طرق المرويات في سبب النزول:
وقد يوجد كثير من أسباب النزول في كتب المغازي، فما كان منها من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه، أو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، فهو أصلح مما فيه من كتاب محمد بن إسحاق، وما كان من رواية محمد بن إسحاق أمثل مما فيه من رواية الواقدي1.
وقال الإمام السيوطي في الإتقان بعد ما ذكر كلام الخليلي في "الإرشاد" الذى ذكرته آنفا: وتفسير السدي -يعني: السدي الكبير- يورد منه ابن جرير كثيرا من طريق السدي عن أبي مالك: عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة هكذا، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئا؛ لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه، لكن من طريق مرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه، وناس فقط دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة.--------------------------------------------
1 الدر المنثور ج 6 ص 422.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
الطرق الجياد عن ابن عباس:
ومن جيد الطريق عن ابن عباس: طريق قيس، عن عطاء ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكثيرا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه، ومن ذلك طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد؛ مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه -أي: ابن عباس- هكذا بالتردد وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن، وقد أخرج عنها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرا، وفي معجم الطبراني الكثير منها أشياء.
أوهى الطرق عن ابن عباس:
وأوهى طرقه طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فإذا انصم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير، فهي سلسلة الكذب، وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي، لكن قال ابن عدي في الكامل: للكلبي أحاديث صالحة، وخاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه، ولا أشبع. وبعده -في أن روايته أوهى- مقاتل بن سليمان، إلا أن الكلبي يفضَّل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الردية.
الطرق الضعيفة عن ابن عباس:
وطريق الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس منقطعة؛ فإن الضحاك لم يلقه، فإذا انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبي روق، عنه، فضعيفة؛ لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرا ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك، فأشد ضعفا؛ لأن جويبرا شديد الضعف، متروك، ولم يخرج ابن جرير، ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئا، إنما خرجها ابن مردويه، وأبو الشيخ ابن حيان.
وطريق العوفي عن ابن عباس، أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرا، والعوفي ضعيف، ليس بِوَاهٍ، وربما حسن له الترمذي1.--------------------------------------------
1 أي قال: إن حديثه حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
قال السيوطي: ورأيت في فضائل الإمام الشافعي، لأبي عبد الله بن أحمد بن شاكر القطان، أنه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
2- تفسير أبي بن كعب والطرق عنه:
وأما أبي بن كعب، فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عنه، وهذا إسناد صحيح.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم منها كثيرا، وكذا الحاكم في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده1.
ومن الطرق الحسنة عنه: طريق وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، وهذه الطريق يخرج منها الإمام أحمد في مسنده، وهي على شرط الحسن؛ لأن عبد الله بن محمد بن عقيل؛ وإن كان صدوقا تكلم فيه من جهة حفظه، قال الترمذي في سننه: "عبد الله بن محمد بن عقيل، هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد -يعني: البخاري: هو مقارب الحديث"، ونص الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، على أن حديثه حسن2.--------------------------------------------
1 الإتقان ج 2 ص 188، 189.
2 التفسير والمفسرون ج1 ص 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
3- أشهر الطرق عن ابن مسعود:
1- طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد قيل: إنها أصح الأسانيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
2- طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد قيل: إنها أصح الأسانيد أيضا1.
3- طريق الأعمشن عن أبي الضحي، عن مسروق، عن ابن مسعود وهي من أصح الطرق وأسلمها، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه.
4- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وهي صحيحة أيضًا، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه.
5- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وهذه طريق صحيحة، يخرج منها البخاري في صحيحه، وكفى بتخريج البخاري شاهدًا على صحة هذا الطرق الثلاث.
6- طريق السدي الكبير، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وقد ذكرناها فيما سبق.--------------------------------------------
1 الباعث الحثيث ص7، وص 9 "هامش".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
4- أصح الطرق عن علي رضي الله عنه:
1- طريق محمد بن سيرين، عن عبيدة1بفتح العين وكسر الياء السلماني بفتح السين، وسكون اللام عن علي، وقد قال علي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس: إنها أصح الطرق.
2- طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: إنها أصح الأسانيد.
3- طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدهن عن على، وهي من أصح الطرق أيضا كما قيل.
4- طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن الحارث بن سويد، عن علي، وهي من أصح الطرق أيضا2.--------------------------------------------
1 هو ابن عمرو، وقيل: ابن قيس.
2 الباعث الحثيث إلى علوم الحديث ص 7، 8 "هامش".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
أشهر الطرق الضعيفة والواهية والساقطة:
طريق أبي يعلى، عن إسماعيل بن السدي، عن علي بن عباس، عن مسلم الملائي، عن حبة بن جوين، عن علي، عن أنس بن مالك قالوا: حبة لا يساوي حبة1.
طريق يحيى بن عبد الحميد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية عن علي.... وموسى بن طريف ضعيف يحتاج إلى من يعدله، وعباية: أقل منه، ليس بشيء حديثه2. طريق شريك عن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن على3 إلى غير ذلك من الطرق التي نقدها أئمة الحديث، وبينوا الصحيح من الضعيف.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية ج 7 ص 333.
2 المرجع السابق ص 355.
3 المرجع السابق ص 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
5- المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في التفسير:
وقد روي عن عبد الله بن عمرو تفاسير كثيرة، فيما يتعلق بالقصص وأخبار الفتحة، والآخرة، وما أشبهها، بأن تكون مما تحمله عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وما وجده في كتبهم التي أصاب منها في اليرموك زاملتين، وقد نقد العلماء كل ذلك، وبينوا الصحيح من العليل والمقبول من المردود.
ومما ذكرنا: يتبين جليا أن العلماء المحدثين نقدوا طرق المرويات في التفسير وغيره، وبينوا الصحيح والضعيف، والموضوع ونبهوا إلى الإسرائيليات، وحذروا منها، ولو أن المفسرين كانوا من أهل الحديث، والنقد، لنزهوا كتبهم مما وقع فيها من المرويات من غثاء وزبد، ولما وقع فيها كل هذا الركام من الإسرائيليات، والخرافات، والأوهام، ولنأخذ في بيان المقصود فنقول -وبالله التوفيق:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
الإسرائيليات في القرآن
الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت
…
1- الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت:
روى السيوطي في الدر المنثور، في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت} روايات كثيرة وقصصا عجيبة رويت عن ابن عمر، وابن مسعود،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وعلي، وابن عباس، ومجاهد، وكعب، والربيع، والسدي، رواها ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن مردويه، والحاكم، وابن المنذر، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، والخطيب في تفاسيرهم وكتبهم1.
وخلاصتها: أنه لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيها من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي رب، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك، وطاعتك، وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، وفي بعض الروايات أن الله قال لهم: لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا، وفي رواية أخرى: قالوا: لا. فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري، وأنهاهما عن معصيتي، فاختاروا هاروت، وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وركبت فيهما الشهوة، وأمرا أن يعبدا الله، ولا يشركا به شيئا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلبثا على ذلك في الأرض زمانا، يحكمان بن الناس بالحق، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أراداها2 على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنما، فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فصبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على دينها، وأن يعبدا الصنم الذي تعبده، فأبيا، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذا الخمر، فقالا: هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر، وسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها3 فمر بهما إنسان، وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما، فقتلاه، فلما أن ذهب عنهما السكر، عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا وكشف الغطاء فيما--------------------------------------------
1 الدر المنثور ج 1 من ص2 97-103، تفسير ابن جرير ج1 ص 362-367 ط بولاق.
2 راودها عن نفسها.
3 أي فعلا بها الفاحشة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما بها يعذبان معلقين بأرجلهما، وفي بعض الروايات، أنهما علماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء، فصعدت، فمسخها الله، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة1.
ويذكر السيوطي أيضًا في كتابه ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه2، والبيهقي في سننه: عن عائشة، أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل، وأنها أخبرتها أنها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر، ولم يمض غير قليل، حتى وقفتا ببابل، فإذا هما برجلين معلقين بأرجلهما، وهما هاروت وماروت، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصة عجيبة غريبة.
ويذكر أيضا: أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي، عن هارون بن رباب، قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة، وهو متكئ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت، وماروت فقالوا له: حدثنا رحمك الله: فأنشأ الرجل يحدث بقصة عجيبة غريبة3.
وكل هذا من خرفات بني إسرائيل، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل، ولا نقل، ولا شرع، ولم يقف بعض رواة هذا القصص الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ولكنهم أوغلوا باب الإثم، والتجني الفاضح، فألصقوا هذا الزور إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفعوه إليه، فقد قال السيوطي: أخرج سعيد، وابن جرير، والخطيب في تاريخ، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل:--------------------------------------------
1 الزُّهَرة كرُطَبة -يعني بضم الزاي وفتح الهاء- نجم في السماء كما في القاموس وغيره.
2 تصحيح الحاكم غير معتدٍّ به؛ لأنه معروف أنه متساهل في الحكم بالتصحيح كما قال ابن الصلاح وغيره، وقد صحح أحاديث تعقبها الإمام الذهبي وحكم عليها بالوضع.
3 الدر المنثور ص 101 تفسير الطبري ج1 ص 366.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
قال: يا نافع: انظر: هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثا، ثم قلت: قد طعلت، قال: لا مرحبا بها، ولا أهلا: قلت: سبحان الله!! نجم مسخر، ساع، مطيع!! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وإن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت، فنزلا، فألقى الله عليهم الشبق، قلت: وما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها: الزهرة فوقعت في قلبيهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء، وتهبطان، فأبيا، ثم سألاها أيضا، فأبتن ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا، وقطع أجنحتها، ثم سألا التوبة من ربهما، فخيرهما بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أن ائتيا "بابل"1 فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، معذبان إلى يوم القيامة، ثم ذكر أيضا رواية أخرى، مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تخرج في معناها عما ذكرنا2، ولا ينبغي أن يشك مسلم عاقل فضلا عن طالب حديث في أن هذا موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم مهما بلغت أسانيده من الثبوت فما بالك إذا كانت أسانيدها واهية، ساقطة، ولا تخلو من وضاع، أو ضعيف، أو مجهول؟!! ونص على وضعه أئمة الحديث!!
وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام أبو الفرج ابن الجوزي3، ونص الشهاب العراقي على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما: فهو كافر بالله.--------------------------------------------
1 بابل: بلد من بلاد العراق.
2 الدر المنثور ج1 ص 97 تفسير الطبري ج 1 ص 364.
3 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1 ص 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
العظيم1، وقال الإمام القاضي عياض في "الشفاء"، وما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت: لم يرد فيه شيء لا سقيم2، ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو شيئًا يؤخذ بالقياس.
وكذلك: حكم بوضع المرفوع من هذه القصة: الحافظ: عماد الدين ابن كثير، وأما ما ليس مرفوعا: فبين أن منشأة روايات إسرائيلية عن كعب وغيره، ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام، قال رحمه الله في تفسيره بعد أن تكلم على الأحاديث الواردة في هاروت وماروت، وأن روايات الرفع غريبة جدا، وأقرب ما يكون في ذلك أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن ابن عمر، عن كعب، ورفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي كذب واختلاق ألصقه زنادقة أهل الكتاب، زورا وبهتانا" وذكر مثل ذلك في البداية والنهاية3.
أقول: وهذا الذي قاله العلامة ابن كثير هو: الحق الذي لا ينبغي أن يقال غيره. وليس أدل على هذا من أن ابن جرير رواها بالسند الذي ذكره ابن كثير، وبغيره عن ابن عمر، عن كعب الأحبار4، ولكن بعض الرواة غلطا، أو سوء نية، رفعها ونسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا ردها المحققون من المفسرين الذين مهروا في معرفة أصول الدين، وأبت عقولهم أن تقبل هذه الخرافات: كالإمام الرازي، وأبي حيان، وأبي السعود، والآلوسي،
ثم هذه من ناحية العقل غير مسلمة، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر، التي لا تصدر من عربيد، وقد أخبر الله عنهم بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما ورد في بعض الروايات التي أشرت إليها آنفا رد لكلام الله، وفي رواية أخرى: أن الله قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا--------------------------------------------
1 روح المعاني ج1 ص 341.
2 لعله أراد به الضعيف، واعتبر ما روى مرفوعا ساقطا عن الاعتبار.
3 البداية والنهاية ج 1 ص 37.
4 تفسير الطبري ج 1 ص 363.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
يا رب ما عصيناك!! ورد كلام الله كفر، ننزه عنه من له علم بالله وصفاته، فضلًا عن الملائكة.
ثم كيف ترفع الفاجرة إلى السماء، وتصير كوكبا مضيئا، وما النجم الذي يزعمون أنه: "الزهرة" وزعموا أنه كان امرأة، فمسخت إلا في مكانه، من يوم أن خلق الله السموات والأرض.
وهذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرا يقينا، ولا أدرى ماذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك، والكونيات، إذا نحن لم نزيف هذه الخرافات، وسكتنا عنها، أو انتصرنا لها؟!!
وإذا كان بعض العلماء المحدثين1 مال إلى ثبوت مثل هذه الروايات التي لا نشك في كذبها، فهذا منه تشدد في التمسك بالقواعد، من غير نظر إلى ما يلزم من الحكم بثبوت ذلك من المحظورات، وأنا لا أنكر أن بعض أسانيدها صحيحة أو حسنة، إلى بعض الصحابة أو التابعين، ولكن مرجعها ومخرجها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، والراوي قد يغلط، وبخاصة في رفع الموقوف، وقد حققت هذا في مقدمات البحث، وأن كونها صحيحة في نسبتها لا ينافي كونها باطلة في ذاتها، ولو أن الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتب عليه فائدة ما لغضضنا الطرف عن مثل ذلك، ولما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى بطلانها، ولكنها فتحت على المسلمين باب شر كبير، يجب أن يغلق.
ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد البصير: ابن كثير فقد نبه على أصل الداء، ووصف له الدواء، وبيَّن الحق والصواب في موقف المسلم من هذه الخرافات.
ما التفسير الصحيح للآية؟
وليس من شأني في هذا الكتاب مجرد الهدم والإبطال لهذه الإسرائيليات والخرافات فحسب، ولكني إلى ذلك سأعنى بتفسير الآيات التي حرفت عن مواضعها، تفسيرا علميا صحيحا، يشهد له النقل الصحيح، والعقل السليم، والسابق واللاحق من الآيات،--------------------------------------------
1 هو الحافظ ابن حجر، وتابعه السيوطي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
حتى يزداد القارئ يقينا أنها دخيلة على القرآن الكريم، وإليك التفسير الصحيح.
قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} 1.
وليس في الآية ما يدل ولو من بعد على هذه القصة المنكرة، وليس السبب في نزول الآية ذلك، وإنما السبب: أن الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويُلْقُونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم. وقد دوَّنها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنس، والجن، والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} 2.
ثم عطف عليه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبوابا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحرا، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه، وقد احتاط الملكان عليهما السلام غاية الاحتياط، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه، ويقولا له: إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار، فلا تكفر بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته، وقد دلت الآية: على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به--------------------------------------------
1 البقرة: 102.
2 لأن تعلم السحر للعمل به كفر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
مباح، ولا إثم فيه، وأيضا تعلمه؛ لإزالة الاشتباه بينه، وبين المعجزة، والنبوة مباح، ولا إثم فيه، وإنما الحرم والإثم في تعلمه أو تعليمه للعمل به، فهو مثل ما قيل:
عرفت الشر لا للشر … لكن لتوقِّيهِ
ومن لا يعرف الشر … من الناس يقعْ فِيهِ
واليهود عليهم لعائن الله لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعلمون أنه النبي الذي بشرت به التوراة حتى كانوا يستفتحون به على المشركين قبل ميلاده وبعثته، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ونبذوا كتابهم التوراة، وكتاب الله القرآن وراء ظهورهم، وبدل أن يتبعوا الحق المبين اتبعوا السحر الذي توارثوه عن آبائهم والذي علمتهم إياه الشياطين، وكان الواجب عليهم أن ينبذوا السحر، ويحذروا الناس من شره، وذلك كما فعل الملكان: هاروت وماروت من تحذير الناس من شروره، والعمل به، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، لا ما زعمه المبطلون الخرفون وبذلك: يحصل التناسق بين الآيات وتكون الآية متآخية متعانقة، ولا أدري ما الصلة بين ما رووه من إسرائيليات، وبين قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} الآية.
والعجب: أن الإمام ابن جرير حوَّم حول ما ذكرناه في تفسير الآية ثم لم يلبث أن ذكر ما ذكر! والخلاصة: على القارئ أن يحذر من هذه الإسرائيليات؛ سواء وجدها في كتاب تفسير، أو حديث أو تاريخ أو مواعظ، أو أدب أو.......--------------------------------------------
1 تفسير ابن جرير ج1 ص 359، 360.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
2- إسرائيليات في المسوخ من المخلوقات:
ويوغل بعض زنادقة أهل الكتاب، فيضعون على النبي صلى الله عليه وسلم خرافات في خلق بعض أنواع الحيوانات التي زعموا أنها مسخت، ولو أن هذه الخرافات نسبت إلى كعب الأحبار وأمثاله، أو إلى بعض الصحابة، والتابعين لَهَانَ الأمرُ، ولكن عظيم الإثم أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
ينسب ذلك إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم، وهذا اللون من الوضع والدس من أخبث وأقذر أنواع الكيد للإسلام ونبي الإسلام.
فقد قال السيوطي عفا الله عنه بعد ما ذكر طامات وبلايا في قصة هاروت وماروت، من غير أن يعلق عليها بكلمة؛ أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، وابن مردويه، والديلمي، عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسوخ1 فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث2، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموص، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهر، فقيل: يا رسول الله وما سبب مسخهن؟ وإليك التخريف والكذب الذي نبرئ ساحة رسول الله منهما فقال: أما الفيل: فكان رجلًا جبارًا لوطيا، لا يدع رطبا، ولا يابسا، وأما الدب: فكان مؤنثًا يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير: فكان من النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا، وأما القردة: فيهود اعتدوا في السبت، وأما الجريث: فكان ديوثا3، يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب: فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط: فكان رجلا يسرق الثمار من رءوس النخل، وأما العقرب: فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص4: فكان نَمَّامًا يُفَرق بين الأحبة، وأما العنكبوت: فامرأة سحرت زوجها، وأما الأرنب: فإمرأة كانت لا تطهر من حيضها، وأما سهيل: فكان عشَّارًا باليمن، وأما الزهرة: فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت، وماروت؛ ألا قبَّح الله من وضع هذا الزور والباطل، ونسبه إلى من لا ينطق عن الهوى.
ومما لا يقضي منع العجب: أن السيوطي ذكر هذا الهراء من غير سند، ولم يعقب عليه بكلمة استنكار، ومثل هذا: لا يشك طالب علم في بطلانه، فضلا عن عالم كبير، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقد ذكره السيوطي في اللآلئ، وتعقبه بما لا يجدي، وكان من الأمانة العلمية أن يشير إلى هذا، وبعد هذا الكذب والتخريف ينقل السيوطي ما رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف كذا قال: عن عمر بن الخطاب قال: جاء--------------------------------------------
1 جمع مسخ أي الممسوخ من حالة إلى حالة أخرى.
2 في القاموس: "الجِرِّيث كسكيت سمك".
3 الديوث الذي لا يغار على زوجته.
4 الدعموص بضم الدال دويبة أو دودة سوداء تكون في الغدران إذا أخذ ماؤها في النضوب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير حينه، ثم ذكر قصة طويلة في وصف النار، وأن النبي بكى، وجبريل بكى، حتى نوديا: لا تخافا إن الله أمنكما أن تعصياه1، وأغلب الظن: أنه من الإسرائيليات التي دست في الرواية الإسلامية.--------------------------------------------
1 الدر المنثور ج1 ص 102، 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)