فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} متفق عليه.
275- (78) وعن ابن سيرين قال: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" رواه مسلم.
276- (79) وعن حذيفة، قال: يا معشر القراء
ــ
حجر: "أعلم" بمعنى عالم لاستحالة المشاركة، قال القاري: المشاركة الاستقلالية هي المستحيلة. (فإن من العلم) أي من آدابه الواجب رعابتها على من نسب للعلم، أوالتقدير "فإن من جملة العلم"، وهو خبر إن واسمه قوله: "أن تقول" الخ قاله القاري، والثاني هو الظاهر، والمعنى أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أن "لا أدرى" نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعمل قسم من التكلف. (أن تقول لما لا تعلم) أي لأجله أو عنه (قال الله تعالى لنبيه) وهو أعلم الخلق {قل ما أسألكم عليه} أي على التبليغ {من أجر} أي آخذه منكم {وما أنا من المتكلفين} أي من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الإستسقاء، وفي تفسير الروم والدخان، ومسلم في التوبة، وأخرحه أيضاً أحمد، والترمذي، والنسائي في التفسير.
275- قوله: (وعن ابن سيرين) هو محمد بن سيرين، يكنى أبابكر، مولى أنس بن مالك، من أكابر التابعين، قال المصنف: كان فقيهاً عالماً، زاهداً، عابداً، ورعاً، محدثاً، من مشاهير التابعين وجلتهم، وقال الحافظ: إنه ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى. مات سنة (110) وهو ابن سبع وسبعين سنة. قال القاري: وهو غير منصرف للعلمية والمزيدتين على مذهب أبى علي في اعتبار مجرد الزائدتين. (إن هذا العلم دين) اللام للعهد، يعني أن علم الإسناد من الدين، وقيل: المراد به، علم الكتاب والسنة، وهما أصول الدين، ويؤيد المعنى الأول ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عقب ذلك عن ابن سيرين أيضاً، قال: لم يكن يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. (فانظروا) أي فاعلموا وتحققوا (عمن تأخذون دينكم) تنبيه وحث على رعاية الوثوق والديانة، والحفظ، والورع، والسنة، حتى لا يؤخذ من كل من يروي، و"عن" متعلق بتأخذون على تضمين معنى تروون. (رواه مسلم) في مقدمه صحيحه موقوفاً من قول ابن سيرين، وكذا الدارمي، وأخرجه الحاكم في تاريخه، وابن عدى في الكامل مرفوعاً عن أنس، وكذا أخرجه مرفوعاً أبونصر السجزي في الإبانة، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة، لكن المرفوع ضعيف، والصحيح أنه قول ابن سيرين.
276- قوله: (يامعشر القراء) أي الذين يحفظون القرآن قاله الطيبي: وقال الحافظ: المراد بهم العلماء بالقرآن،
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 358)
استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً)) رواه البخاري.
277- (80) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوذوا بالله من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟ قال: وادٍ في جهنم، يتعوذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة، قيل: يا رسول الله، ومن يدخلها؟ قال: القراء
ــ
والسنة العباد. (استقيموا) أي على جادة الشريعة، أي اسلكوا طريق الاستقامة، بأن تتمسكوا بأمر الله فعلاً وتركاً. (فقد سبقتم) بفتح السين والموحدة، قال الحافظ: هو المعتمد، وحكي بضم السين وكسر الباء مبنياً للمفعول، والمعنى على الأول: اسلكوا طريق الاستقامة؛ لأنكم أدركتم أوائل الإسلام، فإن تتمسكوا بالكتاب والسنة، تسبقوا إلى كل خير؛ لأن من جاء بعدكم إن عمل بعملكم لم يصل إليكم لسبقكم إلى الإسلام، ومرتبة المتبوع فوق مرتبة التابع، وإلا فهو أبعد منه حساً وحكماً. وعلى الثاني: أي سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله، فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف المؤدي إلى الانحراف عن سنن الاستقامة يميناً وشمالاً، الموجب للهلاك الأبدي. (سبقاً بعيداً) أي ظاهر التفاوت. (وإن أخذتم يميناً وشمالاً) أي خالفتم المذكور بالإعراض عن الجادة والانحراف عن طريق الاستقامة. (فقد ضللتم ضلالاً بعيداً) أي عن الحق بحيث يبعد رجوعكم عنه إليه، وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [6: 153] ، والذي له حكم الرفع من حديث حذيفة هذا الإشارة إلى فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين مضوا على طريق الاستقامة. (رواه البخاري) في الاعتصام، وأخرجه أيضاً أبونعيم في المستخرج، وابن أبي شيبة، وابن عساكر بنحوه.
277- قوله: (من جب الحزن) "الجب" بضم الجيم وتشديد الموحدة، البئر التي لم تطو، و"الحزن" بفتحتين أو بضم فسكون ضد الفرح، أي من بئر فيها الحزن لا غير، قال الطيبي: جب الحزن علم والإضافة كما في دار الإسلام، أي دار فيها السلامة من كل حزن وآفة. (قال وادٍ) أي هو وادٍ عميق يشبه البئر من كمال عمقه. (يتعوذ منه) أي من شدة عذابه. (جهنم) أي سائر أودية جهنم. قيل: ينبغي أن يراد بجهنم ما أعد فيها لتعذيب العصاة من المسلمين، لا الكفرة والمنافقين. قال الطيبي: التعوذ من جهنم هنا كالنطق منها في قوله تعالى: {وتقول هل من مزيد} [50: 30] ، وكالتميز والتغيظ: {تكاد تميز من الغيظ} [67: 8] ، والظاهر أن يجري ذلك على المتعارف؛ لأنه تعالى قادر على كل شيء. (كل يوم) يحتمل النهار والوقت. (أربع مائة مرة) هذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية الترمذي ((مائة مرة)) ، ولامنافاة؛ لأن القليل لا ينافي الكثير، وهو يحتمل التحديد والتكثير. (ومن يدخلها) أي تلك البقعة المسماة بجب الحزن، وهو عطف على محذوف، أي ذلك شيء عظيم هائل. فمن الذي يستحقها؟ ومن الذي يدخل فيها؟ (القراء) جمع قارئ، والمراد العلماء
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 359)
المراؤون بأعمالهم)) . رواه الترمذي، وكذا ابن ماجه، وزاد فيه: ((وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء)) قال المحاربي: يعني الجورة.
278- (81) وعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى،
ــ
بالكتاب والسنة، العباد النساك. (المراؤون) من الرياء (بأعمالهم) السماعون بأقوالهم. (رواه الترمذي) في الزهد، وقال: "غريب" انتهى. وفيه سيف بن عمار، وهو ضعيف الحديث، وفيه أيضاً أبومعان البصري، وهو مجهول. (وكذا) رواه (ابن ماجه) في السنة، وفي سنده أيضاً ما في سند الترمذي. (وإن من أبغض القراء) قيل: أي من القرائين المذكورين، وهم المراؤون، قرائين مخصوصين، وهم (الذين يزورون الأمراء) طمعاً في مالهم وجاههم، لا لحاجة دينية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لضرورة دنيوية تلجئهم بهم، كدفع شرهم وإيذائهم ونحو ذلك. (قال المحاربي) أحد رواة الحديث، وهو بضم الميم وبالحاء المهملة، وبالراء المكسورة، وبالباء الموحدة، نسبة إلى محارب، وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبومحمد الكوفي، روى عن الأعمش، ويحيى بن سعيد، وعنه أحمد بن حنبل، وثقه النسائي وابن معين والبزار والدارقطني، وقال الحافظ: لا بأس به وكان يدلس، قاله أحمد. مات سنة (195) . (يعني الجورة) كالظلمة لفظاً ومعناً، جمع جائر؛ لأنه لا حرج في زيارة الأمير العادل، المتمسك بالكتاب والسنة. والحديث أخرجه أيضاً الطبراني بنحوه إلا أنه قال: ((يلقى فيه الغرارون، قيل: يا رسول الله، وما الغرارون؟ قال: المراؤون بأعمالهم في الدنيا)) ، وأخرجه العقيلي في الضعفاء، والعسكري في المواعظ عن علي، وفيه عبد الله بن حكيم أبوبكر الداهري ليس بشيء.
278- قوله: (يوشك أن يأتي على الناس زمان) أي فاسد لفساد أهله، قال الطيبي: أتى متعدٍ إلى مفعول واحد بلا واسطة، فعدي بـ"على" ليشعر بأن الزمان عليهم حينئذٍ بعد أن كان لهم. (لا يبقى من الإسلام) أي من شعائره. (إلا اسمه) أي إلا ما يصح إطلاق اسم الإسلام عليه كلفظ الصلاة والزكاة والحج، أو إلا العلم به، وأما العمل به فلا. (ولا يبقى من القرآن) أي من آدابه وعلومه (إلا رسمه) أي أثره الظاهر من قراءة لفظه، وكتابة خطه، بطريق الرسم والعادة لا على جهة تحصيل العلم والعبادة، وقيل: المراد برسم القرآن تجويد الحروف وإتقان الألفاظ، وتحسين الألحان فيه من غير التفكر في معانيه، والامتثال بأوامره والانتهاء عن نواهيه. (مساجدهم عامرة) أي بالأبنية المرتفعة، والجدران المنقشة، والقناديل والبسط. (وهي خراب من الهدى) المراد بكون مساجدهم عامرة، عمارة بنائها الظاهر، وبكونها
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 360)
علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود)) رواه البيهقي في شعب الإيمان.
279- (82) وعن زياد بن لبيد قال: ((ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: ذاك عند أوان ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ثكلتك أمك زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟)) رواه أحمد، وابن ماجه،
ــ
خراباً من الهدى، تركهم إياها عاطلة من الصلاة والجماعة، وإقامة الأذان فيها، والعلم والذكر، وإنما عبر عنها بالهدى لأنها سبب هداية الشخص، وقيل: التقدير من آثارها الهداية أو أهلها. (أديم السماء) أي وجهها. (من عندهم تخرج الفتنة) أي للناس. (وفيهم تعود) أي مضرتها وعاقبتها السوء، وفي مثلها في قوله تعالى: {أو لتعودن في ملتنا} [7: 88] ، يعني يستقر عود ضررهم فيهم، ويتمكن منهم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) ، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل، وأخرجه الحاكم في تاريخه بنحوه عن ابن عمر، والديلمي عن معاذ وأبي هريرة، وأخرجه العسكري في المواعظ عن علي موقوفاً من قوله.
279- قوله: (وعن زياد بن لبيد) بفتح لام وكسر موحدة، ابن ثعلبة، يكنى أباعبد الله الأنصاري الخزرجي، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأقام معه حتى هاجر، فكان يقال له: مهاجري أنصاري، وشهد العقبة وبدراً والمشاهد، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عامله على حضر موت، وكان له بلاء حسن في قتال أهل الردة، وكان من فقهاء الصحابة. روى عنه عوف بن مالك، وسالم بن أبي الجعد، وجبير بن نفير، قال البخاري: ولا أرى سالماً سمع منه، مات في أول خلافة معاوية. (ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً) أي هائلاً (فقال: ذاك) أي الشيء المخوف يقع (عند أوان ذهاب العلم) أي وقت اندراسه. (وكيف يذهب العلم؟) الواو للعطف، أي متى يقع ذلك المهول؟ وكيف يذهب العلم؟ (ونحن نقرأ القرآن … ) الخ يعني والحال أن القرآن مستمر بين الناس إلى يوم القيامة، فمع وجوده كيف يذهب العلم؟ (ثكلتك أمك) أي فقدتك، وأصله الدعاء بالموت، ثم يستعمل في التعجب. (زياد) أي يا زياد (إن كنت) إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي إن الشأن كنت أنا (لأراك) بضم الهمزة، أي لأظنك، وبفتحها أي لأعلمك. (من أفقه رجل بالمدينة) ثاني مفعولي أراك، ومن زائدة في الإثبات، أي على مذهب الأخفش، أو متعلقة بمحذوف أي كائناً، قاله الطيبي: وأضاف أفعل التفضيل إلى النكرة المفردة؛ لأن المراد به الاستغراق. (أو ليس) أي أتقول هذا وليس (لا يعملون بشيء مما فيهما) الجملة حال من فاعل يقرؤون، أي يقرؤون غير عاملين، يعني ومن لم يعمل بعلمه هو والجاهل سواء، بل هو بمنزلة الحمار يحمل أسفاراً. (رواه أحمد) (ج4:ص16، 218) . (وابن ماجه) في الفتن، وأخرجه أيضاً الحاكم (ج1:ص100) كلهم من
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 361)
وروى الترمذي عنه نحوه.
280- (83) وكذا الدارمي عن أبي أمامة.
281- (84) وعن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ((تعلموا العلم وعلموه الناس، تعلموا الفرائض وعلموها الناس، تعلموا القرآن وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، والعلم سينقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما)) رواه الدارمي والدارقطني.
ــ
طريق سالم بن أبي الجعد عن زياد. وسند الحديث صحيح، رجاله ثقات إلا أنه منقطع. قال البخاري في التاريخ الصغير: لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد، وتبعه على ذلك الذهبي في الكاشف، وقال: ليس لزياد عند المصنف - أي ابن ماجه - سوى هذا الحديث، وليس له شيء في بقية الكتب. (وروى الترمذي عنه) أي عن زياد (نحوه) أي نحو هذا اللفظ، وهو معناه، وهذا وهم من المصنف؛ لأن الترمذي روى هذا الحديث عن أبي الدرداء، لا عن زياد، ولأنه ليس لزياد شيء في الكتب الستة غير ابن ماجه.
280- قوله: (وكذا الدارمي) أي رواه بمعناه لكن (عن أبي أمامة) لا عن زياد. وأخرج عن أبي أمامة أيضاً أحمد والطبراني وأبوالشيخ في تفسيره، وابن مردويه كما في الكنز (ج5:ص208) .
281- قوله: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم) يحتمل أن ابن مسعود كان وحده، أو خصه بالخطاب وعم الحكم بقوله: (تعلموا العلم) أي الشرعي، أو الجمع للتعظيم. (تعلموا الفرائض) أي علم الفرائض خصوصاً، سواءً أريد بها فرائض الإسلام أو فرائض الإرث. (علموها الناس) كذا في بعض النسخ موافقاً لرواية الدارقطني، ووقع في بعض النسخ "وعلموه الناس"، وكذا عند الدارمي، أي علموا هذا العلم، فالضمير إلى المضاف المقدر. (فإني امرؤ مقبوض) لكوني امرأ مثلكم، فلا أعيش أبداً، فاغتنموا فرصة حياتي. (والعلم سينقبض) من الانقباض، أي بعدي بقبض أهله، وفي بعض النسخ "سيُقبض" مجهول مجرد. (حتى يختلف) يجوز أن يتعلق بكل من الفعلين السابقين. (في فريضة) من فرائض الإسلام أو فرائض الإرث. (لا يجدان أحداً يفصل بينهما) لقلة العلم أو لكثرة الفتن. (رواه الدارمي والدارقطني) ص (459) ، وسياق الحديث للدارمي، وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي ولم يسق لفظه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال الحافظ: رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه اختلافاً كثيراً … الخ، وقال الترمذي: إنه مضطرب، وقد تقدم بيان شيء من هذا الاختلاف عند تخريج حديث أبي هريرة: ((تعلموا الفرائض)) في الفصل الثاني، وأخرج نحوه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري من طريق عطية، وهو ضعيف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 362)
282- (85) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل علم لا ينتفع به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله)) رواه أحمد والدارمي.
ــ
282- قوله: (مثل علم لا ينتفع منه) أي بالعمل والتعليم، ولو كان العلم في نفسه نافعاً. (كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله) أي لا على نفسه ولا على غيره في الجهاد وسائر وجوه الخير. قال الطيبي: التشبيه في عدم النفع والانتفاع والإنفاق منهما، لا في أمر آخر، وكيف لا والعلم يزيد بالإنفاق والكنز ينقص، والعلم باقٍ والكنز فانٍ. (رواه أحمد والدارمي) ، وأخرجه أيضاً البزار، ورجاله موثقون، قاله الهيثمي. وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط بنحوه، وفي إسناده ابن لهيعة، وأخرجه ابن عساكر عن ابن عمر، والقضاعي عن ابن مسعود.
بعون الله وحسن توفيقه تم الجزء الأول من مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح، ويليه الجزء الثاني - إن شاء الله تعالى -، وأوله: كتاب الطهارة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 363)
- 1 -
كلمة الناشر للطبعة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن العصر الذي نعيش فيه هو عصر الإعلام والنشر، وللناس فيه عناية كبيرة بشؤون المطابع والمكتبات، حتى نرى أنهم يطبعون وينشرون ما فيه وصمة للعلم ومضرة بالغة للمجتمع. أما العلوم الدينية التي تضمن السعادة الأبدية للإنسانية كلها وتطهر المجتمع من الفواحش والدنايا فقد قل بها اهتمام الناس، واشتغلوا عنها بتوافه الأمور، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، والمدارس الدينية العربية بالهند التي تعتبر معاقل الدين وحصونه هي الأخرى قد عكفت على تدريس العلوم وتلقينها، وأهملت ناحية التأليف والطبع والنشر، مع أنها كانت معقد آمال الناس في الأوساط الدينية، وكان من واجبها أن لا تتخلف في مجال مهم مثل التأليف والنشر، وقد شعرت بعض المدارس بهذا النقص، فحاولت التفادي منه ونجحت، ولكن معظم المدارس العربية لا تزال على الحالة التي أشرنا إليها.
وبناءً على ذلك كانت الجامعة السلفية قد جعلت من أهدافها - منذ أن أنشئت - الاهتمام بشؤون التأليف والطبع والنشر بجانب الشؤون الدراسية والتعليمية، ولتحقيق هذا الهدف قد تم في الجامعة إنشاء قسم خاص يهتم بشؤون التأليف والنشر، وهو قسم دار الترجمة والتأليف والنشر، وقد أبدى هذا القسم نشاطاً ملموساً في ترجمة بعض الكتب المهمة النافعة وطبعها ونشرها في الهند وخارجها.
ومن أكبر مشاريع الدار وأهمها مشروع طبع كتاب "مرعاة المفاتيح" شرح مشكاة المصابيح لفضيلة العلامة المحدث الكبير الشيخ أبي الحسن عبيد الله الرحماني - حفظه الله تعالى -، وكان هذا الكتاب قد طبع جزء منه في باكستان وجزآن في الهند، ولكنه نظراً إلى أهمية موضوعه وطرافة مباحثه كان في حاجة إلى أن يعاد طبعه على طريقة علمية حديثة، بحيث يسهل تناوله للقراء في الهند وغيرها من البلاد الإسلامية والعربية. ومن المتوقع أن يقع الكتاب وفق هذه الطبعة الثانية في 12 جزء، وكل جزء يحتوي على نحو 600 صفحة بالقطع الكبير. والدار حينما تحملت مسؤولية هذا المشروع الكبير - مع كثرة نفقاتها - لم تهدف إلا إلى نشر العلوم الدينية والتعريف بما قام به العلماء السلفيون بالهند من خدمة العلوم الإسلامية واللغة العربية، وما كان لهم من الإسهام في بناء صرح الثقافة الإسلامية في شبه القارة.
ونحن إذ نقدم الجزء الأول من كتاب مرعاة المفاتيح نسأل الله عز وجل أن يكتب له القبول لدى القراء والباحثين، ويوفقنا لإتمام هذا المشروع الكبير، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، فهو نعم المولى ونعم النصير.
… ... … ... … ... … ... (إدارة البحوث الإسلامية)
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 364)
- 2 -
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد! فهذه فصول مفيدة تشتمل على:
1- مقدمة الناشر للطبعة الأولى بعد تلخيصها وترجمتها إلى العربية.
2- ترجمة الشارح - حفظه الله -.
3- ذكر بعض ما يمتاز به هذا الشرح من الميزات والخصائص.
4- رسالة لطيفة في بيان مصطلحات علم الحديث التي لا بد من استحضارها لكل من يرغب في مطالعة الحديث والتوسع فيها.
أحببت أن ألحقها بمرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ ليكون القارئ على بصيرة عن الكتاب وصاحبه.
وقد تركت ترجمة الإمام البغوي رحمه الله، والتعريف بكتابه - المصابيح -، وكذلك التعريف بمشكاة المصابيح الذي هو تكملة للمصابيح، وترجمة مؤلفه الخطيب العمري رحمه الله؛ لأن الشارح - حفظه الله - قد تعرض لهذه الأمور في الشرح بما فيه غنى عن إعادة ذكرها هنا.
عبد الرحمن عبيد الله الرحماني المباركفوري.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 365)
- 3 -
مقدمة الناشر للطبعة الأولى
حامداً ومصلياً ومسلماً
اعلم أن الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله قد قرر في المبحث السابع من كتابه "حجة الله البالغة" باعتبار فهم المعاني الشرعية من الكتاب والسنة والاستنباط منهما والعمل بهما، مدرستين مستقلتين للتفكير: أهل الحديث، وأهل الرأي. فذكر في إحداهما فقهاء أهل الحديث من مؤلفي الصحاح الستة وغيرهم مع الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، كمجتهدي الأمة - ونسب رئاسة المدرسة الأولى إلى إبراهيم النخعي وأبي حنيفة وأصحابه. ثم قارن بين أصول استدلال المدرستين وطرق الاستنباط والتخريج لهما. وعلاوة على شرحه الأحاديث فيه شرحاً فقهياً، أرسخ قواعد حرية التفكير وسعة النظر باختياره طريقة المدرسة الثانية في شرحه لموطأ الإمام مالك، وترجمته "المسوى والمصفى" لتبقى الأمة المسلمة متحدة عملاً مع اختلافها فكراً ونظراً، متمشية على منهاج السلف الأول.
ثم روج الشاه ولي الله رحمه الله تدريس الصحاح الستة على طريقة أهل الحديث بجنب التأليف والتصنيف؛ لأن موضوع تلك الكتب جمع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كاملة حيث يهتدى بها في جميع نواحي الحياة البشرية قاطبة. ثم من أعظم أوصافها وخصائصها أنها تحمل في طيها سعة النظر، وليس في جمع وتدوين أحاديثها ولا في تبويبها ولا في طرق الاستدلال والاستنباط منها تحديد واقتصار.
فيورد أصحابها كل ما روي من الأحاديث والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالحين، سواء كان دليلاً لطائفة أو عليها، لا يتعلق لهم بذلك غرض، فيعملون في ثبوت تلك المرويات والاحتجاج بها حرية التفكير والبحث التي تورث الذهن استعداد النقد المثمر البناء.
ولعل هذا هو السبب الأكبر في اختياره مسلك الفقهاء المحدثين أساساً لتوحيد صفوف الفرق المسلمة فكرياً وعملياً، وجعله موضوعاً لبعض مؤلفاته.
ولعله قد شعر بأنه قد ساد على العالم الإسلامي بعد القرن العاشر من الهجري عامة؛ إما الفقه الجامد أو القاصر، أو التصوف المتخشن المفضي إلى الإلحاد، وإن كان هناك شيء في المدارس باسم علوم الحديث فهو تابع للفقه المعاصر، ولم يكن يتعرض للروايات إلا في مجالس الوعظ والقصص بغض النظر عن رطبها ويابسها وصحيحها وسقيمها، أو لتأييد المذاهب الفقهية مهما كانت درجتها في الصحة والثبوت.
ولتحقيق أهداف الفقهاء المحدثين بدأ الشيخ ولي الله رحمه الله حركة تجديد عهد المحدثين، وسقى هذا النبت حفيده الشيخ إسماعيل الشيهد (م 1246هـ) ، ثم ترعرع بعده وأثمر هذا الشجر عند طبقة من المحققين الذين استفادوا منه، أعني بهم المحدث الكبير شيخ الكل السيد نذير حسين الدهلوي (م 1320هـ) ، التلميذ الخاص للشاه محمد إسحاق (م 1262هـ) ، والسيد أباالطيب محمد صديق حسن خان (م 1307هـ) ، التلميذ الممتاز والمجاز للشاه محمد يعقوب (م 1282هـ) ، ابن بنت الشاه عبد العزير رحمه الله.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 366)
- 4 -
فالمحدث الدهلوي السيد نذير حسين رحمه الله نشر هذه الحركة المقدسة تدريساً، والسيد النواب رحمه الله قد أسهم فيها بتأليف الكتب الكثيرة والتزامه بطبع المؤلفات النافعة النادرة الوجود على حسابه الخاص وتوزيعها في العالم الإسلامي، {مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} .
وألف السيد صديق حسن خان رحمه الله على أساس خطة التفكير الفقهي للشاه ولي الله رحمه الله في سنة 1278هـ شرحاً لبلوغ المرام باللغة الفارسية باسم "مسك الختام"، وفي سنة 1294هـ "عون الباري" شرح تجريد صحيح البخاري للشرجي، وفي سنة 1299هـ "السراج الوهاج" شرح تلخيص الصحيح لمسلم للمنذري. هذا بجنب طبعه لاستفادة أهل العلم وأصحاب التحقيق "نيل الأوطار" سنة 1297هـ، وفتح الباري سنة 1300هـ بالمطبعة الأميرية ببولاق (مصر) بمبالغ باهضة مع عنايته واهتمامه بترجمة كتب الصحاح الستة مع موطأ الإمام مالك وطبعها؛ ليستنير عامة الناس من أنوار علوم السنة رأساً وبدون واسطة.
ومن تلامذة المحدث الدهلوي العلامة الشيخ أبوالطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (م1329هـ) ألف "عون المعبود" شرح سنن أبي داود، والشيخ أبوالعلي محمد عبد الرحمن المباركفوري (م1352هـ) شرح الجامع للترمذي باسم "تحفة الأحوذي"، والشيخ محمد أبوالحسن السيالكوتي شرح صحيح البخاري باللغة الأردية في 30 مجلداً، وسماه فيض الباري، والشيخ عبد الأول الغزنوي الأمرتسري (م 1331هـ) بن محمد (1) بن العارف بالله الشيخ عبد الله الغزنوي - رحمهم الله تعالى - ترجم مشكاة المصابيح وعلق عليها وطبعها.
ومن مفاخر علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية أنه باهتمامهم فحسب طبع أول مرة عدة من كتب الحديث القيمة، أمثال: السنن للنسائي، والسنن للدارقطني، والتلخيص الحبير، وغيرها، وإنها لحقيقة ثابتة أن تلك المطبوعات هي التي يستفيد بها أصحاب التدريس والإفتاء وأهل التحقيق، فلله الحمد على ذلك.
وعلى كل حال فقد استمرت نهضة تجديد وإحياء السنة بكل قوتها وحيويتها بفضل مساعي جماعة أهل الحديث الهندية وجهودها العلمية والعملية، واستنارت بأشعة هذا النور العظيم أرجاء العالم الإسلامي النائية، واعترف عديد من أهل العلم والتحقيق في العالم الإسلامي في العهد الحاضر بسبق علماء أهل الحديث في الهند في ميدان نشر علوم السنة وطبع كتبها. فالشيخ العلامة رشيد رضا المغفور له يقدّر ويحسن جهودهم بما نصه: "ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق، فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز منذ القرن العاشر حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل القرن الرابع عشر … " (مقدمة مفتاح كنوز السنة) .
ويمدحهم محقق آخر من مصر الشيخ عبد العزيز الخولي: " … ولا يوجد في الشعوب الإسلامية من وفى الحديث قسطه من العناية في هذا العصر مثل إخواننا مسلمي الهند، أولئك الذين وجد بينهم حفاظ للحديث، ودارسون لها على نحو ما كانت تدرس في القرن الثالث، حرية في الفهم، ونظر في الأسانيد، كما طبعوا كثيراً من كتبها النفيسة التي كادت تذهب بها يد الإهمال، وتقضي عليها غير الزمان....، وإن أساس تلك النهضة في البلاد الهندية أفذاذ أجلاء تمخضت بهم العصور الحديثة، وانتهجوا في تحصيل العلوم نهج السلف، فنبه شأنهم وعلا أمرهم وذاع صيتهم،-----------------------------------
(1) المعلق على تفسير "جامع البيان" وناشر "المسوى والمصفى" الأول.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 367)
- 5 -
فكان لها الأثر الصالح والسبق الواضح، ومن أشهر هؤلاء الأعلام ولي الله الدهلوي صاحب التصانيف، أشهرها "حجة الله البالغة"، والسيد صديق حسن خان ملك بهوبال صاحب التصانيف الكثيرة، ومن حسناته (يعني السيد حسن خان) طبع فتح الباري ونيل الأوطار وتفسير الحافظ ابن كثير … ، طبعت هذه على نفقته في المطبعة الأميرية بمصر، فكانت من أنجح وسائل إحياء السنة … ، وفي الهند الآن طائفة تهتدي بالسنة في كل أمور الدين، ولا تقلد أحداً من الفقهاء ولا المتكلمين وهي طائفة المحدثين". … (مفتاح السنة ص169) .
ومحقق آخر الشيخ محمد منير الدمشقي يبدي رأيه عن حركة إحياء السنة هذه بما يأتي: "وهي نهضة عظيمة، أثرت على باقي البلاد الإسلامية، فاقتدى بها غالب البلاد الإسلامية في طبع كتب الحديث والتفسير". (أنموذج من الأعمال الخيرية ص (468) .
ويكتب عن "السيد صديق حسن خان": "كم له من أيادٍ بيضاء في خدمة العلم والعلماء، وإن جحد فضله الحاسدون وضعفاء العقول المتصنعون". (أنموذج ص388) .
هذه هي حكاية ما أنجزه علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية من الأعمال الذهبية في سبيل إحياء السنة وتجديد نهضة الشاه ولي الله رحمه الله باختصار، ولو سلك مسلكه واختار منهجه العلماء المنتسبون إلى أسرته أيضاً لكان الوضع الديني لبلادنا مختلفاً تماماً عن الوضع الحالي.
وقد حدث - مع الأسف الشديد - أن طائفة من علماء أسرته قد ترك منهج تدريسه، وترويج علوم الحديث لبعض مصالحها الخاصة بعد وفاته بمدة لا تطول، ولا شك أن تلك الطائفة قد ساهمت في نشر الدين بجهود لا تنكر قيمتها، ولكنهم لم يرضوا بإعطاء علوم الحديث حظها من عنايتهم، فإنهم جعلوا نصب أعينهم عند الاشتغال بعلم الحديث مقاصد خاصة، مثل بعض سلفهم من المؤلفين وشراح الحديث، ودرسوا هذه الكتب التي أساسها على الاجتهاد، على طريقة أصحاب الرأي، معرضين عن منهج الشاه ولي الله رحمه الله، وزينت تلك الكتب بحواشٍ مفيدة ولكن غلبت عليهم العصبية الطائفية في شرح وتطبيق بعض الأحاديث وتعيين درجتها من الصحة والضعف.
ويبذل قصارى الجهد في إبعاد الطالب عن تأثير ما ورد في المواضع المختلف فيها من الكتاب، والتعليق يكون مخالفاً للمتن، والحديث المعارض للمذهب في نظر المحشي أو المدرس يعرض للتأويل والتوجيه، ولكن الذي حظي بالموافقة لمذهبهم يقبل من غير أن ينظر إلى مرتبته من الصحة والضعف، والغرض من هذا التكلف أن لا يتسع طلبة الحديث فكراً وصدراً بل ينحصروا في حصار خاص، ويتقيدوا بقالب معين، وإذا انبعث فيهم شعور بالنقد والتحقيق فلا يكون إيجابياً ومنتجاً بل سلبياً وجارحاً.
ولو طالع أحد حواشي وتعليقات من هو في الطبقة العليا من فقهاء الهند على كتب الحديث على سبيل المثال، لوجد لما ادعيناه في السطور الأولى أسساً ثابتة فيها، أعني بها حواشي الشيخ أحمد علي السهارنبوري (م1297هـ) على صحيح البخاري، والجامع للترمذي ومشكاة المصابيح، وحواشي الشيخ عبد الغني المجددي (م 1296هـ) ، والشيخ محمد التهانوي على سنن ابن ماجه وسنن النسائي، وحاشية النواب محمد قطب الدين الدهلوي (م 1289هـ) باللغة الأردية على مشكاة المصابيح.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 368)
- 6 -
واستمر على هذا المنهاج في التأليف والتدريس من جاء بعدهم عامة إلا من شاء الله منهم، ولا يخفى أن هذا الوضع قد يشوش أذهان طلاب الحديث، حيث يكون التعليق مخالفاً للمتن، ولذا شعرنا بحاجة إلى حواشي وتعليقات على كتب الأحاديث المتداولة بين المدارس الدينية في بلادنا تحل تلك المشكلة ولا تشوش بنفسها ذهن الطالب، بل تؤيد اتجاه أئمة الحديث وتوضحه، وروعي فيها المعايير المحايدة للمحدثين في الجرح والتعديل والبحث والتمحيص، ولوحظ فيها الأصول الفقهية للشاه ولي الله رحمه الله، واحترم فيها جميع السلف من المحدثين والفقهاء، بدون فرق بين مذهب ومذهب.
وتقع مسؤولية هذا العمل الجليل على عواتق علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية، وقد اعتنوا به شيئاً ما، فحواشي سنن ابن ماجه (1312هـ) ، وسنن أبي داود (1318هـ) للشيخ محمد بن نور الدين الهزاروي التلميذ الراشد للشيخ العلامة حسين بن محسن اليماني البهوبالي (م 1327هـ) طبعت في أصح المطابع بلكنؤ، وحاشية سنن النسائي للشيخ أبي عبد الرحمن محمد البنجابي (م 1315هـ) ، والشيخ أبي يحيى محمد الشاهجهانفوري (م1338هـ) تلميذي المحدث الدهلوي السيد نذير حسين، طبعت في المطبع الأنصاري بدلهي سنة 1315هـ، ويندرج تحتها تنقيح الرواة حاشية على المشكاة للشيخ السيد أحمد حسن الدهلوي (م1328هـ) تلميذ شيخ الكل السيد نذير حسين الدهلوي رحمهم الله، ولكن جمعية أهل الحديث في شبه القارة الهندية قد تعرضت فيما بعد لحوادث - ليس هذا محل تفصيلها -، فتوقف هذا العمل الجليل من جرائها لفترة طويلة، ولكن كل فرد من أفرادها مازال يشعر بالحاجة إليه.
ــ
والغرض من إطالة هذه الحكاية الممتعة للمسامع إزاحة الستار عما يكمن وراء الحوار، والمحادثات والمقترحات التي كانت تمتد إلى ساعات طويلة بيني وبين صديقي المغفور له الحافظ محمد زكريا، وقد لقيته إبان الحرب العالمية الثانية - كما أذكر - حينما كنت مقيماً ببلدة فيروزبور (البنجاب الشرقي) للتدريس والخطابة، وقد كثرت اللقاءات، ووحدة الذوق والفكر دائماً يحدونا إلى اللقاء والمحادثة، وأكبر همنا كان التخطيط لإحياء نهضة سلفنا - عمل نشر علوم الحديث - من جديد.
ــ
وعلى بعد 30 ميلاً من المدينة الصناعية لائل بور (البنجاب الغربي) وفي ناحيتها الغربية الجنوبية تقع قرية تسمى "جهوك دادو طور"، يسكنها العالم الرباني الشيخ محمد الباقر، تلميذ المحدث الحافظ عبد المنان الوزير آبادي (م 1334هـ) ، والمستفيض من علوم ومعارف الشيخ عبد الجبار الغزنوي (م1332هـ) - رحمهما الله وغفر لهما -، وصديقنا المرحوم الحافظ محمد زكريا كان أكبر أولاده، وقد ولد في نفس القرية سنة 1332هـ غالباً -، غيب القرآن وتعلم اللغة الأردية في بيته، وقرأ مبادئ اللغة العربية في قرية قريبة من مديرية شيخوبورة، وأقام مدة يسيرة بمدرسة تقوية الإسلام أمرتسر - البنجاب -، ثم ارتحل إلى كوجرانواله وتتلمذ على الشيخ العلامة الحافظ محمد - حفظه الله ونفع بعلومه -، والشيخ محمد إسماعيل رحمه الله، وقرأ عليهما الصحاح الستة وغيرها من كتب الحديث والعلوم، وحصل منهما الشهادة والإجازة، وبما أنه كان يميل إلى الكتابة والتأليف ونشر الكتب - وهذا هو وجه الرابطة بيني وبينه لأني أيضاً كنت أميل إليه من بدء شعوري - فترجم رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"والوابل الصيب" لابن القيم - رحمهما الله - إلى اللغة الأردية، وطبعها على رغبتي ومشورتي، ثم
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 369)
- 7 -
شرح "زرادي" بالأردية، وسماه "الهادي"، وكذلك طبع مقالتي الوجيزة "الإمام الشوكاني" في سنة 1364هـ، وعلاوة عليها ترجم رسالة للرازي "عصمة الأنبياء"، وشرح كتاب "أبواب الصرف" للشيخ الحافظ محمد اللكهوي، ولم يطبعا بعد.
ولكن واحسرتاه! هذا الشاب الطويل القامة النحيف الجسم، المليء بالعلم والذوق السليم كان مصاباً بمرض المعدة، وازداد مرضه تدريجاً حتى قضى على حياته، وتوفاه الأجل المحتوم في آخر شوال سنة 1368هـ، الموافق أغسطس سنة 1949م - إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد توفي والده الشيخ محمد الباقر أيضاً.
وبعد انقسام شبه القارة إلى الدولتين: الهند والباكستان عام 1366هـ الموافق لعام 1947م هاجرت من فيروزبور الهند إلى باكستان، ولقاء صديقنا هناك كان أمراً طبيعياً، وشعرنا بأنه قد حان موعد تعبير الأحلام التي كنا نحلم بها - وكانت المقترحات والمشورات والمشاريع السابقة مواضيع لقاءنا -، فقررنا إحياء مشروع سلفنا بتحشية وطبع كتب الحديث وما يتعلق بها، وأن نبدأ العمل بمشكاة المصابيح، وطلب مني التعليق عليه فاعتذرت بعدم استعدادي له، وعرضت عليه اسم فضيلة الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري - حفظه الله وبارك في حياته ونفع بعلومه -، فوافق عليه والتمس هو من الشيخ الرحماني المباركفوري - حفظه الله - بالقيام لهذه الخدمة الجليلة الشأن، فقبل الشيخ اقتراحنا بكل بشاشة وفرح، ولكن قدر مدة تكميل العمل بأربع سنوات على الأقل، وبدأ العمل في 1367هـ الموافق 1947م.
ــ
وكنت قد انتقلت ذاك الوقت على طلب مخدومنا الشيخ العلام السيد محمد داود الغزنوي رحمه الله إلى مدرسته تقوية الإسلام في لاهور؛ لأقوم بخدمة التدريس فيها، ونزل الصديق الحافظ محمد زكريا لطباعة بعض الكتب لاهور، وأقام عندي عدة شهور، وشعرنا بأنه لا ينبغي الانتظار لتكميل حاشية المشكاة، بل لابد من بدء عمل آخر، فقررنا طبع سيرة المحدث الدهلوي السيد نذير حسين رحمه الله "الحياة بعد المماة" طباعة ممتازة أنيقة.
وبما أنه كان لا يوجد في ذاك الوقت سنن أبي داود في المكاتب فصممنا على طبعه بتعليق جديد، وبدأت بتأليف "فيض الودود" تعليق سنن أبي داود على إلحاحه، واعتنى هو لتسيير العمل بمساعدة مالية، وفي أثنائه غادر هو لاهور إلى بيته واشتد مرضه، وبعد أيام جاء نعي وفاته المؤلم، اهتز له كل من كان يعرفه، وخاصة كاتب هذه السطور، {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} .
ــ
ومكتبتي التي ضاعت بفيروز بور قد أسستها من جديد بلاهور - باسم المكتبة السلفية، وعمل تأليف فيض الودود تعليق سنن أبي داود، وإن لم يتعدّ على جزئين فقط، ولكن لم تمض فترة إلا أن قيض الله سبحانه وتعالى أسباباً لا نتوقعها لتأليف وطبع كتاب عظيم "التعليقات السلفية على سنن النسائي" في غضون أربع سنوات تحت إشراف وعناية المكتبة السلفية، {وهذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} .
وبعد سنة فصاعداً قد علمنا بأن فضيلة الشيخ عبيد الله الرحماني قد أرسى قواعد شرح جليل لمشكاة المصابيح بدل تعليق بسيط عليه، وأكمل الجزء الأول منه وأرسله إلينا للطبع، وإنها لحقيقة أننا ما كنا مستعدين له في ذاك الوقت؛ لأن جمعية قرية صغيرة ما كانت تستطيع أن تتحمل نفقات الطبع الباهضة، ثم الموانع والمشاكل في كل مرحلة حالت دون
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 370)
- 8 -
طبعه، ولكن الله تعالى بفضله وكرمه أزال جميع الموانع، ووفق عبداً ضعيفاً من عباده أن يوفي بما عهد به صديقه، وذلك من ثمرات إخلاص المغفور له، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
وهل يخفى على أحد الحاجة إلى شرح مفصل للمشكاة؟ ولا شك في أن شرح شيخ مؤلف المشكاة العلامة حسين بن محمد الطيبي (م743هـ) "الكاشف عن حقائق السنن" يعدّ من أحسن الشروح له، لكنه لم يطبع بعد، ويتبعه مرتبة المرقاة لملا علي بن سلطان محمد القارئ (م1014هـ) ، واللمعات للشيخ عبد الحق الدهلوي (م1052هـ) ، وهما شرحان جيدان من حيث جمع المواد المتعلقة بإيضاح المطالب وغيره، ولكن التزم فيهما تمثيل مدرسة خاصة في الفقهيات، ثم إنهما لا يشفيان غليل الباحث في باب تخريج ونقد الأحاديث مع أن الحاجة إليه شديدة في شرح المشكاة خاصة بالفصل الثالث منه. ونظراً إلى ذلك فقد حبذنا عمل فضيلة الشيخ عبيد الله الرحماني بكل سرور وانشراح، فإن الله تعالى قد هيأ أسباباً لملأ فراغ كبير في هذا الباب.
ونحمد الله على إحسانه وكرمه أن مرعاة المفاتيح يعدّ شرحاً عديم النظير غير مسبوق به بما يمتاز به من الأوصاف والخصائص، يحتوي بما في الشروع السابقة ويذكرنا القرن العاشر في باب التحقيق مصداقاً لـ"كم ترك الأول للآخر".
وإن هذا الكتاب لا يفي بحاجة المرقاة واللمعات فحسب، بل يغني عن كثير من الكتب في باب تخريج الأحاديث وتنقيحها - إن شاء الله -، ونتضرع إلى الله تعالى أن يوفق الشارح لتكميل هذا العمل، وينعم عليه بحسن القبول والإفادة العامة.
والحاجة إلى تعليق على المشكاة التي لمسناها لغرض خاص باقية حتى الآن، ولا ندري من يوفق له ومتى؟ والحاشية شبه الشرح للمشكاة "تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة" التي مر ذكرها فوق قد طبع نصفها الأول قبل مدة طويلة، وقد عثرنا على أوراق نصفها الأخير هذه الأيام، ولكنها في حاجة ماسة إلى إعادة النظر فيها، بل شيء من آخرها مخروم ويحتاج إلى كتابتها من جديد، ومن أماني المشرفين على المكتبة السلفية بلاهور طبعها ونشرها في أقرب فرصة.
ولا نزال نلمس الحاجة إلى مشكاة مترجمة تحتوي على مقتضى القديم والحديث مع ترجمتها الموثوق بها، وقد استكمل ترجمة نصفها الأول الشيخ محمد إسماعيل على اقتراح كاتب هذه السطور، ستكون هذه المشكاة المترجمة عديمة النظير إن شاء الله.
ولا يخفى على أحد أن إشاعة ونشر تفسير القرآن الكريم في ضوء الأحاديث والآثار وعلوم الحديث خالصة من واجبات جماعة أهل الحديث التي تمتاز بها، وقد أدى هذا الواجب أسلافها في الماضي القريب بأحسن وجه، وإن العصر الذي نعيش فيه مليء بالمخاطر، والحاجة ماسة إلى دفع مهاجمات ومهاترات المنكرين لحجية الحديث والمتخبطين في ملتويات التأويل والتوجيه، وعمل أصحاب الحديث وأنصاره أضعف بكثير وأبطأ بإزاء دعاية تلك القوى المعارضة، فهل من سبيل لمقاومة هذا السيل العارم، فهل ينظرون في سبيل مقاومة هذا الاتجاه الزائف؟
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
(أبوالطيب محمد عطاء الله حنيف - كان الله له) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 371)
- 9 -
ترجمة الشارح - حفظه الله وبارك في حياته -.
هو أبوالحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين.
ولد في محرم الحرام سنة 1327هـ ببلدة مباركفور التابعة المديرية أعظم كره إحدى مديريات الولاية الشمالية (اتربرديش) في الهند، وتدرس كتب الأردية والفارسية الرائجة في المدارس الأهلية آنذاك في المدرسة العالية ببلدة مئو من بلاد أعظم كره، وكتب النحو والصرف والأدب والفقه والمنطق والهندسة أمثال الكافية لابن حاجب وشرحها لملا جامي وشرح الوقاية ومشكاة المصابيح والسراجية في علم الفرائض وشرح التهذيب وشرح الشمسية المعروف بالقطبي وديوان المتنبي وأقليدس على والده العلامة محمد عبد السلام صاحب سيرة البخاري رحمه الله حينما كان هو مدرساً في مدرسة سراج العلوم بقرية بونديهار من قرى مديرية كونده في الولاية الشمالية، ثم انتقل مع والده رحمه الله إلى دار الحديث الرحمانية بدلهي، وكمل دراسته هناك، وتخرج على أيدي الأساتذة المتخصصين في كل فن من فنون العلم، فدرس من كتب الحديث الصحيحين للإمامين البخاري ومسلم، والموطأ للإمام مالك على العلامة المحدث الشيخ أحمد الله البرتابكرهي ثم الدهلوي رحمه الله، تلميذ الشيخ السيد نذير حسين المحدث الدهلوي، والشيخ حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي، وقد كتب هو له الإجازة برواية كتب الحديث، وهي محفوظة عندنا، وكتب العلوم العقلية الآلية من المنطق والفلسفة والهيأة وعلم الكلام وكتب الفقه مع أصوله كشرح هداية الحكمة للصدر الشيرازي، والشمس البازغة وشرح السلم للمولوي حمد الله والقاضي مبارك، وشرح العقائد النسفية وشرح المواقف والتصريح وشرح الجغميني وشرح المطالع ومسلم الثبوت والتلويح مع التوضيح والجزأين الأخيرين من الهداية والتفسير للبيضاوي على العلامة الشيخ غلام يحيى الكانبوري، ونور الأنوار وتفسير الجلالين وجامع الترمذي والمقامات الحريرية وديوان الحماسة على الشيخ الحافظ عبد الرحمن النكرنهسوي، والهدية السعيدية وسنن أبي داود على الشيخ أبي طاهر البهاري، والمقدمة لابن خلدون وشيئاً من الشمس البازغة على العلامة الشيخ عبد الغفور الجيراجبوري، والفوز الكبير في أصول التفسير على الشيخ محمد إسحاق الآروي، ودرس أيضاً صدراً من شرح المطالع على العلامة الشيخ عبد الوهاب الآروي، وشيئاً من تفسير البيضاوي على العلامة المحدث محمد الكوجرانوالي البنجابي، وحصل شهادة العالمية من المدرسة الرحمانية سنة خمس وأربعين بعد الألف وثلاثمائة 1345 من الهجرة، وقرأ أيضاً في أيام العطلة المدرسية أوائل جامع الترمذي، وقدراً معتداً به من شرح النخبة ومقدمة ابن الصلاح والسراجية في علم الفرائض على الإمام المحدث الشيخ عبد الرحمن المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي رحمه الله في بيته، وأجاز له الشيخ رحمه الله برواية كتب الحديث شفاهاً.
ونظراً إلى ذكائه ونجاحه في الاختبار دائماً بالدرجة الممتازة عينه الشيخ عطاء الرحمن صاحب دار الحديث الرحمانية والمشرف الوحيد عليها والمتكفل لجميع ما تحتاج إليها من النفقات مدرساً فيها في نفس السنة التي تخرج فيها.
وكما هو معلوم لدى الإخوان أن الشيخ الأجل المحدث المباركفوري قد كف بصره قبل أن يكمل شرحه - تحفة الأحوذي -، وكان بحاجة إلى عالم له مناسبة خاصة بعلوم الحديث وفنونه، يساعده في عمله ذاك، فاختار الشيخ المباركفوري رحمه الله لذلك فضيلة والدنا الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري لمساعدته، فأرسله الشيخ عطاء الرحمن على اقتراح الشيخ
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 372)
- 10 -
المباركفوري رحمه الله إليه، فقضى لديه سنتين خير مساعد له في تكميل الجزئين الأخيرين لشرح جامع الترمذي - تحفة الأحوذي - مع زميله الفاضل الشيخ عبد الصمد المباركفوري، والعالم الشيخ محمد اللاهوري البنجابي، وقرأ عليه أطرافاً من الصحاح الستة وغيرها، وبذل جهده في الاستغراف من بحار علومه والتأدب بآدابه والاستفادة من فوائده، ثم استدعاه الشيخ عطاء الرحمن للتدريس في دار الحديث الرحمانية ، وفوض إليه تدريس كتب الحديث، خاصة جامع الترمذي وسنن أبي داود والصحيح الإمام البخاري والموطأ للإمام مالك مع خدمة الإفتاء، فاشتغل به إلى أن انقسم الهند إلى الدولتين: الباكستان والهند في أغسطس عام 1947م الموافق لعام 1366هـ، وقفلت دار الحديث الرحمانية لأجل هجرة مشرفه الشيخ عبد الوهاب نجل الشيخ عطاء الرحمن - رحمهما الله - إلى كراتشي (الباكستان) .
وهو مرجع للمسلمين فيما يشكل عليهم من الأمور الدينية والمسائل الشرعية؛ لما أن فتاواه تكون مدعمة بالدلائل من الكتاب والسنة، ولا يبالي في ذلك لومة لائم، وقد طبع كثير منها في مجلتي "محدث" و"مصباح" وغيرهما.
وقد بدأ تأليف شرح المشكاة - مرعاة المفاتيح - الذي بأيدي القارئين في عام 1948م الموافق لعام 1367هـ بأمر الحافظ محمد زكريا اللائلبوري رحمه الله، وأمر والده التقي الورع الزاهد الشيخ محمد باقر - أطال الله حياته -، وهو إلى الآن مشتغل به حسبما تسنح له فرصة، ويجد إفاقة من الأمراض التي لازمته من مدة طويلة - عجل الله شفاءه ووفقه لخدمة سنة رسوله وتكميل الشرح -، إلى جانب رده على المسائل التي ترد إليه كل يوم، وله بحوث قيمة في بعض المسائل طبعت في أجزاء، منها "بيان الشرعة في بيان محل أذان خطبة الجمعة"، عين فيها محل أذان خطبة الجمعة من المسجد، وبحث بسيط في عقد التأمين، وغير ذلك.
وقد وفقه الله لزيارة الحرمين الشريفين أربع مرات: الأولى في رمضان سنة 1366هـ الموافق لعام 1947م مع العلامة الشيخ خليل بن محمد بن حسين بن محسن الأنصاري، وفدا إلى المغفور له الملك عبد العزيز - برد الله مضجعه -، في شأن مدرسة دار الحديث الأهلية بالمدينة المنور، فقابل الوفد المغفور له الملك عبد العزيز ونائبه في الحجاز إذ ذاك جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز - حفظه الله -، ولقي في الرياض الشيخ محمد بن عبد اللطيف ومحمد بن إبراهيم وعمر بن حسن، وفي الطائف عبد الله بن حسن آل الشيخ، وفي المدينة عبد الله بن مزاحم وغيرهم من المشايخ، واعتمر أولاً في آخر رمضان ثم في شوال حين رجوعه من المدينة، ورجع الوفد بعد قضاء مهمته ونجاحه فيها في أوائل ذي القعدة في نفس السنة، ثم إن والدنا الشارح - طالت حياته في صحة وعافية - قد أدى فريضة الحج عام 1375هـ الموافق لعام 1956م عن نفسه، وبعده في عام 1382هـ الموافق لعام 1963م وعام 1391هـ الموافق لعام 1971م نيابة، تقبل الله حجه ومد في أجله ووفقه لإتمام عمله، آمين.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 373)
- 11 -
بيان بعض ميزات الشرح وخصائصه
الكتاب بأيدي الناظرين والعيان أصدق شاهد، فلا حاجة إلى التنبيه على ما التزمه الشارح - حفظه الله وبارك في حياته - فيه من الأمور التي لا بد من مراعاتها في شرح مشكاة المصابيح، وما أودعه من بدائع الفوائد الجليلة ونفائس الأبحاث الممتعة التي لا غنى لأحد ممن يشتغل بالحديث تدريساً وقراءة، ولكن لا بأس أن نشير إلى لمعة من خصائصه ونذكر بعض ميزاته؛ ليكون من أول الأمر بصيرة لأولي الأبصار، فيقع في قلوبهم بانشراح وارتياح، ولو قلنا: إن الأمور التي راعاها المؤلف في هذا الشرح الجليل لا توجد مجتمعة في شرح آخر من شروح المشكاة لم يكن فيه شيء من المبالغة أصلاً، وهاك بعض ميزاته:
1- وضع المؤلف - طال بقاؤه - أرقاماً مسلسلة لأحاديث الكتاب؛ ليكون حصراً صحيحاً لأحاديثه، ولأن عد الأحاديث بالأرقام المسلسلة خير الطرق لنشر كتب الحديث وشروحها في هذا العصر، ولتكون هذه الأرقام المسلسلة كالأعلام للحديث، ثم وضع بجنبها أرقاماً مسلسلة لأحاديث كل باب على حدة وجعلها بين القوسين () ؛ ليمتاز عن الرقم المسلسل لأحاديث الكتاب، ولا يخفى فائدة هذا العمل على القارئ والباحث.
2- وضع أربع فهارس: أحدها فهرس الكتب والأبواب والفصول حسب ما وقع في المشكاة. وثانيها: فهرس الأحاديث مع أبوابها وفصولها مع أرقامها المسلسلة وبعض أبحاث الشرح المهمة. ثالثها: فهرس الأعلام للصحابة والتابعين وغيرهم ممن لهم ذكر أو رواية في كتاب المشكاة، وللأئمة أصحاب الأصول المذكورين في أول المشكاة. رابعها: فهرس للأماكن التي ورد ذكرها في متن الحديث مرتباً على حروف المعجم، وقد جعل فهارس هذا الجزء في أوله مع بيان رقم الصفحة، وهكذا يفعل في بقية الأجزاء، إن شاء الله تعالى.
3- كتب ترجمة كل علم من الصحابة والتابعين وغيرهم بقدر الحاجة في أول موضع ذكر فيه من المشكاة، وكذا وصف كل مكان في أول موضع وقع فيه.
4- أوفى القول في توضيح الأحاديث وتشريحها، وذكر من معاني الأحاديث المشتملة على مسائل الفقه والكلام ما هو الصحيح الراجح المعول عليه عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين وفقهاء المحدثين رضي الله عنهم، وكثيراً ما أطنب الكلام في الرد على التأويلات الواهية المزخرفة التي اخترعها أهل الهوى من المبتدعين والمقلدين الجامدين المتعصبين لصوغ الأحاديث النبوية على مسالكهم الزائغة وأهوائهم الباطلة.
5- أجاب بأحسن وجه عن المطاعن التي يوردها المقلدون على مسالك فقهاء أهل الحديث في شروحهم وحواشيهم وتعليقاتهم على كتب الحديث.
6- ذكر اختلاف الفقهاء وأقوالهم في مسائل الخلاف مع سرد حجج هذه الأقوال، ثم عين القول الراجح المعول عليه عنده، وأيّده بالأحاديث والآثار، وأجاب عن دلائل الأقوال المرجوحة بوجوه متعددة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 374)
- 12 -
7- اعتنى بحل الإشكالات ودفع المعارضات عناية تامة.
8- أشار عند البحث في بعض المسائل إلى مظانها من الكتب المطولة من شرح الحديث والفقه الجامع والسنن والمسانيد والجوامع والمعاجم والرجال مع أرقام الصفحات؛ لكي يسهل الرجوع إليها لمن يريد التوسع في الكلام، وصنع هذا حيث رأى أنه لو بسط القول فيه على الوجه الذي أراد أفضى ذلك إلى التطويل الذي لا يحتمل، والإطناب الذي يوقع في الضجر والملال.
9- التزم تخريج ما أورده المؤلف في الفصل الأول والثالث من أحاديث الصحيحين أو أحدهما إن اشترك فيها الغير من أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم، والتزم أيضاً أن يخرج أحاديث الفصل الثاني والثالث، من روايات غير الشيخين إن رواها غير من سماه المؤلف، واستدرك أيضاً ما وقع من المؤلف من ترك البياض بعد ذكر الحديث دون عزوه لأحد، فبين الشارح من أخرجه.
10- وفي كثير من مثل هذا يذكر تلك الكتب بقيد الباب والصفحة.
11- التزم الكلام على أحاديث غير الصحيحين وانتقادها حسب ما تيسر وسنح له وبين درجتها من الصحة أو الضعف، معتمداً في كل ذلك على كلمات أئمة هذا الفن الجليل الشأن.
12- أشار إلى ما وقع للمؤلف من الأوهام والأخطاء في سوق ألفاظ الحديث، وفي وضع حديث الصحيحين أو أحدها في الفصل الثاني، وحديث غيرهما في الفصل الأول، وفي تخريج بعض الأحاديث، وغير ذلك مما أخذه الشارح على المؤلف واستدركه عليه، لا يخفى على من طالع الشرح بالإمعان.
13- عنى بذكر الأحاديث والآثار المؤيدة لأحاديث غير الصحيحين مع بيان درجتها من الصحة أو الضعف، وربما أشار إليها بقوله: وفي الباب عن فلان عند فلان، وعن فلان عند فلان.
14- سرد الحديث بتمامه إن ذكره المؤلف مختصراً.
هذا، وغير ذلك من المحاسن التي تظهر لمن يطالع الكتاب بإمعان النظر، والله الموفق.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 375)
- 13 -
تحفة أهل الفكر في مصطلح أهل الأثر
جمعها وألفها
عبد الرحمن بن عبيد الله الرحماني المباركفوري
خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 376)
- 15 -
بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة لطيفة في بيان مصطلحات علم الحديث مما لا بد لطالب الحديث أن يحفظها قبل الشروع في قراءة كتب الحديث، وأن يستحضرها عند الخوض في هذا الفن الجليل، وقد ذكرناها من غير تطويل وإطناب لتقاصر الهمم، ومن شاء البسط والتفصيل رجع إلى الكتب المبسوطة في علم مصطلح الحديث، وبالله التوفيق.
ــ
علم الحديث، غايته، وثمرته، وأنواعه.
علم الحديث: هو علم يعرف به أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله.
موضوعه: ذات الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث أنه رسول الله، لا من حيث أنه إنسان.
غايته وثمرته: الفوز بسعادة الدارين.
… وعلم الحديث بإطلاقه عام كلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1- العلم برواية الحديث. 2- علم مصطلح الحديث. 3- العلم بدراية الحديث.
(1) العلم برواية الحديث: هو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى من دونه من الصحابي أو التابعي قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة.
(2) علم مصطلح الحديث: هو علم بأصول وقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث الرد والقبول.
موضوعه: السند والمتن من حيث الرد والقبول.
غايته وثمرته: تمييز ما يقبل من ذلك وما يرد، ومعرفته.
اسمه: علم مصطلح الحديث، ويسمى أصول الحديث، وعلوم الحديث.
(3) العلم بدراية الحديث: هو علم يبحث فيه عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مبنياً على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقاً لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
موضوعه: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث دلالتها على المعنى المفهوم والمراد.
غايته: التحلي بالآداب النبوية والتخلي عما يكرهه وينهاه.
واعلم أنه قسم كل قسم من الأقسام المذكورة إلى أقسام يسمى كل واحد منها باسم، ومن أراد معرفة ذلك رجع إلى الكتب المبسوطة في علم أصول الحديث.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 378)