منه». قالت عائشة: فقبَّلتُ أنفَه وما بين عينيه، فقال: «حَسْبُكِ يا عائشةُ، فمَن لستِ بأُمِّه فواللهِ ما أنا بنبيِّه، فمن أراد أنْ يتبرَّأ من الله ومني فليتبرَّأ منكِ يا عائشةُ».
ثم قال الخطيب: «لا يثبت هذا الحديث، ورجال إسناده كلهم ثقات، ولعله شُبِّه لهذا الشيخ القطان، أو أُدخِل عليه، مع أني قد رأيتُه من حديث محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، وابن بابشاذ راوي مناكير عن الثقات، وقد كان في أصل ابن المُذْهِب أحاديث صالحة عن هارون القطان عن البغوي، وكلها مستقيمة»(1).
فهذا الحديث في متنه نكارة شديدة، غيرُ بعيد عن الوضع، ورواته كلهم ثقات، ولذلك فقد التمس له الخطيب علةً يطعن بها فيه، فوجد أنه من رواية هارون القطان وهو ثقة؛ حيث روى عنه ابن المُذْهِب عن البغوي أحاديث مستقيمة كما يقول الخطيب، إلا أنه لم يكن ضابطًا للحديث كما ينبغي.
فقد سأل الخطيبُ ابن المُذْهِب عنه، فقال: «لم يكن ممن يُظَنُّ به الكذب، ولا تلحقه التُّهمة؛ لأنه لم يكن ممن يتصدَّى للحديث ولا يُحسنه، وكان من أهل القرآن والخير»(2).
ولذلك ذهب الخطيب إلى أنه ربما يكون بعض الكذَّابين قد أدخل هذا الحديث عليه، فاشتبه عليه، وظن أنه من حديثه فحدَّث به.--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (16/ 54). وهذا الحديث رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 49 رقم 576)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (30/ 164) كلاهما من طريق الخطيب به.
(2) «تاريخ بغداد» (16/ 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
وقريب منه قول ابن الجوزي: «هذا قد أُدخِل عليه لغفلته، وكثيرٌ من أهل الدين تغلب عليهم الغفلة»(1).
وقول الذهبي في ترجمته من «ميزان الاعتدال»: «روى حديثًا باطلًا كأنه المسكين أُدخِل عليه ولا يشعر»(2).
وهذا مثال جيِّد للقاعدة التي ذكرها المُعَلِّمي في مقدمة تحقيقه لكتاب «الفوائد المجموعة» قال رحمه الله: «إذا استنكر الأئمة المحقِّقون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلَّبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلُّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر».
ثم ذكر أمثلة على ذلك منها قال: «فمن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أُدخِل على الشيخ … وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحقَّق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقُّب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صحَّحوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقِّب أن الخبر غير منكر»(3).--------------------------------------------
(1) «الموضوعات» (2/ 50 رقم 576).
(2) «ميزان الاعتدال» (4/ 282 رقم 9149).
(3) مقدمة تحقيق «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص: 8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وكأن الخطيب قد أدرك أنه ربما اعترض عليه بعض الناس بأن هارون لم ينفرد بهذا الحديث، وأنه قد رواه محمد بن بابشاذ البصري، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، فنبَّه على أنه قد اطلع على هذه الرواية، ولكنها مما لا يُفرح بها؛ لأن ابن بابشاذ يروي المناكير عن الثقات.
وقد ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» وقال: «في حديثه غرائب ومناكير»(1).
وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» وقال: «وثَّقه الدارقطني، ولكنه أتى بطامة لا تطيب».
ثم ساق له هذا الحديث من رواية الحافظ أبي الحسن محمد بن علي الجرجاني في «تاريخ جرجان» بإسناده إلى محمد بن بابشاذ قال: أخبرنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس، عن عائشة بمعناه.
ثم قال الذهبي: «فهذا لا يحتمله سلمة، والظاهر أنه دُسَّ على ابن بابشاذ هذا، فروى حديثًا موضوعًا راج عليه ولم يهتد»(2).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة عبد الجبار بن أحمد بن عبيد الله السمسار ومن طريقه عن علي بن المثنى الطُّهَوي قال: حدثنا زيد بن الحُباب قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة قال: حدثنا جعفر بن ربيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما في القيامة راكبٌ غيرنا نحن أربعة». فقام
إليه--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (2/ 464).
(2) «ميزان الاعتدال» (3/ 488 رقم 7263).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
عمُّه العباس بن عبد المطلب، فقال: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: «أمَّا أنا فعلى البُراق، وجهُها كوجه الإنسان، وخدُّها كخدِّ الفرس، وعُرْفها(1) من لؤلؤ ممشوط، وأذناها زبرجدتان خَضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة، توقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاعٌ مثل شُعاع الشمس، بَلقاءُ مُحَجَّلة، تضيء مرة، وتنمي أخرى، يتحدَّر من نحرها مثل الجُمَان(2)، مضطربة في الخلق أذنها، ذَنَبها مثل ذنب البقرة، طويلة اليدين والرجلين، أظلافها كأظلاف البقر من زبرجد أخضر، تجدُّ في مسيرها، ممرُّها كالريح، وهي مثل السحابة، لها نَفَس كنَفَس الآدميين، تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون البغل». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وأخي صالح على ناقة الله وسُقياها التي عقرها قومُه». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وعمِّي حمزةُ بن عبد المطَّلب أسدُ الله وأسد رسوله سيِّد الشهداء على ناقتي». قال العباس: ومن يا رسول الله؟ قال: «وأخي علي على ناقة من نُوق الجنة، زمامُها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قُضبانها من الدُّر الأبيض، على رأسه تاجٌ من نور، لذلك التاج سبعون ركنًا، ما من ركن إلا وفيه ياقوتة حمراء تُضيء للراكب المُحِثِّ، عليه حُلَّتان خضراوان، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فيقول الخلائق: ما هذا إلا نبيٌّ مرسل، أو مَلَك مقرَّب، فينادي منادٍ من بطنان العرش: ليس هذا مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسَلًا، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وَصِيُّ رسول رب العالمين، وإمام المتقين، وقائد الغُرِّ المُحَجَّلين».--------------------------------------------
(1) العُرْف: شعر عنق الفرس. «تاج العروس» (ع ر ف).
(2) الجُمان، كغراب: اللؤلؤ. «تاج العروس» (ج م ن).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
ثم قال الخطيب: «لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وابن لهيعة ذاهب الحديث»(1).
فقد أعلَّه الخطيب بابن لهيعة، وتابعه ابن الجوزي على ذلك فقال: «هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فابن لهيعة ذاهب الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئًا، وضعَّفه يحيى بن معين، وكان يدلِّس عن ضعفاء»(2).
ولم يوافق الذهبي ولا ابن حجر على إعلاله بابن لهيعة.
أما الذهبي فإنه قال في «تلخيص الموضوعات»: «خبر ركيك مكذوب، وما تعلَّق فيه ابن الجوزي بغير ابن لهيعة، وأنا أحسبه وُضِع بعد ابن الحُباب»(3).
وكأنه يرى أن عبد الجبار السمسار هو المتهم به، فقد ترجم له في «ميزان الاعتدال»، وقال: «روى عن علي بن المثنى الطُّهَوي، فأتى بخبر موضوع في فضائل علي، رواه عنه ابن المظفر الحافظ»(4).
وأما ابن حجر فقد اعترض على إعلال الخطيب للحديث بابن لهيعة، فقال في ترجمة عبد الجبار السمسار من «لسان الميزان»: «قلت: إن ابن لهيعة -مع ضعفه- لبريء من عهدة هذا الخبر، ولو حلفتُ لحلفتُ بين الركن والمقام أنه
لم يروه قط»(5).--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (12/ 412). وهذا الحديث أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 178 رقم 737)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (42/ 326) كلاهما من طريق الخطيب به.
(2) «الموضوعات» (2/ 181 رقم 737).
(3) «تلخيص الموضوعات» (ص: 132).
(4) «ميزان الاعتدال» (2/ 533 رقم 4738).
(5) «لسان الميزان» (5/ 56 رقم 4542).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
أقول: وعبد الجبار السمسار لم يذكر الخطيب في ترجمته له جرحًا ولا تعديلًا، ولم يورد له إلا هذا الحديث الموضوع، وكذلك فعل الذهبي في «الميزان»، وابن حجر في «اللسان».
ووجه اعتراض الذهبي وابن حجر على إعلاله بابن لهيعة، أن ابن لهيعة مع ضعفه وتخليطه لا يحتمل أن يروي مثل هذا الخبر الركيك البيِّن الوضع، ويظهر من كلام ابن حجر أنه فهم أن الخطيب يتهم ابن لهيعة بالوضع.
إلا أن إعلال الخطيب به له وجه صحيح، وهو أن ابن لهيعة ليس بوضَّاع ولا كذَّاب، ولكن بعض الكذَّابين قد أدخله عليه، أو لقَّنه إياه، فظن أنه من حديثه فحدَّث به.
يدل على ذلك ما ذكره ابن حجر نفسُه في ترجمة ابن لهيعة من «تهذيب التهذيب» عن يحيى بن حسان أنه قال: «رأيتُ مع قوم جزءًا سمعوه من ابن لهيعة، فنظرتُ فإذا ليس هو من حديثه، فجئتُ إليه، فقال: ما أصنع يجيئوني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك. فأُحدِّثهم».
ونقل عن ابن قتيبة أنه قال: «كان يُقرأ عليه ما ليس من حديثه».
وحكى عن أحمد بن صالح أنه قال: «كان ابن لهيعة من الثقات، إلا أنه إذا لُقِّن شيئًا حدَّث به».
وعن ابن خِراش قال: «كان يَكتب حديثه، فأُحرقت كتبه، فكان مَن جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحدٌ حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه»(1).
وقال ابن حبان في ترجمة ابن لهيعة من «المجروحين»: «قد سبرتُ أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدِّمين والمتأخِّرين عنه، فرأيتُ التخليط في رواية--------------------------------------------
(1) «تهذيب التهذيب» (5/ 378).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدِّمين كثيرًا، فرجعتُ إلى الاعتبار، فرأيتُه كان يدلِّس عن أقوام ضعفى عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فالتزقت تلك الموضوعات به»(1).
وقد روى الخطيب في «الكفاية» قولَ يحيى بن حسان السابق الذكر ثم عقَّبه بقوله: «قلتُ: وكان عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ واحترقت كتبُه، وكان يتساهل في الأخذ، وأي كتاب جاءوه به حدَّث منه، فمن هناك كثرت المناكير في حديثه»(2).
فليس ببعيد أن يكون هذا الحديث الموضوع قد أدخله بعضُ الهلكى عليه، لا سيما وقد قال ابن حجر في ترجمة ابن لهيعة من «تهذيب التهذيب»: «ومن أشنع ما رواه ابن لهيعة ما أخرجه الحاكم في المستدرك(3) من طريقه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجَنْب.
وهذا مما يُقطع ببطلانه؛ لما ثبت في الصحيح(4) أنه قال لمَّا لدُّوه: «لِمَ فعلتُم
هذا؟» قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجَنْب؟ فقال: «ما كان اللهُ ليُسلِّطها عليَّ»(5).--------------------------------------------
(1) «المجروحين» (2/ 12).
(2) «الكفاية» (ص: 152).
(3) «المستدرك» كتاب الطب (4/ 449 رقم 8236)، وقال الذهبي في «التلخيص»: «لم يصح».
(4) لم أجده في أيٍّ من «الصحيحين»، ولعله يريد في الحديث الصحيح، أو أن الحديث أصله في «صحيح البخاري»، كما سيأتي بيانه تعليقًا.
(5) أخرجه أحمد في «المسند» (41/ 364 رقم 24870)، وأبو يعلى في «المسند» (8/ 353 رقم 4936)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (5/ 193 رقم 1934)، والحاكم في «المستدرك»، كتاب الطب (4/ 225 رقم 7447) وغيرهم من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
ورجاله ثقات مشهورون، غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، فهو صدوق تغيَّر حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا. «تقريب التهذيب» (ص: 340 رقم 3861). لكن قال يحيى بن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد. كما في «تهذيب الكمال» (17/ 98).
وأصل الحديث في «صحيح البخاري» كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته (6/ 14 رقم 4458) باختصار دون موضع الشاهد، وعلَّقه البخاري بعده بصيغة الجزم فقال: «رواه ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم» ولم يذكر متنه.
وللحديث إسناد آخر عند أحمد أيضًا (43/ 366 رقم 26346) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته أنه قال حين قالوا: خشينا أن تكون به ذات الجنب: «إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي».
وإسناده حسن؛ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام: ثقة، روى له الجماعة. «تقريب التهذيب» (ص: 471 رقم 5782).
ومحمد بن إسحاق: إمام المغازي صدوق يدلس ورُمي بالتشيع والقدر. «تقريب التهذيب» (ص: 467 رقم 5725).
ولكنه قد صرح بالتحديث في هذا الإسناد فانتفت شبهة تدليسه.
فالحديث صحيح بمجموع هذين الطريقين، ولذلك قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
وإسناد الحاكم إلى ابن لهيعة صحيح، والآفة فيه من ابن لهيعة، فكأنه دخل
عليه حديث في حديث» اهـ(1).
فإعلال الخطيب لحديثنا هذا هو مثل إعلال ابن حجر لحديث ابن لهيعة في ذات الجَنْب، والله أعلم(2).--------------------------------------------
(1) «تهذيب التهذيب» (5/ 379).
(2) وينظر: مثال آخر للنقد باختلال الضبط في: «تاريخ بغداد» (4/ 571).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
الباب الثاني
نقد الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها
وفيه فصلان:
- الفصل الأول: الانقطاع والنقد به عند الخطيب.
- الفصل الثاني: التدليس والنقد به عند الخطيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
الفصل الأول
الانقطاع والنقد به عند الخطيب
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: تعريف الانقطاع وصوره عند الخطيب.
- المبحث الثاني: النقد بانقطاع السند عند الخطيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
المبحث الأول
تعريف الانقطاع وصوره عند الخطيب
للانقطاع صور شتى عرَّفها الخطيب، وبيَّن ما بينها من ترادف أو تداخل، فمن صوره: الحديث المنقطع، الحديث المرسل، الحديث المعضل، الحديث المدلَّس.
وسوف أبيِّن تعريف الخطيب لهذه الأنواع، ما عدا الحديث المدلَّس، فسوف أُفرِد له فصلًا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر الخطيب هذه الأنواع في مقدمة «الكفاية»، وقدَّمها بتعريف الحديث المسند، ومعنى الاتصال، فقال: «وصفُهم -أي: أصحاب الحديث- للحديث بأنه مسند، يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أُسند عن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
واتصال الإسناد فيه: أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي ذلك إلى آخره، وإن لم يبيِّن فيه السماع، بل اقتصر على العنعنة».
ثم عرَّف الحديث المرسل بقوله: «هو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته مَن لم يسمعه ممن فوقه».
ثم قال: «إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
ثم عرَّف الحديث المعضَل فقال: «وأما ما رواه تابع التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيسمونه المعضَل، وهو أخفض مرتبة من المرسل».
ثم عرَّف الحديث المنقطع بقوله: «المنقطع مثل المرسل، إلا أن هذه العبارة تُستعمل غالبًا في رواية من دون التابعين عن الصحابة، مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، أو سفيان الثوري عن جابر بن عبد الله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك، وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم بالحديث: المنقطع ما روي عن التابعي ومن دونه موقوفًا عليه من قوله أو فعله» اهـ(1).
يتبين من خلال هذه التعريفات ما يلي:
1 - المرسل عند الخطيب مثل المنقطع إلا أنه فرَّق بينهما من حيث الاستعمال.
فالمرسل أكثر ما يُستعمل في رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والمنقطع يُستعمل غالبا في رواية من دون التابعين عن الصحابة.
إلا أن الخطيب قد أكثر من إطلاق المرسل على أي انقطاع في الإسناد، كما سيأتي كلامه في حكم الحديث المنقطع في المبحث الآتي.
2 - التعريف الأخير الذي ذكره للمنقطع ونسبه لبعض أهل العلم بالحديث، وهو ما رُوي عن التابعي ومن دونه موقوفًا عليه من قوله أو--------------------------------------------
(1) «الكفاية» (ص: 21).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
فعله. هذا التعريف ليس له علاقة بالانقطاع في الإسناد موضوع البحث، وإنما هو من صفات المتن، وهو ما استقر عليه في الاصطلاح بأن يُسمى مقطوعًا، وهو ما رُوي عن التابعي أو من دونه موقوفًا عليه(1).
وقد عبَّر عنه الخطيب بلفظ المقطوع؛ حيث قال في «الجامع لأخلاق الراوي»: «وأما المقاطيع فهي الموقوفات على التابعين، فيلزم كتبها والنظر فيها؛ ليُتَخَيَّر من أقوالهم ولا يُشَذَّ عن مذاهبهم»(2).
والمقاطيع جمع المقطوع.
* * *--------------------------------------------
(1) «فتح المغيث» للسخاوي (1/ 140)، وذكر أن البرديجي قال: المنقطع هو قول التابعي.
(2) «الجامع لأخلاق الراوي» (2/ 191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
المبحث الثاني
النقد بانقطاع السند عند الخطيب
بيَّن الخطيب أنَّ الحديث المنقطع بجميع أنواعه غير مقبول، فقد عقد فصلًا في «الكفاية» بعنوان: «معرفة الخبر المتصل الموجب للقبول والعمل» ذكر فيه عدة آثار كان أولها ما رواه بسنده عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: «لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح»(1).
إلا أنه أوضح أن في المسألة خلافًا ذكره، ثم رجَّح القول الذي عليه جمهور حُفَّاظ الحديث ونُقَّاده فقال: «وقد اختلف العلماء في وجوب العمل به، فقال بعضهم: إنه مقبول ويجب العمل به، إذا كان المرسِل ثقة عدلًا، وهذا قول مالك وأهل المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق وغيرهم(2).
وقال محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وغيرُه من أهل العلم: لا يجب العمل به. وعلى ذلك أكثر الأئمة من حفاظ الحديث ونُقَّاد الأثر(3)»(4).--------------------------------------------
(1) «الكفاية» (ص: 20).
(2) ينظر: «رسالة أبي داود إلى أهل مكة» (ص: 24)، و «الفصول في الأصول» لأبي بكر الجصاص الحنفي (3/ 145)، و «فتح المغيث» (1/ 175).
(3) ينظر: «الرسالة» للشافعي (1/ 461) -وقد وضع شروطًا لقبول المرسل-، و «النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (2/ 546 وما بعدها).
(4) «الكفاية» (ص: 384) بتصرف يسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
وقال أيضًا: «والذي نختاره من هذه الجملة سقوط فرض العمل بالمراسيل(1)، وأن المرسل غير مقبول»(2).
ثم بيَّن أدلة اختياره هذا بقوله: «والذي يدل على ذلك: أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بينَّا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عُرِفت عدالتُه(3)، فوجب لذلك كونه غير مقبول.
وأيضًا فإن العدل لو سُئل عمَّن أرسل عنه، فلم يعدِّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، فكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذِكره وتعديله؛ لأنه مع الإمساك عن ذكره غير معدِّل له، فوجب ألا يُقبل الخبر عنه»(4).
وقد روى بإسناده عن عبد الله بن الزبير الحُميدي أنه قال: «فإن قال قائل: فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدِّثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر؟
قال عبد الله: قلتُ: لأن الموصول وإن لم يقل فيه: سمعت، حتى ينتهي الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ظاهره كظاهر السامع المدرك، حتى يتبيَّن فيه غير ذلك، كظاهر الشاهد الذي يشهد على الأمر المدرَك له، فيكون ذلك عندي كما يشهد؛ لإدراكه من شهد عليه وما شهد فيه حتى أعلم منه غير
ذلك.--------------------------------------------
(1) والمرسل عند الخطيب وعامة أصحاب الحديث مثل المنقطع كما سبق بيانه.
(2) «الكفاية» (ص: 387).
(3) ينظر: «الكفاية» (ص: 23، 31، 33).
(4) «الكفاية» (ص: 387).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
والمقطوع العلم يحيط بأنه لم يدرِك من حدَّث عنه، فلا يثبت عندي حديثه، لما أحطتُ به علمًا، وذلك كشاهد شهد عندي على رجل لم يدركه أنه تصدَّق بداره أو أعتق عبده، فلا أُجيز شهادته على من لم يدركه»(1).
ثم ذكر شبهات لمن يذهب إلى قبول المنقطع وبيَّن بطلانها واستفاض في ذلك(2).
أما حكم الحديث المعنعن عند الخطيب، فقد قال: «وأهل العلم بالحديث مجمِعون على أن قول المحدِّث: «حدثنا فلان عن فلان» صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدَّث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدِّث ممن يدلِّس، ولا يُعلَم أنه يستجيز إذا حدَّثه أحد شيوخه عن بعض من أدركه حديثًا نازلًا، فسمَّى بينهما في الإسناد مَن حدَّثه به، أن يُسقط ذلك المسمَّى ويروي الحديث عاليًا فيقول: «حدثنا فلان عن فلان»، أعني الذي لم يسمعه منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم راويه مما وصفنا الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده»(3).
فقد نقل الخطيب الإجماع على قبول الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: «فلان عن فلان»، إذا جمع شروطًا ثلاثة:
1 - إدراك الراوي لشيخه ولُقِيُّه وسماعه منه في الجملة.
2 - أن يكون بريئًا من التدليس.
3 - أن يكون بريئًا من التسوية، وهو أن يُسقط شيخ شيخه من--------------------------------------------
(1) «الكفاية» (ص: 390).
(2) ينظر: «الكفاية» (ص: 388 - 396، 399 - 403).
(3) «الكفاية» (ص: 291).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
الإسناد، قال ابن حجر: «ومراد الخطيب بهذا الاحتراز ألَّا يكون المعنعِن مدلِّسًا ولا مُسَوِّيًا»(1).
وهذه أمثلة تبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بانقطاع السند:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن مسلم بن واره من «تاريخ بغداد» عن أبي عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَاملي إملاء(2) قال: حدثنا ابن واره قال: حدثنا محمد بن سعيد بن سابق قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس قال: عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن معاوية بن قُرَّة، عن بلال قال: حَثَثْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى صلاة الغداة، فوجدتُه يشرب، قال: ثم ناولني فشربتُ، ثم خرجنا فأُقيمت الصلاةُ.
ثم قال: «هذا حديث غريب يُستَحسن من رواية أبي إسحاق السَّبِيعي عن معاوية بن قرة، وفيه إرسال؛ لأن معاوية بن قُرَّة لم يلق بلالًا»(3).
فأعلَّه الخطيب بالانقطاع بين معاوية بن قُرَّة وبلال، فقد توفِّي بلال رضي الله عنه سنة (17 هـ)، أو سنة (18 هـ)، وقيل: سنة (20 هـ)(4)، ووُلد معاوية بن قُرَّة--------------------------------------------
(1) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (2/ 584).
(2) هو في «أمالي المحاملي» رواية ابن مهدي الفارسي (ص: 116 رقم 216).
(3) «تاريخ بغداد» (4/ 419). وهذا الحديث رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (55/ 389) من طريق الخطيب به.
(4) «تاريخ دمشق» (10/ 479)، و «تهذيب الكمال» (4/ 290)، و «تقريب التهذيب» (ص: 129 رقم 779).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
يوم الجمل وكان سنة (33 هـ)، وقيل: وُلد سنة (37 هـ) حيث كانت وفاته سنة (113 هـ) وهو ابن ست وسبعين سنة(1)، فيكون مولد معاوية بعد وفاة بلال بزمن بعيد.
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة عبد الله بن أحمد بن جعفر النيسابوري من «تاريخ بغداد» من طريق أبي أُمية، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قَهْقَهَ في صلاتِه فليُعِد وضوءَه وصلاتَه».
ثم قال: «أبو أمية هو عبد الكريم بن أبي المُخارق المعلم، والحسن عن أبي هريرة مرسل»(2).
فقد أعلَّ الخطيب هذا الحديث بالانقطاع بين الحسن وأبي هريرة؛ فإنه لم
يسمع منه، وكذلك أعلَّه بهذه العلة في «المتفق والمفترق»(3)، وأعلَّه بها أيضًا--------------------------------------------
(1) «تاريخ دمشق» (59/ 268)، و «تهذيب الكمال» (28/ 217)، و «تاريخ الإسلام» (3/ 315)، و «تقريب التهذيب» (ص: 538 رقم 6769).
(2) «تاريخ بغداد» (11/ 34). وهذا الحديث رواه ابن عدي في «الكامل» (4/ 102)، والدارقطني في «السنن»، كتاب الطهارة، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها (1/ 301 رقم 611)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 18) -ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 369 رقم 612) وفي «التحقيق في مسائل الخلاف» (1/ 194 رقم 211) - كلهم من طريق عبد العزيز بن حصين، عن عبد الكريم أبي أمية عن الحسن عن أبي هريرة بمعناه. ورواه الخطيب في «المتفق والمفترق» (3/ 1679 رقم 1180) من طريق خارجة عن عبد الكريم أبي أمية عن الحسن عن أبي هريرة بمعناه.
(3) «المتفق والمفترق» (3/ 1679).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
الدارقطني(1)، وابن الجوزي في «التحقيق في مسائل الخلاف»(2) وفي «العلل المتناهية»(3)، والذهبي في «تنقيح التحقيق»(4).
وجمهور المحدِّثين على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، مثل: أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وبهز بن أسد، وابن المديني، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيَّيْن(5).
وفي الحديث علة أخرى، وهي ضعف عبد الكريم بن أبي المُخارق(6).
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة صدقة بن هُبيرة من «تاريخ بغداد» ومن طريقه عن يوسف بن يعقوب المعدل قال: حدثنا حفص بن إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء الإسكندراني، عن بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن
أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن مات وهو يقول: القرآنُ مخلوقٌ. لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ ووجهُه إلى قفاهُ».--------------------------------------------
(1) كما في «نصب الراية» (1/ 48).
(2) «التحقيق في مسائل الخلاف» (1/ 196).
(3) «العلل المتناهية» (1/ 369 رقم 612).
(4) «تنقيح التحقيق» (1/ 67).
(5) ينظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص: 34 وما بعدها)، و «جامع التحصيل» للعلائي (ص: 164)، و «تحفة التحصيل» لأبي زرعة بن العراقي (ص: 69 وما بعدها).
(6) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: 361 رقم 4156).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ثم قال: «من بين ابن هُبَيرة وبقيَّة لا يُعرف، وثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء»(1).
فقد أعلَّه الخطيب بجهالة يوسف بن يعقوب وحفص بن إبراهيم وإبراهيم بن العلاء(2)، وبأن ثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء؛ فقد مات ثور سنة (150 هـ) أو (152 هـ) أو (153 هـ) أو (155 هـ)، وهو ابن بضع وستين سنة، فيكون مولده على أقصى تقدير سنة (81 هـ) أو بعدها(3)، وتوفيت أم الدرداء سنة (81 هـ)، أي: في السنة التي وُلد فيها ثور أو قبلها(4).--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (10/ 455)، وهذا الحديث رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 154 رقم 236) من طريق الخطيب به، ولكن جعله من حديث أبي الدرداء، ليس فيه: «عن أبي أمامة»، وكذا هو في «اللآلئ المصنوعة» (1/ 16)، فالله أعلم، ثم قال ابن الجوزي بعد روايته الحديث: «وقد ذكرنا أن بقية كان يروي عن المجهولين والضعفاء، وربما أسقط ذكرهم وذكر من رَوَوْا له عنه».
(2) ينظر: «لسان الميزان» (1/ 324)، (8/ 569).
(3) ينظر: «الطبقات الكبرى» (7/ 467)، و «تهذيب الكمال» (4/ 428)، و «تقريب التهذيب» (ص: 135 رقم 861).
(4) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: 756 رقم 8728).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)