- 36 -
(1) العلو المطلق: هو ما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدد قليل بالنسبة إلى سند آخر ورد به ذلك الخبر بعدد كثير، وضده النُزول المطلق.
(2) العلو النسبي: هو ما انتهى سنده إلى إمام من أئمة الحديث كشعبة ومالك والبخاري وأحمد ومسلم مثلاً بعدد قليل بالنسبة إلى سند آخر ورد به ذلك الخبر بعدد كثير، وضده النُزول النسبي.
… وإنما كان العلو مرغوباً فيه عند المحدثين لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان تجويز الخطأ، وكلما قلت قلت.
… وإذا كانت في السند النازل مزية ليست في العالي كأن يكون رجاله أوثق منه أو أحفظ أو أفقه أو الاتصال فيه أظهر فلا تردد في أن السند النازل أولى من العالي.
… وتتفرع من العلو النسبي أربعة أنواع: (1) الموافقة (2) البدل (3) المساواة (4) المصافحة.
الموافقة: هي أن يصل الراوي إلى شيخ أحد من المصنفين من غير طريقه مع علو إسناده على إسناد المصنف، كأن يكون مسلم مثلاً روى حديثاً عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فترويه أنت بإسناد آخر عن يحيى بعدد أقل مما لو رويته من طريق مسلم، فقد حصلت لك الموافقة مع مسلم في شيخه يحيى مع علو الإسناد على الإسناد إليه.
البدل: ويسمى الإبدال، وهو أن يصل إلى شيخ شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، وصورته في المثال السابق أن ترويه بإسناد آخر عن مالك، أو عن نافع، أو عن ابن عمر بعدد أقل أيضاً، فيكون تلميذ مالك في هذا الإسناد الآخر بدلاً عن يحيى، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى الشيخ الذي يجتمع فيه إسنادك بإسناد مسلم كمالك ونافع.
المساواة: وهي تساوي عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين، كأن يروي النسائي مثلاً حديثاً بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد عشر نفساً، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بسند آخر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقع بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم فيه أحد عشر نفساً، فنساوي النسائي من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص.
قال السيوطي: ولا يوجد ذلك الآن في حديث بعينه، بل يوجد التساوي في مطلق العدد، والعلو في تلك المساواة غير ظاهر، إلا أن يقال: إن العلو فيها باعتبار أن الراوي لو روى عن أحد المصنفين للكتب المذكورة لكان العدد أكثر.
المصافحة: هي أن يستوي عدد رجال الإسناد من الراوي إلى آخر الإسناد مع إسناد تلميذ أحد المصنفين، أو هي أن تقع المساواة للراوي مع تلميذ أحد المصنفين على الوجه المشروح، وسميت بذلك لأن العادة
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 399)
- 37 -
جرت في الغالب بالمصافحة بين المتلاقين، فكأن الراوي لقي المصنف وصافحه، ومثالها يفهم مما ذكر في المساواة قبلها.
… والنُزول أيضاً أقسام كالعلو، ويقابل كل قسم منها قسماً من أقسام العلو.
رواية الأقران: القرينان هما المتقارنان في السن والأخذ عن المشايخ، ورواية الأقران: هي أن يروي قرين عن قرينه كرواية سليمان بن مهران الأعمش عن سليمان بن طرخان التيمي وهما قرينان، وبعبارة أخرى: هي أن يشترك تلميذان في الرواية عن شيخ، ويكون أحد التلميذين قد روى عن زميله وقرينه.
المدبج: بفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة، مأخوذ من ديباجتي الوجه، وهما الخدان لتساويهما وتقابلهما، وهو اصطلاحاً: أن يشترك التلميذان في الرواية عن شيخ، ويكون كل واحد من التلميذين قد روى عن الآخر، كرواية عائشة عن أبي هريرة ورواية أبي هريرة عنها، وكرواية مالك والأوزاعي، ورواية أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، كلٌ عن الآخر.
… والمدبج أخص مطلقاً من رواية الأقران، ومن فوائد معرفة هذا النوع الأمن من أن يظن زيادة في السند، أو يظن إبدال "عن" بالواو.
رواية الأكابر عن الأصاغر: هو أن يروي الراوي عمن هو دونه في السن أو في مقدار الحفظ والعلم أو في كليهما، كرواية الزهري عن مالك، ورواية مالك عن عبد الله بن دينار.
… ومن هذا النوع رواية الآباء عن الأبناء، ورواية الصحابة عن التابعين، والشيخ عن تلميذه.
… ومن فوائد هذا النوع دفع توهم الانقلاب في السند؛ لأن الغالب رواية الأصاغر عن الأكابر.
رواية الأصاغر عن الأكابر: هي رواية الشخص عمن فوقه في السن أو في قدر العلم والحفظ، وهي الأصل والطريقة المسلوكة المألوفة غالباً، ومن هذا النوع رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد.
السابق واللاحق: هو أن يشترك اثنان متقدم ومتأخر موتاً في الرواية عن شيخ واحد مع التباعد بين وفاتيهما، مثال ذلك الإمام مالك روى عنه الزهري وتوفي سنة 124هـ، وأحمد بن إسماعيل السهيمي وتوفي سنة 259هـ، وبين وفاتيهما مائة وخمسة وثلاثون سنة، فالزهري يقال له السابق والسهيمي يقال له اللاحق.
… ومن فوائد معرفة هذا النوع الأمن من أن يظن سقوط شيء من إسناد المتأخر، أي انقطاعه.
المهمل: هو أن يروي الراوي عن اثنين متفقين في الاسم فقط، أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجد، أو مع النسبة، ولم يتميزا بما يخص كل واحد منهما، فإن كانا ثقتين لم تضر الجهالة بهما، وإن كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً ضرت الجهالة، مثال الأول: ما وقع من البخاري في روايته عن أحمد غير منسوب عن ابن وهب، فإنه إما أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى، وكلاهما ثقة، ومثال الثاني: سليمان بن داود الخولاني، وهو ثقة، وسليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 400)
- 38 -
والفرق بين المبهم والمهمل أن المبهم لم يذكر اسمه، وأما المهمل فذكر اسمه لكن مع الاشتباه.
من حدث ونسي
من حدث ونسي: هو أن ينكر الشيخ رواية ما حدث به تلميذه عنه، فإن كان الإنكار بصيغة الجزم واليقين كأن يقول: كذب علي، أو ما رويت له ذلك، أو كذبت علي، أو ما حدثتك بهذا، فحكمه رد تلك الرواية، ولا يكون ذلك قادحاً في عدالة واحد منهما، إذ ليس أحدهما أولى بالطعن فيه من الآخر، وإن أنكر على سبيل التردد والشك كأن يقول: ما أذكر هذا، أولا أعرفه، أو نحو ذلك، فيقبل هذا المروي محمولاً على نسيان الشيخ وتذكر التلميذ، إذ المثبت الجازم مقدم على النافي المتردد.
المسلسل: هو ما اتفق رواته في صيغ الأداء أو غيرها من الصفات والحالات، كمسلسل التشبيك باليد والمصافحة والقبض على اللحية.
… وحالات الرواة أفعالهم وأقوالهم، وحالات الرواية ما يتعلق بصيغ الأداء أو بزمنها ومكانها.
… وهو نوع واسع جداً، ومن فوائده اشتماله على مزيد الضبط من رواته، وصيغ الأداء على ثمان مراتب:
صيغ الأداء: (1) سمعت وحدثني (2) ثم أخبرني وقرأت عليه (3) ثم قرئ عليه وأنا أسمع (4) ثم أنبأني. (5) ثم ناولني (6) ثم شافهني بالإجازة (7) ثم كتب إلي بالإجازة (8) ثم عن ونحوها مثل "قال" و"ذكر" و"روى".
تحمل الحديث وأداؤه
تحمل الحديث: هو روايته وأخذه عن المشايخ، ويشترط في الأصح في ذلك اعتبار الفهم والتمييز.
الأداء: هو تحديث الشيخ تلاميذه بما كان قد تحمله، ويشترط فيمن يحتج بروايته العدالة والضبط، وقد تقدم معنى الضبط والعدالة.
طرق تحمل الحديث وصيغ الأداء
(1) السماع من لفظ الشيخ: وهو أعلى طرق تحمل الحديث، وكيفيته: أن يقرأ الشيخ من كتابه أو حفظه والطالب يسمع إملاء أو غير إملاء، ويقول في الأداء: سمعت أو حدثني، واللفظ الأول - أي سمعت - أصرح في التعبير عن سماع قائله؛ لأنه لا يحتمل الواسطة، وأما حدثني فقد استعملت في الإجازة تدليساً، وأرفع صيغ الأداء وأعلاها ما وقع منها في الإملاء؛ لما فيه من تثبت الشيخ وتيقظ الطالب وانتباهه فهما لذلك أبعد من الغفلة وأقرب إلى التحقيق، وقوله "سمعت وحدثني" يدلان على أن الراوي وحده سمع من لفظ الشيخ، فإنه شاركه غيره قال: سمعنا أو حدثنا، وأما الصيغة الثالثة: أي أخبرني، والرابعة: أي
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 401)
- 39 -
قرأت عليه، فهما للقراءة على الشيخ كما سيأتي، وهما تدلان على أن التلميذ قرأ على الشيخ بنفسه، فإن جمع فقال: أخبرنا أو قرأنا عليه فهي كقوله: قرئ عليه وأنا أسمع، فإنه يدل على أن غير الراوي شاركه في القراءة والعرض على الشيخ.
… ولا فرق بين التحديث والإخبار لغة، أما في اصطلاح المحدثين فالشائع عندهم التفريق بينهما بتخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ، والإخبار بالعرض والقراءة عليه.
(2) القراءة على الشيخ: ويسميها البعض عرضاً؛ لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه، سواء قرأ الطالب بنفسه على الشيخ من حفظه أو كتابه، أو قرأ عليه غيره وهو يسمع، وسواء أكان الشيخ حافظاً لما يقرأ عليه أو لا، ولكن أمسك أصله هو أو ثقة غيره، ويقال في الأداء: قرأت على فلان، أو قرئ على فلان وأنا أسمع، ويجوز له أن يعبر بما سبق من صيغ الأداء بشرط أن يقيد بالقراءة لا مطلقاً، نحو حدثني فلان قراءة عليه.
… واختلف في أن العرض مساوٍ للسماع من لفظ الشيخ رتبة أو فوقه أو دونه، والراجح أن العرض دون السماع من لفظ الشيخ.
… والإنباء عند متقدمي المحدثين بمعنى الإخبار، أما عند متأخريهم فللإجازة كعن فإنها في اصطلاحهم للإجازة.
… وعنعنة المعاصر محمولة على سماعه ممن عنعن عنه إلا أن يكون معروفاً بالتدليس فيشترط فيه ثبوت اللقاء بين الراوي والمروي عنه ولو مرة واحدة على المذهب المختار؛ ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي.
(3) الإجازة: وهي الإذن في الرواية لفظاً أو كتابة، أي إذن الشيخ لتلميذه بأن يروي عنه مسموعاته، وإن لم يسمعها منه أو يقرأها عليه، وهي أنواع:
1- منها: الإجازة لمعين بمعين، نحو أجزتك أن تروي عني صحيح البخاري، ولا يناوله إياه، وهي أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة، ولا خلاف في جواز الرواية بذلك والعمل بها.
2- ومنها: الإجازة لمعين بغير معين، نحو أجزتك رواية مسموعاتي.
3- ومنها: الإجازة لغير معين بمعين، نحو أجزت لمن أدركني رواية صحيح مسلم.
4- ومنها: الإجازة لغير معين بغير معين، نحو أجزت لأهل زماني رواية مسموعاتي.
5- ومنها: الإجازة لمعدوم تبعاً لموجود، نحو أجزت لفلان ومن يولد بعد بكذا.
… وفي جواز الرواية بهذه الأنواع كلها خلاف ما عدا الأول.
المشافهة: هي أن يشافه الشيخ تلميذه بالإذن له بالرواية عنه، ويقول في الأداء: شافهني بالإذن، فتستعمل المشافهة في الإجازة المتلفظ بها دون الإجازة بالمكاتبة، وإنما يقال فيها: كتب إلي.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 402)
- 40 -
(4) المناولة: وهي إعطاء الشيخ الطالب شيئاً من مروياته، وهي نوعان:
1- المناولة المقرونة بالإجازة: وهي أن يناول الشيخ الطالب أصله أو فرعاً مقابلاً به، أو يحضر الطالب أصل الشيخ ويقول له الشيخ: هذا روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته.
… وشرطه أن يمكّن الشيخ الطالب على أصله تمليكاً بالبيع أو الهبة أو عارية لينقل عنه ويقابل عليه ثم يرده، وأما إذا ناوله الأصل وأذن له بالرواية عنه ثم استرده في الحال فلا مزية لها على الإجازة المعينة؛ لعدم احتواء الطالب على الكتاب المجاز به، وقد تقدمت صورة الإجازة المعينة.
2- المناولة المجردة عن الإجازة: بأن يناوله أصله أو ما قام مقامه مقتصراً على قوله: هذا سماعي أو روايتي عن فلان، ولم يعتبر بها عند الجمهور.
… وصورة الأداء بالإجازة أو المناولة: حدثني فلان إجازة، أو مناولة، وكذا أخبرني إجازة، أو مناولة، أو نحو ذلك.
(5) المكاتبة: وهي أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر أو غائب، سواء كتب بخطه أم كتب عنه بأمره، وهي نوعان أيضاً: (1) مقرونة بالإجازة، وهي في الصحة والقوة مثل المناولة المقرونة بالإذن. (2) مجردة عنها، فهي في الحكم كالمناولة المجردة عن الإذن.
… وصورة الأداء: حدثني فلان مكاتبة، أو كتب إلي فلان، أو نحو ذلك.
(6) الإعلام: وهو أن يقول الشيخ للطالب: إن هذا الكتاب أو الحديث من مسموعاتي عن فلان.
(7) الوصية: وهي أن يوصي الشيخ عند موته أو سفره لشخص معين بكتاب مروي له، ويقال في الأداء: أوصى إلي فلان، أو حدثني فلان وصية.
(8) الوجادة: وهي أن يجد الطالب كتاباً أو حديثاً بخط يعرف كاتبه، فيقول في الأداء: وجدت بخط فلان كذا وكذا، أو قرأت بخط فلان كذا وكذا، والمروي بالوجادة من قبيل المنقطع الذي فيه شائبة الاتصال.
… ويشترط لصحة الرواية بكل من الإعلام والوصية والوجادة أن يكون مقروناً بالإجازة والإذن بالرواية على الصحيح، وإلا فلا عبرة بها كالإجازة العامة في المجاز له.
الإجازة العامة في المجاز به: كأن يقول الشيخ لتلميذه: أجزت لك أن تروي عامة مروياتي، وما أشبه ذلك، وتقبل على الأصح.
الإجازة العامة في المجاز له: وهي أن يقول الشيخ: أجزت لجميع المسلمين أو لمن أدرك حياتي أو نحوه، فلا عبرة بها على الأصح عند المحدثين.
المتفق والمفترق: هو أن تتفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم فصاعدا أو كناهم أو أنسابهم وتختلف أشخاصهم، كالخليل بن أحمد - يطلق على جماعة، منهم النحوي صاحب العروض، ومنهم المزني.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 403)
- 41 -
وفائدة معرفة هذا النوع الأمن من اللبس، فربما يظن الأشخاص شخصاً واحداً كما وقع لجماعة.
المؤتلف والمختلف: هو أن تتفق أسماء الرواة خطاً وتختلف نطقاً، سواء كان مرجع الاختلاف النقط أو الحركات، كسلَام وسلاّم، ومِسوَر ومُسوِّر.
… وفائدة هذا النوع الأمن من التصحيف والتحريف.
المتشابه: هو أن تتفق أسماء الرواة نطقاً وخطاً وتختلف أسماء آبائهم نطقاً لا خطاً، وسمي بذلك لتشابهه بالنوعين اللذين قبله؛ لأنه مركب منهما، نحو محمد بن عَقِيْل ومحمد بن عُقَيْل، أو بالعكس نحو شريح بن النعمان، وسريج بن النعمان، ويتركب من المتشابه ومما قبله من المؤتلف والمختلف أنواع.
معنى الطبقة ومراتب الجرح والتعديل
الطبقة: عبارة عن جماعة اشتركوا في السن واللقي الذي هو الأخذ عن المشايخ، مثل الصحابة والتابعين.
… وفائدة معرفة طبقات الرواة الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الوقوف على تبيين التدليس والاطلاع على حقيقة المراد من العنعنة.
… وللجرح مراتب أسوأها الوصف بما دل على المبالغة، مثل قولهم: فلان أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الوضع، أو هو ركن الكذب، أو معدنه، أو نحو ذلك، ثم دجال، أو كذاب، أو وضاع، أو يضع الحديث، أو يكذب.
… وأسهل الألفاظ الدالة على الجرح قولهم: فلان لين، أو سيء الحفظ، أو فيه أدنى مقال.
… وبين أسوأ الجرح وأسهله مراتب، مثل قولهم: فلان متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث، وهي أشد من قولهم فلا ضعيف، أو ليس بالقوي، أو فيه مقال.
… وأرفع مراتب التعديل الوصف بما دل على المبالغة فيه، كالوصف بأفعل، مثل فلان أوثق الناس، وكذا قولهم: فلان إليه المنتهى في التثبت، ثم ما تأكد بصفة أو صفتين من الصفات الدالة على التعديل، مثل: ثقة ثقة، أو ثقة حافظ، أو عدل ضابط.
… وأدنى مراتب التعديل ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح، مثل قولهم: فلان شيخ، يروى حديثه، ولا بأس به، ونحو ذلك.
… واعلم أنهم اختلفوا في عدد مراتب ألفاظ التجريح والتعديل وبيانها وترتيبها، فجعل ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل وتبعه ابن الصلاح في مقدمته، لكل منهما أربع مراتب، وجعل العراقي في شرح ألفيته خمس مراتب، والسخاوي في شرح الألفية، والسندي في شرح النخبة ست مراتب، من أحب الوقوف عليها وعلى أحكامها رجع إلى الكتب المذكورة وغيرها من الكتب المبسوطة في أصول الحديث.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 404)
- 42 -
التعديل والتزكية تقبل إذا صدرت من عارف بأسبابها ولو كان واحداً على الأصح، ويقدم الجرح على التعديل إذا تعارضا؛ لأن المجرح معه زيادة علم خفيت على المعدل، ولكن يشترط لتقديم الجرح على التعديل أن يكون الجرح مفسراً ومبيناً، ويصدر من عارف بأسبابه؛ لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته، وإن كان صادراً من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً، فإن خلا عن التعديل قبل مجملاً غير مبين السبب.
ومن الأمور المهمة فيما يتعلق بالرواة معرفة طبقاتهم ومواليدهم ووفياتهم وأحوالهم.
1- ومنها معرفة كنى المسمين ممن اشتهر باسمه وله كنيته لئلا يظن أنه آخر.
2- ومعرفة من اشتهر بكنيته وله اسم.
3- ومعرفة من كنيته اسمه.
4- ومعرفة من كثرت كناه.
5- ومعرفة من اختلف في كنيته.
6- ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه.
7- ومعرفة من وافق اسمه كنية أبيه.
8- ومعرفة من وافق اسم شيخه اسم أبيه.
9- ومعرفة من وافق اسم الراوي عنه اسم شيخه.
10- ومعرفة من اتفق اسمه اسم أبيه واسم جده.
11- ومعرفة من اتفق اسمه واسم شيخه واسم شيخ شيخه.
12- ومعرفة من نسب إلى غير أبيه.
13- ومعرفة من نسب إلى أمه.
14- ومعرفة من نسب إلى غير ما يسبق إلى الذهن والفهم.
15- ومعرفة المفردة من الأسماء والكنى والأنساب: وهي التي لم يشارك صاحبها أحد في التسمية والكنية واللقب، أي التي لم يسمع بها إلا واحد.
16- ومعرفة الأنساب والألقاب، والنسبة تقع تارة إلى القبائل، وتارة إلى الأوطان، وقد تقع إلى الصنائع والحرف والعاهات.
… وقد تقع الأنساب ألقاباً، ومن المهم أيضاً معرفة أسباب الألقاب والأنساب، إذ قد تكون على خلاف الظاهر.
17-
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 405)
- 43 -
ومنها معرفة الموالي من الرواة، والولاء ثلاثة أنواع:
(1) ولاء العتاقة، وهي الأكثر، وكثير من الرواة نسب إلى قبيلة معتقه.
(2) ولاء بالإسلام: وهو أن يسلم رجل على يد رجل آخر فينسب إلى قبيلته.
(3) ولاء بالحلف - بالكسر - وهي المعاقدة والمعاهدة على التناصر والتآزر، ولفظ المولى مشترك بين المولى الأعلى، هو المعتق - بالكسر -، والمحالف - بالفتح -، ومن أسلم على يديه غيره، وبين المولى الأسفل وهو العتيق، والمحالف - بالكسر -، والمسلم على يد الغير.
18- ومنها معرفة الإخوة والأخوات؛ للأمن من اللبس والسلامة من أن يظن المتعدد واحداً، أو يظن غير الأخ أخاً للاشتراك في اسم الأب، وارجع لأمثلة ذلك كله إلى الكتب المبسوطة في علم مصطلح الحديث.
الرحلة في طلب الحديث، وكيفية كتابته وتصنيفه
صفة كتابة الحديث: هي أن يكتبه بخط واضح جلي مبيناً مفسراً، ويشكّل المشكل منه، وينقط ويكتب الساقط من أصله على الحاشية اليمنى إن أمكن وإلا ففي اليسرى، ولا يكتب بين الأسطر.
الرحلة في طلب الحديث: ينبغي للطالب قبل الرحلة أن يبدأ بحديث أهل بلدته فيستوعبه، ثم يرحل لتحصيل ما ليس عنده من المتون والأسانيد، ويكون اعتناؤه بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ.
سماع الحديث: أن يكون الطالب يقظاً عند سماع الحديث من لفظ الشيخ أم القراءة عليه، وأن لا يتشاغل بما يخل من كلام أو قراءة أو كتابة شيء غير المسموع.
عرض الحديث: هو أن يقابل الطالب مع الشيخ سواء كان مع الشيخ أصله أم عول على حفظه، أو يقابل مع ثقة غيره، أو يقابل بنفسه على أصل الشيخ أو فرع مقابل عليه.
إسماع الحديث: هو أن يكون الشيخ يقظاً وقت الإسماع والتحديث، غير مشغول بما يخل، وأن يكون أداؤه من أصله الذي سمع فيه، أو من فرع مقابل عليه، فإن تعذر فيجبره بالإجازة.
آداب الشيخ والطالب
يشتركان في تصحيح النية، وبذل النصيحة للمسلمين، وتطهير القلب من أغراض الدنيا، والعمل بالعلم، وتحسين الخلق.
وينفرد الشيخ بأن يسمع إذا احتيج إليه مع رغبته في الخير للطالب، ويقبل على الحاضرين، ويفتتح مجلسه بالتحميد والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويختمه كذلك، وأن يجلس بالوقار والسكينة، وأن يستنصت الطلاب، وإن رفع أحدهم صوته زجره؛ لأن رفع الصوت عند حديثه عليه الصلاة والسلام
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 406)
- 44 -
مثل رفعه عنده، وقد نهى الله عن ذلك، وأن لا يقوم لأحد أثناء التحديث، ولا يحدث قائماً ولا عجلاً ولا في الطريق إلا لحاجة.
وينفرد الطالب بأن يوقر الشيخ ويعظمه، ولا يمنعه الكبر أو الحياء من الاستفادة والسعي التام في التحصيل وأخذ العلم ولو عمن هو دونه في السن أو القدر أو النسب، وأن لا يكتم شيئاً من العلم، ولا يمتنع من إفادة غيره من الطلبة، وأن يصبر على جفاء الشيخ، ويعتني بالضبط والتقييد وكثرة المذاكرة لما كتبه ليرسخ في ذهنه، ويكتب ما سمعه تاماً.
التصنيف في الحديث
الكتب المصنفة في الحديث أنواع:
1- الجوامع
الجامع: كل كتاب يكون جامعاً لأحاديث الأبواب الثمانية، أي لأحاديث العقائد، والأحكام، والرقاق، وآداب الأكل والشرب والسفر والقيام والقعود، والتفسير، والتاريخ والسير، والفتن، وأحاديث المناقب والمثالب، مثل الجامع الصحيح للبخاري.
2- المسانيد
المسند: كل كتاب جمع فيه مرويات كل صحابي على حدة من غير تقييد بصحة الحديث وحسنه، ولا بمناسبة لباب ونحوه، ووقع ترتيب الصحابة فيه باعتبار فضلهم أو سبقهم إلى الإسلام أو قرابتهم منه صلى الله عليه وسلم، كمسند الإمام أحمد بن حنبل (رح) .
3- السنن
السنن: كل كتاب جمع فيه الأحاديث على الأبواب الفقهية، بأن يجمع في كل باب ما ورد فيه ما يدل على حكمه وجوباً أو ندباً أو كراهة أو حلاً أو حرمة، مثل السنن الأربعة.
4- المعاجم
المعجم: كل كتاب ذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، سواء اعتبر فيه تقدم وفاة الشيخ أو توافق حروف التهجي أو الفضيلة أو التقدم في العلم والتقوى، والغالب فيه الترتيب على حروف الهجاء، كالمعاجم الثلاثة للطبراني.
5- الأجزاء
الجزء: ما يجمع فيه أحاديث رجل واحد، سواء كان ذلك الرجل من الصحابة أو من بعدهم، كجزء حديث أبي بكر مثلاً، وجزء حديث مالك.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 407)
- 45 -
أو ما يذكر فيه الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد، كجزء رفع اليدين في الصلاة للإمام البخاري، ويقال له الرسالة أيضاً، وقد يطلق كل واحد منهما على الآخر.
6- الأربعون
الأربعون حديثاً: هو ما يجمع في باب واحد أو أبواب شتى بسند واحد أو أسانيد متعددة، كأربعين حديثاً للنووي وغيره.
7- الأفراد أو المفردات
الفرد أو المفرد: ما لم يروه إلا راوٍ واحد، أو ما يحتوي على أحاديث شخص واحد، مثل أحاديث أبي هريرة.
8- الغرائب
الغريب: هو ما وقع في موضع من سنده التفرد.
9- التراجم
التراجم: هو مجموع الأحاديث التي رويت بإسناد واحد، كمالك عن نافع عن ابن عمر.
10- المشيخة
المشيخة: هو ما جمع فيه مرويات شيخ مخصوص ومسموعاته.
11- العلل
العلل: هي الكتب التي يجمع فيها الأحاديث المعلولة مع بيان عللها.
12- المستخرجات
المستخرج: كل كتاب يخرج فيه أحاديث كتاب آخر بأسانيد صحيحة من غير طريق صاحب الكتاب، ويجتمع معه في شيخه أو فيمن فوقه من الرجال، كمستخرج أبي نعيم الأصبهاني على الصحيحين.
13- المستدركات
المستدرك: كل كتاب استدرك فيه ما فات صاحب كتاب آخر على شريطته، كمستدرك الحاكم على الصحيحين.
14- الأطراف
الأطراف: هو أن يذكر طرف الحديث الدال على بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعباً أو مقيداً بكتب مخصوصة، كتحفة الأشراف بمعرفة الأطرف للمزي.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 408)
- 46 -
15- المسلسلات
المسلسلات: وهو كل كتاب جمع فيه الأحاديث التي تتابع رجال إسناده واحداً فواحداً على صفة واحدة أو حالة واحدة، للرواة تارة وللرواية تارة أخرى.
16- الأمالي
الأمالي: جمع الإملاء، وهو كل كتاب جمع فيه الأحاديث التي أملاه عالم على تلاميذته، وصفة الإملاء أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتاباً، ويسمونه الإملاء والأمالي.
ــ
انتهت الرسالة بعونه تعالى وحسن توفيقه، وبنعمته تتم الصالحات، وقد استفدت في جمعها من الكتب المؤلفة في هذا الفن، وكان جل اعتمادي في تهذيبها وتنسيقها على "اجتناء الثمر لمصطلح أهل الأثر" و"أطيب المنح في علم المصطلح"، و"سح المطر على قصب السكر"، فجزى الله مؤلفيها، فإن الفضل في هذا الباب راجع إليهم.
وهذا آخر ما أردنا إيراده المقدمة للطبعة الثانية للجزء الأول من المرعاة، ولله الحمد أولاً وآخراً.
عبد الرحمن عبيد الله الرحماني المباركفوري
… ... … ... … ... … ... 6/ رجب سنة 1393هـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: 409)
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (عبيد الله الرحماني المباركفوري)القسم: شروح الحديث
الكتاب: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
المؤلف: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري (ت 1414هـ)
الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء - الجامعة السلفية - بنارس الهند
الطبعة: الثالثة - 1404 هـ، 1984 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
(3) كتاب الطهارة
{الفصل الأول}
283- (1) عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطهور
ــ
(كتاب الطهارة) الطهارة لغة: النظافة والنزاهة من كل عيب حسي أو معنوي، وشرعاً: طهارة البدن من النجاسة الحكمية، أي الحدثين الأكبر والأصغر، وطهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة الحقيقة، أي الأخباث وفضلات الأعضاء، ولما كان العمل نتيجة العلم، وبعد العلم يكون العمل، وأفضل الأعمال البدنية الصلاة، ولا يتوصل إليها إلا بالطهارة، عقب كتاب العلم بكتاب الطهارة. وينبغي بل يجب للطالب أن يرجع لمعرفة أسرار الدين ومصالح أحكامه إلى إعلام الموقعين للإمام ابن قيم، وحجة الله البالغة، وإحياء علوم الدين مع تخريج أحاديثه للعراقي، والحصون الحميدية للجسر، وغير ذلك من كتب هذا الفن.
283- قوله: (عن أبي مالك الأشعري) اختلف في اسمه فقيل: عبيد. وقيل: عبيد الله. وقيل: عمرو. وقيل: كعب ابن كعب. وقيل: عامر بن الحارث. وقيل: الحارث بن الحارث. وقيل: غير ذلك. صحابي، مات في خلافة عمر في طاعون عمواس سنة (18) . وقال الحافظ في المقدمة: لا يعرف اسمه، وهو من رواة مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وله عند البخاري تعليقاً، روى عنه عبد الرحمن بن غنم الأشعري، وربيعة الجرشي، وأبوسلام ممطور الأسود وغيرهم، وروى أبوسلام أيضاً عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وفي الصحابة أبومالك الأشعري اثنان غير هذا. أحدهما الحارث بن الحارث الأشعري الشامي من رواة الترمذي والنسائي، تفرد بالرواية عنه أبوسلام ممطور الأسود، أخرج له الترمذي والنسائي حديثاً قدسياً طويلاً جامعاً لأنواع من العلوم، وهو حديث: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات". والثاني كعب بن عاصم الأشعري نزل الشام ومصر، له حديثان فقط: أحدهما ماروته أم الدرداء عنه مرفوعاً: "ليس من البر الصيام في السفر". أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. والحديث الثاني: ما روى جابر بن عبد الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عند الجمرة أوسط أيام النحر. أخرجه البغوي، وابن السكن وهو أي أبومالك كعب بن عاصم الأشعري راوى حديث: "الطهور شطر الإيمان" هو كعب بن عاصم الأشعري، كذا قال البخاري في التاريخ وغيره. وقيل: هو الحارث بن الحارث الأشعري المتقدم الذى روى الحديث القدسي الطويل. والراجح عندى أنه غيرهما، أعني هو أبومالك الأشعري الذي اختلف في اسمه حتى قال الحافظ في المقدمة فيه: أنه لا يعرف اسمه، فليس هو الحارث بن الحارث الأشعري؛ لأن هذا قد تأخرت وفاته، وأما أبومالك الأشعري المختلف في اسمه فقد تقدم أنه توفي في خلافة عمر. وليس هو كعب بن عاصم أيضاً؛ لأنه لم يرو عنه غير أم الدرداء وجابر بن عبد الله، والله أعلم. (الطهور) بضم أوله على الأفصح،
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 1)
شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن – أو تملأ – ما بين السماوات والأرض،
ــ
والمراد به المصدر أي التطهر، وروي بالفتح على حذف المضاف، أي استعماله، وفي بعض الروايات الوضوء بدل الطهور. (شطر الإيمان) أي نصفه، قيل: المراد به الترغيب في الطهور، وتعظيم ثوابه، حتى كأنه بلغ إلى نصف ثواب الإيمان. وقيل: الإيمان يكفر الصغائر والكبائر والوضوء لا يكفر إلا الصغائر، فكان في مرتبة نصف الإيمان. وقيل: المراد بالإيمان الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بالطهارة فصارت كالشطر. وتوضيحه أن صحة الصلاة باستجماع الشرائط الخارجة عنها، والأركان الداخلة فيها. والطهارة أقوى الشرائط وأعظمها. فجعلت كأنها لا شرط سواها، واعتبرت الأركان والشرائط نصفاً، والطهارة وحدها نصفاً آخر على سبيل المبالغة والإدعاء. وقيل: المراد بالطهور ههنا التخلية عن الرذائل من العقائد الزائغة، والأخلاق الذميمة، والجرائم، والآثام، ولأحداث والأخباث. ومن المعلوم أن الإيمان موجب التخلية عن الرذائل والتحلية بالفواضل، فيكون الطهور شطر الإيمان. ويرد هذا الاحتمال رواية "الوضوء شطر الإيمان" وكذا رواية إسباغ الوضوء. وقيل: المراد بالشطر الجزء، والمعنى أن الطهارة جزء من أجزاء الإيمان، وركن من أركان الإسلام، وقد تقدم أن الأعمال من أجزاء الإيمان. وهذا أيضاً ضعيف، يرده حديث رجل من بني سليم بلفظ "الطهور نصف الإيمان"، وأيضاً إنما يعرف استعمال الشطر لغة في النصف. (والحمد لله) أي تلفظه. (تملأ) بالتأنيث على تأويل الكلمة أو الجملة، وروي بالتذكير على إرادة اللفظ والكلام، أو المضاف المقدر أي ثوابها لو قدر مجسماً لملأ. (الميزان) فمعناه بيان عظيم أجرها وأن ثوابها يملأ الميزان، أو محمول على أن الأقوال والأعمال والمعاني تتجسد يوم القيامة عند الوزن، وقد تظاهرت نصوص الشرع من القرآن والسنة على وزن الأعمال، وثقل الموازين وخفتها، وأما القول بأن الأعمال والأقوال أعراض مستحيلة البقاء، غير متصفة بالثقل والخفة، فمن هفوات الأهفاء وسقطات الحمقاء، قد أبطلها وحقق خلافها الفلسفة الحديثة الجديدة. وقال السندى: ولعل الأعمال تصير أجساماً لطيفة نورانية، لا تزاحم بعضها ولا تزاحم غيرها أيضاً، كما هو المشاهد في الأنوار، إذ يمكن أن يسرج ألف سراج في بيت واحد مع أنه يمتلئ نوراً من واحد من تلك السرج لكن لكونها لا يزاحم يجتمع معه نور ثاني ونور ثالث، ثم لا يمنع امتلاء البيت من النور جلوس القاعدين فيه لعدم التزاحم، فلا يرد أنه كيف يتصور ذلك مع كثرة التسبيحات والتقديسات، مع أنه يلزم من وجوده أن لا يبقى مكان لشخص من أهل المحشر، ولا لعمل آخر متجسد مثل تجسد التسبيح وغيره. (تملآن) أي هاتان الجملتان. (أو تملأ) أو للشك من الراوى والضمير في "تملأ" للجملة الشاملة لهما، ويمكن أن يكون الإفراد بتقدير كل واحدة منهما. (ما بين السماوات والأرض) معناه لو قدر ثوابهما جسماً لملأ ما بين السماوات والأرض، وسب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله: سبحان الله، والتفويض والإفتقار إليه بقوله: الحمد لله، وقد أوضحه الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات، فارجع إليها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 2)
والصلاة نور، والصدقة برهان. والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو: فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها)) رواه مسلم.
ــ
(والصلاة نور) لتأثيرها في تنوير القلوب وإشراح الصدور وإشراق أنوار المعارف وكشف الحقائق لفراغ القلب فيها، وقيل: لأنها تمنع من المعاصي والشهوات، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة. وقيل: إنها تكون نوراً في ظلمة القبر، وقيل إن الصلاة تكون نوراً ظاهرا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل. (والصدقة برهان) أي دليل واضح على صدق صاحبه في دعوى الإيمان إذ الإقدام على بذله خالصاً لله لا يكون إلا من صادق في إيمانه، وقيل: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول تصدقت به، ويجوز أن يوسم المتصدق بسيما يعرف بها، فيكون برهاناً له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله. (الصبر) على الطاعة، وعن المعصية، وفي النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا. (ضياء) أي نور قوي، شديد كامل، فإن الضياء أقوى من النور، قال تعالى {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} [5:10] ، وذلك لأن الصبر أوسع من الصلاة؛ لأن كل واحدة من الواجبات والمحظورات تحتاج إلى الصبر، بل مناط جميع أمور الدين على الصبر. وقيل معناه: الصبر المحمود المحبوب في الشرع لا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً على الصواب، وقيل: المراد بالصبر الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة، وهو لكونه قهراً على النفس، قامعا لشهواتها له تأثير عادة في تنوير القلوب أتم وجه، وقيل: خص الصبر بالضياء على تفسيره بالصوم لتخصيصه بالنهار كتخصيص الشمس به، لا لمزية الصوم على الصلاة. (والقرآن حجة لك) أي تنتفع به إن عملت به. (وعليك) أي إن أعرضت عنه، أو قصرت فيه بترك العمل بما فيه. (كل الناس يغدو) أي يصبح أو يسير، وهي جملة مستأنفة، جواب ما يقال: قد تبين الرشد مما تقدم، فما حال الناس؟ فأجيب بأن كلهم يغدو أي يسعى ويعمل، فيبيع نفسه من الله أو من الشيطان، فالأول أعتقها؛ لأن الله أشترى أنفسهم، والثاني أوبقها {ولبئس ماشرو به أنفسهم} [102:2] . وقال النووى: معناه كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته، فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى بإتباعهما فيوبقها أي يهلكها، وقوله. (فبائع) خبر لمبتدأ محذوف، أي فهو بائع أي باذل نفسه، فمن بذلها في طاعة الله فهو معتقها، ومن بذلها في هوى نفسه فهو مهلكها، وقوله: "فمعتقها"، قال الطيبي: الفاء فيه للسببية وهو خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون بدل البعض من قوله فبائع. (رواه مسلم) في أول الطهارة، وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي في الدعوات، والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في الطهارة إلا أنهما قالا: إسباغ الوضوء شطر الإيمان. والحديث أخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري، وأخرجه النسائي، وابن ماجه من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 3)
وفي رواية: ((لا إله إلا الله والله أكبر، تملآن ما بين السماء والأرض)) . لم أجد هذه الرواية في الصحيحين، ولا في كتاب الحميدى، ولا في الجامع، ولكن ذكرها الدارمي بدل: سبحان الله والحمد لله.
284- (2) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.
ــ
الأشعري. فتكلم الدارقطني وغيره في رواية مسلم، فقالوا: هي منقطعة، لسقوط عبد الرحمن بن غنم فيها بين أبي سلام وأبي مالك، قال النووى: ويمكن أن يجاب لمسلم عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك فيكون أبوسلام سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضاً من عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك، فرواه مرة عنه ومرة عن عبد الرحمن عنه. (وفي رواية لا إله إلا الله والله أكبر تملآن مابين السماء والأرض) هذا قول صاحب المصابيح. قال صاحب المشكاة. (لم أجد هذه الرواية) أي التي أوردها صاحب المصابيح في ما ذكر في قوله من الصحاح. (في الصحيحين) أي متنيهما. (ولا في كتاب الحميدى) الجامع بين الصحيحين. (ولا في الجامع) أي للأصول الستة. (ولكن ذكرها) أي هذه الرواية. (الدارمي) يعنى التزم صاحب المصابيح أن يكون جميع ما ذكر في قوله من الصحاح المعبر عنه بالفصل الأول مما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وهذه الرواية ليست في أحدهما، فإيرادها في الصحاح خلاف لما التزمه، وقد يجاب بأن الإلتزام إنما هو في أصول الأحاديث، وأما هذه فإنما هي زيادة إفادة متفرعة على أصل الحديث الموجود في صحيح مسلم، والله أعلم.
284- قوله: (ألا أدلكم) الهمزة للاستفهام، ولا نافية، وليس إلا للتنبيه بدليل قولهم: بلى. (يمحو الله به الخطايا) أي يغفرها، أو يمحوها من كتب الحفظة، ويكون ذلك المحو دليلاً على عفوه تعالى ومغفرته، والمراد بالخطايا الصغائر، مما يتعلق بحقوق الله. (يرفع به الدرجات) أي يعلي به المنازل في الجنة، ويحتمل رفع الدرجات في الدنيا أيضاً. (قالوا: بلى) فائدة السؤال والجواب أن يكون الكلام أوقع في النفس بحكم الإبهام والتبيين. (إسباغ الوضوء) أي إكماله بتطويل الغرة والتحجيل والتثليث والدلك. (على المكاره) جمع مكره، بفتح الميم من الكره بمعنى المشقة، كبرد الماء، وألم الجسم، والإشتغال به مع ترك أمور الدنيا. قيل: ومنها الجد في طلب الماء مع إعوازه وشراءه بالثمن الغالي. (وكثرة الخطى إلى المساجد) إما لبعد الدار، أو على سبيل التكرار، والخطى بضم الخاء جمع خطوة وهي ما بين القدمين. (وانتظار الصلاة) بالجلوس لها في المسجد، أو تعلق القلب بها والتأهب والاهتمام لها مع إشتغاله بكسبه في بيته، كما ورد "ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه، حتى يعود". (فذلكم) الإشارة إلى ما ذكر من الأعمال الثلاثة، وقيل: إلى انتظار الصلاة. (الرباط) المرغب فيه، أو أفضل أنواع الرباط، كما قيل: الجهاد جهاد النفس، أو الرباط المتيسر الممكن، أي أنه من أنواع الرباط، أو
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 4)
وفي حديث مالك بن أنس: ((فذلكم الرباط فذلكم الرباط مرتين)) رواه مسلم. وفي رواية الترمذي ثلاثاً.
285- (3) وعن عثمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)) متفق عليه.
ــ
أراد أن ثوابه كثواب الرباط. وقيل: أصل الرباط ملازمة ثغر العدو لمنعه، والمعنى أن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقة المذكورة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} [200:4] ؛ لأنها تسد طرق الشيطان عنه، وتمنع النفس عن الشهوات، وعداوة النفس والشيطان لا تخفى، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي فيه قهر أعدى عدوه، فلذلك قال: فذلكم الرباط، بالتعريف، أي هو الذي يستحق أن يسمى رباطاً، والتكرار تعظيماً لشأنه. (وفي حديث مالك بن أنس) إمام دار الهجرة، صاحب المذهب، راوي الحديث في سند مسلم. (فذلكم الرباط فذلكم الرباط مرتين) وفي بعض النسخ ردد مرتين، أي كرر "فذلكم الرباط" مرتين والذي في صحيح المسلم"وفي حديث مالك ثنتين فذلكم الرباط فذلكم الرباط" قال النووي: هكذا هو في الأصول "ثنتين" وهو صحيح ونصبه بتقدير فعل أي ثنتين أو كرر ثنتين انتهى. وهذا قول مسلم صاحب الصحيح، قاله بناء على رواية معن عنده، وإلا فأكثر المؤطات ثلاثاً (رواه مسلم) في الطهارة، وأخرجه أيضاً مالك، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة بمعناه (وفي رواية الترمذي ثلاثاً) أخرجه الترمذي أولا من طريق على بن حجر، وذكر فيه "فذلكم الرباط" مرة، ثم رواه من طريق قتيبة: وقال: قال قتيبة: فذلكم الرباط ثلاثاً"، أي ذكره ثلاثاً تأكيداً أو تعظيما لشأنه، ولزيادة الحث عليه.
285- قوله: (فأحسن الوضوء) بضم الواو، والفاء لتفسير كيفية الوضوء على أحسن وجه بمراعاة سننه وآدابه، والمعنى من أراد الوضوء وشرع فيه فأحسنه. (خرجت خطاياه) هو محمول على الحقيقة بناء على أن الخطايا جواهر متعلقة ببدن الإنسان تتصل به وتنفصل عنه، لا أعراض كما قيل، قال السيوطي في قوت المغتذي: الظاهر حمله على الحقيقة، ثم حقق ذلك بأحاديث تدل على أن الذنوب جواهر وأجسام، ووافقه شيخنا في شرح الترمذي، لكن جعله السيوطي من عالم المثال، وعندنا ينبغي تفويض أمثال هذه الأمور إلى الله تعالى. وقيل: هو تمثيل وتصوير لبراءة البدن عن الذنوب ومجاز عن غفرانها. ثم الظاهر عموم الخطايا، والعلماء خصصوها بالصغائر المتعلقة بحقوق الله للتوفيق بين الأدلة، فإن منها ما يقتضي الخصوص كما سيأتي. (من جسده) أي جميع بدنه أو أعضائه. (حتى تخرج من تحت أظفاره) أي مثلاً، والأظفار جمع ظفر بضمتين. (متفق عليه) قلت تفرد مسلم بهذا اللفظ، ولذا اقتصر المنذري في الترغيب. على عزوه لمسلم. وقال القاري: قال عبد العزيز الأبهرى في منهاج المشكاة فيه: أنه من أفراد مسلم. وقال ابن حجر المكي: كذا في جامع الأصول. واقتصر شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلانى في "هداية الرواة إلى تخريج المصابيح والمشكاة" على عزوه لمسلم انتهى. وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، وابن ماجه بنحوه مختصراً.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 5)
286- (4) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا توضأ العبد المسلم – أو المؤمن – فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء – أومع آخر قطر الماء – فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء – أو مع آخر قطر الماء – فإذا غسل رجليه، خرج كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء – أو مع آخر قطر الماء – حتى يخرج نقيا من الذنوب)) رواه مسلم.
287- 5) وعن عثمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها
ــ
286- قوله: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن) شك من الرواى في لفظ النبوة، وإلا فهما مترادفان شرعاً. والمؤمنة في حكم المؤمن. (فغسل وجهه) عطف على توضأ عطف تفسير، أو المراد إذا أراد الوضوء. (خرج من وجهه) جواب إذا. (كل خطيئة نظر إليها) أي إلى الخطيئة يعني إلى سببها، إطلاقا لاسم المسبب على السبب مبالغة. (بعينيه) تأكيد. وسبب التخصيص بالعين مع أن الوجه مشتمل على الأنف والفم هو أن كلاً من الفم والأنف، وكذا الأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه، فكانت متكفلة بإخراج خطاياه، بخلاف العين، فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه، فخصت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها مما ذكر، وسيأتي في الفصل الثالث حديث عبد الله الصنابحي، وهو صريح في ذلك. (مع الماء) أي مع انفصاله. (أو مع آخر قطر الماء) أو للشك من الراوى. (كل خطيئة كان بطشتها) أي أخذت. (يداه) كملامسة المحرمة، ويدخل فيه كتابة إثم. (كل خطيئة مشتها) الضمير للخطيئة، ونصبت بنزع الخافض، أي مشت إلى الخطيئة، أو في الخطيئة، أو يكون مصدرا أي مشت المشية. (نقياً من الذنوب) أي ذنوب أعضاء الوضوء، أو جميع الذنوب من الصغائر. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً مالك، والترمذى، وليس عندهما غسل الرجلين.
287- قوله: (ما من امرئ مسلم) من زائدة لتأكيد النص على العموم. (فيحسن وضوءها) بمراعاة السنن والآداب والمكملات. (وخشوعها) بإتيان كل ركن على وجه هو أكثر تواضعاً وإخباتاً وتضرعاً، ظاهراً وباطناً بالقلب والجوارح. (وركوعها) اكتفى بذكر الركوع عن السجود؛ لأنهما ركنان متتابعان، فإذا حث على إحسان أحدهما حث على الآخر، وفي تخصيصه بالذكر تنبيه على أن الأمر فيه أشد، فافتقر إلى زيادة توكيد؛ لأن الراكع يحمل نفسه في الركوع، ويتحامل في السجود على الأرض. وقيل: خص الركوع بالذكر لاستتباعه السجود إذ لا يستقل عباده وحده، بخلاف السجود
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 6)
إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)) رواه مسلم.
288- (6) وعنه، أنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم غسل يده اليسرى
ــ
فإنه يستقل عبادة، كسجود التلاوة والشكر. وقيل: تخصيص الركوع؛ لأنه من خصائص المسلمين، فأراد التحريض عليه، ولعل هذا في الأغلب لقوله تعالى في شأن مريم: {واسجدي واركعي مع الراكعين} [43: 3] . وقيل: معناه انقادى وصلى مع المصلين، فلا إشكال. (إلا كانت) أي الصلاة. (ما لم يؤت) بكسر التاء معلوماً من الإيتاء وقيل مجهول، أي ما لم يعمل، وضع الإيتاء موضع العمل. (كبيرة) بالنصب لا غيره، كأن الفاعل يعطى العمل من نفسه، أو يعطيه غيره من الداعي أو المحرض عليه، فهو على حد {ثم سئلوا الفتنة لآتوها} [33: 14] بالمد أي لأعطوها من أنفسهم، ثم ظاهره أن كون الصلاة كفارة الذنوب مشروط بعدم إتيان الكبائر، فإن أتى بالكبائر لم يكفر صغائره، وهو الظاهر من قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم} [4: 31] لكنهم قالوا: معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر. قال النووى: هذا هو المراد، والأول وإن كان محتمل العبارة فسياق الحديث يأباه، والكبائر إنما يكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى وفضله، وقد يقال: إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجماعات وغيرها مما ورد في الأحاديث من مكفرات الذنوب؟ وأجيب بأن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفره، وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيره يعنى غير مكفرة رجونا أن يخفف من الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت به درجات،. (وذلك) أي التكفير بسبب الصلاة. (الدهر) بالنصب على الظرفية، ومحله الرفع على الخبرية، أي ذلك الحكم من التكفير حاصل ومستمر في جميع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان. (كله) تأكيد للدهر. (رواه مسلم) هو من مفاريد مسلم لم يروه بهذا اللفظ غيره.
288- قوله: (فأفرغ) من الإفراغ عطف بيان وتفسير أي صب الماء. (على يديه) أي فغسلهما إلى رسغيه وفي رواية كفيه، والمراد غسل اليدين إلى الرسغين. وفيه دليل على غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ولو لم يكن عقب نوم احتياطاً. وفي الحديث الترتيب في أعضاء الوضوء للإتيان بثم في جميعها. (واستنثر) الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلى الأقصى، ويدل عليه الرواية الأخرى "استنشق واستنثر، فجمع بينهما، وهو مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف، قال الحافظ: لم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييد ذلك بعدد، نعم، ذكره ابن المنذر من طريق يونس عن الزهرى، وكذا ذكره أي تقييد المضمضة والاستنشاق بثلاث أبوداود من وجهين آخرين
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 7)
إلى المرفق ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم يصلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه. ولفظه للبخاري.
289- (7) وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه،
ــ
عن عثمان. (إلى المرفق) بكسر الميم وفتح الفاء "وإلى" بمعنى منع عند الجمهور. (ثم مسح برأسه) ليس في شيء من طرق هذا الحديث في الصحيحين ذكر عدد المسح، فالظاهر الاكتفاء بالمرة الواحدة، وهو مذهب الجمهور. (ثم قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم. (من توضأ نحو وضوئي هذا) أي جامعاً لفرائضه وسننه، وقوله "نحو وضوئي هذا" كذا وقع في الصيام من نسخ البخارى الموجودة عندنا، وقال الحافظ في شرح كتاب الوضوء: "وللبخارى في الصيام من رواية معمر: من توضأ بوضوئي هذا" أي بترك حرف الشبيه. (ثم يصلى ركعتين) فيه استحباب ركعتين عقب كل وضوء، ولو صلى فريضة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك. (لا يحدث فيهما نفسه بشيء) من أمور الدنيا، وما يتعلق بالصلاة ولو عرض له حديث فأعرض عنه لمجرد عروضه، عفي عنه ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا ليس من فعله وكسبه، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر. وقال الحافظ: المراد ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه؛ لأن قوله "يحدث" يقتضى تكسباً منه فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فذلك معفو عنه. وقال السندهي: أي يدفع الوسوسة مهما أمكن. وقيل: يحتمل العموم إذ ليس هو من باب التكليف حتى يجب دفع الحرج والعسر، بل من باب ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، أي من باب الوعد على العمل، فمن حصل منه ذلك العمل يحصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا. نعم، يجب أن يكون ذلك ممكن الحصول في ذاته وهو هنا كذلك، فإن المتجردين عن شواغل الدنيا يتأتى منهم هذا العمل على وجهه. انتهى. (غفر له ما تقدم من ذنبه) حملوه على الصغائر، لكن كثير من الأحاديث يقتضي أن مغفرة الصغائر غير مشروطة بقطع الوسوسة، فيمكن أن يكون الشرط لمغفرة الذنوب جميعاً، قاله السندهي. ثم إنه يفهم من هذا الحديث أن غفران الذنوب مرتب على الوضوء الموصوف بتلك الصفة، وصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء، ومن الحديث المتقدم ترتبه على مجرد الوضوء، ويمكن أن يقال كل منهما مكفر، أو الوضوء المجرد مكفر لذنوب أعضاء الوضوء، ومع الصلاة مكفر لذنوب جميع الأعضاء أو الوضوء مكفر للذنوب الظاهرة، ومع الصلاة مكفر للذنوب الظاهرة والباطنة. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي. (ولفظه للبخارى) أي في باب السواك الرطب واليابس للصائم من كتاب الصيام.
289- قوله: (وعن عقبة) بضم عين وسكون قاف. (بن عامر) الجهنى صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أبوحماد، اختط البصرة، وولى إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وحضر معه بصفين، وولي غزو البحر،
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 8)