، لابن الصلاح "مع المحاسن": 586-587، وانظر: "أسماء الرجال"، للطيبي: ق47ب.
"2" يريد: كتاب "السنن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
ولا يُلحق بشكله، إلا من استمدّ من بحره وعمل كعمله.
وله كتاب "العلل"، بيَّن فيه الصواب من الدَخَل، والمتصل من المرسل والمنقطع من المعضل.
وكتاب "الأفراد" الذي لا يفهمه، فضلاً عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفاظ الأفراد، والأئمة النقاد، والجهابذة الجياد.
وله غير ذلك من المصنفات، التي هي كالعقود في الأجياد"""1".
وقد ألَّف الإمام الدَّارَقُطْنِيّ مؤلفات عديدة أكثرها في الحديث ونقده. ومؤلفاته في علوم الحديث أكثر منها في الحديث وغيره.
وقد تميزت بالأَصالة العِلْمية، فلم يعتمد فيها على النقل، بل كل مصنفاته مستقلٌ في إنشائها، فلم يكن فيها كتاب مختصراً لكتابِ غيره، أو شرحا أو نحو ذلك.
ومؤلفاته بعضها مَوْجود، وبعضها لازال مفقوداً.
والموجود منها أكثره مطبوع، وقد كنت قلتُ في وقت إعداد هذه الرسالة، بأن أكثرها مخطوط"2". أمّا الآن، فالحمد لله قد طُبع كثيرٌ مِن مؤلفاته، إنْ لم يكن جلّها، كما هو واضحٌ مِن بيان المطبوع والمخطوط مِن مؤلفاته.
وسأَذكر فيما يلي مصنفات الدَّارَقُطْنِيّ على الوجه الآتي:
الفصل الأول: مؤلفاته الموجودة: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المطبوع منها. المبحث الثاني: المخطوط منها.
الفصل الثاني: مؤلفاته المفقودة. الفصل الثالث: المؤلفات المنسوبة له خطأً.
الفصل الرابع: سرد جميع مؤلفاته، مرتبةً على حروف المعجم.--------------------------------------------
"1" "البداية والنهاية": 11/317.
"2" كنتُ قلت في ذلك الوقت: "فلم يطبع من مؤلفاته -على أهميتها- إلا القليل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
المبحث الأول
المطبوع من مصنّفاته: بيانها، والكلام عنها
فيما يلي أذكرُ ما اطّلعتُ عليه مِن مصنّفات الإمام أبي الحسن الدارقطني، رحمه الله تعالى، المطبوعة، مرتّبةً على حروف الهجاء، مع الكلام عليها بما ظهر لي تجاه كلٍّ منها، وذلك مِن خلال الوقوف على الكتاب.
وربما كان مِن المهمّ الإشارة هنا إلى أن تلك الكتب قد كنتُ اطّلعتُ عليها مخطوطاتٍ، غالباً، ولهذا كانت إحالاتي عليها في صورتها الخطِّيّة، وإنْ طُبع أكثرها فيما بعد.
فمِن مصنَّفات الإمام الدراقطنيّ المطبوعة ما يلي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)