2- معالم التنزيل:
ومؤلفه هو: العلامة الشيخ أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي1، الفقيه الشافعي، المحدث، المفسر، يعرف بأبي القراء، ويلقب بمحيي السنة وركن الدولة وكان تقيا، ورعا، زاهدا متقشفا، قانعا، لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وإذا أكل لا يأكل إلا الخبز وحده، ثم صار يأتدم بالزيت، وله المؤلفات المفيدة، منها: "شرح السنة" وكتاب: "المصابيح" في الحديث، وتفسيره هذا، وغيرها، وكانت وفاته سنة عشر وخمسمائة، وقيل سنة ست عشرة وخمسمائة2.
منهجه في التفسير:
قال صاحب كشف الظنون: "معالم التنزيل في التفسير".... وهو كتاب متوسط، نقل فيه عن مفسري الصحابة، والتابعين ومن بعدهم.
وليس خالصا للتفسير بالمأثور، بل جمع فيه بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد المقبول، كما لم يذكر فيه الأسانيد، اكتفاء بذكرها في أول كتابه، كما صنع الثعلبي، في تفسيره الذي هو أصل تفسيره ومرجعه.
قيمة تفسيره العلمية:
وهذا التفسير من خيرة التفاسير، وأسهلها وأبعدها عن التعقيد، وعدم الاستطراد، وعدم الإكثار من المباحث اللغوية، والنحوية، والفقهية.--------------------------------------------
1 قال ابن خلكان: بفتح الباء، والغين المعجمة، وبعدها واو هذه النسبة إلى بلدة بخراسان، بين مرو، وهواه يقال لها بغ وبغشور.... وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل؛ قاله السمعاني في كتاب الأنساب.
2 ضبط الأعلام ص 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وقد جمع فيه بين الصحيح، والضعيف، وذكر فيه كثيرا من الإسرائيليات، كأصله، وذلك كما صنع في قصة: "هاروت وماروت" وقصة "داود"، و"سليمان"، وكما صنع في تفسير قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فقد ذكر: أن "ن هو: الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو ولا شك من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم، قال فيه ابن تيمية: "والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكن صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة"1.
مناقشة ابن تيمية:
أما صيانته عن الآراء المبتدعة فمسلم، أما أنه صانه عن الأحاديث الموضوعة: فإن أراد الحديث الطويل في فضائل السور سورة سورة، فمسلم، وإن أراد غير ذلك: فلست موافقا لشيخ الإسلام؛ لأنه ذكر في كتابه بعض الموضوعات، والإسرائيليات بكثرة، اللهم إلا أن يقال: إنه أقل من تفسير الثعلبي في الموضوعات والإسرائيليات، وسأعرض للكثير منها عند التفصيل إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
1 مقدمة في أصول التفسير ص 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
3- تفسير القرآن العظيم:
ومؤلفه هو: الإمام الجليل: الحافظ: عماد الدين أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، الدمشقي، الفقيه، الشافعي، ولد حوالي سنة سبعمائة. سمع من ابن الشحنة، والآمدي، وابن عساكر، كما لازم الحافظ المزي وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، وهو من أخلص تلاميذ ابن تيمية، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، وهو من أخلص تلاميذ ابن تيمية، وأشدهم اتباعًا له في آرائه الفقهية، والتفسيرية، حتى كان يفتي برأيه في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وأوذى بسبب ذلك. قال فيه الحافظ الذهبي في المعجم المختص: الإمام، المفتي، المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، ومفسر.... وله تصانيف مفيدة، وقال فيه الحافظ ابن عمر في: "الدرر الكامنة" إنه كان من محدثي الفقهاء، وقال: سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها بعد وفاته، ومن تأليفاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
القيمة: كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وهو أجل كتب التاريخ من جهة الرواية، وتحقيق معاني المرويات وطبقات الشافعية، وشرع في شرح البخاري ولكنه لم يتمه..... وبعد حياة حافلة بالعلم، والتأليف، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة هـ، فرضي الله عنه وأرضاه.
منهجه في تفسيره وخصائصه:
وتفسيره من أجل التفاسير، إن لم يكن أجلها وأعظمها، جمع فيه بين التفسير، والتأويل والرواية والدراية، مع العناية التامة بذكر الأسانيد، وبيَّن صحيحها من ضعيفها من موضوعها، ونقد الرجال، والجرح، والتعديل، واستيفاء الآيات في الموضوع الأول وتفسير القرآن بالقرآن، مع حسن البيان، وعدم التعقيد، وعدم التشعيب في المسائل، والاستطراد الكثير، ومن خصائص هذا التفسير العظيم: أنه يعتبر نسيج وحده في التنبيه على الإسرائيليات والموضوعات في التفسير، تارة يذكرها، ويعقب عليها بأنها دخيلة على الرواية الإسلامية، ويبين أنها من الإسرائيليات الباطلة المكذوبة، وتارة لا يذكرها بل يشير إليها، ويبين رأيه فيها، وقد تأثر في هذا بشيخه الإمام ابن تيمية1، وزاد على ما ذكره كثيرا، وكل من جاء بعد ابن كثير من المفسرين، ممن تنبه إلى الإسرائيليات والموضوعات، وحذر منها، هم عالة عليه في هذا، ومدينون له فيها بهذا الفضل: كالإمام الآلوسي، والأستاذ الإمام محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا رحمهم الله تعالى، ولهذا الكتاب فضل كبير علي في تنبيهي إلى الإسرائيليات، والموضوعات في كتب التفسير وهو معتمدي، ومرجعي الأول في هذا الباب، وللإمام ابن كثير حاسية دقيقة، وملكة راسخة في نقد المرويات والتنبيه إلى منشئها ومصدرها، وكيف تدسست إلى الرواية الإسلامية، وقد تعقب ابن جرير على جلالته وتقدمه في بعض الإسرائيليات والموضوعات التي ذكرها في تفسيره، ولا عجب في هذا، فهو من مدرسة عرفت بحفظ الحديث، والعلم به رواية، ودراية، وأصالة النقد، والجمع بين المعقول والمنقول، وهي مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه: ابن القيم--------------------------------------------
1 وليس أدل على هذا من أن ما ذكره في مقدمة تفسيره يكاد يكون نص ما ذكره شيخه في "مقدمة في أصول التفسير"، وتظهر روحه هذه في المسائل التي يكون لشيخه ابن تيمية رأي معروف مخالف فيه لغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
والذهبي، وابن كثير، وأمثالهم، فجازاه الله على صنيعه هذا خير الجزاء. وسيظهر ذلك بوضوح فيما سأذكره إن شاء الله في هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد
الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
…
نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد:
وفي هذا الفصل: سأذكر أشهر كتب التفسير، سواء منها ما كان على منهج أهل السنة والجماعة، أم على مذهب أهل الاعتزال، أم على منهج أهل الكلام، مع تعريف موجز بها، وبمؤلفيها، وسأتناولها من الجانب الذي يتصل بهذا البحث فحسب، لا من جوانبها الأخرى.
ومما ينبغي أن يعلم: أن كتب التفسير بالرأي والاجتهاد أيا كان لونها واتجاهها لا تخلو من الروايات المأثورة؛ إذ من شرط التفسير بالاجتهاد: أن يعتمد على ما ثبت بالنقل، فمن ثم: اشتملت على الأحاديث الموضوعة والإسرائيليات الباطلة، وإن اختلفت في ذلك قلة وكثير، وسأقتصر على المطبوع منها، وسأنبه على ما إذا كانت بها إسرائيليات أم لا، وسأدع التفصيل لحينه إن شاء الله تعالى.
1- الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل:
ومؤلفه هو: الإمام محمود بن عمر بن محمد بن عمر النحوي اللغوي، الأديب، المعتزلي الزمخشري1 الملقب بجار الله، لأنه ارتحل إلى مكة، وأقام بها مجاورا للبيت، وفيها ألف كتابه هذا، ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وقد برع في اللغة، والأدب والنحو، ومعرفة أنساب العرب، وأيامهم حتى فاق أقرانه، كما كان عالما بكثير من العلوم الإسلامية، كالفقه، ولا سيما الفقه الحنفي، والأصول والتفسير وغيرها، ثم--------------------------------------------
1 زمخشر: كسفرجل: قرية بنواحي خوارزم نسب إليها إمامنا هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
اعتنق مذهب الاعتزال، ودعا إليه، وصار من أئمة المعتزلة، والمنافحين عنهم، وله مؤلفات كثيرة، منها: ربيع الأبرار، والأساس، والفائق، وكانت وفاته سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة.
قيمة تفسير الزمخشري العلمية:
إن تفسير الكشاف من خير كتب التفسير وأجلها، ولولا نزعته الاعتزالية في بعض الآيات القرآنية، لما تناوله المعترضون بالنقد، ولما شنأه بعض الناس، وبحسب هذا الكتاب فضلا ومنزلة أن كل من جاء بعد الزمخشري عالة عليه فيما يذكره فيه من أسرار الإعجاز، والغوص على المعاني البلاغية الدقيقة.
ولبراعته في الكلام، وتمكنه من فنون القول، وبعد غوره يدس بعض آرائه في أثناء تفسيره، وتروج على خلق كثير من أهل السنة ولذا قال البلقيني: استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش من قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز} 1.
قال: أي فوز أعظم من دخول الجنة2، أشار إليه به إلى عدم الرؤية3، وقال ابن تيمية أثناء الكلام عن تفاسير المعتزلة: ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، يدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة كثير من تفاسيرهم الباطلة4.
ومن مميزات هذا التفسير:
1- خلوه من الحشو والتطويل.
2- سلامته من القصص الإسرائيلي غالبا، وإذا ذكر بعضه فإنه قد يفنده، كما فعل في قصة داود وسليمان، ولكن وجدت به بعض الموضوعات التي لا تدرك بالعقل، وإنما يعلمها أئمة الحديث ونقاده، وذلك مثل الحديث الطويل المروي في فضائل السور، سورة سورة، وكذلك ما روى في قصة السيدة زينب بنت جحش،--------------------------------------------
1 آل عمران: 185.
2 تفسير الكشاف عند هذه الآية.
3 الإتقان ج2 ص 190.
4 مقدمة في أصول التفسير ص 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
وحاول تبريره، وقد يذكر بعض الإسرائيليات، ولا ينفدها، مثل ما ذكره: في قصة يأجوج ومأجوج، بل ذكر هنا حديثا موضوعا على النبي صلى الله عليه وسلم1 وسأتناول ذلك بالتفصيل فيما يأتي إن شاء الله تعالى:
3 اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم في الخطاب.
4 عنايته الفائقة بالإبانة عن أسرار الإعجاز القرآني بطريقة فنية قائمة على الذوق الأدبي.
5 اتباعه طريقة السؤال: "إن قلتَ "بفتح التاء"، ويقول في الجواب: "قلتُ: بضم التاء" وهي طريقة من طرق التشويق، في التعليم وترسيخ المعاني في النفس.
الانتصاف:
وقد قيض الله لهذا الكتاب من نبه إلى ما فيه من اعتزاليات، وبين ما فيه من انحراف، وميل باللفظ القرآني إلى مذهب أهل الاعتزال، وهو: الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن المنير، عالم الإسكندرية وقاضيها، وخطيبها، فألف كتابه: "الانتصاف"2، وهو يدل على علو كعب هذا الإمام في العلوم الشرعية، والبلاغية، وأصول الدين، وأصول الفقه، وبهذا الكتاب النفيس يمكن للقارئ لتفسير الكشاف أن يقرأه مع الأمن عليه أن يزيغ، أو يضل في متاهات الاعتزال.
تخريج أحاديث الكشاف:
وقد تنبه إلى ما في تفسير الكشاف من الروايات الضعيفة، والموضوعة، بعض المحدثين، فقام بإكمال هذا النقص خير قيام، وسد هذه الثغرة التي دخل منها على القراء ضرر كثير، فقد ألف الإمام الحافظ الفقيه: عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة 772هـ رسالة في تخريج أحاديث الكشاف، وما فيه من قصص وآثار، بيَّن فيها الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، وقد لخصها الإمام الحافظ--------------------------------------------
1 تفسير الكشاف في سورة الكهف عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} .
2 طبع مع الكشاف في معظم طبعاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الفقيه أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ، في رسالة سماها: "الكافِ الشافِ في تخريج أحاديث الكشاف"، وقد طبعت مع الكشاف في بعض الطبعات، فجزاهما الله خير الجزاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
2- تفسير مفاتيح الغيب:
ومؤلفه هو الإمام، النظار، المتكلم فخر الدين: محمد ابن العلامة ضياء الدين عمر الرازي1، المشتهر بخطيب الري، وهو عربي، قرشي من سلالة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مولده سنة 543هـ ثلاث وأربعين وخمسمائة في مدينة الري، وكانت حينئذ العاصمة الكبرى لبلاد العراق العجمي، وقد بادت الآن، وتوجد خرائبها، وآثارها على مقربة من مدينة: "طهران" عاصمة المملكة الإيرانية.
وقد تنقل الإمام فخر الدين في البلاد الأعجمية، من الري إلى خراسان، وبخارى إلى العراق، والشام، وكان أكثر استقراره وتدريسه "بخوارزم"2، ثم استوطن مدينة: "هراة" من البلاد الأفغانية، وكانت وفاته بها سنة 606هـ ست وستمائة3.
وقد كان الإمام من كبار أهل العلم بالأصلين: أصول الدين، وأصول الفقه، وكبار علماء الكلام على مذهب أهل السنة، فمن ثم ناقش -وأكثر- أهل الاعتزال وغيرهم، وكذلك كان عالما بالفلسفة، ومذاهب الفلاسفة، فمن ثم: سلك مسلك الحكماء الإلهيين، فصاغ أدلته في مباحث الإلهيات، على نمط استدلالاتهم العقلية، ولكن مع تهذيبها بما يوافق أصول أهل السنة، وتعرض لآراء الفلاسفة، في قدم العالم وغيره وشبههم، وتفنيدها، ونقضها في مواضع من كتابه.
وكذلك: سلك مسلك الحكماء الطبيعين في الكونيات، فتكلم في خلق السماوات، والأرض، وما فيها من إنسان، وحيوان، ونبات، مبينا حكمة الله في مخلوقاته، مستدلا--------------------------------------------
1 الرازي نسبة إلى الري على غير قياس.
2 مدينة شرق بحيرة قزوين.
3 التفسير ورجاله ص 68، 69.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
بها على وجود الله، وعلمه، وقدرته وإرادته وسائر صفاته.
وقد قصد الإمام الرازي من دراسته التفسيرية: أن يبين تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرق الفلسفية، وانفراد القرآن بهداية العقول البشرية، إلى غايات الحكمة، من طريق العصمة، فقد كتب في وصيته التي أملاها عند احتضاره:
"لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظيم والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك الحقائق العميقة والمناهج الخفية".
قيمة تفسيره العلمية:
إن تفسير: مفاتيح الغيب" من أجل التفاسير، وإن كان أطال في الاستدلال، ورد الشبه، إطالة كادت تغطي على كونه كتاب تفسير ولست مع ابن عطية الذي قال فيه: "فيه كل شيء إلا التفسير"؛ فإنه رحمه الله مع الاستطراد إلى ذكر الأدلة والبراهين، قد وفى التفسير حقه، ولولا أن هذا ليس من غرضي في هذا الكتاب، لأقمت على هذا ألف دليل، ومن مميزات هذا التفسير الجليل: أنه يكاد يخلو من الإسرائيليات، وإذا ذكر شيئا فذلك لأجل أن يبطله، وذلك كما صنع في قصة هاروت وماروت، وقصص داود، وسليمان وغيرهما، كما تعرض بالتزييف لبعض المرويات التي تخل بعَظَمَة النبي صلى الله عليه وسلم وأبطلها كما صنع في قصة الغرانيق، وسنعرض لإبطالها إن شاء الله.
نعم قد ذكر بعض المرويات التي تعتبر من الإسرائيليات، وذلك مثل ما روي في: "ن" وأنه الحوت الذي على ظهره الأرض، وإن كان ضعفه فيما ضعف من أقوال في هذه الآية، ولكن لم يعوَّل في التضعيف على مخالفتها للعقل، أو ضعفها من جهة النقل، أو كونها من الإسرائيليات، وإنما اعتمد على وجه أخر يرجع إلى النحو1.--------------------------------------------
1 انظر تفسير الفخر في قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
3- أنوار التنزيل، وأسرار التأويل:
ومؤلفه هو: الشيخ الإمام، قاضي القضاة، ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي، الشافعي، أصله من "شيراز" في جنوب إيران، وبها كانت نشأته العلمية الأولى، وبها تخرج في الفقه والأصول، والمنطق، والكمة، والكلام والأدب، وبرع في الأصوليين، وضم علوم العربية والأدب إلى علوم الشريعة والحكمة، ولى قضاء شيراز مدة، وكانت وفاته بتبريز سنة خمس وثمانين وستمائة1 وقيل: سنة إحدى وتسعين وستمائة2، ومن مؤلفاته القيمة: كتاب المنهاج وشرحه في أصول الفقه، وكتاب "الطوالع" في أصول الدين، وأنوار التنزيل، وأسرار التأويل، وهو ما نحن بصدده وغيرها.
تفسيره وقيمته العلمية:
وتفسيره جامع بين التفسير والتأويل على مقتضى القواعد اللغوية والشرعية، وهو متأثِّر في طريقته في بيان الألفاظ، والتراكيب، ونكت البلاغة- بتفسير الكشاف للزمخشري، ولكنه قرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة، وهو في هذا متأثر بالإمام فخر الدين الرازي.
وقد صاغ الإمام البيضاوي تفسيره صياغة محكمة دقيقة، فهو لا يضع الكلمة إلا بميزان، ونحا فيه منحى الإيجاز والتركيز، فمن ثم: وضعت عليه التعاليق، والحواشي؛ لشرح دقائقه، وحل رموزه وأَجَلُّ حواشيه حاشية الشهاب الخفاجي3، وهي ديوان علم وأدب، وفيها غاية التحقيقات، والتدقيقات فيها عرضت له من مسائل وقضايا علمية.
وقد كان تفسير البيضاوي وحواشيه -ولا يزال- مشغلة الدارسين في الجامعات الإسلامية أحقابا من الزمان، وحبب الناس فيه: خلوه من النزعات الاعتزالية التي نفرت الكثيرين من تفسير الكشاف، الذي هو كأصله.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية ج 3 ص 307.
2 التفسير والمفسرون ج 1 ص 297.
3 وهناك غيرها: حاشية زادة، وحاشية النووي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
والإسرائيليات في هذا التفسير قليلة جدا، ولكن مما أخذ عليه: اشتماله على بعض الروايات الموضوعة، التي لا تدلك بالعقل والنظر، وإنما يعرف حقيقتها حفاظ الحديث، ونقاده، ولا سيما في باب الفضائل1 فقد ذكر في آخر كل سورة، الحديث الطويل الموضوع في فضائل السور سورة سورة، ومن ثم نرى أن البيضاوي على جلالته وعلمه لم يسلم مما وقع فيه صاحب الكشاف قبله من ذكره هذا الحديث وغيره من الأحاديث، من غير بيان لدرجتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، أو الوضع، وهو أمر وقع فيه معظم المفسرين، ممن ليسوا من أهل العلم بالحديث رواية ودراية، وقد كفاه وكفى الدارسين لهذا الكتاب الإمام المحدث الشيخ عبد الرءوف المناوي، فألف كتابا سماه: "الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي"، وكذلك قام الإمام الشهاب الخفاجي ببيان هذه الروايات الموضوعة، والضعيفة، فلهما من الله جزيل الجزاء.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية جـ 3 ص 307.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
4- الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان:
ومؤلفه هو: الإمام أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح1 الأنصاري. الخزرجي الأندلسي، القرطبي، المفسر، كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة كانت أوقاته كلها معمورة مشغولة ما بين عبادة، وتأليف، وكانت وفاته سنة إحدى وسبعين، وستمائة، ومن مؤلفاته كتاب: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"، وكتاب: "التذكار في أفضل الأذكار"، وكتاب: "شرح التقصي وغيرها"2.
تفسيره وقيمته العلمية:
تفسير القرطبي من أجل التفاسير، وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ،--------------------------------------------
1 بسكون الراء، ثم حاء مهملة بعدها.
2 مقدمة في تفسير القرطبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وذكر عوضا عنها أحكام القرآن بتوسع، حتى حافَ بها على التفسير، واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ.
ومن محاسن هذا التفسير: أنه يخرج الأحاديث، ويعزوها إلى من رووها من الأئمة غالبا، كما أنه صان كتابه عن الإكثار من ذكر الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة، كما أنه إذا ذكر بعض الإسرائيليات والموضوعات مما يخل بعصمة الملائكة، أو الأنبياء، أو يخل بالاعتقاد؛ فإنه يكر عليها بالإبطال، أو يبين أنها ضعيفة، وذلك كما فعل في قصة هاروت وماروت، وقصة داود، وسليمان وقصة الغرانيق، وقصة زواج النبي بالسيدة زينب بنت جحش، وربما ينبه أيضا على بعض الموضوعات في أسباب النزول، وذلك: مثل ما رواه القصاص، وأمثالهم، في سبب نزول قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} الآيات1.
غير أنه قد وجد فيه بعض الإسرائيليات والموضوعات على قلة مثل ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض} 2 وعند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} ، فقد ذكر في البرهان أمورا إسرائيلية، ولا تصح، وعند تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد} 3 إلى غير ذلك مما سأعرض لبيانه، وتزييفه، فيما يأتي إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
1 الإنسان: 8-12.
2 الكهف: 94.
3 الفجر: 6-8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
مدارك التنزيل وحقائق التنزيل
…
5- مدارك التنزيل، وحقائق التأويل:
ومؤلفه هو: الإمام أبو البركات: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي1، المتوفى سنة إحدى وسبعمائة للهجرة.--------------------------------------------
1 نسبة إلى نسف بلد من بلاد ما وراء النهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
كان إمامًا بارعًا في الفقه، والأصول، عالمًا بالتفسير والحديث، وإن لم يكن من حفاظه وأئمته، وله من المؤلفات كنز الدقائق في الفقه، والمنار في أصول الفقه والعمدة في أصول الدين، ومدارك التنزيل، وحقائق التأويل، وهو ما نحن بصدده، وغيرها.
قيمة تفسيره العلمية:
هو من كتب التفاسير الوسيطة، لا هو بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وهو يعتبر بحق مختصرًا لتفسير الكشاف غير أنه صانه من الآراء الاعتزالية التي بثها الزمخشري في تفسيره، وحذف منه طريقة السؤال والجواب، في الإفصاح عن وجوه البلاغة، وأسرار الإعجاز، وبيان المعاني، وهي الطريقة التي عرف بها الزمخشري، وهو من التفاسير التي تعنى بالتنبيه إلى القراءات السبع المتواترة، ونسبة كل قراءة إلى قارئها.
وقد جاء الكتاب كأصله مقلًّا من ذكر الإسرائيليات، وقد يذكر بعضها وينبه على عدم صحته، وذلك كما صنع في قصة داود وسليمان والغرانيق، وقد يذكر بعض الخرافات والموضوعات، من قصص وأحاديث ولا يفطن إليها، وذلك: كما ذكر في تفسير قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيه} ، فقد ذكر الرأي الباطل، وهو: إخفاء حبها في قلبه، وتفسير قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ، فقد ذكر: أنها نزلت في على، وفاطمة، والحسن والحسين، مع أن السورة كلها مكية، وتفسير: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد} : فقد ذكر هنا: أن المراد بها مدينة وذكر في وصفها عجائب وغرائب، وهي من خرافات بني إسرائيل وكذلك ذكر في كتابه الحديث الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة، فلتكن على حذر من كل هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
6- لباب التأويل في معاني التنزيل:
ومؤلفه هو: علاء الدين أبو الحسن على بن محمد إبراهيم، الشيحي1 البغدادي، الشافعي الصوفي، المشهور بالخازن؛ وذلك لأنه كان خازن كتب خانقاه2--------------------------------------------
1 نسبة إلى بلد اسمها شيحة من أعمال حلب.
2 أصل الخانقاه: مكان يسكنه أهل الصلاح، والخير، والصوفية، معربة، حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة وجُعِلَت لمتخلي الصوفية فيها لعبادة الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
السميساطية، بدمشق، ولد ببغداد سنة ثمانٍ وسبعين وستمائة، قال ابن قاضي شهبة: وكان من أهل العلم، جمع، وألَّف وحدث ببعض مصنفاته. وكان صوفيا، حسن السمت، بشوش الوجه، متوددًا للناس، ومن مؤلفاته: شرح عمدة الأحكام، ومقبول المنقول في عشر مجلدات، جمع فيه بين مسندي الشافعي، وأحمد بن حنبل، والكتب الستة، والموطأ وسنن الدارقطني، ورتبة على الأبواب، وهذا يدل على أنه كانت له مشاركته في العناية بالحديث وإن لم يكن من حفاظه، ونقاده، و "لباب التأويل، في معاني التنزيل" وهو ما نحن بصدده.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وقد صدر كتابه هذا بمقدمة مفيدة في فضل القرآن وتلاوته، ووعيد من تكلم في تفسير بغير علم، وجمع القرآن وترتيبه ونزوله على سبعة أحرف، ومعنى التفسير والتأويل، وقد جمع كتابه هذا من تفسير البغوي، وغيره من التفاسير التي تقدمته، وليس له فيه كما يقول في ديباجته سوى النقل، والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل.
ومن حسنات هذا الكتاب: عناية صاحبه بتخريج الأحاديث: أي بيان من رواها من الأئمة في كتابه، مشيرا إلى صاحب الكتاب بالحرف تارة، وذاكرا الاسم تارة، وما لم يكن في الكتب المشهورة ورواه البغوي؛ عزاه إليه، وما أخذه البغوي عن الثعلبي بينه.
وقد امتلأ هذا التفسير كأصليه: تفسير البغوي، وتفسير الثعلبي بالقصص، والأخبار، والإسرائيليات الباطلة، ولا سيما في قصص الأنبياء، وأخبار الأمم الماضية، والفتن، والملاحم، ومن الحق أن نقول هنا: إن الخازن قد يكر على بعض الإسرائيليات والموضوعات ولا سيما ما يتعلق منها بالطعن في عصمة، وما يخل بالعقيدة الصحيحة بالإبطال والإطناب في ذلك: كما فعل في قصة الغرانيق، وقصة هاروت وماروت، وداود، وسليمان ونحوها.
كما أنه قد يذكر الكثير من الإسرائيليات المشتملة على العجائب والغرائب، والتي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم، ولا يعقب بتضعيف أو إبطال، وسأنبه عليها إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
7- البحر المحيط لأبي حيان:
ومؤلفه هو: الإمام أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي، الغرناطي، الجياني، الشهير بأبي حيان، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة من الهجرة، وتوفي سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
كان رحمه الله ملمًّا بالقراءات؛ متواترها، وصحيحها، وشاذها، كما كان على جانب كبير من العلم باللغة وآدابها، والعلم بالنحو والصرف حتى صار إماما فيهما، وذا رأي معتبر في مسائلهما، ولذلك غلب عليه في تفسيره: الإكثار من النحو، والصرف، واللغة؛ كما أسلفت وله مؤلفات منها: غريب القرآن في مجلد، وشرح التسهيل وهو كتاب جليل، وكتاب "البحر المحيط" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن، وقد عكف على تأليفه لما نصب مدرسا للتفسير في قبة السلطان الملك المنصور، وفي دولة ولده: الملك الناصر. وكان ذلك في أواخر سنة عشر وسبعمائة، وقد خطا سنه نحو السابعة والخمسين من عمره المبارك1.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وقد اعتمد أبو حيان في تفسيره على تفاسير من تقدمه، ولا سيما تفسير الإمامين الجليلين: أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، وأبي محمد عبد الحق المعروف بابن عطية، وعلى ثقافته اللغوية، والنحوية، والصرفية، والأدبية، التي يظهر أثرها واضحا في كتابه، وهو من كتب التفسير بالرأي والاجتهاد الممدوح.
وكتاب التفسير لأبي حيان لم يخلُ كغيره من كتب التفسير من ذكر الروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، والتابعين.
وهو: من التفاسير التي يقل فيها ذكر الإسرائيليات، والموضوعات وقد عني بالتنبيه إلى الكثير منها، وبيان عدم صحتها، وتحذير القارئ من الاغترار بها، وكثيرا ما يضرب عن ذكرها، مشيرا إلى بطلانها، وقد يوجزها، ثم يكر عليها بالإبطال والتزييف،--------------------------------------------
1 مقدمة في تفسير أبي حيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)