Arabic source text

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

📘 مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (عبيد الله الرحماني المباركفوري - ت 1414 هـ)

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
..............................................................................................
ــ
هل صارت ميقاتًا لأهل العراق بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ونصه أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف طاوس، وابن سيرين، وأبو الشعثاء، وجابر بن زيد حكاه البيهقي وغيره. وممن قال من السلف أنه منصوص عليه عطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن الصباغ عن أحمد وأصحاب أبي حنيفة، واختلف قول الشافعي فيه فقال في موضع: هو منصوص عليه، وفي موضع: ليس منصوصًا عليه، وكذلك اختلف فيه الشافعية وأكثرهم على أنه منصوص عليه. ويدل لذلك الأحاديث السابقة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي نص فيها أن ذات عرق ميقات العراق. قال النووي: قالوا: وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضها بعضًا ويصير الحديث حسنًا ويحتج به، ويحمل تحديد عمر باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي صلى الله عليه وسلم فحدده باجتهاده فوافق النص - انتهى. واستدل من قال إنه مجتهد فيه بما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: لما فتح هذان المصران (أي الكوفة والبصرة، والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما) ، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنًا، وهو جور، أي ميل عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرن شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر، وقد جاءت بذلك أيضًا آثار عن بعض السلف قال الحافظ بعد ذكرها: هذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصًا، وبه قطع الغزالي، والرافعي في شرح المسند، يعني مسند الشافعي، والنووي في شرح مسلم، وكذا وقع في المدونة لمالك، وصحح الحنفية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في الشرح الصغير، والنووي في شرح المهذب: أنه منصوص. وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه. وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجة من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبي الزبير فلم يشكا في رفعه، ووقع في حديث عائشة وفي حديث الحارث بن عمرو السهمي كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلاً، فلعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال ابن خزيمة: رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا. قلت: أظهر القولين عندي وأرجحهما أن ذات عرق وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث، منها ما هو صحيح الإسناد ومنها ما في إسناده كلام، وبعضها يقوي يعضًا، ولا يعارض ذلك حديث ابن عمر عند البخاري الذي يدل على أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد من عمر، لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رضي الله عنه معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة، فلا مانع من أن تكون هذه منها لا شرعًا ولا عقلاً ولا عادة. قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 367)

..............................................................................................
ــ
عرق فقال ذلك برأيه فأصاب ووافق قول النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان كثير الإصابة - انتهى. وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق بأن العراق لم تكن فتحت يومئذٍ فقال ابن عبد البر: هي غفلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق - انتهى. وبهذا أجاب الماوردي وآخرون فإن قلت: ما الجمع بين حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق، وبقية الأحاديث في التوقيت من ذات عرق؟ قلت: في ذلك أوجه: أحدها: ضعف حديث ابن عباس، فإنه تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو سيئ الحفظ، وبتقدير صحته أحاديث التوقيت من ذات عرق أصح وأكثر وأرجح. الثاني: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق فالإحرام من العقيق أفضل، فإن جاوزه وأحرم من ذات عرق جاز، وبهذا صرح الشافعية، الثالث: أن ذات عرق ميقات لبعض أهل العراق وهم أهل البصرة، والعقيق ميقات للبعض منهم وهم أهل المدائن، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني في الكبير، وفيه أبو ظلال هلال بن زيد، وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور. الرابع: أن ذات عرق كانت أولاً في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، وعلى هذا فذات عرق هو العقيق، واللفظان متواردان على شيء واحد، ومقتضى هذا الجواب وجوب الإحرام من العقيق، والجمهور على خلافه، فإنه لم يقل أحد: بتعيين الإحرام من العقيق، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا. قال ابن المنذر: واختلفوا في المكان الذي يحرم منه من أتى من العراق على ذات عرق، فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعي، وكان مالك، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق يجزئ وهو من العقيق أحوط. اعلم أن من سلك طريقًا إلى الحرم لا ميقات فيها فميقاته المحل المحاذي لأقرب المواقيت إليه كما يدل عليه ما قدمنا نقلاً عن صحيح البخاري من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق لمحاذاتها قرن المنازل، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. قال المحب الطبري: في حديث ابن عمر عند البخاري دلالة على أن من مر على طريق لا ميقات فيه أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه نزولاً على قضاء عمر. وقال الولي العراقي: سكت في حديث ابن عباس عند الشيخين عن قاصد مكة للنسك من غير أن يمر على شيء من هذه المواقيت، وقد قال الجمهور: يلزمه الإحرام إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، وبه قال الأئمة الأربعة، وتمسكوا في ذلك بقول عمر رضي الله عنه لما شكى إليه أهل العراق جور قرن عن طريقهم: ((انظروا حذوها من طريقكم)) والإحرام من محاذاة الميقات أقرب الأمور إلى النص، لأن القصد البعد عن مكة بهذه المسافة، فلزم إتباعه - انتهى. وحاصل مذهب الحنابلة في ذلك على ما في ((مفيد الأنام)) للشيخ ابن جاسر النجدي: من لم يمر بميقات من المواقيت الخمسة، أحرم بحج أو عمرة وجوبًا إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول عمر رضي الله عنه: ((انظروا حذوها من طريقكم)) رواه البخاري، وسن له أن

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 368)

..............................................................................................
ــ
يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعد، إذ الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه حرام، فإن تساويا قربًا منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريق، لأنه أحوط، فإن لم يحاذ ميقاتًا كالذي يجيء من ((سواكن)) إلى ((جدة)) من غير أن يمر ((برابغ)) ولا ((يلملم)) لأنهما أمامه، فيصل ((جدة)) قبل محاذاتهما أحرم من مكة بقدر مرحلتين، فيحرم في المثال من ((جدة)) لأنها على مرحلتين من مكة لأنه أقل المواقيت - انتهى. وقال ابن قدامة: من سلك طريقًا بين ميقاتين فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب لما روينا أن أهل العراق قالوا لعمر: إن قرنا جور عن طريقنا، فقال: انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بعد بحيث تيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرمًا، لأن الإحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لاشك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه، لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم وإن شك في أقرب الميقاتين إليه فالحكم في ذلك على ما ذكرنا في المسألة قبلها، وإن كانتا متساويتين في القرب إليه أحرم من حذو أبعدهما - انتهى. وقال الحافظ: قد نقل النووي في شرح المهذب: من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتًا يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارًا بقول عمر: هذا في توقيته ذات عرق، وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذي قرنًا وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل، لأن ما زاد عليه مشكوك فيه، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد - انتهى. قلت: مذهب الشافعية: أن من سلك البحر أو طريقًا ليس فيه شيء من المواقيت الخمسة، أحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإذا كان عند محاذاة ذي الحليفة على ميلين منها وعند محاذاة الجحفة على ميل كان ميقاته الجحفة، وإن استويا في القرب إليه أحرم عند محاذاة الأبعد من مكة، فإن لم يحاذ شيئًا - كالآتي من غربي جدة في البحر - أحرم على مرحلتين من مكة قال ابن حجر الهيتمي المكي في ((تحفة المحتاج بشرح المنهاج)) : (من سلك طريقًا) في بر أو بحر (لا ينتهي إلى ميقات، فإن حاذى ميقاتًا) ، أي سامته بأن كان على يمينه أو يساره ولا عبرة بما أمامه أو خلفه (أحرم من محاذاته) فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة اجتهد ويسن أن يستظهر ليتيقن المحاذاة، فإن لم يظهر له شيء تعين الاحتياط (أو) حاذى (ميقاتين) بأن كان إذا مر على كلٍ تكون المسافة منه إليه واحدة (فالأصح أن يحرم من محاذاة أبعدهما) من مكة وإن حاذى الأقرب إليها أولا وليس له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب إليها، كما ليس للمار على ذي الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، فإن استوت مسافتهما في القرب إلى طريقه وإلى مكة أحرم من محاذاتهما، ما لم يحاذ أحدهما قبل الآخر، وإلا فمنه، أما إذا لم تستو مسافتهما إليه بأن كان بين طريقه وأحدهما إذا مر عليه ميلان، والآخر إذا مر عليه فهذا هو ميقاته، وإن كان

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 369)

..............................................................................................
ــ
أقرب إلى مكة. قال الشرواني: في حاشيته والحاصل أن العبرة أولاً بالقرب إليه ثم بالبعد من مكة، ثم بالمحاذاة أولاً؛ فإن انتفى جميع ذلك فمن محاذاتهما - انتهى. قال ابن حجر: (وإن لم يحاذ) شيئًا من المواقيت (أحرم على مرحلتين من مكة) لأنه لا ميقات دونهما. قال: والإحرام من المرحلتين هنا بدل عن أقرب ميقات إلى مكة، وأقرب ميقات إليها على مرحلتين منها، لا من الحرم، فاعتبرت المسافة من مكة لذلك. لا يقال: المواقيت مستغرقة لجهات مكة فكيف يتصور عدم محاذاته لميقات؟ فينبغي أن المراد عدم المحاذاة في ظنه دون نفس الأمر، لأنا نقول يتصور بالجائي من ((سواكن)) ((إلى جدة)) من غير أن يمر برابغ أو بيلملم لأنهما حينئذٍ أمامه، فيصل جدة قبل محاذاتهما؛ وهي على مرحلتين من مكة، فتكون هي ميقاته. قال النووي: (وإن بلغ الميقات مريدًا) للنسك (لم تجز مجاوزته) إلى جهة الحرم (بغير إحرام) قال ابن حجر: خرج بقولنا: ((إلى جهة الحرم)) ما لو جاوزه يمنة أو يسرة فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات كما قاله الماوردي. وجزم به غيره. وبه يعلم أن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة، لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم كما صرحوا به - انتهى. ومذهب الحنفية أن من سلك طريقًا ليس فيه ميقات معين برًا أو بحرًا اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتًا منها، ومن حذو الأبعد أولى. وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، كجدة. قال صاحب البحر: قد قالوا: من كان في برً أو بحرً لا يمر بواحد من هذه المواقيت المذكورة، عليه أن يحرم إذا حاذى آخرها، ويعرف بالاجتهاد، وعليه أن يجتهد فإذا لم يكن بحيث يحاذي فعلى مرحلتين إلى مكة. ولعل مراده بالمحاذاة المحاذاة القريبة من الميقات، وإلا فآخر المواقيت باعتبار المحاذاة ((قرن المنازل)) وقال القاري في شرح المناسك: وعين هذه المواقيت ليست بشرط ولهذا يصح الإحرام قبلها، بل الواجب عينها أو حذوها، أي محاذاتها ومقابلتها، فمن سلك غير ميقات، أي طريقًا ليس فيه ميقات معين برًا أو بحرًا اجتهد، وأحرم إذا حاذى ميقاتًا منها، أي من المواقيت المعروفة ومن حذو الأبعد أولى، فإن الأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو الطرف الأبعد عن مكة، حتى لا يمر بشيء مما يقال ميقاتًا غير محرم، ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز باتفاق الأربعة، وإن لم يعلم المحاذاة فإنه لا يتصور عدم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، كجدة المحروسة من طرف البحر. وقال في حاشية قوله: ((كجدة)) فإنها على مرحلتين عرفيتين من مكة، وثلاث مراحل شرعية ووجهه أن المرحلتين أوسط المسافات وإلا فالاحتياط الزيادة، كذا في شرح نظم الكنز. وأقول: لعل وجهه أيضًا أن أقرب المواقيت إلى مكة على مرحلتين عرفيتين من مكة، فقدر بذلك - انتهى. وقال في غنية الناسك: ومن كان في بر أو بحر لا يمر بواحد من المواقيت الخمس تحرى إذا لم يجد من يستخبره، وأحرم إذا غلب على ظنه أنه حاذى آخرها، قربت المحاذاة من الميقات أو بعدت كما في رد المحتار عن النهر، ومن حذو الأبعد أولى، وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين عرفيتين من مكة كجدة من طرف البحر، فإنها على مرحلتين عرفيتين من

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 370)

ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم. رواه مسلم.
2542- (14) وعن أنس قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة،
ــ
مكة وثلاث مراحل شرعية (طوالع) - انتهى. وفي منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية ((قال مالك)) : ومن حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذى الجحفة. قال شارحه الشيخ محمد البناني: أي ولا يؤخره إلى البر، وعليه درج الخرشي في شرحه حيث قال: إن من سافر في البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخره إلى البر - انتهى. فعليه إذا لم يحرم عند محاذاة الميقات ببحر وأخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم تنبيه: قد اتضح مما ذكرنا من كلام ابن حجر المكي، وعلي القاري وغيرهما أنه لا يجب على الحاج الهنود والباكستانيين القادمين بالباخرة للحج أو العمرة أن يحرموا في أي محل من البحر قبل وصولهم إلى جدة، بل يجوز لهم أن يؤخروا الإحرام في البحر ويحرموا بعد نزولهم على ميناء جدة من جدة، لأنه لا يقع ميقات من المواقيت الخمسة في طريق بواخر الحجاج القادمين من الهند أو الباكستان ولا تحاذي شيئًا منها بل تقطع طريقها في البحر في حدود الآفاق بعيدة عن يلملم التي هي جبل من جبال نهامة وقريبة من مكة، فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة قادمة من الهند والباكستان أن تتجاوزها أو تتجاوز خط محاذاتها إلى الحل الصغير ولو كانت تجري على الساحل فإن المواقيت الخمسة والخطوط الممتدة من ميقات إلى آخر الموصلة بعضها ببعض المحددة لحدودها كلها في البر، وأقرب المواقيت إلى مكة على مرحلتين منها، وجدة أيضًا على مرحلتين من مكة، فيجب عليهم أن يحرموا منها، وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً فتذكر. (رواه مسلم) ، قد تقدم أن مسلمًا رواه مشكوكًا في رفعه وكذا أخرجه أبو عوانة في مستخرجه، والشافعي، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى والدارقطني، والبيهقي من طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن جابر، وأحمد من طريق ابن لهيعة، والحجاج، وابن ماجة من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، الثلاثة عن أبي الزبير عن جابر، فلم يشكوا في رفعه إلا أن الحجاج مدلس. وابن لهيعة ضعفوه لاختلاطه بعد احتراق كتبه، وإبراهيم ابن يزيد غير محتج به، لكن لحديث جابر في توقيت ذات عرق لأهل العراق شواهد مرفوعة جياد حسان يجب العمل بمثلها مع تعددها ومجيئها مسندة ومرسلة من وجوه شتى.
2542- قوله: (أربع عمر) بضم ففتح جمع عمرة (كلهن) ، أي بعد الهجرة (في ذي القعدة) بفتح القاف وبكسر بناء على أنه من المرة أو الهيئة، سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار، وإنما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العمر في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر ولبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فإنهم كانوا يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور ففعله صلى الله عليه وسلم مرات في ذي القعدة وهو من أشهر الحج ليكون أبلغ في بيان جوازه، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 371)

إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة،
وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين
ــ
عليه (إلا التي كانت مع حجته) بفتح الحاء وكسرها والمراد أي انتهاء وإلا فهي بالنظر إلى الابتداء كانت في ذي القعدة واستشكل ابن التين هذا الاستثناء فقال: هو كلام زائد والصواب حذفه لأنه عد التي مع حجته فكيف يستثنيها أولاً؟ وأجاب عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال في ذي القعدة منها ثلاث والرابعة عمرته في حجته، أو المعنى كلها في ذي القعدة إلا التي اعتمر في حجته، لأن التي في حجته كانت في ذي الحجة (عمرة) بالنصب على البدلية وبالرفع على أنه مبتدأ موصوف بقوله: (من الحديبية) بحاء مضمومة فمهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ثانية مخففة، وقيل مشددة، أحد حدود الحرم على تسعة أميال من مكة. والخبر قوله: (في ذي القعدة) والحديبية قيل: اسم لبئر في طريق جدة سميت بشجرة حدباء هناك. قال الفاسي: يقال: إنها المعروفة الآن ببئر شمس، وقيل: شميس بالتصغير. وقال أبو علي البغدادي: في كتاب النوادر الحديبية مخففة الياء، موضع بين الحل والحرم. وقال أبو عمر ابن عبد البر: الحديبية آخر الحل وأول الحرم، وقيل: بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وقيل: أكثرها في الحرم، وقال البخاري: الحديبية خارج من الحرم - انتهى. ووقع في رواية لمسلم: ((أو زمن الحديبية)) وهو شك من الراوي، والمعنى واحد، وفي رواية للبخاري: ((عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون)) وكان توجهه صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، فخرج قاصدًا إلى العمرة وأحرم في ذي الحليفة، ولما بلغ الحديبية صده قريش عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل وتحلل هو وأصحابه من العمرة بالنحر، ثم الحلق ورجع إلى المدينة، وعدوها من العمر مع عدم الطواف والسعي لترتب أحكامها من نحر الهدي، والحلق، أي الخروج من الإحرام، وقيل: باعتبار النية المترتب عليه المثوبة. وقال الكرماني: عمرة المحصر عن الطواف محسوبة بعمرة وإن لم تتم مناسكها، وعمرة الحديبية هي: العمرة الأولى من الأربع والثانية (عمرة) بالنصب والرفع كما مر (من العام المقبل في ذي القعدة) وهي: عمرة القضاء أو القضية سنة سبع (وعمرة من الجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وبكسر العين وتشديد الراء لغتان، والأول ذهب إليه الأصمعي وصوبه الخطابي. قال ابن المديني: أهل المدينة يثقلون وأهل العراق يخففون، وبالتخفيف قيدها المتقنون. وقال الخطابي في ((تصحيف المحدثين)) : إن هذا مما ثقلوه وهو مخفف وهي موضع قريب من مكة معروف، بينها وبين الطائف وهي إلى مكة أقرب. قال القاري: وهو على ستة أميال أو تسعة أميال وهو الأصح، وسمي هذا الموضع باسم امرأة كانت تلقب بالجعرانة، وهي ريطة بنت سعد بن زيد بن عبد مناف، وقيل: كانت من قريش، وهي المشار إليها في قوله تعالى: {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} (16: 92) كانت تغزل من أول النهار إلى نصفه ثم تنقضه، فضربت بها العرب مثلاً في الحمق ونقض ما أحكم من العقود وأبرم من العهود (حيث قسم غنائم حنين) بعد فتح مكة،

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 372)

في ذي القعدة، وعمرة مع حجته،
ــ
وحنين بالتصغير واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال (في ذي القعدة) ، وهي العمرة الثالثة، وكانت في سنة ثمان بعد فتح مكة غزوة هوازن وغزوة الطائف. ويوم حنين هو: غزوة هوازن لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، نزل الجعرانة فقسم بها غنائم هوازن، ثم اعتمر منها فدخل مكة بهذه العمرة ليلاً، فقضى عمرته ثم خرج منها تحت ليلته إلى الجعرانة فبات بها، فلما أصبح وزالت الشمس خرج منها في بطن سرف حتى جامع الطريق طريق المدينة بسرف، ومن ثم خفيت هذه العمرة على كثير من الناس، (وعمرة مع حجته) أي مقرونة مع حجته وهي: الرابعة التي قرنها بحجة الوداع سنة عشر، وهي أيضًا باعتبار إحرامها كانت في ذي القعدة، وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد (ج1: ص246، 276) ، والترمذي و، أبي داود، وابن ماجة، وسكت عنه أبو داود، والمنذري. ورجاله كلهم ثقات. وعن عائشة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة الوداع)) وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وعن ابن عمر أنه سئل: كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربع. الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذه الأحاديث تدل على أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر: (الأولى) : عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة (والثانية) : عمرة القضاء في السنة السابعة (والثالثة) : عمرة الجعرانة في السنة الثامنة بعد فتح مكة (والرابعة) : كانت مع حجته سنة عشرة، وكلها كانت في ذي القعدة إلا الرابعة فكانت في ذي الحجة، هذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وذهب إليه المحققون من المحدثين والفقهاء. وقد ورد ما يخالف ذلك في العدد كحديث البراء التالي وحديث ابن عمر أنه سئل: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: مرتين. أخرجه أحمد (ج2: ص70) ، وأبو داود، والنسائي، وحديث عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال. أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر كل ذلك في ذي القعدة. أخرجه أحمد (ج2: ص180) ، وفيه الحجاج بن أرطاة، وفيه كلام وقد وثق، وحديث عائشة عند أحمد بإسناد صحيح: ((ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة، ولقد اعتمر ثلاث عمر)) وحديث عروة عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر، عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال. أخرجه سعيد بن منصور في سننه، والبيهقي (ج4: ص346) ، وقوى الحافظ إسناده وحديث أبي هريرة ((قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلها في ذي القعدة)) أخرجه البيهقي (ج4: ص345) ، وحديث جابر بمثل حديث أبي هريرة عند البزار، والطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. وحديث عمر بن الخطاب قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا قبل حجه في ذي القعدة. أخرجه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلا أن سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر. والجمع بين حديث أنس ومن وافقه وبين أحاديث هؤلاء الصحابة أن من قال مرتين لم يعد العمرة التي كانت مع حجته لأنها كانت مقرونة بحجه، وكانت في ذي الحجة كما تقدم، وكأنه لم يعد أيضًا العمرة الأولى

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 373)

..............................................................................................
ــ
وهي عمرة الحديبية لكونها لم تتم، وإن كانت وقعت في ذي القعدة، أو عدها ولم يعد عمرة الجعرانة لخفائها عليه، لكونها ليلاً، ومن قال: ثلاثًا. لم يحسب العمرة التي قرنها بحجته لأن حديثه مقيد بكون ذلك في القعدة، والتي في حجته كانت في ذي الحجة وقال ابن حزم: صدقت عائشة، وصدق ابن عمر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر مذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة إلا اثنتين كما قال ابن عمر - وهما عمرة القضاء وعمرة الجعرانة عام حنين - وعدت عائشة إلى هاتين العمرتين عمرة الحديبية التي صد عنها صلى الله عليه وسلم، فأحل بالحديبية ونحر الهدي. والعمرة التي قرن مع حجة الوداع لم يكمل أفعالها، فتألف قولاهما، وعلى ذلك يحمل قول أنس: ((أربع عمر)) ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة، والصحيح أن الثلاث كانت في القعدة. واختلفوا هل اعتمر الرابعة؟ فمن قال: إنه كان قارنًا أو متمتعًا في حجته عدها أربعًا، ومن قال إنه كان مفردًا عدها ثلاثًا. ويجوز على هذا نسبة الرابعة إليه، لأنه أمر الناس بها وعملت بحضرته. وأما ما ورد مخالفًا لذلك في الزمن كحديث ابن عمر عند الشيخين: ((أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعًا إحداهن في رجب)) فيحمل على النسيان كما صرحت بذلك عائشة فقالت: ((يغفر الله لأبي عبد الرحمن نسى)) وكذلك قال غير واحد من المحدثين المحققين. وأما ما وقع في رواية عائشة عند أبي داود، وسعيد بن منصور، والبيهقي أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة في شوال، فيجمع بينه وبين ما ورد في الأحاديث الصحيحة أن الثلاثة كانت في ذي القعدة، بأن يكون ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما وقع في رواية عائشة نفسها عند أحمد، وابن ماجة بإسناد صحيح: ((أنه ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة)) وأما ما رواه الدارقطني عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتمت، الحديث. وقد قدمنا الكلام عليه في قصر الصلاة (ج2: ص265) فقال ابن القيم: هذا الحديث غلط فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط وعمره مضبوطة العدد والزمان، ويرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان قط، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة. رواه ابن ماجة وغيره. ولا خلاف أن عمره لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسًا، ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ستًا إلا أن يقال: بعضهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضهن في ذي القعدة، وهذا لم يقع. وإنما الواقع اعتماره صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة كما قال أنس، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم انتهى. وقال القسطلاني: قد حكم الحافظ بغلط هذا الحديث يعني حديث عائشة عند الدارقطني، إذ لا خلاف أن عمره لم تزد على أربع. وقد عينها أنس وعدها، وليس فيها ذكر شيء منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجته، ولو كانت له عمرة في رجب، وأخرى في رمضان لكانت ستًا، ولو كانت أخرى في شوال - كما هو في سنن أبي داود عن عائشة، أنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في شوال - كانت سبعًا. والحق في ذلك أن ما أمكن فيه الجمع وجب ارتكابه دفعًا للمعارضة، وما لم يمكن فيه، حكم بمقتضى الأصح والأثبت.

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 374)

متفق عليه.
2543- (15) وعن البراء بن عازب قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. رواه البخاري.
‌‌(الفصل الثاني)
2544- (16) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج،
ــ
وهذا أيضًا يمكن الجمع بإرادة عمرة الجعرانة، فإنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى حنين في شوال، والإحرام بها في ذي القعدة، فكان مجازًا للقرب، وهذا إن صح وحفظ، وإلا فالمعول عليه الثابت. والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج، وفي المغازي، ومسلم في الحج واللفظ للبخاري في المغازي، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود والترمذي، والدارمي، والبيهقي (ج4: ص345) .
2543- قوله: (اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين) لا ينافي ما تقدم من حديث أنس وغيره كما سبق. قال القسطلاني: هذا لا يدل على نفي غيره، لأن مفهوم العدد لا اعتبار له. وقيل: إن البراء لم يعد الحديبية لأنها لم تتم، والتي مع حجته لكونها دخلت في أفعال الحج، وكلهن أي الأربعة في القعدة في أربعة أعوام على ما هو الحق، كما ثبت عن عائشة، وابن عباس رضي الله عنهم: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة، ولا ينافيه كون عمرته التي مع حجته في ذي الحجة، لأن مبدأها كان في ذي القعدة، لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة، كما في الصحيح، وكان إحرامه بها في وادي العقيق قبل أن يدخل ذو الحجة، وفعلها كان في ذي الحجة، فصح طريقا الإثبات والنفي. (رواه البخاري) من طريق يوسف بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن البراء، وروى أحمد (ج4: ص297) من طريق زكريا عن أبي إسحاق عن البراء قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج. واعتمر قبل أن يحج فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج فيها. وليس في رواية البراء هذه ما يدل نصًا على عدد عمره، ولا ما يدل على وقت عمرته من أي شهر. وروى أيضًا أحمد (ج4: ص298) ، والترمذي من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وليس فيه ما يدل على عدد عمره في ذي القعدة هل اعتمر فيه مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لكن الظاهر أن المراد بيان عمرة الحديبية وعمرة القضاء كما وقع في رواية أحمد أيضًا (ج4: ص298) من طريق حجين عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. والله أعلم.
2544- قوله: (يا أيها الناس) خطاب عام يخرج منه غير المكلف (كتب عليكم الحج) أي: فرض بقوله تعالى:

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 375)

فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها نعم لوجبت، ولو وجبت
لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا
ــ
{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (3: 97) (فقام الأقرع بن حابس) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي المجاشعي الدارمي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه. قال ابن إسحاق: قدم الأقرع بن حابس على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عطارد بن حاجب بن زرارة، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم وغيرهم من أشراف تميم بعد فتح مكة وقد كان الأقرع وعيينة بن حصن الفزاري شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينًا والطائف، فلما قدم وفد تميم كانا معه، فلما قدم وفد بني تميم المدينة ودخلوا المسجد نادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته: أن اخرج علينا يا محمد، فآذى ذلك من صياحهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، ونزل فيهم القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (49: 4) والأقرع بن حابس هو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مدحي زين وإن ذمي شين)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلكم الله سبحانه. قال بن دريد: اسم الأقرع فراس، ولقب الأقرع لقرع كان به في رأسه، والقرع انحصاص الشعر. وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وشهد مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق وكان على مقدمته. واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيره إلى خراسان فأصيب هو والجيش بالجوزجان وذلك في زمن عثمان (أفي كل عام؟) أي أكتب في كل عام قياسًا على الصوم، والزكاة فإن الأول: عبادة بدنية. والثاني: طاعة مالية والحج مركب منهما (لو قلتها) أي في جواب كلمة الأقرع (نعم) أي بالوحي أو الاجتهاد، قاله القاري. وقال ابن حجر: قوله: ((لو قلتها نعم)) إنه بدل من الضمير الراجع لما علم مما قبله وهو حجة كل عام. قلت: الحديث رواه أحمد ثمان مرات وليس في موضع منها: ((لو قلتها نعم)) فلفظه في الموضع الأول والثاني (ج1: ص255، 290، 291) : ((لو قلتها لوجبت)) أي بدون لفظة نعم. وهكذا ذكره البغوي في المصابيح، والمجد في المنتقى، وكذا وقع في رواية الدارمي، والبيهقي، وفي الموضع السابع (ج1: ص371) ، والثامن (ج1: ص372) : ((لو قلت: نعم)) أي بدون ضمير المؤنث وهكذا في رواية النسائي والحاكم والدارقطني، وفي الموضع الثالث (ج1: ص292) ، والخامس (ج1: ص323) ، والسادس (ج1: ص325) : ((لو قلت: كل عام لكان)) وفي الموضع الرابع (ج1: ص301) : ((لو قلت: نعم كل عام لكان كل عام)) فالظاهر أن ما وقع في نسخ المشكاة ((لو قلتها نعم)) أي بالجمع بين ضمير المؤنث وقوله نعم خطأ من الناسخ، والعلم عند الله تعالى (لوجبت) أي الحجة في كل عام (ولو وجبت) أي بالفرض والتقدير ابتداء أو بناء على الجواب (لم تعملوا بها) أي لكمال المشقة فيها (ولم تستطيعوا) قال القاري: أي ولم تطيقوا لها ولم تقدروا عليها فهو إما عطف تفسير والخطاب إجمالي للأمة أو

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 376)

والحج مرة فمن زاد فتطوع. رواه أحمد، والنسائي، والدارمي.
2545- (17) وعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم
يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا،
ــ
للحاضرين والباقون على التبعية، ويؤيده أنه في رواية: ((ولم تستطيعوا أن تعملوا بها)) أي كلكم من حيث المجموع، وإما عطف تغاير وعدم الاستطاعة مختص بمن يكون بعيدًا عن الحرم وهذه الاستطاعة أريد بها القدرة على الفعل، والاستطاعة في الآية إنما هي الزاد والراحلة فلا تنافي بينهما - انتهى. قلت: وقع في رواية أحمد (ج1: ص291) : ((لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها)) أي بواو العطف وكذا عند البيهقي، وفي أخرى لأحمد (ج1: ص255) : ((لم تعملوا بها أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها)) أي بحرف ((أو)) وهكذا عند الحاكم (ج2: ص293) (والحج) وفي بعض النسخ الحج أي بدون الواو وهكذا وقع عند أحمد (ج1: ص291) ، والدارمي، والحاكم، والبيهقي، وكذا ذكره المجد في المنتقى والبغوي في المصابيح، والزيلعي، وابن كثير (مرة) مبتدأ وخبر أي وجوب الحج مرة واحدة (فمن زاد فتطوع) كذا في جميع النسخ وهكذا في المصابيح، والسنن للبيهقي، والمستدرك للحاكم (ج2: ص293) ، وفي المسند: ((فهو تطوع)) وهكذا عند أبي داود أي من زاد على مرة فحجته أو فزيادته تطوع. (رواه أحمد) في مسنده ثمان مرات مطولاً ومختصرًا (والنسائي، والدارمي) وأخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجة، والدارقطني (ص255، 280) ، والحاكم (ج1: ص441، 470، وج2: ص293) ، وابن الجارود (ص147) ، والبيهقي (ج4 ص326) ، والطيالسي (ص348) وهو حديث صحيح. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
2545- قوله: (من ملك زادًا وراحلة) أي ولو بالإجازة و ((الزاد)) ما يتخذ من الطعام للسفر والجمع أزودة وأزواد و ((الراحلة)) من الإبل ما كان منها صالحًا لأن يرحل للذكر والأنثى، والتاء للمبالغة أي: لا للتأنيث، وقيل للنقل من الوصفية إلى الاسمية والجمع رواحل، وفي معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية الجوية (تبلغه) بتشديد اللام وتخفيفها أي: توصله (إلى بيت الله) ترك ذكر نفقة العود للظهور (ولم يحج) بفتح الجيم المشددة ويجوز ضمها وكسرها (فلا عليه) أي: فلا بأس ولا مبالاة ولا تفاوت عليه (أن يموت) أي: في أن يموت أو بين أن يموت (يهوديًا أو نصرانيًا) في الكفر إن اعتقد عدم الوجوب، وفي العصيان إن اعتقد الوجوب، وقيل: هذا من باب التغليظ الشديد والمبالغة في الوعيد لمن اعتقد وجوبه وتساهل في الأداء وهو قادر عليه، والأظهر أن وجه تخصيص الطائفتين بالذكر كونهما من أهل الكتاب غير عاملين به فشبه بهما من ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره قاله القاري. وقال الطيبي: قوله: ((فلا عليه)) إلخ. أي: لا يتفاوت عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، والمعنى أن وفاته في

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 377)

وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} .
ــ
هذه الحالة ووفاته على اليهودية والنصرانية سواء فيما فعله من كفران نعمة الله تعالى وترك ما أمر به والانهماك في معصيته وهو من باب المبالغة والتشديد والإيذان لعظمة شأن الحج، ونظيره قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (3: 97) فإنه وضع فيه ((ومن كفر)) موضع ((ومن لم يحج)) تعظيمًا للحج وتغليظًا على تاركه - انتهى. وقال الشيخ ولي الله الدهلوي في حجة الله: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه الخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج باليهودي والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون، ومشركوا العرب يحجون ولا يصلون - انتهى. وقال المحب الطبري: الإجماع منعقد على أن هذا ليس على ظاهره، وأن من مات من المسلمين ولم يحج وكان قادرًا عليه لا يكون تركه الحج مخرجًا له عن الإسلام، وهو محمول على المستحل لذلك فيكفر به، أو أن فعله أشبه فعل اليهودي والنصراني (وذلك أن الله) أي ما ذكر من شرط الزاد والراحلة والوعيد على ترك هذه العبادة لأن الله (تبارك) تكاثر خير وبره (وتعالى) عظمته وغناه (يقول) أي في كتابه: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ} أي واجب عليهم {حِجُّ الْبَيْتِ} بفتح الحاء وكسرها لغتان وقراءتان سبعيتان في مصدر حج بمعنى قصد {مَنِ اسْتَطَاعَ} منهم {إِلَيْهِ} أي إلى حج البيت الحرام لأنه المحدث عنه وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت لكن الأول أولى، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ} لأنه من المخصصات عند الأصوليين، فالحج فرض على المكلف إليه سبيلاً، وهو الذي يقدر على الوصول إليه بأي مركوب يناسبه وزاد يتزوده ولهذا أتى بهذا اللفظ الذي يمكن تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة والتي ستحدث وهذا من آيات القرآن حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل حال ولا يمكن الصلاح التام بدونها {سَبِيلاً} أي طريقًا وفسر صلى الله عليه وسلم استطاعة الطريق بالزاد والراحلة، رواه عنه غير واحد من الصحابة وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث ابن عمر. قال الشوكاني: اللام في قوله: {لِلّهِ} هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام ثم زاد هذا المعنى تأكيدًا حرف {عَلَى} فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب كما إذا قال القائل: لفلان على كذا. فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدًا لحقه وتعظيمًا لحرمته، وهذا الخطاب شامل لجميع الناس، لا يخرج منه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد. وقوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ} في محل جر على أنه بدل بعض من الناس، وبه قال أكثر النحويين -انتهى. والحديث مع الآية صريح في تشديد الوعيد على من ملك زادًا وراحلة ولم يحج وقد استدل بظاهره من ذهب إلى وجوب الحج على الفور وقال: لو كان على التراخي لما كان للتوعد معنى وأجاب عنه من ذهب إلى أن الحج على التراخي بأنه لا حجة فيه إما على تأويل أنه محمول على المستحل لذلك فيكفر به فظاهر، وإما على تأويل أن فعله أشبه فعل اليهودي والنصراني فغايته أن يدل على تأثيمه، ونحن نقول

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 378)

رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول
والحارث يضعف في الحديث
ــ
بذلك وهو أصح قولي الشافعي، والتأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة. وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث ابن عباس الآتي (رواه الترمذي) وأخرجه أيضًا ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب كلهم من طريق هلال أبي هاشم الخراساني عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث عن علي (وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله) الراوي للحديث عن أبي إسحاق (مجهول) وسئل إبراهيم الحربي عنه فقال من هلال؟ وقال بن عدي: يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ، وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وذكر الذهبي حديث علي هذا في ترجمة هلال بن عبد الله المذكور وقال: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال الحافظ في التقريب في ترجمته متروك، وقد روي عن علي موقوفًا ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا، وقال المنذري: طريق أبي أمامة على ما فيها أصلح من هذه. (والحارث يضعف في الحديث) الحارث هذا هو بن عبد الله الأعور الهمداني الحوتي الكوفي وقد تقدم ترجمته في (ج3: ص67) . اعلم أنه ورد في ترهيب من قدر على الحج فلم يحج أحاديث منها حديث علي وقد عرفت حاله ومنها حديث أبي أمامة وهو ثالث أحاديث الفصل الثالث وقد أخرجه الدارمي، وسعيد بن منصور في السنن، وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي من طريق عن شريك عن ليث بن أبي سليم عن ابن سابط عن أبي أمامة بلفظ: ((من لم يحسبه مرض أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائز، فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا)) لفظ البيهقي، ولفظ أحمد: ((من كان ذا يسار فمات ولم يحج)) الحديث، وليث ضعيف وشريك سيئ الحفظ وقد خالفه سفيان الثوري فأرسله، رواه أحمد في كتاب الإيمان له، عن وكيع عن سفيان عن ليث عن بن سابط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة)) فذكره مرسلاً، وكذا ذكره ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن ليث مرسلاً، وأرده أبو يعلي من طريق أخرى عن شريك مخالفة للإسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطرف ضعيف. وقال الذهبي في الميزان بعد أن ذكر طريق أبي يعلى هذه في ترجمة عمار بن مطر الرهاوي المذكور الراوي عن شريك: هذا منكر عن شريك. ومنها حديث أبي هريرة رفعه: ((من مات ولم يحج حجة الإسلام في غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أي الميتتين شاء إما يهوديًا أو نصرانيًا)) رواه ابن عدي من حديث عبد الرحمن القطامي عن أبي المهزم وهما متروكان عن أبي هريرة. قال الحافظ في التلخيص (ص203) بعد ذكر هذه الروايات: وللحديث طريق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي (ج4: ص334) عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى أهل الأمصار فينظروا كل

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 379)

2546- (18) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صرورة في الإِسلام.
ــ
من كان له جدة ولم يحتج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. لفظ سعيد، ولفظ البيهقي: أن عمر قال: ((ليمت يهوديًا أو نصرانيًا لها ثلاث مرات، رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة وخليت سبيله)) قال الحافظ: وإذا انضم هذا الموقف إلى مرسل بن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً ومحله على من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادعى (يريد به ابن الجوزي فإنه ذكره في الموضوعات) أنه موضوع - انتهى. وقال البيهقي بعد رواية حديث أبي أمامة: وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال الشوكاني في النيل بعد أن ساق طرق هذه الأحاديث: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا وبذلك تتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذه الأحاديث من الموضوعات فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره وهو محتج به عند الجمهور ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني ((لا يصح في الباب شيء)) لأن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن - انتهى. وقد استدل بهذه الأحاديث على وجوب الحج على الفور لأنها تصرح أنه لا يمنعه من الإثم إلا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج كالمرض أو الحاجة الظاهرة أو السلطان الجائز فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور لكان قد مات وهو آثم بالتأخير فدل على أن الوجوب الحج على الفور وأنه لا يجوز التأخير فيه إلا لعذر.
2546- قوله (لا صرورة في الإسلام) الصرورة بفتح الصاد وضم الراء المهملتين وإسكان الواو وفتح الراء على وزن الضرورة من الصر بفتح الضاد وهو الحبس والمنع. قال اللحياني: رجل صرورة لا يقال إلا بالهاء. وقال ابن الجني: رجل صرورة، امرأة صرورة ليست الهاء لتأنيث الموصوف بما هي فيه وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة - انتهى. قال في المصباح المنير: الصرورة بالفتح الذي لم يحج، وهذه الكلمة من النوادر التي وصف بها المذكر والمؤنث مثل ملوكة وفروقة، ويقال أيضًا: صروري على النسبة وصارورة ورجل صرورة لم يأت النساء. سمي الأول بذلك لصره على نفقته لأنه لم يخرجها في الحج، وسمي الثاني بذلك لصره على ماء ظهره وإمساكه - انتهى. قلت: قد فسر الصرورة في الحديث بثلاثة معان، الأول: أنه الذي لم يحج قط وهو نفي معناه النهي. أي لا يترك الحج في الإسلام من استطاعه، فمن ترك الحج مع الاستطاعة فقد منع عن نفسه الخير. وقال القاري: أي من لم يحج بعد أن يكون عليه لا يكون في الإسلام. قال الطيبي: فدل ظاهره على أن من يستطيع الحج ولم يحج ليس بمسلم كامل. وقال القاضي: ظاهر الكلام يدل على أن تارك الحج ليس بمسلم، والمراد منه أنه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ - انتهى. وقيل: معناه لا يطلق على من لم يحج صرورة في الإسلام، كان يطلق عليه في الجاهلية

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 380)

رواه أبو داود.
ــ
يدل عليه ما روى البيهقي (ج5: ص165) ، والطبراني في الكبير عن ابن مسعود، قال: لا يقولن أحدكم إني صرورة فإن المسلم ليس بصرورة، وما روى الدارقطني (ص286) ، والبيهقي (ج5: ص164، 165) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمسلم صرورة. الثاني: أنه الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مثل رهبانية النصارى فنهى عن ذلك، قال الزرقاني: ويسمى من لم ينزوج صرورة أيضًا لأنه صر الماء في ظهره وتبتل على مذهب الرهابنية - انتهى. وقال القاري: وقيل المراد بالصرورة التبتل وترك النكاح، أي ليس في الإسلام بل هو في الرهبانية، وأصل الكلمة من الصر وهو الحبس. الثالث: أن المراد من قتل في الحرم قتل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثًا فلجأ إلى الكعبة لم يهج، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل هو صرورة فلا تهجه، قال الخطابي في المعالم (ج2: ص278) : الصرورة تفسر تفسيرين: أحدهما: أن الصرورة هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى، ومنه قول النابغة:

لو أنها عرضت لأشمط راهب … عبد الإله صرورة متلبد

والوجه الآخر أن الصرورة هو: الرجل الذي لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام - انتهى. قال ابن الأثير (ج1: ص281) : حديث ((لا صرورة في الإسلام)) قال أبو عبيد: هو في الحديث التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج لأنه ليس من أخلاق المؤمنين وهو فعل النصارى. والصرورة أيضًا: الذي لم يحج قط، وأصله من الصر الحبس والمنع، وقيل: أراد من قتل في الحرم قتل، إلى آخر ما ذكرنا في بيان المعنى الثالث، والظاهر أن أبا داود، والحاكم، والبيهقي رجحوا أن الصرورة في الحديث هو الذي لم يحج فأخرجوا الحديث في أبواب الحج (رواه أبو داود) ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص312) ، والحاكم (ج1: ص448) ، والبيهقي (ج5: ص164) كلهم من طريق ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس وقد سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث في شرح المسند (ج4: ص303) : إسناده صحيح عمر بن عطاء (راوي الحديث عن عكرمة) هو عمر بن عطاء بن أبي الخوار بضم الخاء وتخفيف الواو وآخره راء، ثقة وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما، وأعل بعضهم هذا الحديث وضعفه بأن عمر بن عطاء فيه هو عمر بن عطاء بن وراز بفتح الواو وتشديد الراء وآخره زاي وهو ضعيف لقول الإمام أحمد: كل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة فهو ابن وراز، وكل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس فهو ابن أبي الخوار، كان كبيرًا، قيل له: أيروي ابن أبي الخوار عن عكرمة؟ قال لا. وكذا جاء نحو هذا عن ابن معين. قال: عمر بن عطاء الذي يروي عنه ابن جريج

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 381)

2547- (19) وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد الحج فليعجل.
ــ
يحدث عن عكرمة ليس هو بشيء، وهو ابن وراز، وهم يضعفونه، كل شيء عن عكرمة فهو ابن وراز وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة. وأما ابن حبان فقد جمعهما رجلاً واحدًا فوهم. ذكره في الثقات باسم ((عمر بن عطاء بن وراز بن أبي الخوار)) وأما أن ابن أبي الخوار كبير يروي عن ابن عباس، فلا يمنع أن يروي عن عكرمة الذي من طبقته، وقد بين أبو داود أن هذا الرواي هو ابن أبي الخوار، فروى الحديث من طريق أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان عن ابن جريج عن عمر بن عطاء يعني ابن أبي الخوار عن عكرمة. وأخطأ المنذري خطأ شديدًا فقال: ((في إسناده عمر بن عطاء وهو ابن أبي الخوار وقد ضعفه غير واحد من الأئمة)) . وقد تبع في هذا الخطأ أبا دواد فقد قال الآجري: سألت أبا دواد عن عمر ابن عطاء الذي روى عنه ابن جرير. فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الخوار بلغني عن يحيى أنه ضعفه. قال الحافظ: كذا قال، والمحفوظ عن يحيى أنه وثقه وضعف الذي بعده. يعني ابن وراز. انظر ترجمتيهما في التهذيب: (ج7: ص483، 484) والحديث رواه الحاكم أيضًا، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفي الباب عن ابن أخي جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صرورة في الإسلام. ذكره الحافظ في المطالب العالية (ج1: ص312) وعزاه لأبي بكر، وأحمد بن منيع.
2547- قوله (من أراد الحج) أي قدر على أدائه، لأن الإرادة مبدأ الفعل والفعل مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل على الآخر، والعلاقة الملابسة لأن معنى قوله: (فليعجل) فليغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة من القوة والزاد والراحلة، والمراد قبل عروض مانع، وقوله: ((فليعجل)) بتشديد الجيم من التعجيل كذا في جميع النسخ، وكذا وقع في المصابيح، والذي في السنن لأبي داود، والدارمي فليتعجل أي من التعجل، وهكذا ذكره ابن كثير في التفسير، والسيوطي في الجامع الصغير والمجد في المنتقى، والجزري في جامع الأصول (ج3: ص383) ، وكذا وقع عند أحمد (ج1: ص225) ، والحاكم (ج1: ص448) ، والبيهقي (ج4: ص339، 340) وفي بعض نسخ الدارمي ((فليستعجل)) أي من الاستعجال. قال الطيبي: التفعيل الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار - انتهى. وزاد في رواية أحمد (ج1: ص214: 323) ، وابن ماجة، والطحاوي، والبيهقي (ج4: ص340) : ((فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة)) (أي التي تمنعه عن أداء النسك) ومعنى ((يمرض المريض)) أي من قدر له المرض يمرض فيمنعه ذلك عن الحج، قال الحفني: أي قد يطرأ المرض على الصحيح الذي يؤل أمره إلى كونه مريضًا ففيه مجاز الأول، وقال الزمخشري: هذا من قبيل المجاز باعتبار الأول إذا المريض لا يمرض بل الصحيح، فسمي المشارف للمرض والضلال مريضًا وضالة، كما سمي المشارف للموت ميتًا، ومنه {وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً} (71:

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 382)

..............................................................................................
ــ
27) أي صائرًا إلى الفجور والكفر - انتهى. والقصد الحث على الاهتمام بتعجيل الحج قبل العوارض والموانع، وفيه دليل على أن الحج واجب على الفور، وقد اختلف العلماء هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ فممن قال: إنه واجب على الفور الإمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة، والمزني من أصحاب الشافعي. قال النووي: ولا نص في ذلك لأبي حنيفة، وكان الكرخي يقول: هو مذهب أبي حنيفة. وقال صاحب تبيين الحقائق في الفقه الحنفي: إن القول بأنه على الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج قال يحج ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده، وهذا يدل على أنه على الفور - انتهى. وقال القاري: الأصح عندنا أن الحج واجب على الفور، وهو قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه فذكر رواية ابن شجاع عنه، وأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران كلاهما شهره بعض علماء المالكية أحدهما على الفور، والثاني: أنه على التراخي. ومحل الخلاف المذكور ما لم يحس الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه وجب عندهم فورًا اتفاقًا. وممن قال إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه. قال النووي وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس. قال القاري: وقال محمد: وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الشافعي: إنه على التراخي إلا أن يظن فواته لو أخره لأن الحج وقته العمر نظرًا إلى ظاهر الحال في بقاء الإنسان فكان كالصلاة في وقتها يجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت يعني لو مات ولم يحج أثم. ولأبي يوسف: إن الحج في وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر فيضيق عليه للاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية فلو حج في العام الثاني كان مؤديًا بإتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثم بإتفاقهما، وثمرة الخلاف بينهما إن ما تظهر في حق تفسيق المؤخر، ورد شهادته عند من يقول بالفور وعدم ذلك عند من يقول بالتراخي كذا حققه الشمني - انتهى. واحتج من قال إنه على التراخي بأدلة منها أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، وقيل سنة تسع ولا خلاف أن آية {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} الآية، نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع من الحديبية من إحصار المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة وذلك في ذي القعدة سنة ست وإذا كان الحج فرض عام ست وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا عام عشر فذلك دليل على أنه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما أخره عن أول وقت للحج بعد نزول الآية. قالوا: ولاسيما إنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان ثم رجع إلى المدينة ولم يحج. قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد فأقام الناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ولم يحجوا. قالوا: ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع وانصرف عنها قبل الحج فبعث أبا بكر رضي الله عنه فأقام الناس الحج سنة تسع ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأزواجه وعامة أصحابه

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 383)

..............................................................................................
ــ
قادرون على الحج، غير مشتغلين بقتال ولا غيره ولم يحجوا، ثم حج صلى الله عليه وسلم هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور بل على التراخي، قال المحب الطبري: وما يتكلف من عذر في حقه صلى الله عليه وسلم وإن كان خلاف الأصل والظاهر فهو معدوم في حقهم، ولو وجب عليهم على الفور لبينه لهم صلى الله عليه وسلم، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، والعذر بصد المشركين قد زال بالفتح سنة ثمان، وما قيل من أن التأخير كان لأن لا يرى منكرًا من حج المشركين وطواف العراة فلذلك دليل على الجواز، إذ لو لم يجز التأخير لما كان هذا عذرًا في إسقاط واجب تعين، ثم ينتقض بمن تخلف من الصحابة وليسوا بأفضل ممن بعثه، ومنها ما جاء في حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة السعدي أخرجه مسلم في أول كتاب الإيمان، وروى البخاري أصله، وفيه ((زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال صدق)) وقدوم ضمام بن ثعلبة على النبي صلى الله عليه وسلم كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب وآخرون. وقد صرح في هذا الحديث بوجوب الحج فتأخيره صلى الله عليه وسلم الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخي لا على الفور، ومنها أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى أو إلى سنين ثم فعله فإنه يسمى مؤديًا لحج لا قاضيًا له بإجماع المسلمين، قالوا: ولو حرم التأخير لكان قضاء لا أداء. ومنها ما هو مقرر في أصول الشافعية وهو أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر، ومنها أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة، قالوا: فهّي على التراخي ويقاس الحج عليها بجامع أن كلاً منهما واجب ليس له وقت معين، ومنها أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونها على التراخي بجامع أن كليهما واجب ليس له وقت معين، قالوا: ولكن تثبتت آثار أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنة، واحتج من ذهب إلى أنه على الفور بأدلة أيضًا، منها آيات من كتاب الله تعالى يفهم منها ذلك وهي على قسمين، قسم منها فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك. كقوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (3: 133) قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ} (57: 21) الآية، فقوله: {وَسَارِعُواْ} و {سَابِقُوا} فيه الأمر بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته جل وعلا وذلك بالمبادرة والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور لا التراخي. وكقوله: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} (2: 148 - 5: 48) الآية. ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال، وصيغ الأمر في قوله: {وَسَارِعُواْ} وقوله: {سَابِقُوا} وقوله: {فَاسْتَبِقُواْ} تدل على الوجوب، لأن الصحيح المقرر في الأصول أن صيغة ((افعل)) إذا تجردت عن القرائن اقتضت الوجوب، وذلك بدل على أن قوله: {سَابِقُوا} وقوله: {وَسَارِعُواْ} يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا. ومن الآيات التي فيها الثناء

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 384)

..............................................................................................
ــ
على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} (21: 90) الآية. وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (23: 61) والقسم الثاني من الآيات يدل على توبيخ من لم يبادر وتخويفه من أن يدركه الموت قبل أن يتمثل لأنه قد يكون اقترب أجله وهو لا يدري، فقد أمر الله تعالى خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه وعجائبه كخلقه السماوات والأرض ونحو ذلك في آيات من كتابه كقوله: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (10: 101) الآية. وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} (50: 6) الآية. ثم ذكر في آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر في اقتراب الأجل، فقد يقرب أجله ويضيع عليه أجر الامتثال بمعاجلة الموت، وذلك في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} (7: 184) إذًا المعنى: أو لم ينتظروا في أنه عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت. وفي الآية دليل واضح على أن الإنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال الأمر، خشية أن يعالجه الموت قبل ذلك، ومنها أحاديث جاءت دالة على وجوب الحج على الفور كحديث ابن عباس (الذي نحن في شرحه) وهو حديث حسن وسيأتي تخريجه، وكحديث ابن عباس مرفوعًا: تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، أخرجه أحمد (ج1: ص314) بسند ضعيف ووجه الدلالة من هذين الحديثين على وجوب الحج على الفور ظاهر. وكحديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل. قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي. وسيأتي في باب الإحصار وفوت الحج. ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((وعليه الحج من قابل)) لأنه لو كان على التراخي لم يعين العام القابل، وهو دليل على أن الوجوب على الفور، ومن الأحاديث الدالة على ذلك أيضًا ما تقدم من حديث علي، وأبي أمامة وأبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وقد سبق بيان وجه الدلالة من هذه الأحاديث في شرح حديث علي، ومنها أن الله أمر به وأن جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر الفور أما الشرع فقد قدمنا الآيات القرآنية الدالة على المبادرة فورًا لامتثال أوامر الله كقوله: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية. وكقوله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية. وأما اللغة فإن أهل اللسان العربي مطبقون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء فلم يفعل فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة افعل في قولك: ((اسقني ماء)) تدل على التراخي، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخ عن الأمر، بل يقولون: إن الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتواني والترخي، وأما العقل فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 385)

..............................................................................................
ــ
يكون ذلك التراخي له غاية معينة ينتهي عندها وإما لا، والقسم الأول ممنوع، لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه، إن قلنا: إنه ليس على الفور، والحاصل أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع. والقسم الثاني هو أن تراخيه ليس له غاية يقتضي عدم وجوبه، لأن ما جاز تركه جوازًا لم تعين له غاية ينتهي إليها فإن تركه جائز إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه، والمفروض وجوبه. فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه. فالجواب أن البقاء إلى زمن متأخر ليس لأحد أن يظنه، لأن الموت يأتي بغتة فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجاءة، وقد قدمنا قوله تعالى في ذلك: {وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} ولا ينتهي إلى حالة يتقين الموت فيها إلا عند عجزه عن العبادات، ولاسيما العبادات الشاقة كالحج، والإنسان طويل الأمل يهرم ويشب أمله. وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه، فهذه جملة أدلة القائلين بأن وجوب الحج على الفور، ومنعوا أدلة المخالفين، قالوا: إن قولكم إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الحج، وأن قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} الآية. نزلت عام ست في عمرة الحديبية، فدلت على أن الحج مفروض عام ست وأنه صلى الله عليه وسلم أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع. وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة ضمام بن ثعلبة المذكور ما نصه: وزعم الواقدي أن قدومه كان سنة خمس، وفيه نظر. وذكر ابن هشام عن أبي عبيد أن قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح، إلخ. وانظر ترجيح الحافظ لكون قدومه عام تسع. وذكر ابن كثير قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع مع أنه ذكر قول من قال: إن قدومه كان قبل عام خمس، هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام، وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} فهو أنها لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب، وقد أجمع أهل العلم على من أحرم بحج أو عمرة وجب عليه الإتمام، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب. قال ابن القيم في زاد المعاد نصه: وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء. فإن قيل فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 386)