قلت: ولعل أَخْذَ يعقوب الدورقي مالًا على هذا الحديث دليل على تفرده به؛ فقد تسارع طلاب الحديث إلى رواية هذا الحديث عنه غير مبالين بما ينفقونه من مال في سبيل سماعه منه؛ لأنه لا يوجد عند غيره.
وقد ذكر الخطيب ستةً من المشايخ سمع كلُّ واحد منهم هذا الحديث من يعقوب الدورقي بثلاثة دنانير(1).
- المثال الثاني:
روى الخطيب في ترجمة عثمان بن محمد بن الحجاج ومن طريقه عن محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي قال: حدثنا عبد الرحمن بن يونس الرقِّي وعبد الكريم بن أبي عُمير قالا: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللَّهُمَّ ارشد الأئمةَ، واغفر للمؤذِّنين»(2).
ثم قال: «هذا الحديث محفوظ من رواية أبي عبد الله محمد بن موسى النَّهْرِتيري(3)، وكان النَّهْرِتيري قد عُرِف به وتفرد بروايته عن عبد الكريم بن--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (16/ 406).
(2) أصل الحديث أخرجه أبوداود، كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت (517)، والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن (207) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
وينظر: «التلخيص الحبير» (1/ 369).
(3) قال الخطيب: كان ثقة فاضلًا جليلًا، ذا قدر كبير، ومحل عظيم، مات ببغداد سنة تسع وثمانين ومائتين. «تاريخ بغداد» (4/ 395).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
أبي عُمير وحده عن الوليد، ولا أشك أن محمد بن إبراهيم سرقه منه، فرواه عن عبد الكريم، وأضاف إليه عبد الرحمن بن يونس، والله أعلم»(1).
ومحمد بن إبراهيم بن زياد الرازي ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» وذكر أقوال أهل العلم فيه، فمن ذلك:
قال أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ(2): «محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي عُمِّر الكثير، فكان يروي عن المعافى بن سليمان الرَّسْعَني، وأمية بن بسطام العيشي، وإبراهيم بن حمزة الزبيري، فالله أعلم أشرهًا كان ذلك منه أم صدقًا؟».
وقال أبو أحمد الحافظ أيضًا: «لو أنه اقتصر على سماعه لكان له فيه مقنع، لكنه حدث عن شيوخ لم يدركهم».
وقال الدارقطني: «محمد بن إبراهيم بن زياد متروك». وفي موضع آخر: «ضعيف»(3).
وقال أبو بكر البَرْقاني: «بئس الرجل»(4).
قلت: وكلام أبي أحمد الحافظ يدل على سرقة الرازي للحديث.
وحديث النَّهْرِتيري الذي سرقه الرازي، رواه الخطيب في ترجمة النَّهْرِتيري--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (13/ 196).
(2) هو الحافظ أبو أحمد الحاكم النيسابوري، صاحب «الأسماء والكنى»، توفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. «تاريخ الإسلام» (8/ 460).
(3) ينظر: «الضعفاء والمتروكين» (رقم 487).
(4) «تاريخ بغداد» (2/ 297).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
من «تاريخ بغداد» عن أبي نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا محمد بن موسى النَّهْرِتيري البغدادي قال: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير الدِّهْقان قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو عمرو الأوزاعي وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مؤتَمَنٌ، اللَّهُمَّ ارشدِ الأئمةَ، واغفِرْ للمؤذِّنين».
ثم قال: «أخبرنا أبو بكر البَرْقاني عن أبي الحسن الدارقطني أنه ذكر هذا الحديث فقال: حدَّث به شيخ لأهل بغداد جليل يُعرف بأبي عبد الله النَّهْرِتيري عن عبد الكريم بن أبي عمير بهذا الإسناد، وقد حدَّث به عامة شيوخنا عنه، وهذا حديث معروف بأبي عبد الله النَّهْرِتيري أنه تفرد بروايته بهذا الإسناد من رواية الأوزاعي عن الأعمش، لا أعلم أحدًا تابعه عليه».
قال الخطيب: «وقد رواه محمد بن إبراهيم بن زياد الطيالسي الرازي، عن عبد الكريم بن أبي عمير وعبد الرحمن بن يونس كليهما عن الوليد، ونرى أن الطيالسي سرقه من النَّهْرِتيري ولم يقنع أن يرويه عن عبد الكريم حتى أضاف إليه عبد الرحمن بن يونس … »(1).
وحديث النَّهْرِتيري رواه الطبراني في «المعجم الأوسط»(2)، و «المعجم الصغير»(3)، وأبو الشيخ في «ذكر الأقران»(4).--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (4/ 395).
(2) «المعجم الأوسط» (5/ 264 رقم 5270).
(3) «المعجم الصغير» (2/ 69 رقم 796).
(4) «ذكر الأقران» (ص: 21 رقم 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
- المثال الثالث:
روى الخطيب في ترجمة أحمد بن الخليل التاجر، من طريق القاسم بن غانم بن حمويه بن الحسين بن معاذ قال: حدثني جدي حمويه بن الحسين بن معاذ قال: حدثني أحمد بن خليل البغدادي قال: حدثني يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن زرعٍ على الأرضِ ولا ثِمارٍ على أشجارٍ إلَّا عليها مكتوبٌ بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا رزقُ فلان بن فلان، وذلك قولُ اللهِ تعالى في مُحْكَم كتابِه: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّة? فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْب? وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَاب? مُّبِين?} [الأنعام: 59]»(1).
ثم روى عن محمد بن نُعيم الضَّبِّي أنه قال: سمعتُ القاسم بن غانم بن حمويه بن الحسين الطويل يحدِّث بهذا الحديث، عن جده حمويه، ثم قال: سمعتُ جدي حمويه بن الحسين القَصَّار يقول: «كان أبو علي أحمد بن خليل البزاز البغدادي يستعين بي في قِصارة(2) ما يُجهِّزه إلى بغداد، فخصَّني بهذا الحديث، ولم يحدِّث به غيري».
قال ابن نُعيم: «هذا حديث تفرَّد به حمويه بن الحسين، عن أحمد بن الخليل، وهو غير مقبول منه؛ فإن أحمد بن الخليل ثقة مأمون».--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (5/ 213). ورواه الواحدي في «التفسير الوسيط» (2/ 281) من طريق القاسم بن غانم به، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 146 رقم 230) من طريق الخطيب به.
(2) القِصارة: صناعة الثياب. ينظر: «تاج العروس» (ق ص ر).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
ثم قال الخطيب: «وقد رواه أبو علي محمد بن علي بن عمر المذكِّر النيسابوري، عن أحمد بن الخليل(1)، وكان هذا المذكِّر كذابًا معروفًا بسرقة الأحاديث، ونراه سرقه من حمويه، والله أعلم»(2).
وحمويه ترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال»، وقال: «لا يوثَق به، وخبره باطل»، ثم ساق له هذا الخبر(3)، وأقرَّه الحافظ في «لسان الميزان»(4).
وقال المِزِّي في أثناء ترجمة أحمد بن الخليل التاجر من «تهذيب الكمال»: «حمويه أحد الضعفاء»(5).
أما محمد بن علي بن عمر المذكِّر، فقد قال الخليلي: «اتفق أهل نيسابور أنه ضعيف، ولم يدرك الشيوخ الذين روى عنهم، والحاكم أبو عبد الله إذا روى عنه يقول: حدثنا محمد بن علي بن عمر المذكِّر، إن حَلَّت الرواية عنه»(6).
وترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» ونقل عن الحاكم أنه قال: «سمع من أحمد بن الأزهر، ومحمد بن يزيد، وإسحاق بن عبد الله بن رزين، فلو اقتصر على هؤلاء لصار محدِّث عصره، لكنه حدَّث عن شيوخ أبيه: محمد بن--------------------------------------------
(1) لم أجد رواية المذكر فيما لدي من المصادر، والله أعلم.
(2) «تاريخ بغداد» (5/ 214).
(3) «ميزان الاعتدال» (1/ 609 رقم 2318).
(4) «لسان الميزان» (3/ 293 رقم 2792).
(5) «تهذيب الكمال» (1/ 304 رقم 32).
(6) «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» (3/ 839).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
رافع وأقرانه، وأتى أيضًا عنهم بالمناكير، فالشَّرَه يحملنا على الرواية عن أمثاله(1)»(2).
وكلام الحاكم والخليلي في أنه حدَّث عن شيوخ لم يدركهم يدل على سرقته للحديث، وقد صرح بذلك المِزِّي فقال في أثناء ترجمة أحمد بن الخليل التاجر من «تهذيب الكمال»: «المذكِّر أحد الضعفاء الكذَّابين المعروفين بسرقة الأحاديث»(3).
- المثال الرابع:
روى الخطيب في ترجمة شيخه محمد بن الحسين بن إبراهيم الخفاف حديثًا عن عبد الله بن محمد الصائغ قال: حدثنا بشر بن موسى بن صالح قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن عبد الرحمن المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن الرفيع، عن اللوح المحفوظ، عن الله تعالى: «أنَّه أظهرَ في اللَّوحِ أنْ يُخبرَ الرفيعَ، وأنْ يُخبرَ الرفيعُ إسرافيلَ، وأنْ يُخبرَ إسرافيلُ ميكائيلَ، وأنْ يُخبرَ ميكائيلُ جبريلَ، وأنْ يُخبرَ جبريلُ محمَّدًا، صلى الله عليه وسلم وعليهم، أنه مَن صلَّى عليك في اليوم والليلة مائةَ مرة صلَّيتُ عليه ألفي صلاة، ويقضي له حاجةً أيسرُها أن يعتقَه من النارِ».
ثم قال: «هذا الحديث باطل بهذا الإسناد، والرجال المذكورون في إسناده--------------------------------------------
(1) أي: حملته شهوة سماع الحديث ونهمة الطلب على الرواية عن مثل هذا الضعيف.
(2) «ميزان الاعتدال» (3/ 651 رقم 7965).
(3) «تهذيب الكمال» (1/ 304 رقم 32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
كلهم معروفون سوى الصائغ، ونرى أنَّ ابن الخفَّاف اختلق اسمه وركَّب الحديث عليه، ونسخة بشر بن موسى عن أبي عبد الرحمن المقرئ معروفة، وليس هذا فيها»(1).
فقد حكم الخطيبُ بالبطلان على هذا الحديث، وذهب إلى أن الصائغ لا وجود له، وأنه اسم اختلقه ابن الخفَّاف، وركَّب الحديث عليه، واستدل على هذا بأن هذا الحديث ليس موجودًا في نسخة بشر بن موسى عن المقرئ.
وابن الخفَّاف هذا من شيوخ الخطيب الذين اختبرهم وسبر حديثهم، وتبيَّن له أنه كذَّاب وضَّاع، قال الخطيب في ترجمة ابن الخفَّاف هذا: «حدثنا عن جماعة كثيرة لا تُعرَف، ذَكَر أنه كتب عنهم في السفر، وكان غير ثقة، لا أشكُّ أنه كان يركِّب الأحاديث ويضعها على مَن يرويها عنه، ويختلق أسماء وأنسابًا عجيبة لقوم حدَّث عنهم، وعندي عنه من تلك الأباطيل أشياء، وكنتُ عرضتُ بعضَها على هبة الله بن الحسن الطبري(2) فخرَّق كتابي بها، وجعل يعجب مني كيف أسمع منه!»(3).
ثم بيَّن الخطيبُ المصدرَ الذي سرق منه ابن الخفَّاف هذا الحديث فقال: «وقد رُوي عن المقرئ من طريق مظلم»، فساقه من طريق أبي مسرَّة عزَّاز بن عبد الله بن عزَّاز البصري قال: حدثنا علي بن محمد بن الحسن الجنديسابوري قال: حدثنا القاسم بن دهثم قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (3/ 46).
(2) هو الحافظ اللالكائي، توفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة. «تاريخ بغداد» (16/ 108).
(3) «تاريخ بغداد» (3/ 45).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
المسعودي، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما تقدم أو نحوه.
ثم قال: «ومن ههنا أخذه ابن الخفاف، لزقه على الصائغ الذي ذَكر أنه حدَّثه به عن بشر بن موسى عن المقرئ، والله اعلم»(1).
فبيَّن الخطيبُ أن ابن الخفَّاف سرقه من عزَّاز، فرواه عن عبد الله بن محمد بن الصائغ عن بشر بن موسى عن المقرئ به، والصائغ لا وجود له، اختلق الخفافُ اسمَه(2).
إلا أنَّ الذهبي ترجم في «ميزان الاعتدال» لعبد الله بن محمد الصائغ، وقال: «أحد الكذَّابين، مذكور في تاريخ الخطيب»، وساق له هذا الحديث ثم قال: «موضوع المتن والإسناد»(3).
والصائغ لا ناقة له ولا جمل في هذا الحديث، بل هو اسم لا وجود له، كما قرر الخطيب، والله أعلم.
- المثال الخامس:
روى الخطيب في ترجمة أبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي ومن طريقه، عن كامل بن طلحة قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ في السماءِ الدُّنيا
ثمانين--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (3/ 46).
(2) ينظر: ترجمة عزاز من «لسان الميزان» (5/ 431 رقم 5199).
(3) «ميزان الاعتدال» (2/ 497 رقم 4573).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
ألفَ مَلَكٍ يستغفرون اللهَ لمن أحبَّ أبا بكرٍ وعمرَ، وفي السماءِ الثانيةِ ثمانون ألفَ مَلَكٍ يلعنون مَن أبغضَ أبا بكرٍ وعمرَ»(1).
ثم قال: «وهذا الحديث وضعه العدوي على كامل بن طلحة، وإنما يرويه عبد الرزاق بن منصور البندار(2)، عن أبي عبد الله الزاهد السمرقندي، عن ابن لهيعة، وأبو عبد الله الزاهد مجهول، فألزقه العدوي على كامل، وكامل ثقة، والحديث ليس بمحفوظ عن ابن لهيعة»، ثم ساق حديث عبد الرزاق بن منصور بإسناده(3).
والعدوي هذا كذَّاب، يسرق الحديث، وقد نقل الخطيب في ترجمته له عن ابن عدي أنه قال: «أبو سعيد الحسن بن علي العدوي يضع الحديث، ويسرق الحديث ويلزقه على قوم آخرين، ويحدث عن قوم لا يُعرفون، وهو متَّهم فيهم، إن الله لم يخلقهم، وعامة ما حدَّث به إلا القليل موضوعات، وكنا نتَّهمه، بل نتيقَّنه أنه هو الذي وضعها» اهـ(4).--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (8/ 381). ورواه القطيعي في زياداته على «فضائل الصحابة» (1/ 436 رقم 693)، وابن عدي في «الكامل» (3/ 199)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 72 رقم 605)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (30/ 148) من طريق العدوي به، ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 73 رقم 605) من طريق الخطيب به.
(2) ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (12/ 380)، وقال: «كان ثقة».
(3) رواه ابن الأعرابي في «معجمه» (3/ 976 رقم 2077)، وابن شاهين في «شرح مذاهب أهل السنة» (ص: 238 رقم 154)، وأبو نعيم في «فضائل الخلفاء الراشدين» (ص: 100 رقم 102)، وفي «تاريخ أصبهان» (2/ 101)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 73 رقم 606) من طريق عبد الرزاق بن منصور به.
(4) «تاريخ بغداد» (8/ 379)، وينظر ترجمة العدوي من «الكامل» لابن عدي (3/ 195 رقم 474).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
وقد عقد ابن عدي في ترجمة العدوي بابًا في ذكر ما سرقه العدوي من الحديث وألزقه على قوم آخرين(1).
وذكر الخطيب عن الدارقطني أنه قال فيه: «متروك».
وعن أبي محمد الحسن بن علي البصري أنه قال: «الحسن بن علي بن زكريا أبو سعيد العدوي أصله بصري سكن بغداد، كذَّاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول على النبي ما لم يقُل»(2).
فقد سرق العدوي هذا الحديث من عبد الرزاق بن منصور، وأسقط شيخه الزاهد المجهول، وألزقه بكامل بن طلحة، ولم يحدِّث به كامل قط، بل ولا ابن لهيعة.
ويبدو أن الخطيب قد استفاد نقد هذا الحديث من ابن عدي حيث قال: «وهذا حديث يرويه عبد الرزاق بن محمد بن منصور، عن أبي عبد الله الزاهد السمرقندي، عن ابن لهيعة، حدثناه عبد الملك بن محمد وغيره عن عبد الرزاق هذا، وألزقه العدوي على كامل، وليس الحديث عند كامل، ولا هو محفوظ عن ابن لهيعة؛ لأن أبا عبد الله الزاهد مجهول»(3).
ثم قال الخطيب: «وقد صنع العدوي لهذا الحديث إسنادًا آخر»، ثم ساقه
من طريق عمر بن إبراهيم بن كثير قال: حدثنا أبو سعيد العدوي قال: حدثنا--------------------------------------------
(1) «الكامل» (3/ 198 رقم 474).
(2) «تاريخ بغداد» (8/ 379).
(3) «الكامل» (3/ 200 رقم 474).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
طالوت بن عباد الجحدري قال: حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
ثم قال: «وهذا الإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وقد أتى العدوي أمرًا عظيمًا، وارتكب أمرًا قبيحًا، في الجرأة بوضعه أعظم من جرأته في حديث ابن لهيعة»(1).
وإنما كانت جرأته في وضع هذا الحديث أعظم؛ لأنه ركَّب إسنادًا صحيحًا على متن موضوع، فقد يخفى حاله على كثير من الناس، ويغترُّ بظاهر الإسناد ويظن أنه صحيح، أما في حديث ابن لهيعة، فابن لهيعة ضعيف، فقلَّما يخفى ضعفُ حديثه على أحد، والله أعلم.
يقول الذهبي: «وإن سرق فأتى بإسناد ضعيف لمتن لم يثبت سنده، فهو أخف جُرمًا ممن سرق حديثًا لم يصح متنه، وركَّب له إسنادًا صحيحًا، فإن هذا نوع من الوضع والافتراء» اهـ(2).
هذا، وقد روى هذا الحديث الأخير أبو نعيم الأصبهاني في «فضائل الخلفاء الراشدين» عن محمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا محمد بن علي الصيرفي(3) قال: حدثنا طالوت بن عباد قال: حدثنا الربيع بن مسلم به(4).--------------------------------------------
(1) «تاريخ بغداد» (8/ 382).
(2) «الموقظة» (ص: 60).
(3) هو محمد بن علي بن الحسن بن القاسم أبي الطيب الصيرفي غلام طالوت، قال الدارقطني: ما علمت إلا خيرًا. «سؤالات حمزة للدارقطني» (ص: 115 رقم 81).
(4) «فضائل الخلفاء الراشدين» (ص: 99 رقم 101).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ومحمد بن إسحاق الأهوازي لم أستطع تعيينه، وقد وجدت راويين في نفس الطبقة تقريبًا؛ أحدهما: محمد بن إسحاق بن دار الأهوازي، والآخر: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأهوازي، وكلاهما متروك، ولهما ترجمة في «ميزان الاعتدال»(1)، فيحتمل أن يكون الأهوازي قد سرقه من العدوي وألزقه على الصيرفي، والله أعلم(2).
* * *--------------------------------------------
(1) «ميزان الاعتدال» (3/ 478 رقم 7209، 7211).
(2) وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (3/ 672، 673، 674).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
الفصل الثالث
نقد الحديث بالطعن في ضبط الراوي
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: مفهوم الضبط وكيفية تحقُّقه في الراوي.
- المبحث الثاني: النقد باختلال الضبط عند الخطيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
المبحث الأول
مفهوم الضبط وكيفية تحقُّقه في الراوي
الضبط في اللغة: هو الحفظ بالحزم، يقال: ضبط الشيء ضبطًا: حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطتُ البلاد وغيرها إذا قمتُ بأمرها قيامًا ليس فيه نقص. ويقال: ضبط الرجل الشيء يضبطه ضبطًا، إذا أخذه أخذًا شديدًا(1).
وفي اصطلاح المحدِّثين: نوعان؛ ضبط صدر، وضبط كتاب.
أما ضبط الصدر: فهو أن يُثبِت ما سمعه بحيث يتمكَّن من استحضاره متى شاء.
وأما ضبط الكتاب: فهو صيانته لديه عن تطرُّق الخَلَل إليه من حين سمع فيه وصحَّحه إلى أن يؤدِّي منه(2).
فتحقُّق الضبط في الراوي شرط رئيس في قبول حديثه، فلا يكفي أن يكون عدلًا في دينه، حتى يُضاف إلى ذلك حفظه وعلمه بما يحدِّث، وتثبُّته في الأخذ والرواية.
قال الخطيب: «وإذا سَلِم الراوي مِن وضع الحديث وادِّعاء السماع ممَّن لم يلقه، وجانب الأفعال التي تُسقَط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدَّث من حفظه، لم يصحَّ الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهلُ--------------------------------------------
(1) «المصباح المنير»، و «لسان العرب»، و «تاج العروس» ثلاثتها في مادة (ض ب ط).
(2) «نزهة النظر» (ص: 58)، و «فتح المغيث» (1/ 28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
العلم
بالأثر والعارفون به أنه ممَّن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه»(1).
وبيَّن رحمه الله أنَّ الضبط شرطٌ سواءٌ أكان عند التحمُّل أم عند الأداء، فقال عند ذكره للشروط الواجب توافرها في الراوي حتى تُقبل روايتُه: «يجب أن يكون المتحمِّل وقت تحمُّله عالمًا بما يسمعه، واعيًا ضابطًا له، حتى تصح منه معرفته بعينه عند التذكُّر له، كما عرفه وقت التحمُّل له، فيؤديه كما سمعه بلفظه إن كان ممن يروي الحديث بلفظه، وإن كان ممن يرويه على المعنى فحاجته إلى مراعاة الألفاظ والنظر في معانيها أشد من حاجة الراوي على اللفظ دون المعنى»(2).
- هذا إذا حدَّث من حفظه، أما إذا حدَّث من كتابه، فوجب عليه أن يكون صائنًا لكتابه محافظًا عليه من أيِّ تغيير أو تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان.
قال الخطيب: «ومَن سمع الحديث وكتبه، وأتقن كتابته، ثم حفظ من كتابه، فلا بأس بروايته»(3).
وأوضح رحمه الله أن الذين يُرجع إليهم في معرفة ضبط الراوي مِن عدمه هم النُّقَّاد من أصحاب الحديث، فقال رحمه الله: «ما يُعرف به صفة المحدِّث العدل الذي يلزم قبول خبره على ضربين؛ فضرب منه يشترك في معرفته الخاصة--------------------------------------------
(1) «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 135).
(2) «الكفاية» (ص: 52).
(3) «الكفاية» (ص: 164).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
والعامة، وهو الصحة في بيعه وشرائه، وأمانته، ورد الودائع، وإقامة الفرائض، وتجنب المآثم، فهذا ونحوه يشترك الناس في علمه.
والضرب الآخر: هو العلم بما يجب كونه عليه من الضبط والتيقُّظ، والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه، والتحرُّز من أن يَدخل عليه ما لم يسمعه، ووجوه التحرُّز في الرواية، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلَّا أهل العلم بهذا الشأن، فلا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامة، بل التعويل فيه على مذاهب النُّقَّاد للرجال، فمَن عدَّلوه وذكروا أنه يُعتمَد على ما يرويه جاز حديثه، ومَن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقُّف عنه»(1).
وسيأتي في آخر الرسالة بيان كيفية معرفة الخطيب بضبط الراوي(2).
* * *--------------------------------------------
(1) «الكفاية» (ص: 92).
(2) ينظر: (ص: 431 وما بعدها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
المبحث الثاني
النقد باختلال الضبط عند الخطيب
الضبط شرط في قبول خبر الراوي، فإذا لم يتحقَّق هذا الشرط في الراوي كان خبره مردودًا.
نقل الخطيب في «الكفاية» عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب هو الباقلاني، أنه قال: «من عُرف بكثرة السهو والغفلة وقلَّة الضبط رُدَّ حديثه، ويُردُّ خبر مَن عُرِف بالتساهل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم»(1).
وقد عقد الخطيب عدة أبواب في «الكفاية» قرَّر فيها أهمية التحقق من شرط الضبط في الراوي، ووجوب رَدِّ رواية من اختلَّ عنده هذا الشرط، ومن هذه الأبواب:
- باب ترك الاحتجاج بمن كَثُر غلطُه، وكان الوهم غالبًا على روايته.
- باب رَدِّ حديث أهل الغفلة.
- باب رَدِّ حديث مَن عُرِف بقبول التلقين.
- باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في سماع الحديث.
- باب ترك الاحتجاج بمن عُرِف بالتساهل في رواية الحديث.--------------------------------------------
(1) «الكفاية» (ص: 152).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
- باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية، وإن عُرِف بالصلاح والعبادة(1).
وهذه بعض الأمثلة التي تُبيِّن نقد الخطيب للأحاديث بالطعن في ضبط بعض رواتها:
- المثال الأول:
أورد الخطيب في ترجمة أبي سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سَوْرة أن القاضي أبا القاسم التَّنُوخي ذكر له أن أبا سعد بن سَوْرة حدَّثه من حفظه قال: حدثنا أبو عمرو إسماعيل بن نجيد قال: حدثنا أبو عبد الله البوشنجي محمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأْ مقعدَه من النارِ»(2).
ثم قال الخطيب: «وقد وهم أبو سعد في رواية هذا الحديث هكذا؛ وذلك أن البوشنجي ليس عنده عن الأنصاري شيء ولا أدركه، وهذا الحديث عند ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، وإنما دخل الغلط فيه على أبي سعد لأنه رواه من حفظه، والله أعلم»(3).--------------------------------------------
(1) «الكفاية» (ص: 143 - 158)، وينظر: «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 138).
(2) أصل الحديث في «صحيح البخاري» كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم (108)، و «صحيح مسلم» المقدمة، باب في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس به.
(3) «تاريخ بغداد» (11/ 606). ولم أجده من حديث ابن نجيد عند غير الخطيب، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
وأبو سعد بن سَوْرة لم يذكر الخطيب في ترجمته جرحًا ولا تعديلًا، ولكن ترجم له السُّبكي في «طبقات الشافعية»، وذكر عن عبد الغافر أنه قال فيه: «أحد العلماء الثقات الأثبات»(1).
وهذا الحديث قد ذهب الخطيب إلى أن أبا سعد -مع ثقته- قد وهم فيه؛ لأنه حدَّث به من حفظه كما قال التَّنُوخي، فرواه عن ابن نجيد عن أبي عبد الله البوشنجي عن الأنصاري، والبوشنجي لم يروِ عن الأنصاري شيئًا ولا أدركه، فقد توفي الأنصاري سنة (215 هـ)(2)، ووُلد البوشنجي سنة (204 هـ)(3).
والصواب فيه أنه عن ابن نجيد، عن أبي مسلم الكجي، عن الأنصاري، فأخطأ أبو سعد فقال: «عن أبي عبد الله البوشنجي» بدل: «عن أبي مسلم الكجي».
والحديث مشهور عن أبي مسلم الكجي عن الأنصاري؛ رواه الطبراني(4)، وأبو نعيم(5)، وابن عساكر(6)، وهو في «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري»(7) من رواية أبي مسلم الكجي عن الأنصاري، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) «طبقات الشافعية الكبرى» (5/ 117).
(2) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: 490 رقم 6046).
(3) ينظر: «تاريخ الإسلام» (6/ 1006)، و «تقريب التهذيب» (ص: 465 رقم 5693).
(4) «طرق حديث من كذب علي متعمدًا» (ص: 105 رقم 103).
(5) «حلية الأولياء» (3/ 33).
(6) «معجم ابن عساكر» (2/ 605 رقم 745).
(7) «حديث محمد بن عبد الله الأنصاري» (ص: 28 رقم 2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
- المثال الثاني:
قال الخطيب في ترجمة هارون بن أحمد القطان: حدثني الحسن بن علي بن محمد بن المُذْهِب الواعظ من أصل كتابه العتيق قال: حدثني أبو القاسم هارون بن أحمد العلاف المعروف بالقطان إملاء من حفظه في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل الأَدَمي المقرئ سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن عائشة قالت: كانت ليلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا ضمَّني وإيَّاه الفِراشُ قلتُ: يا رسول الله، ألستُ أكرمَ أزواجِكَ عليك؟ قال: «بلى يا عائشة». قلتُ: فحدِّثني عن أبي بفضيلة، قال: «حدَّثني جبريلُ أنَّ اللهَ تعالى لمَّا خلقَ الأرواحَ، اختار رُوحَ أبي بكر الصِّدِّيق من بين الأرواح، وجعلَ تُرابها من الجنة، وماءَها من الحَيَوان، وجعل له قصرًا في الجنة من دُرَّةٍ بيضاءَ، مَقاصيرها(1) فيها من الذهب والفضة البيضاء، وأنَّ اللهَ تعالى آلى على نفسه ألَّا يَسْلُبَه حسنةً، ولا يسألَه عن سيئة، وإنِّي ضَمِنتُ على الله كما ضمن اللهُ على نفسه ألَّا يكون لي ضجيعًا في حُفرتي، ولا أنيسًا في وحدتي، ولا خليفةً على أُمَّتي من بعدي إلا أبوكِ يا عائشة، بايعَ على ذلك جبريلُ، وميكائيلُ، وعُقِدَت خلافتُه برايةٍ بيضاءَ، وعُقِدَ لواؤه تحت العرش، قال الله للملائكة: رَضِيتُم ما رضيتُ لعبدي؟ فكفى بأبيكِ فخرًا أنْ بايعَ له جبريلُ وميكائيلُ وملائكةُ السماء، وطائفةٌ من الشياطين يسكنون البحرَ، فمن لم يقبل هذا فليس مني
ولستُ--------------------------------------------
(1) مقاصير: جمع مقصورة، وهي الحجرة. «المصباح المنير» (ق ص ر).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)