..............................................................................................
ــ
إذ لا مانع من أن تكون حجت مع أبي بكر رضي الله عنه في السنة التاسعة فسقط عنها الفرض ثم أرادت أن تحج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع في السنة العاشرة فمنعها عدم تيسر الراحلة، وقال بعضهم: إن الحجة التي فاتت هذه المرأة هي حجة الوداع وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضًا لأن حج أبي بكر كان إنذارًا فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحج بعد، لأن أول حج لم تحضره هي، ولم يأت زمان حج ثان عند قوله عليه الصلاة والسلام لها ذلك، وما جاء الحج الثاني إلا والرسول عليه الصلاة والسلام قد توفي فإنما أراد عليه الصلاة والسلام أن يستحثها على استدراك ما فاتها من البدار ولا سيما الحج معه عليه الصلاة والسلام لأن فيه مزية على غيره قلت: وهذا مبني على أن الحج إنما فرض في السنة العاشرة ولكنه غير متفق عليه وقد تقدم ذكر الخلاف فيه، وعلى كل حال فإن كان ما فاتها حجة الفرض فيكون المراد من الحديث بيان فضل العمرة في رمضان وإعلامها أن ثوابها كثواب حجة لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن فرض الحج، فالعمرة في رمضان لا تسقط الحجة المفروضة بل من الإتيان بها من قابل، وإن كان ما فاتها تطوعًا فالعمرة في رمضان تقوم مقام الحجة في التطوع ونقل الترمذي عن إسحاق ابن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها، وهكذا قال أبو بكر المعافري، كما في ((القرى)) وقد تقدم ما قال الطيبي وابن خزيمة في معنى الحديث وتوجيهه، وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القلب، وقال غيره يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة وقال ابن التين: قوله كحجة يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة. قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدمين ففي رواية أحمد بن منيع قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث أم معقل فكانت تقول الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ألي خاصة تعني أو للناس عامة، قال الحافظ: والظاهر حمله على العموم كما تقدم، والسبب في التوقف استشكال ظاهره وقد صح جوابه. تنبيه لما ثبت أن عمره صلى الله عليه وسلم كانت كلها في ذي القعدة وقع تردد لبعض أهل العلم في أن أفضل أوقات العمرة أشهر الحج أو رمضان فحديث الباب يدل على الثاني، أي كون رمضان أفضل أوقات العمرة لكن فعله عليه الصلاة والسلام لما لم يقع إلا في أشهر الحج كان ظاهرًا أنه أفضل إذ لم يكن الله سبحانه وتعالى يختار لنبيه إلا ما هو الأفضل أو أن رمضان أفضل لتنصيصه عليه الصلاة والسلام على ذلك فتركه لاقترانه بأمر يخصه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتلاً، وأن لا يشق على أمته فإنه لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك وخرجوا مع ما هم عليه من المشقة في
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 307)
متفق عليه.
2534- (6) وعنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبًا بالروحاء،
ــ
الجمع بين العمرة والصوم، ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته وخوفًا من المشقة عليهم كالقيام في رمضان بهم، ومحبته لأن يستقي بنفسه مع سقاة زمزم كيلا يغلبهم الناس على سقايتهم. وقال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبي صلى الله عليه وسلم أفضل، وأما في حقه فما صنعه هو أفضل لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الرد عليهم بالقول والفعل وهو لو كان مكروهًا لغيره لكان في حقه أفضل - انتهى. تنبيه آخر قد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) على استحباب تكرار العمرة والإكثار منها. قال المحب الطبري في القرى (ص566) : فيه دليل على استحباب تكرار العمرة من وجهين الأول: أن النكرة في سياق التفضيل، الظاهر منها إرادة العموم، فإنك إذا قلت: رجل من بني تيم يعدل قبيلة من غيرها، لم يتبادر إلى الفهم إلا أن كل واحد منها كذلك، فكذلك، كل عمرة في رمضان، والثاني: المراد بعمرة في رمضان إما أن يقال: كل عمرة لكل أحد أو عمرة لكل أحد أو عمرة لواحد لا بعينه، والأول هو المطلوب، والثالث غير مراد بالاتفاق، والثاني لازم للأول فيتعدى الحكم، بيان الملازمة أن اتصاف الفعل بالفضل إنما نشأ من جهة الزمان لا محالة، فإذا ثبت لفعل لزم ثبوته لمثله، وإن تكرر لقيام موجب الصفة ولعدم جواز تخلف الحكم عن مقتضيه، ومن ادعى تخصصها بعدم التكرار أو تخصيصها بالمخاطبة أو بميقات دون غيره أو معارضًا فعليه البيان - انتهى. قلت: قد ذهب إلى جواز تكرار العمرة واستحباب الإكثار منها الشافعي، وأبو حنيفة. وكرهه مالك إلا مرة في سنة، وأحمد في دون عشرة أيام كما تقدم في كلام ابن قدامة، ويؤيده ما أخرجه الشافعي عن أنس رضي الله عنه أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر، وقوله: ((حمم)) بالحاء المهملة، أي اسود بعد الحلق في الحج بنبات الشعر، والمعنى أنه كان لا يؤخر العمرة إلى المحرم، بل كان يخرج إلى الميقات، ويعتمر في ذي الحجة، وهكذا ذكره الجوهري، وابن الأثير وقيد بالمهملة (متفق عليه) واللفظ لمسلم. وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص229، 308) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وابن الجارود (ص179) ، والبيهقي وفي الباب عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم العيني (ج10: ص117) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج3: ص280) .
2534- قوله (إن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبًا) بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب أو اسم جمع كصاحب وصحب وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون بقية الدواب، ثم اتسع فيه فأطلق على كل جماعة (بالروحاء) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة ثم ألف ممدودة. قال عياض: في المشارق هي من أعمال الفرع بينها وبين المدنية
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 308)
فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت إليه امرأة صبيًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر.
ــ
نحو أربعين ميلاً، وفي صحيح مسلم ستة وثلاثون، وفي كتاب ابن أبي شيبة ثلاثون ميلاً، زاد في رواية أحمد وأبي داود: ((فسلم عليهم)) وكان ذلك اللقاء كما قال ابن حبان حين رجوعه من مكة إلى المدينة ففي رواية النسائي عن ابن عباس ((قال صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان بالروحاء لقي قومًا)) الحديث. وفي رواية الشافعي في مسنده (ج1: ص289) وكذا عند البيهقي (ج5: ص155) من طريق الشافعي، ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قفل، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا)) الحديث، وبه جزم ابن القيم في الهدي حيث قال: ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم راجعًا إلى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركبًا فذكر قصة الصبي، وقيل وقعت هذه القصة في مقدمه إلى بيت الله، والمراد بالصدور والقفول صدوره من المدينة للحج ولا يخفى ما فيه، وارجع إلى ((القرى)) (ص49، 50) (فقال: من القوم؟) بالاستفهام (قالوا) ، أي بعضهم (المسلمون) ، أي نحن المسلمون (فقالوا: من أنت؟) يعني أن الذي أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل بعد ذلك ليعرف من يخاطب (قال) ، أي النبي (رسول الله) أي أنا رسول الله فلفظ رسول الله خبر مبتدأ محذوف. قال عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً فلم يعرفوه صلى الله عليه وسلم، ويحتمل كونه نهارًا لكنهم لم يروه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك، وسيأتي في حديث جابر في قصة حجة الوداع أنه أذن في الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير ليأتموا به، فلعل هؤلاء ممن قدم فلم يلقوه إلا هنالك، وفي رواية مالك في موطأه، ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي في محفتها (بكسر الميم وفتح المهملة وتشديد الفاء - مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب كما تقبب الهوادج) فقيل لها ((هذا رسول الله)) الحديث. قال الباجي: فقد كانت المرأة فيمن آمن به ولم تره ولم تعرف عينه فلذلك أخبرت به (فرفعت إليه امرأة صبيًا) ، أي أخرجته من المحفة رافعة له على يديها، وفي رواية أحمد وأبي داود: ((ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفتها)) (فقالت: ألهذا؟) ، أي يحصل لهذا الصغير (حج) ، أي ثوابه، قيل: قوله: ((حج)) فاعل الظرف لاعتماده على الهمزة، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخرًا و ((لهذا)) خبر مقدم، وفي رواية أحمد، وأبي داود: ((هل لهذا حج؟)) (قال) في الجواب (نعم) ، أي له حج (ولك أجر) زادها على السؤال ترغيبًا لها. قال القاري: أي أجر السببية وهو تعليمه إن كان مميزًا أو أجر النيابة في الإحرام والرمي والإيقاف والحمل في الطواف والسعي إن لم يكن مميزًا، وقال عياض: وأجرها فيما تتكلفه في أمره في ذلك وتعليمه وتجنيبه ما يجتنب المحرم. وقال النووي: معناه: بسبب حملها وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم وفعل ما يفعله المحرم، وقال الأمير اليماني: قوله: ((لك أجر)) ، أي بسبب حملها وحجها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين، وفي الحديث دليل على مشروعية الحج بالصبيان وجوازه، ولا خلاف فيه بين العلماء
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 309)
..............................................................................................
ــ
قال الأمير اليماني: الحديث دليل على أنه يصح حج الصبي وينعقد سواء كان مميزًا أم لا حيث فعل عنه وليه ما يفعل الحجاج وإلى ذلك ذهب الجمهور. واعلم أن في مسألة حج الصبي عدة أبحاث ينبغي التنبيه عليها. الأول: جواز الحج ومشروعيته بالصغار، وإليه ذهب الجمهور منهم الأمة الأربعة. قال الزرقاني: في الحديث مشروعية الحج بالصغار وبه قالت الأمة. قال عياض: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع ولا يلتفت إلى قولهم بل هو مردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة، وقال الطبري: لا خلاف بي أهل العلم في جواز الحج بالصبي إلا قومًا من أهل العراق منعوه وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله وإجماع الأمة يرد قولهم، وإنما الخلاف في أنه هل ينعقد حكم الحج عليهم؟ وفائدة الخلاف تظهر في وجوب الفدية، فأبو حنيفة لا يلزمهم شيًا إنما يجتنبون ذلك على وجه التمرين والتعليم، وفي ما تقدم من قول عطاء: يفعل بالصغير ما يفعل بالكبير ويشهد به المناسك كلها إلا أنه لا يصلي عنه وإن شاءوا قمصوه موافقة له، وباقي الأئمة يرون وجوب الفدية - انتهى. وقال ابن البر في التمهيد: في الحديث الحج بالصبيان الصغار واختلف العلماء في ذلك فأجازه مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز من أصحابنا وغيرهم وأجازه الثوري، وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، وأجازه الأوزاعي والليث فيمن سلك مسلكهما من أهل الشام ومصر وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء في كل قرن. وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج بأغيلمة بني عبد المطلب وحج السلف بصبيانهم ولحديث الباب. وروينا عن أبي بكر الصديق أنه طاف بعبد الله بن الزبير في خرقة، وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانوا يحبون إذا حج الصبي أن يجردوه وأن يجنبوه عن الطيب وأن يلبي عنه إذا كان لا يحسن التلبية - انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج7: ص276) : ونستحب الحج بالصبي وإن كان صغيرًا جدًا أو كبيرًا وله أجر وحج وهو تطوع وللذي يحج به أجر، وكذلك ينبغي أن يدربوا ويعلموا الشراع من الصلاة والصوم إذا أطاقوا ذلك - انتهى. وقال الباجي: الصبيان على ضربين: ضرب يفهم ما يؤمر به، وضرب يصغر عن ذلك فلا يفهم ما يؤمر به ولا ينتهي عما نهي عنه. فأما الأول فروى ابن المواز وابن وهب عن مالك لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين وخمس فنعم. وهذا إنما هو على الاستحباب، فإن أحرم به وألزم الإحرام لزمه، وإن كان صغيرًا جدًا لا يفهم - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: اختلف قول مالك في الحج بالرضيع ومن لا يفهم، وحمل أصحابنا قوله بالمنع على الكراهة، وفي المدونة: يحج بالصبي وإن لم يبلغ أن يتكلم، وفي كتاب محمد: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع فنعم اللخمي، ولا أرى أن يحج إلا بمن يعقل القربة، وأما الرضيع فهو كالبهيمة، قال وعلى هذا فلا يحج بالمجنون - انتهى. وقال ابن رشد في البداية (ج1: ص252) : اختلف أصحاب مالك في صحة
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 310)
..............................................................................................
ــ
وقوعه من الطفل الرضيع وينبغي أن لا يختلف في صحة وقوعه ممن يصح وقوع الصلاة منه، وهو كما قال عليه الصلاة والسلام من السبع إلى العشر - انتهى. الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ قال النووي: في الحديث حجة للشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعًا. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه، قال أصحابه وإنما فعلوه تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ. قال: وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه ويجري عليه أحكام الحج ويجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ، فأبو حنيفة يمنع ذلك كله ويقول: إنما يجنب ذلك تمرينًا على التعليم، والجمهور يقولون يجري عليه أحكام الحج في ذلك وحجه منعقد يقع نقلاً - انتهى. قلت: هكذا نقل غير واحد من شراح الحديث وأصحاب كتب الفقه الجامع مذهب الحنفية في ذلك، منهم الحافظ في الفتح، وابن قدامة في المغني (ج3: ص252) ، وابن رشد في البداية (ج1: ص253) قال الحافظ: قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب - انتهى. والذي يظهر من كتب الفقه الحنفي المعتبرة أن قول أبي حنيفة مثل قول الجمهور يعني أن الصبي ينعقد نقلاً، وإنما خلافه في وجوب الفدية والكفارات، ففي المبسوط: الصبي لو أحرم بنفسه وهو يعقل أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا - انتهى. وفي العالمكيرية: لو أن الصبي حج قبل البلوغ لا يكون من حجة الإسلام ويكون تطوعًا - انتهى. وقال في الدر المختار: لو أحرم صبي عاقل أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا وينبغي أن يجرده قبله ويلبسه إزارًا ورداءً، وقال القاري: في شرح اللباب ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل لا للفرض ويصح أداءه بنفسه ولا يصح من غيره في الأداء ولا الإحرام بل يصحان من وليه له نيابة، وهذا كله مبني على انعقاده نفلاً. لكن في شرح المجمع: وعندنا إذا أهل الصبي أو وليه لم ينعقد فرضًا ولا نفلاً. وفي الهداية ما يدل على انعقاده نفلاً، ثم قال صاحب الهداية: واختلف المتأخرون فمنع بعضهم انعقاده أصلاً، وقيل ينعقد ويكون حج تمرين واعتياد - انتهى. ويمكن الجمع بأنه لا ينعقد انعقادًا ملزمًا وينعقد نقلاً غير ملزم لأنه غير مكلف ويتفرع عليه لو أنه لم يفعل شيًا من المأمورات أو ارتكب شيئًا من المحظورات لا يجب عليه شيء من القضاء والكفارات ويقوي ما ذكرنا في اختلاف المسائل: اختلفوا في حج الصبي، قال أبو حنيفة: لا يصح منه. قال يحيى بن محمد: معنى قول أبي حنيفة ((لا يصح منه)) على ما ذكره أصحابه: أنه لا يصح صحة يتعلق بها وجوب الكفارات، لا أنه يخرجه من ثواب الحج، وكذا يؤيد ما قلنا ما في الغاية من أن اعتكاف الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف - انتهى. ما في شرح اللباب، وقد صرح بانعقاد حجه نقلاً صاحب الهداية والغنية وابن نجيم، وابن عابدين، وغيرهم أيضًا. وقال الطحاوي: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، أي الحديث الذي نحن في شرحه أن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 311)
..............................................................................................
ــ
للصبي حجًا وهذا مما قد أجمع الناس جميعًا عليه ولم يختلفوا أن للصبي حجًا كما أن له صلاة - انتهى. وقد تبين مما ذكرنا أن حج الصبي يصح وينعقد نفلاً عند الحنفية أيضًا وأن خلافهم إنما هو في وجوب القضاء والكفارات، الثالث: هل يجب عليه الجزاء والفدية والكفارة والقضاء أم لا؟ وقد تقدم في كلام النووي من مذهب الجمهور وجوب ذلك خلافًا لأبي حنيفة. وقال الزرقاني: في حديث انعقاد حج الصبي وصحة وقوعه نفلاً وأنه مثاب عليه فيجتنب ما يجتنبه الكبير مما يمنعه الإحرام ويلزمه من الفدية والهدي ما يلزمه، وبه قال الأئمة الثلاثة والجمهور خلافًا لأبي حنيفة. وقال ابن عبد البر: قال مالك: ما أصاب الصبي من صيد أو لباس أو طيب فدى عنه، وبذلك قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا جزاء عليه ولا فدية - انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج2: ص281) : وفي ذلك دليل على أن حجه إذا فسد أو دخله نقص فإن جبرانه واجب عليه كالكبير، وإن اصطاد صيدًا لزمه الفداء كما يلزم الكبير. وفي وجوب هذه الغرامات عليه في ماله كما يلزمه لو أتلف مالاً لإنسان فيكون غرمه في ماله أو وجوبها على وليه إذ كان هو الحامل له على الحج والنائب عنه وفي ذلك نظر وفيه اختلاف بين الفقهاء - انتهى. قلت: في وجوب الكفارة والجزاء والقضاء عند أتباع الأئمة الثلاثة تفاصيل، اختلفوا فيها وأسقط بعهم في بعض الصور الكفارة والقضاء، وهي مبسوطة في كتب فروعهم، من شاء الوقوف عليها رجع إلى المغني لابن قدامة (ج2: ص255) ، ومناسك الحج والمجموع للنووي، والدسوقي على الشرح الكبير للدردير المالكي. وقال في شرح اللباب من فروع الحنفية: ولو أفسد أي الصبي نسكه أو ترك شيئًا من أركانه وواجباته لا جزاء عليه ولا قضاء حيث شروعه ليس بملزم له لأنه غيره مكلف في فعله - انتهى. وقد وافق ابن حزم الحنفية في ذلك حيث قال في المحلى (ج7: ص276، 277) : وإذا الصبي قد رفع عنه القلم فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم أو في إحرامه ولا في حلق رأسه لأذى به عن تمتعه ولا لإحصاره لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك ولو لزمه هدى للزمه أن يعوض منه الصيام وهو في المتعة وحلق الرأس وجزاء الصيد وهم لا يقولون بذلك. هذا ولا يفسد حجه بشيء مما ذكرنا إنما هو ما عمل، أو عمل به أجر وما لم يعمل فلا إثم عليه - انتهى. قلت: واستدل الحنفية بالحديث المشهور بين الفقهاء وأئمة الحديث ((رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ)) الحديث أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، وابن حبان من حديث عائشة. وأحمد وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان من حديث علي. والطبراني بسنده عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثوبان، ومالك بن شداد وغيرهما. قال الحافظ: الرفع مجاز عن عدم التكليف لأنه يكتب لهم فعل الخير قاله ابن حبان: قلت: والراجح عندنا هو ما ذهب إليه الحنفية وابن حزم، لأنه لا نص لمن ذهب إلى خلاف ذلك ولا حجة لهم فيما قالوه، هذا ما عندي والعلم عند الله تعالى. والرابع: هل يثاب الصبي على حسناته من الصلاة والصوم
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 312)
..............................................................................................
ــ
والحج وغيرها؟ قال العيني: استدل بالحديث بعضهم على أن الصبي يثاب على طاعته ويكتب له حسناته وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب فيما حكاه المحب الطبري وحكاه النووي في شرح مسلم عن مالك، والشافعي، وأحمد والجمهور - انتهى. وقال الخطابي: إنما كان للصبي الحج من ناحية الفضيلة من دون أن يكون محسوبًا عن فرضه لو بقي حتى يبلغ ويدرك مدرك الرجال، وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهي غير واجبة عليه وجوب فرض، ولكن يكتب له أجرها تفضلاً من الله، ويكتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر. فإذا كان له حج فقد علم أن من سنته أن يوقف به في الموقف ويطاف به حول البيت محمولاًً إن لم يطق المشي، وكذلك السعي بين الصفا والمروة ونحوه من أعمال الحج - انتهى. وقال الطبري: قد قال كثير من أهل العلم إن الصبي يثاب على طاعته وتكتب له حسناته دون سيئاته، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وقد تقدم ما يدل عليه في باب تسمية الحج جهادًا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: جهاد الكبير والصغير والمرأة: الحج والعمرة. أخرجه النسائي. قال: ففيه دلالة على أن ثواب عبادة الصغير لنفسه، ثم إن كان الصبي يعقل عقل مثله أحرم بنفسه، وإن لم يعقل أحرم عنه. وفي التمهيد: قال أبو عمر: فإن قيل: فما معنى الحج بالصغير وهو عندكم غير مجزئ عنه من حجة الإسلام وليس ممن تجري الأقلام له وعليه؟ قيل: أما جري القلم له بالعمل الصالح فغير منكر أن تكتب للصبي درجة وحسنة في الآخرة بصلاته وزكاته وحجه وسائر أعمال البر التي يعملها على سنتها تفضلاً من الله عز وجل كما تفضل على الميت بأن يؤجر لصدقة الحي عنه ويلحقه ثواب ما لم يقصده ولم يعمله مثل الدعاء والصلاة عليه ونحو ذلك. ألا ترى أنهم أجمعوا على أن الصبي إذا عقل الصلاة يصلي، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنس واليتيم معه وأكثر السلف على إيجاب الزكاة في أموال اليتامى ويستحيل أن لا يؤجروا على ذلك، وللذي يقوم بذلك عنهم أجر كما للذي يحجهم أجر فضلاً من الله عز وجل ونعمة، فلا شيء يحرم الصغير التعرض لفضل الله، وقد روي عن عمر بن الخطاب معنى ما ذكرنا، ولا مخالف له أعلمه ممن يجب إتباع قوله، ثم ذكر بسنده إلى عمر قال: تكتب للصغير حسناته ولا تكتب عليه سيئاته - انتهى. وقال ابن حزم في المحلى (ج7: ص276) : والله تعالى يتفضل بأن يأجرهم ولا يكتب عليهم إثمًا حتى يبلغوا، فإن قيل: لا نية للصبي، قلنا: نعم ولا تلزمه، إنما تلزم النية المخاطب المأمور المكلف والصبي ليس مخاطبًا ولا مكلفًا، وإنما أجره تفضل من الله تعالى مجرد عليه كما يتفضل على الميت بعد موته ولا نية له ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعد موته وبما يعمله غيره عنه من حج أو صيام أو صدقة ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء - انتهى. وفي شرح اللباب: اتفقت الأئمة الأربعة على أن الصبي يثاب على طاعته وتكتب له حسناته سواء كان مميزًا أو غير مميز، لكن اختلف أصحابنا هل تكون حسناته له دون أبويه أو يكون الأجر لوالديه من غير أن ينقص من أجر الولد شيء؟ ففي قاضي خان: قال أبو بكر الإسكاف: حسناته تكون له دون أبويه، وإنما يكون للوالد من ذلك
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 313)
..............................................................................................
ــ
أجر التعليم والإرشاد إذا فعل ذلك. وفي الغاية: أن اعتكاف الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف وأجره له دون أبويه - انتهى. وقال بعضهم: تكون حسناته لأبويه أيضًا بناء على التسبب، والأحاديث تدل عليه فقد روي عن أنس أنه قال: من جملة ما ينتفع به المرء بعد موته إن ترك ولدًا تعلم القرآن والعلم فيكون لوالده أجر ذلك من غير أن ينقص من أجر الولد شيء - انتهى. الخامس: هل يجزئ الصبي عن حجة الإسلام، أي الحجة الفريضة؟ قال العيني: وفي أحكام ابن بزيزة: أما الصبي فاختلف القائلون بانعقاد حجه هل يجزيه عن حجة الفريضة؟ فقال داود وغيره يجزيه وقال مالك، والشافعي وغيرهما لا يجزيه، وقال ابن البر في التمهيد: اختلف العلماء أيضًا هل يجزئه عن حجة الإسلام فالذي عليه فقهاء الأمصار الذين قدمنا ذكرهم في هذا الباب أن ذلك لا يجزيه، وذكر أبو جعفر الطحاوي في معاني الآثار حديث الباب ثم قال: فذهب قوم إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأه عن حجة الإسلام، واحتجوا بهذا الحديث وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجزيه عن حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، وكان لهم من الحجة على أهل المقالة الأولى أن في هذا الحديث أن للصبي حجًا، وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا في أن للصبي حجًا وليس ذلك عليه بفريضة ومن جهة القياس فكما له صلاة وليست بفريضة فكذلك قد يجوز أن يكون له حج وليس بفريضة، وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج له، وأما من يقول إن له حجًا وأنه غير فريضة فلم يخالف شيئًا من هذا الحديث، وهذا ابن عباس هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قد صرف حج الصبي إلى غير الفريضة ثم ذكر ابن عبد البر بسند الطحاوي قول ابن عباس بلفظ: أيما غلام حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام وإن أدرك فعليه الحج. قال أبو عمر: على هذا جماعة فقهاء الأمصار وأئمة الأثر. وقال الشوكاني: وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزاه ذلك عن حجة الإسلام لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) في جواب قوله: ((ألهذا حج؟)) وقال الطحاوي: لا حجة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)) على أنه يجزيه عن حجة الإسلام بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له. قال لأن ابن عباس راوى الحديث قال أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح وقد أخرج هذا الحديث مرفوعًا الحاكم (ج1: ص481) وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي (ج5: ص156) ، وابن حزم (ج7: ص44) وصححه. وقال ابن خزيمة: الصحيح موقوف، وأخرجه كذلك، قال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن المنهال. ورواه الثوري عن شعبة موقوفًا ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على رفعه الحارث بن شريح، أخرجه كذلك الإسماعيلي والخطيب، ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس: قال احفظوا عني ولا تقولوا. قال ابن عباس فذكره. وهو ظاهر في الرفع وقد أخرج ابن عدي من حديث جابر بلفظ ((لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى)) ومثل هذا حديث محمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 314)
..............................................................................................
ــ
أدرك فعليه الحج - الحديث، أورده صاحب المنتقي وقال: ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله هكذا مرسلاً. قال صاحب الفتح الرباني: لم أقف على هذا الحديث في المسند، ولعله في كتاب آخر من كتب الإمام أحمد، ولا سيما لم يعزه صاحب المنتقي إلى المسند، قال الشوكاني: وأخرجه أبو داود في المراسيل، وفيه راو لم يسم. قلت: وأخرجه أيضًا ابن حزم في المحلى (ج7: ص44) ، وقال: هو مرسل وعن شيخ لا يدري اسمه ولا من هو؟ قال الشوكاني: فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ وهذا هو الظاهر فيتعين المصير إليه. قال القاضي عياض: أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام إلا فرقة شذت فقالت يجزئه لقوله نعم، وظاهره استقامة كون حج الصبي مطلقًا، والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاط الواجب. ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه محتجين بحديث ابن عباس المذكور يعني الذي رواه الحاكم، والطحاوي، والبيهقي وابن حزم، وغيرهم. السادس: فيمن يحرم عن الصبي، واختلفوا فيه أيضًا، والحديث دليل على أن الأم يجوز لها أن تحرم عنه، خلافًا للشافعية. قال الطبري: واختلف أصحابنا في من يحرم عنه، فأكثرهم ذهب إلى أن ذلك منوط بالولاية في ماله، فمن ثبت له الولاية فيه أحرم عنه، والمعنى بالإحرام عنه أنه ينوي بقلبه أنه جعله محرمًا، وذهب بعضهم إلى أن أمه مقدمة في ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولك أجر)) والأولون يحملون ذلك على ما ذكرناه من أن معناه، أي فيما تتكلفين من أمره بالحج وتعليمه إياه والقيام بأمره - انتهى. وقال النووي: في شرح مسلم أما الولي الذي يحرم عن الصبي فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله وهو أبوه أو جده أو الوصي أو القيم من جهة القاضي أو القاضي أو الإمام، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي، وقيل: إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة وإن لم يكن لهم ولاية المال، وهذا كله إن كان صغيرًا لا يميز، فإن كان مميزًا أذن له الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي أو أحرم الولي عنه لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي من غير المميز أن يقول بقلبه: ((جعلته محرمًا)) - انتهى. وقال في مناسكه: إن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصح على الأصح ولو أحرم عنه وليه صح على الأصح، فإن لم يكن مميزًا أحرم عنه وليه وهو الأب وكذا الجد عند عدم الأب، ولا يتولاه عند وجوده، والوصي والقيم كالأب على الصحيح، ولا يتولاه الأخ والعم والأم على الأصح إذا لم يكن له وصية ولا ولاية من الحاكم. قال ابن حجر: قوله: ((وهو الأب)) ويشرط في الأب كما قاله الأذرعي شروط ولاية المال من العدالة وغيرها، فإن انتفى عنه بعضها انتقلت إلى الجد، وقوله: ((عند عدم الأب)) ، أي أو وجوده لا بصفة الولاية، قوله: ((والأم)) اعترض بما في مسلم ((أن امرأة رفعت صبيًا)) الحديث. ورد بأنه ليس في الحديث أنها أحرمت عنه، وبتقديره يحتمل كونها وصية أو قيمة، أو أن الأجر الحاصل إنما هو أجر الحمل والنفقة - انتهى. وقال الشيخ ولي الدين: لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على صحة الإحرام عنه مطلقًا لاحتمال أن هذا الصبي كان مميزًا فأحرم هو عن نفسه، وعلى تقدير أنه لم يميز فلعل له وليًا
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 315)
..............................................................................................
ــ
أحرم عنه، وعلى تقدير أنها التي أحرمت فلعلها ولية مال - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3: ص253) : إن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، وإن أحرم بدون إذنه لم يصح، لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع، وإن كان غير مميز فأحرم عنه من له ولاية على ماله كالأب والوصي وأمين الحاكم صح، قال: فإن أحرمت أمه عنه صح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولك أجر)) ولا يضاف الأجر إليها إلا لكونه تبعًا لها في الإحرام. وقال الإمام أحمد: في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه، واختاره ابن عقيل، وقال: المال الذي يلزم بالإحرام لا يلزم الصبي وإنما يلزم من أدخله في الإحرام في أحد الوجهين. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه لأنه لا ولاية للأم على ماله، والإحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية، أما غير الأم والولي من الأقارب كالأخ والعم وابنه فيخرج فيهم وجهان بناء على القول في الأم، أما الأجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجهًا واحدًا - انتهى. وقال الدردير: يحرم ولي أب أو غيره عن رضيع قرب الحرم، أي مكة لا من الميقات للمشقة، ويحرم الصبي المميز وهو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب بإذن الولي من الميقات، وألا يحرم بإذنه بل بغيره فله تحليله إن رآه مصلحة ولا قضاء عليه إذا حلله. قال الدسوقي: قوله: أب أو غيره كوصي ومقدم وقاض، وأم وعاصب وإن لم يكن لهم نظر في المال كما نقله الأبي في شرح مسلم وأقره، وخلافًا للشافعية حيث قالوا: الولي الذي يحرم عنه إنما هو الولي الذي له النظر في المال، وقوله ((عن رضيع)) المراد به الصغير المميز - انتهى. وقال في شرح اللباب: ينعقد إحرام الصبي المميز للنقل ويصح أداؤه بنفسه دون غيره ولا يصح من غير الميز في الأداء ولا الإحرام بل يصحان من وليه فيحرم عنه من كان أقرب إليه في النسب فلو اجتمع أخ أو والد يحرم له الوالد على ما في فتاوى قاضي خان، والظاهر أنه شرط الأولوية - انتهى. وفي الغنية: ينعقد إحرام الصبي المميز للنقل إذا أحرم بنفسه، وكذا غير المميز إذا أحرم عنه وليه، فالمميز لا يصح النيابة عنه في الإحرام ولا في أداء الأفعال إلا فيما لم يقدر عليه فيحرم بنفسه ويقضي المناسك كلها بنفسه ويفعل كما يفعل البالغ، وأما غير المميز فلا يصح أن يحرم بنفسه لأنه لا يعقل النية ولا يقدر التلفظ بالتلبية، وهما شرطان في الإحرام فيحرم له وليه والأقرب أولى - انتهى. قال ابن عابدين: المراد من كان أقرب إليه بالنسب، فلو اجتمع والد وأخ يحرم له الوالد كما في الخانية، والظاهر أنه شرط الأولوية - انتهى. السابع: إذا أحرم الصبي فبلغ قبل الوقوف بعرفة ماذا يفعل وهل يجزئه عن حجة الإسلام؟ قال ابن عبد البر: في التمهيد اختلف الفقهاء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك وأصحابه: لا سبيل إلى رفض الإحرام لهذين ولا لأحد ويتماديان على إحرامهما ولا يجزيهما حجهما ذلك عن حجة الإسلام. وقال أبو حنيفة: إن جدد الصبي إحرامًا بعد ما بلغ أجزأه، وقال الشافعي: إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرمًا أجزأه عن حجة الإسلام،
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 316)
..............................................................................................
ــ
وكذلك العبد إذا أحرم ثم عتق قبل الوقوف فوقف بها محرمًا أجزأه عن حجة الإسلام ولم يحتج إلى تجديد إحرام واحد منهما - انتهى. وقال النووي في مناسكه: إذا بلغ الصبي بعد خروج الوقت للوقوف أو قبل خروجه وبعد مفارقة عرفات ولم يعد إليها بعد البلوغ لم يجز عن حجة الإسلام وإن بلغ في حال الوقوف أو بعده فعاد ووقف في الوقت أجزأه عن حجة الإسلام - انتهى. وقال ابن قدامة: في المغني (ج3: ص248) : أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه على أن الصبي إذا حج في صغره والعبد إذا حج في رقه ثم بلغ أو عتق أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلاً. كذلك قال ابن عباس، وعطاء، والحسن والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأي. قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه. وقال الإمام أحمد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدًا، أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن عتق فعليه الحج. رواه سعيد بن منصور في سننه، والشافعي في مسنده عن ابن عباس من قوله، فإن بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فأحرما ووقفا بعرفة وأتما المناسك، أجزأهما عن حجة الإسلام، لا نعلم فيه خلافًا لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج، ولا فعلا شيئًا منها قبل وجوبه، وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان أجزأهما أيضًا عن حجة الإسلام، وكذلك قال ابن عباس، وهو مذهب الشافعي، وإسحاق. وقاله الحسن في العبد. وقال مالك لا يجزئهما، اختاره ابن المنذر. وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ العبد، فأما الصبي فإن جدد إحرامًا بعد أن احتلم قبل الوقوف أجزأه وإلا فلا لأن إحرامهما لم ينعقد واجبًا فلا يجزي عن الواجب كما لو بقيا على حالهما. قال ابن قدامة: ولنا أنه أدرك الوقوف حرًا بالغًا فأجزأه كما لو أحرم تلك الساعة، قال أحمد: قال طاوس عن ابن عباس: إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجته، فإن عتق بجمع لم تجزئ عنه، وهؤلاء يقولون: لا تجزئ، ومالك يقوله أيضًا، والحكم فيما إذا أعتق العبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة فعادا إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر كالحكم فيما إذا كان ذلك فيها لأنهما قد أدركا من الوقت ما يجزئ، ولو كان لحظة، وإن لم يعود أو كان ذلك قبل طلوع الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الإسلام ويتمان حجهما تطوعًا لفوات الوقوف المفروض ولا دم عليها لأنهما حجا تطوعًا بإحرام صحيح من الميقات فأشبها البالغ الذي يحج تطوعًا، وإذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الإتيان بالحج لزمهما ذلك لأن الحج واجب على الفور فلا يجوز تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحر، وإن فاتهما الحج لزمتهما العمرة لأنها واجبة أمكن فعلها فأشبهت الحج، ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا استقر الوجوب عليهما سواء كانا معسرين أو موسرين لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده - انتهى. وقال في الهداية: إذا بلغ الصبي بعد ما أحرم أو أعتق العبد فمضيا لم يجزهما
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 317)
رواه مسلم.
2535- (7) وعنه قال:
ــ
عن حجة الإسلام لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل فلا ينقلب لأداء الفرض، ولو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف ونوى حجة الإسلام جاز، والعبد لو فعل ذلك لم يجز لأن إحرام الصبي غير لازم لعدم الأهلية، وأما إحرام العبد فلازم فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره - انتهى. ويتضح وجه الفرق بين الصبي والعبد عند الحنفية إذ يكفي تجديد الأول إحرامه دون الثاني بما ذكره القاري حيث قال لا يجب الحج على صبي فلو حج فهو نفل لا فرض لكونه غير مكلف فلو أحرم ثم بلغ فلو جدد إحرامه يقع عن فرضه وإلا لا، وإنما جوز له التجديد لكون شروعه غير ملزم، بخلاف العبد البالغ إذا عتق، فإنه ليس له أن يجدد إحرامه بالفرض للزوم الإحرام الأول في حقه بشروعه فليس له أن يخرج عنه إلا بأدائه - انتهى. هذا واختلفت الحنفية في صحة تجديد الإحرام بعد الوقوف فذهب بعضهم إلى أنه معتبر وقال بعضهم لا يعتبر لأن بالوقوف ولو لحظة تم حج النفل ولا يصح في سنة حجتان إجماعًا. (رواه مسلم) هو من إفراد مسلم، لم يخرجه البخاري في صحيحه، ومن عزاه إليهما كابن رشد في البداية ومحب الدين الطبري في القرى فقد سها، وقد أخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص219) ، والشافعي وأبو داود والنسائي والحاكم (ج1: ص484) ، وابن الجارود (ص147) ، والبيهقي (ج5: ص155، 156) وأخرجه مالك مرسلاً. وفي الباب عن جابر أخرجه أحمد، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، وعن السائب بن يزيد أخرجه أحمد والبخاري والترمذي. وعن عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال ((بعثني أو قدمني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل من جمع بليل)) أخرجه البخاري. ووجه دخول هذا الحديث في الباب أن ابن عباس كان دون البلوغ إذ ذاك.
2535- قوله (وعنه) ، أي عن ابن عباس، كذا قال مالك وأكثر الرواة عن الزهري عن سليمان عند الشيخين وغيرهما أن الحديث من مسند عبد الله بن عباس، وخالفهم ابن جريج عن الزهري في الصحيحين أيضًا فقال عن ابن عباس عن الفضل أن امرأة فذكره فجعله من مسند الفضل، وتابعه معمر، وروى ابن ماجة من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس أخبرني حصين بن عوف الخثعمي، قال: قلت: يا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج - الحديث. قال الترمذي: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا فقال أصح شيء فيه ما روي عن ابن عباس عن الفضل. قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة - انتهى. قال الحافظ: وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذٍ وكان عبد الله بن عباس قد تقدم من المزدلفة إلى منى مع الضعفة، وأخرج البخاري في باب التلبيلة والتكبير من طريق عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل أنه لم
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 318)
إن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة،
ــ
يزل يلبي حتى رمى الجمرة. فكان الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة فحضره ابن عباس فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذي وأحمد (ج1: ص75، 76) ، وابنه عبد الله (ج1: ص76) ، والطبري من حديث علي مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدًا، ولفظ أحمد من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: هذا الموقف وعرفة كلها موقف ، فذكر الحديث، وفيه ((ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها)) ، قال: ((واستفتته)) ، وفي رواية ابنه عبد الله: ثم جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أفند وقد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ عنه أن أؤدي عنه؟ قال: نعم فأدي عن أبيك. قال: وقد لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابًا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان. وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه - انتهى. (إن امرأة) قال الحافظ: لم تسم (من خثعم) قال القسطلاني: بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة لا العلمية ووزن الفعل، وهي قبيلة مشهورة، أي من اليمن. وقال السندي: غير منصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث لكونه اسم قبيلة. وقال القاري: أو قبيلة من اليمن سموا به، ويجوز صرفه ومنعه. قال الزرقاني: قبيلة مشهورة سميت باسم جدها واسمه: أفتل بن أنمار. قال الكلبي: إنما سمي خثعم بجمل يقال له: خثعم، ويقال أنه لما تحالف ولد أفتل على إخوته نحروا بعيرًا ثم تخثعموا بدمه، أي تلطخوا به بلغتهم (إن فريضة الله على عباده في الحج) ، أي في أمره وشأنه، ويمكن في بمعنى من للبيانية قاله القاري. (أدركت) ، أي الفريضة (أبي) لم يسم أيضًا وهو مفعول (شيخنا) حال (كبيرًا) نعت له، قال السندي: قوله ((أدركت أبي شيخنا كبيرًا)) إلخ، يفيد أن افتراض الحج لا يشترط له القدرة على السفر وقد قرر صلى الله عليه وسلم ذلك فهو يؤيد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض الحج ليست بالبدن، وإنما هي بالزاد والراحلة، والله تعالى أعلم. (لا يثبت على الراحلة) نعت آخر ويحتمل أن يكون حالاً أيضًا ويكون من الأحوال المتداخلة أو شيخًا بدل لكونه موصوفًا، أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير وله المال أو حصل له المال في هذه الحالة، والأول أوجه. قال الطيبي: وفي رواية: ((لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره)) وفي رواية: ((لا يستمسك على الرحل)) وفي رواية من الزيادة: ((إن شددته خشيت أن يموت)) ، وحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: ((وإن شددت بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله)) قال الحافظ: وهذا يفهم منه على أن من قدر على هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 319)
..............................................................................................
ــ
الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة. وقال الأمير اليماني: ظاهر الحديث مع الزيادة المذكورة أنه لا بد في صحة التحجيج عنه من الأمرين عدم ثباته على الراحلة والخشية من الضرر عليه من شده فمن لا يضره الشد كالذي يقدر على المحفة لا يجزئه حج الغير إلا أنه ادعى في البحر الإجماع على أن الصحة وهي التي يستمسك معها قاعدًا شرط بالإجماع فإن صح الإجماع فذاك وإلا فالدليل مع من ذكرنا - انتهى. وهذا وقد اختلف هل المسئول عنه رجل أو امرأة كما وقع الاختلاف في الروايات في السائل ففي بعض الروايات أنه امرأة، وفي بعضها أنه رجل، وقد بسط ذلك في الفتح (ج7: ص221) ، وفي باب حج المرأة عن الرجل فقال: اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب عن سليمان على أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان فاتفق الرواة على أن السائل رجل. ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه فذكر الاختلاف في الإسناد ثم قال: وأما المتن فقال هشيم عن يحيى عن سليمان: أن رجلاً سأل فقال: إن أبي مات، وقال ابن سيرين عنه فجاء رجل فقال: إن أمي عجوز كبيرة، وقال ابن علية عنه فجاء رجل فقال: إن أبي أو أمي، وخالف الجميع معمر عن يحي فقال: إن امرأة سألت عن أمها. وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار فأحببنا أن ننظر في سياق غيره، فإذا كريب قد رواه عن ابن عباس عن حصين بن عوف الخثعمي، قال قلت: يا رسول الله إن أبي أدركه الحج. وإذا عطاء الخراساني روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي أنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن حجة كانت على أبيه. أخرجهما ابن ماجة، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه ويوافقه ما روى الطبراني من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل بن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، ويوافقهما مرسل الحسن عند ابن خزيمة وقد جمع بعض العلماء وهو الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ والعيني بين هذه الروايات بتعدد القضية إذ قال: إن السؤال وقع مرات: مرة من امرأة عن أبيها ومرة من امرأة عن أمها، ومرة من رجل عن أبيه ومرة في السؤال عن الشيخ الكبير، ومرة في الحج عن الميت لكن قال الحافظ: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت أيضًا والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلي بإسناد قوى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس، قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها وجعلت ألتفت إليها ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة. فعلى هذا فقول الشابة: ((إن أبي)) لعلها لأرادت به جدها، لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل عن أمه، وتحصل من هذا الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 320)
أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع.
ــ
حصين، فإن إسنادها ضعيف، ولعله كان فيه عن أبي الغوث حصين فزيد في الرواية ابن أو أن أبا الغوث كان مع أبيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته والله أعلم - انتهى. وقيل: الأحسن في الجمع بين ذلك أن يقال: إن البنت المذكورة في رواية أبي يعلى كانت مع عم لها لا مع أبيها، فإن التجوز في رواية أبي يعلى من لفظ: ((معه بنت له)) أهون من التجوز في جميع الروايات المختلفة الواردة بلفظ: ((إن أبي شيخ كبير)) فالابنة سألت عن أبيها، والعم سأل عن أبيه، وأيضًا على ما أفاد الحافظ لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن أبيه بعد ما سألت هي عنه (أفأحج عنه) ، أي أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر، والمعنى: أيصح مني أن أكون نائبة عنه في الحج فأحج عنه (قال: نعم) وعند أحمد (ج1: ص212) ((فحجي عن أبيك)) (وذلك) أي جميع ما ذكر جرى (في حج الوداع) بمنى، الوداع بفتح الواو وقيل بكسرها سميت بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت في سنة عشر من الهجرة وفي الحديث دليل على جواز حج المرأة عن الرجل وبالعكس، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز حج المرأة عن الرجل، قالوا: لأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله. وحديث الباب يرد هذا القول. قال ابن بطال: لا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح - انتهى. وقال ابن قدامة في المغني (ج3: ص233) : يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن الرجل والمرأة في الحج في قول عامة أهل العلم، لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل، قال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تحج عن أبيها، وعليه يعتمد من أجاز حج المرأ عن غيره. وفي الباب حديث أبي رزين (يعني الذي يأتي في الفصل الثاني) أحاديث سواه - انتهى. وفيه دليل على وجوب الحج على العاجز الذي يجد الاستطاعة بالغير، قال الخطابي: فيه دليل على أن فرض الحج يلزم من استفاد مالاً في حال كبره وزمانته إذا كان قادرًا به على أن يأمر غيره في حج عنه كما لو قدر على ذلك بنفسه - انتهى. قلت: واختلف العلماء فيه قال ابن رشد: أما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة فعند مالك وأبي حنيفة لا تلزم، وعند الشافعي تلزم، فيلزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره إذا لم يقدره هو ببدنه أن يحج عنه غيره، وهى المسألة التي يعرفونها بالمعضوب وهو الذي لا يثبت على الراحلة - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3: ص227) : من وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزًا عنه لمانع مأيوس من زواله كزمانة أو مرض لا يرجى زواله والشيخ الفاني متى وجد من ينوب عنه في الحج ومالاً يستنيبه به لزمه الحج، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 321)
..............................................................................................
ــ
وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه لأنه تعالى قال: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (- 3: 91) وهذا غير مستطيع، ولنا حديث أبي رزين وحديث ابن عباس في المرأة الخثعمية. وسئل علي رضي الله عنه عن شيخ لا يجد الاستطاعة قال: يجهز عنه - انتهى. وقال الخطابي: استدل الشافعي بخبر الخثعمية على وجوب الحج على المعضوب الزمن إذا وجد من يبذل له طاعته من ولده وولد ولده. ووجه ما استدل به من هذا الحديث أنها ذكرت وجوب فرض الحج على أبيها في حال الزمانة ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور إما بمال أو بقوة بدن أو وجود طاعة من ذي قوة، وقد علمنا عجزه ببدنه ولم يجز للمال ذكر وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه فدل على أن الوجوب تعلق به، ومعلوم في اللسان أن يقال: فلان مستطيع لأن يبني داره إذا كان يجد من يطيعه في ابتنائها كما إذا وجد مالاً ينفقه في بنائها وكما لو قدر عليه بنفسه - انتهى. قال صاحب القرى: ولقائل أن يقول: استفسارها عن جواز الحج عنه وقع بعد إخبارها بإدراك الفرض له، فدل على تعلق الوجوب بأمر آخر غير الطواعية، فإن من لم يعلم جواز حجه عن أبيه لا يعلم وجوب الحج على أبيه بطواعيته وهذا ظاهر لمن تأمله، وليس ذلك الأمر الآخر إلا المال لتعذر القسمين الآخرين، أما الطواعية فلما ذكرناه، وأما القوة في البدن فلإخبارها أن الفرض أدركه وهو بحالة العجز، هذا هو الظاهر ولا وجه لصرف اللفظ عن ظاهره، وتكون هي قد علمت أن الاستطاعة بالمال كالاستطاعة بالبدن. وعلى هذا يكون الحديث حجة على وجوب الحج على المعضوب بسبب الاستطاعة بالمال أو بطواعية الولد قياسًا عليه، وأما غير الولد فيمكن إلحاقه به لوجود مطلق الاستطاعة - انتهى. وقال الحافظ: استدل بالحديث على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكية فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب قلت: فسر المالكية الاستطاعة بإمكان الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة خلافًا للأئمة الثلاثة فإنهم فسروها بالزاد والراحلة كما سيأتي. قال ابن التين: الاستطاعة أن يقدر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، فمن كان عادته السفر ماشيًا، أي وأمكن وصوله ماشيًا لزمه أن يمشي وإن لم يجد راحلة، ومن كان عادته تكفف الناس وأمكنه التوصل به لزمه وإن لم يجد زادًا، ومن كان عادته الركوب والغناء عن الناس لم يلزمه الحج إلا بوجدان ذلك، وصرح الدردير أنه يجب الحج على الأعمى القادر على المشي بقائد ولو بأجرة. وقال عياض: الاستطاعة عند مالك هي القدرة ولو على رجليه دون مشقة فادحة. وقال الأكثر: هي الزاد والراحلة، وجاء فيه حديث وتأويله عندنا أنه أحد أنواع الاستطاعة لا كلها وما وقع من الاختلاف في نقل مذهب أبي حنيفة بين ابن قدامة وابن رشد فهو مبني على اختلاف الروايات عنه كما سيأتي. قال القاري في شرح اللباب في شرائط وجوب الأداء: الأول منها سلامة البدن عن الأمراض والعلل. فقيل: الصحيح أنه شرط الوجوب فحسب على ما في النهاية. وقال في البحر: هو المذهب الصحيح. وقيل: إنه من شرط
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 322)
..............................................................................................
ــ
الأداء على ما صححه قاضي خان في شرح الجامع، واختاره كثير من المشايخ، منهم ابن الهمام، فعلى الأول لا يجب على الأعمى والمقعد والمعضوب، أي: الضعيف والزمن الذي لا حراك به على ما في القاموس، والمراد هنا الشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة. قال ابن الهمام: ففي المشهور عن أبي حنيفة أنه لا يلزمهم الحج. قال في البحر: وهذا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية وهو رواية عنهما. وقالا في ظاهر روايتهما وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعهم ويضعهم. والخلاف المذكور في من وجد الاستطاعة وهو معذور، أما إن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر فالاتفاق على الوجوب - انتهى مختصرًا. واستدل بحديث الباب على وجوب الاستنابة على العاجز عن الحج الفرض، وقال عياض: لا حجة فيه لذلك، لأن قولها ((إن فريضة الله على عباده)) ألخ، لا يوجب دخول أبيها في هذا الفرض، وإنما الظاهر من الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة نزل وأبوها غير مستطيع فسألت هل يباح لها أن تحج عنه له ويكون له في ذلك أجر؟ يعني أن معنى قولها المذكور أن إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه هل يجوز لي ذلك أو هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم. ولا يخالفه. قوله ((فحجي عنه)) لأنه أمر ندب وإرشاد ورخصة لها أن تعمل لما رأى من حرصها على تحصيل الخير لأبيها. قال الحافظ وتعقب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء فيتم الاستدلال، وفي بعض طرق مسلم ((إن أبي عليه فريضة الله في الحج)) ولأحمد في رواية ((والحج مكتوب عليه)) - انتهى. قلت: قولها ((أدركت أبي)) يرد التأويل الذي ذكره عياض فأنه صريح في إدراك الفرض له، والظاهر من إدراك الفرض للإنسان اللزوم وصرف اللفظ عن ظاهره خلاف الأصل وادعى بعض المالكية أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير حكاه عنه ابن عبد البر وتعقب بأن الأصل عدم الخصوصية واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث ((حج عنه وليس لأحد بعده)) ولا حجة فيه لضعف الإسناد مع إرسالهما، وقد عارضه قوله في حديث الجهنية في باب الحج والنذر عن الميت عند البخاري ((اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) وادعى آخرون منهم أن ذلك خاص بالابن يحج عن أبيه ولا يخفى أنه جمود. واستدل بحديث الباب على جواز الحج عن غيره إذا كان لا يستطيع الحج بنفسه وأنه ليس كالصلاة والصوم وسائر الأعمال البدنية وأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك أن الله عز وجل إنما أراد بقوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (- 53: 39) بعض الأعمال دون بعض. قال ابن العربي: حديث الخثعمية حديث متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشريعة من أن ليس للإنسان إلا ما سعي، رفقًا من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله، وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي وبأن عموم السعي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 323)
..............................................................................................
ــ
في الآية مخصوص اتفاقًا وقال الخطابي: في هذا الحديث بيان جواز حج الإنسان عن غيره حيًا وميتًا وأنه ليس كالصلاة والصيام وسائر الأعمال البدنية التي لا تجرى فيها النيابة، وإلى هذا ذهب الشافعي، وكان مالك لا يرى ذلك وقال: لا يجزئه إن فعل وهو الذي روى حديث ابن عباس، وكان يقول في الحج عن الميت: إن لم يوص به الميت أن تصدق عنه وأعتق أحب إليَّ من أن يحج عنه، وكان إبراهيم النخعي، وابن أبي ذئب يقولان: لا يحج أحد عن أحد والحديث حجة على جماعتهم - انتهى. وقال العيني: في الحديث جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك، والليث، والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام، وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال، مشهورها: لا يجوز، ثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به. وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره. وهي رواية عن مالك وإن أوصى به قال القرطبي: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن يعني قوله تعالى: {لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (- 53: 39) فرجع ظاهر القرآن، ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنت ظنًا، قال: ولا يقال قد أجابها النبي صلى الله عليه وسلم على سؤالها، ولو كان ظنها غلطًا لبينه لها، لأنا نقول: إنما أجابها عن قولها ((أفاجع عنه؟ قال: حجى عنه)) لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها - انتهى. وتعقب بأن في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها على ذلك حجة ظاهرة، وأما ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث ((حج عن أبيك، فإن لم يزده خيرًا لم يزده شرًا)) فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف، كذا في الفتح، وذكر ابن حزم في المحلى (ج7 ص 58) حديث ابن عباس هذا من طريق عبد الرزاق ثم أجاب عنه وقد أحسن في الجواب فارجع إليه. وأجاب بعض المالكية عن حديث الخثعمية بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها كالصلاة وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن فيه يظهر الانقياد أو النفور بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال وهو حاصل بالنفس وبالغير. وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح لأن عبادة الحج مالية بدنية معًا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكية الحج عن الميت إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة، وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع لأنه يوجد في الآمر من بذله المال في الأجرة كذا في الفتح. قلت: ويعتضد تغليب حكم المال بحديث الخثعمية وغيره من الأحاديث الواردة في الحج عن الغير حيًا وميتًا، وسيأتي مزيد الكلام في مسألة المستطيع بغيره في
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 324)
..............................................................................................
ــ
شرح حديث ابن عمر سادس أحاديث الفصل الثاني وللمسألة فروع مفيدة جدًا يجب معرفتها منها: أنه لا فرق عند الجمهور بين من وجد الاستطاعة وهو معذور ومن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر لظاهر حديث الخثعمية خلافًا لما هو المشهور عن أبي حنيفة. فإن قيل فلم لا يجوز أن يكون الحج مستقرًا في ذمته قبل العضب؟ لما طرأ العضب سألت عن أداء ما كان واجبًا عليه ويدل عليه رواية أخرى عند مسلم بلفظ ((إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحجي عنه، وكذلك رواية أحمد ((والحج مكتوب عليه)) قلنا لا دلالة في الحديث على وقت الإدراك بل هو مجمل والحديث الأول مبين له، وهو قولها: ((أدركت أبي شيخًا كبيرًا)) ، أي في هذه الحالة ويكون هذا السؤال وقع منها مرتين ذكرت في إحداهما وقت الإدراك وفي الأخرى أخبرت أن عليه الفرض، وتريد الذي أدركه في تلك الحال فيجمع بين الحديثين إذ لا تضاد بينهما. ومنها: أنهم اختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب فقال الجمهور: لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن ميئوسًا منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة كذا في الفتح وقال النووي في مناسكه: ولو استناب المعضوب من يحج عنه فحج عنه ثم زال العضب وشفي لم يجزه على الأصح بل عليه أن يحج. وقال ابن قدامة (ج3 ص228) : ومتى أحج هذا، (أي العاجز عن الحج لمانع مأيوس من زواله كزمانة) عن نفسه ثم عوفي لم يجب عليه حج آخر، وهذا قول إسحاق، وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر: يلزمه لأن هذا بدل إياس فإذا برأ تبين أنه لم يكن مأيوسًا منه فلزمه الأصل. ولنا أنه أتى بما أمر به فخرج عن العهدة كما لو لم يبرأ، أو نقول أدى حجة الإسلام بأمر الشارع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج بنفسه، ولأن هذا يفضي إلى إيجاب حجتين عليه، ولم يوجب الله عليه إلا حجة واحدة - انتهى. وقال في الهداية: والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت، لأن الحج فرض العمر. قال ابن الهمام: وإنما شرط دوامه إلى الموت لأن الحج فرض العمر فحيث تعلق به خطابه لقيام الشروط وجب عليه أن يقوم هو بنفسه في أول أعوام الإمكان، فإذا لم يفعل أثم، وتقرر القيام بها بنفسه في ذمته في مدة عمره، وإن كان غير متصف بالشروط فإذا عجز عن ذلك بعينه وهو أن يعجز عنه في مدة عمره رخص له الاستنابة رحمة وفضلاً منه فحيث قدر عليه وقتًا ما من عمره بعد ما استناب فيه لعجز لحقه ظهر انتفاء شرط الرخصة. ومنها: ما قال ابن قدامة (ج3: ص229) : من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه ليس له أن يستنيب فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة له ذلك، ويكون ذلك مراعى، فإن قدر على الحج بنفسه لزمه وإلا أجزأه ذلك لأنه عاجز عن الحج بنفسه أشبه المأيوس من برئه، ولنا أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه أن فعل كالفقير، وفارق المأيوس من برئه لأنه عاجز على الإطلاق آيس من القدرة على الأصل فأشبه الميت، ولأن النص إنما ورد في الحج عن الشيخ الكبير وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه فلا يقاس عليه إلا من كان مثله فعلى هذا إذا استناب من يرجو
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 325)
..............................................................................................
ــ
القدرة على الحج بنفسه ثم صار مأيوسًا من برئه فعليه أن يحج عن نفسه مرة أخرى لأنه استناب في حال لا تجوز له الاستنابة فيها فأشبه الصحيح - انتهى. وفي الغنية (ص172) : في شرائط النيابة في الحج الفرض دوام العجز إن كان لعذر يرجى زواله عادة كالحبس والمرض فلو عجز فأحج عنه فرضًا كان أمره موقوفًا، فإن دام عجزه حتى مات ظهر أنه وقع مجزئًا عن فرضه وإن قدر عليه وقتًا ما ظهر أنه وقع نفلاً له، وإن كان لعذر لا يرجى زواله عادة كالزمانة والعمى لا يشترط دوامه إلى الموت، إلى آخر ما قال، وارجع لمزيد التفصيل إلى رد المحتار. وقال الحافظ: في الفتح واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت أو عضب، فلا يدخل المريض لأنه يرجى برئه، ولا المجنون لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير لأنه يمكن استغناءه. ومنها: ما قال النووي: أما المعضوب فلا يصح الحج عنه بغير إذنه يعني في الفرض لأنه قال بعد ذلك: وتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الأصح - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3: ص234) : ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضًا كان أو تطوعًا لأنها عبادة تدخلها النيابة فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه، فأما الميت فتجوز عنه بغير إذن واجبًا كان أو تطوعًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحج عن الميت وقد علم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة - انتهى. وعند الحنفية فيه تفصيل كما في شرح اللباب والغنية ومنها: أنه نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان كذا في الفتح. وقال ابن قدامة (ج3: ص230) : لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعًا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ أن يحج غيره عنه، والحج المنذور كحجة الإسلام في إباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة لأنها حجة واجبة فأما حج التطوع فينقسم أقسامًا ثلاثة أحدها: أن يكون ممن لم يؤد حجة الإسلام فلا يجوز أن يستنيب في حجة التطوع. الثاني: أن يكون ممن قد أدى حجة الإسلام وهو عاجز عن الحج بنفسه فيصح أن يستنيب في التطوع، والثالث أن يكون قد أدى حجة الإسلام وهو قادر على الحج بنفسه فهل له أن يستنيب في حج التطوع؟ فيه روايتان. إحداهما: يجوز وهو قول أبي حنيفة. والثانية: لا يجوز وهو مذهب الشافعي لأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض - انتهى. وفي الهداية: تجوز الإنابة في الحج النقل حالة القدرة، لأن باب النفل أوسع ومنها: أن من حج عن غيره وقع الحج. عن المستنيب خلافًا لمحمد بن الحسن فقال: يقع عن المباشر وللمحجوج عنه أجر النفقة. قال العيني: ظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه لحديث الخثعمية، وعند محمد أن الحج يقع عن الحاج وللآخر ثواب النفقة - انتهى. وقال القاري: في الحديث دليل على أن الحج يقع عن الآمر وهو مختار شمس الأئمة السرخسي وجمع من المحققين وهو ظاهر المذهب. ومنها: أنه استدل
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 326)