Arabic source text

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

📘 مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (عبيد الله الرحماني المباركفوري - ت 1414 هـ)

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
..............................................................................................
ــ
وخارجة بن زيد، ومحمد بن الحنفية. قال: واختلف في ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقال به الثوري، والأوزاعي، وداود، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، وعد منهم غير من قدمنا معاوية. وحكاه ابن قدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه أقول. وذهب مالك إلى منع أن يتطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وحكى الشيخ أبو الظاهر قولاً بوجوب الفدية وعلله بأن بقاء الطيب كاستعماله، وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، وحكى ابن المنذر عن عطاء كراهة التطيب قبل الإحرام، وحكاه النووي عن الزهري. قال القاضي عياض: وحكي أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقال ابن عبد البر: وممن كره الطيب للمحرم قبل الإحرام عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبى العاص، وعطاء، وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه، والزهري، وسعيد بن جبير والحسن، وابن سيرين على اختلاف عنهم، وهو اختيار أبى جعفر الطحاوي إلا أن مالكًا كان أخفهم في ذلك قولاً، ذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وترك الطيب عند الإحرام أحب إلينا - انتهى. وقال الشنقيطي في أضواء البيان (ج5: ص448) : اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب وريحه أو عينه بعد التلبس بالإحرام هل يجوز ذلك؟ لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإحرام مع إباحة الدوام على نكاح معقود قبل الإحرام، أو لا يجوز ذلك؟ لأن وجود ريح الطيب أو عينه أو أثره في المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الإحرام بالطيب، مع أن الطيب منهي عنه في الإحرام فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الإحرام مستحب. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم: سعد بن أبى وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وغيرهم إلخ. وقال النووي في شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين منهم: سعد بن أبى وقاص، وابن عباس إلى آخره كما في شرح المهذب. وقال ابن قدامة في المغني: يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية أو أثره كالعود، والبخور، وماء الورد، هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبى وقاص، وعائشة، وأم حبيبة، ومعاوية. وروى عن محمد بن الحنفية، وأبى سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، والشعبي، وابن جريج إلخ. وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه. وهذا هو مذهب مالك. قال النووي في شرح مسلم: وقال آخرون بمنعه منهم: الزهري ومالك ومحمد بن الحسن، وحكي أيضاً عن جماعة من الصحابة والتابعين إلخ. وقال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يكره ذلك وهو قول مالك، وروى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر رضي الله

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 427)

..............................................................................................
ــ
عنهم إلخ – انتهى. قلت: هكذا أطلق ((مذاهب الأئمة الأربعة)) عامة شراح الحديث كالحافظ والنووي والعيني، ونقلة المذاهب كابن رشد، وابن قدامة، وابن عبد البر، وابن المنذر وغيرهم، لكن في فروعهم تفاصيل في هذه المسألة، ففي مفيد الأنام لابن جاسر النجدي: ((ويسن لمريد الإحرام أن يتطيب ولو امرأة غير محدة لحرمة الطيب عليها، في بدنه سواء كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك أو أثره كالعود، والبخور، وماء الورد لقول عائشة: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم - الحديث. قال شيخ الإسلام (يعني ابن تيمية) : وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولم يأمر به الناس - انتهى. ويكره لمريد الإحرام تطييبه ثوبه الذي يريد الإحرام فيه، فإن طيبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له لبسه والطيب فيه لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة، فإن لبسه بعد نزعه وأثر الطيب باق لم يغسله حتى يذهب، فدى لاستعماله الطيب، أو نقل الطيب من موضع بدنه إلى موضع آخر، أو تعمد مسه بيده فعلق الطيب بها، أو نحى الطيب عن موضعه ثم رده إليه بعد إحرامه فدى، لأنه ابتداء للطيب، فإن ذاب الطيب بالشمس أو بالعرق فسال إلى موضع آخر من بدن المحرم فلا شيء عليه لحديث عائشة قالت: كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها. رواه أبو داود - انتهى. وهكذا ذكر في ((الروض المربع)) من فروع الحنابلة، ومذهب الشافعية في الطيب عند الإحرام كمذهب الحنابلة، ففي ((روضة المحتاجين)) : يسن أن يتطيب في بدنه للإحرام قبله ولو بما له جرم، ولا بأس باستدامته بعده. لكن لو نزع ثوبه المطيب وإن كان لا يسن تطييبه ثم لبسه ورائحة الطيب موجودة فيه لزمه الفدية في الأصح، كما لو ابتدأ لبس الثوب المطيب أو أخذ الطيب من بدنه ثم رده إليه، ولا عبرة بانتقال الطيب بإسالة العرق، ولو تعطر ثوبه من بدنه لم يضر جزمًا - انتهى. وفى الدر المختار: وطيب بدنه إن كان عنده لا ثوبه بما تبقى عينه، هو الأصح. قال ابن عابدين: قوله: ((طيب بدنه)) أي استحبابًا عند الإحرام ولو بما تبقى عينه كالمسك والغالية هو المشهور. قال: والفرق بين الثوب والبدن أنه اعتبر في البدن تابعًا، والمتصل بالثوب منفصل عنه. وأيضاً المقصود من استنانه وهو حصول الارتفاق حالة المنع منه حاصل بما في البدن فأغنى عن تجويزه في الثوب - انتهى. وفى البحر الرائق: يسن له استعمال الطيب في بدنه قبيل الإحرام بما تبقى عينه بعده أولا تبقى وكرهه محمد بما تبقى، وقيدنا بالبدن إذ لا يجوز التطيب في الثوب بما تبقى عينه على قول الكل على إحدى الروايتين عنهما. قالوا: وبه نأخذ. والفرق لهما بينهما أنه اعتبر في البدن تابعًا على الأصح، وما بالثوب منفصل عنه فلم يعتبر تابعًا - انتهى. واختار الطحاوي قول محمد ورجحه في شرح الآثار، لكنه لم يذكر الفرق بين الثوب والبدن في قول الشيخين وكذا لم يفرق بينهما محمد في موطأه. وكذا لا ذكر للفرق بينهما في عامة كتب الحنفية، نعم فرق بينهما ابن الهمام، وقال بعد ذكر الفرق الذي تقدم عن ابن نجيم في البحر: وقد قيل: يجوز في الثوب أيضاً على قولهما

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 428)

..............................................................................................
ــ
وقال في ((غنية الناسك)) : أما الثوب فلا يجوز أن يطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام إجماعًا. وقيل يجوز في الثوب أيضاً عندهما كما في الفتح والبحر، والأولى أن لا يطيب ثوبه كما في اللباب - انتهى. وقال الباجى: إن مالكًا لا يجيز لأحد من الأمة استعمال الطيب عند الإحرام إذا كان طيب تبقى له رائحة بعد الإحرام، ولا يدهن بدهن فيه ريح تبقى، وإن تطيب لإحرامه فلا فدية عليه، لأن الفدية بإتلاف الطيب في وقت ممنوع من إتلافه وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما تبقى منه بعد الإحرام الرائحة، وليس ذلك بإتلاف فتجب الفدية، ورأيت لبعض الفقهاء أن من تطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته فهو بمنزلة من تطيب بعد الإحرام، لأن استدامته كابتداء التطيب، فإن أراد بذلك أنه ممنوع في الحالتين فهو صحيح، وإن أراد به وجوب الفدية فليس بصحيح لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب أو لمسه - انتهى. وفى الشرح الكبير للدردير: وحرم عليهما تطيب بكورس إلا طيبًا يسيرًا باقيًا في ثوبه أو بدنه مما تطيب به قبل إحرام فلا فدية عليه وإن كره. قال الدسوقي: أي بشرط أن يكون الباقي أثره أو ريحه مع ذهاب جرمه، هذا مقتضى كلام سند، والذي يظهر من كلام الباجي وغيره أنها لا تسقط الفدية إلا في بقاء ريحه دون الأثر، فقد اتفق الجميع على أنه إذا كان الباقي شيئًا من جرمه فالفدية واجبة. وإن كان الباقي رائحته فلا فدية. والخلاف فيما إذا كان الباقي أثره أي لونه دون جرمه، فقيل بعدم وجوبها وقيل بوجوبها - انتهى. قال الشنقيطي: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن طيب ثوبه قبل الإحرام فله الدوام على لبسه كتطييب بدنه، وإنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه فليس له أن يعيد لبسه، فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإحرام فتلزمه الفدية، وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإحرام من موضع من بدنه إلى موضع آخر بعد الإحرام فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع الذي نقله إليه وكذلك إن تعمد مسه بيده أو نحاه من موضعه ثم رده إليه لأن كل تلك الصور فيها ابتداء تلبس جديد بعد الإحرام بالطيب وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه في ذلك لأنه ليس من فعله، ولحديث عائشة عند أبى داود الذي ذكرناه قريبًا ، وقال بعض علماء المالكية: ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطيب في بدنه أو ثوبه، إلا أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه، فإن عاد فهل عليه في العود فدية؟ يحتمل أن نقول: لا فدية، لأن ما فيه قد ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه، وقال أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب - انتهى من الحطاب. قلت: واحتج الجمهور القائلون باستحباب الطيب عند الإحرام بحديث عائشة الذي نحن في شرحه، وقد وقع في رواية عنها عند مسلم، قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام. قال الجزري: الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وقال النووي: هي فتات قصب طيب يجاء به من الهند. وفي لفظ عند مسلم أيضاً عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه؟ قالت:

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 429)

..............................................................................................
ــ
بأطيب الطيب وفي رواية: ((بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم، ثم يحرم)) وفي رواية عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته)) وفي لفظ عنها: ((قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك)) كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم. قالوا: فهذا الحديث دليل صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام وإن كان أثره باقيًا بعد الإحرام، بل ولو بقى عينه وريحه، لأن رويتها وبيص الطيب في مفارقه صلى الله عليه وسلم وهو محرم صريح في ذلك. قالوا: وقد وردت آثار بذلك تدل على عدم خصوصية ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يفعل ذلك، وروي عن ابن عباس أنه أحرم وعلى رأسه مثل الرُب من الغالية. وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم وعلى رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال. واحتج الذين منعوا ذلك بحديث يعلى بن أمية التميمى الآتي في باب ما يجتنبه المحرم، فقد صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الطيب الذي تضمخ به يعلى قيل الإحرام وأمر بإنقائه، فهو دليل واضح على أن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام بل يجب غسله وانقاؤه. وقد اعتضد حديث أبي يعلى هذا ببعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة، منهم عمر، وعثمان، وابن عمر، وعثمان بن أبي العاص. قال المالكية ومن وافقهم: قد تبين بهذه الآثار المروية عن هؤلاء الصحابة أن حديث يعلى غير منسوخ. قالوا: وإنكار عمر ذلك في خلافته على صحابين معاوية، والبراء بن عازب، وعلى تابعي كبير كثير بن الصلت بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم مع عدم إنكار أحد عليه، من أقوى الأدلة على تأويل حديث عائشة. قلت: قد أجاب الجمهور عن حديث يعلى بوجهين: أحدهما أن قصته كانت بالجعرانة وهي سنة ثمان بلا خوف، وقد ثبت حديث عائشة الذي نحن في شرحه في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، والثاني أن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب. فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا وغير محرم. وفي حديث ابن عمر: ((ولا يلبس أي المحرم من الثياب شيئًا مسه الزعفران)) وقد جاء مصرحًا في الحديث في مسند أحمد (ج4: ص224) ، والطحاوي (ص364) : ((قال له اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك الزعفران)) وأجاب المالكية عن حديث عائشة الذي احتج به الجمهور بوجوه منها أنهم حملوه على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ولا يبقى مع ذلك طيب. ويكون قولها: ثم أصبح ينضح طيبًا، أي قبل غسله، وقد وقع في رواية للشيخين أن ذلك للطيب كان ذريرة وهي مما يذهبه الغسل. وقولها: ((كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم)) ، المراد به أثره لا جرمه، قاله القاضي عياض. وقال ابن العربي:

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 430)

..............................................................................................
ــ
ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت. وأجيب عن ذلك بأن دعوى أن التطيب للنساء، يرده صريح الحديث في قولها: ((طيبته لإحرامه)) وادعاء أن اللام للتوقيت خلاف الظاهر، وادعاء أن الطيب زال بالغسل قبل الإحرام، ترده الروايات الصريحة عن عائشة أنها كانت تنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه صلى الله عليه وسلم وهو محرم، لأن الوبيص في اللغة: البريق، واللمعان، وهو وصف وجودي، والوصف الوجودي لا يوصف به المعدوم وإنما يوصف به الموجود، فدل على أن الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه، وهو يرد قول ابن العربي: ((أنه لم يرد في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت)) ويؤيده ما رواه أبو داود في سننه. قال النووي: بإسناد حسن، من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال علو وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا. والمسك بضم السين وتشديد الكاف نوع من الطيب يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، فهذا حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام إن كان استعماله للطيب يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، فهذا حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإحرام إن كان استعماله للطيب قبل الإحرام. قال الحافظ: يرد دعوى أنه لم يبق للطيب أثر بعد الغسل، قوله في رواية أخرى للحديث المذكور: ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا، فهو ظاهر في أن نضح الطيب وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه ودعوى بعض المالكية أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه ينضح طيبًا، ثم أصبح محرمًا، خلاف الظاهر. ويرده قوله في رواية عند مسلم: كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك، وللنسائي وابن حبان: رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم وقال بعض المالكية: إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيب الذي تطيب به فزال وبقى أثره من غير رائحة، ويرده قول عائشة: ((ينضح طيبًا)) وقال بعضهم: بقى أثره لا عينه. قال ابن العربى: ليس في شتى من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت - انتهى. ثم ذكر الحافظ حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة وقال: فهذا صريح في بقاء عين الطيب ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له تمسكًا برواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة: ((بطيب لا يشبه طيبكم)) قال بعض رواته: يعني لا بقاء له. أخرجه النسائي. ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله، ولمسلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن بن القاسم: بطيب فيه مسك. وله من طريق الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم: كأني أنظر إلى وبيص المسك. وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: ((بأطيب ما أجد)) وللطحاوي، والدارقطني من طريق نافع عن ابن عمر عن عائشة: ((بالغالية الجيدة)) وهذا يدل على أن قولها: ((بطيب لا يشبه طيبكم)) أي أطيب منه، لا كما فهمه القائل يعني ليس له بقاء - انتهى. ومنها: أن ذلك التطيب خاص به صلى الله عليه وسلم وأجيب عن ذلك بأن حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة المتقدم نص في عدم خصوص ذلك به

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 431)

..............................................................................................
ــ
صلى الله عليه وسلم ويعضده الآثار المروية عن بعض الصحابة كما تقدم عن ابن عباس وابن الزبير. وأما إنكار عمر، وعثمان على بعض الصحابة فهو مما لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن سنته أولى بالاتباع من قول كل صحابي مع أنهم خالفهم بعض الصحابة وقد ثبت في صحيح مسلم أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر رضي الله عنهم. قال الحافظ: ادعى المالكية أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم قاله المهلب وأبو الحسن القصار، وأبو الفرج من المالكية، قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي النكاح فنهى الناس عنه وكان هو أملك الناس لإربه ففعله. ورجحه ابن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت عنه أنه قال: حبب إليّ النساء والطيب. أخرجه النسائي من حديث أنس، وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس. وقال المهلب: إنما خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. وتعقب بأنه فرع ثبوت الخصوصية، وكيف بها ويردها حديث عائشة بنت طلحة المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت: طيبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم. وقولها: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين. أخرجه الشيخان. ومنها أن الدوام على الطيب بعد الإحرام كابتداء الطيب في الإحرام بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإحرام في كل منهما. وأجيب عن ذلك بأنه منتقض بالنكاح فإن ابتداء عقده في حال الإحرام ممنوع عند الجمهور خلافًا لأبى حنيفة مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح وقع عقده قبل الإحرام، ثم أحرم بعد عقده الزوجان وهو دليل على أنه ما كل دوام كالابتداء، وقد تقرر في الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: هو المانع للدوام والابتداء معًا كالحديث، فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام عليها إذا طرأ في أثناءها. والثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء كالطلاق فإنه مانع من الدوام على العقد الأول والاستمتاع بالزوجية بموجبه، وليس مانعًا من ابتداء عقد جديد والاستمتاع بها بموجبه. والثالث: هو المانع من الابتداء فقط دون الدوام كالنكاح بالنسبة إلى الإحرام، فإن الإحرام مانع من ابتداء العقد، وليس مانعًا من الدوام على عقد كان قبله. قالوا: ومن هذا الطيب فإن الإحرام مانع من ابتدائه، وليس مانعًا من الدوام عليه. ومنها أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب لمن أراد الإحرام، وحديث يعلى بن أمية يقتضي منع ذلك والمقر في الأصول أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة والجواز، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. وأجيب عنه بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما، أما إذا علم المتقدم فإنه يجب الأخذ بالمتأخر، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وقصة يعلى وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، ومن المقرر في الأصول أن النصين إذا تعارضا وعلم المتأخر منهما فهو ناسخ للأول كما هو معلوم في محله. ومنها أن حديث يعلى من قول النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب وإلقائه من البدن وظاهره العموم لأن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف، والعموم القولي لا يعارضه فعل

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 432)

ولحله قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك،
ــ
النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مخصص له كما تقرر في الأصول. وأجيب عنه بما قدمنا آنفًا من الأدلة على ذلك الفعل الذي هو التطيب قبل الإحرام ليس خاصًا به كما دل عليه حديث عائشة المذكور. وقولها في الصحيح: ((طيبته بيدي هاتين)) صريح في أنها شاركته في ملابسة ذلك الطيب. ومنها قياس الطيب على اللبس، وتعقب بأن استدامة اللبس لبس واستدامة الطيب ليس بطيب، ويظهر ذلك بما لو حلف، كذا في الفتح هذا. وقد اتضح بما ذكرنا من أدلة الفريقين ومناقشتها أن القول الراجح المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور. قال الشنقيطي: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه المسألة أن الطيب جائز عند إرادة الإحرام ولو بقيت ريحه بعد الإحرام لحديث عائشة المتفق عليه، ولإجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم، وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم وحديث عائشة بعد حديث يعلى بسنتين، أي فيتعين الأخذ بحديث عائشة (ولحله) أي لأجل خروجه من إحرامه بعد أن يرمي ويحلق (قبل أن يطوف بالبيت) أي طواف الإفاضة. وفي اللباس عند البخاري: قبل أن يفيض. وللنسائي: ((وحين يريد أن يزور البيت)) ولمسلم نحوه. وللنسائي في رواية أخرى: ((ولحله بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت)) قال القارى: قوله: ((قبل أن يطوف بالبيت)) متعلق بـ ((حله)) وفيه دليل على أن الطيب يحل بالتحلل الأول خلافًا لمن ألحقه بالجماع (بطيب) متعلق بأطيب (فيه مسك) قد تقدم في رواية أنه ذريرة، ولا تنافي إذ لا مانع أنهم كانوا يخلطون الذريرة بالمسك. قال الحافظ: واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي الجمرة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته إلى الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال: عن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية، يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه. ويؤخذ ذلك من كونه صلى الله عليه وسلم في حجته رمى ثم حلق ثم طاف فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: ((قبل أن يطوف بالبيت)) - انتهى. والحاصل أن إضافة الحل إلى ما قبل الطواف يؤمي إلى أن الحل الأصغر أي التحلل الأول هو بعد الرمي والحلق وغيرهما ما سوى الطواف. واعلم أن ها هنا ثلاثة مسائل خلافية، الأولى: أن الحلاق هل هو نسك أو إطلاق من محظور أي استباحت محظور، فذهب الجمهور إلى الأول، واختلف فيه قول الشافعي، والصحيح عند الشافعية: أن الحلق نسك كما تقدم في كلام الحافظ. ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج، وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. قال ابن قدامة: والحلق والتقصير نسك، في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرمًا عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام الثانية: أن التحلل الأول هل يحصل بالرمي والحلق معًا أو بالرمي فقط، فمن قال: إن الحلق نسك، قال:

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 433)

..............................................................................................
ــ
إن التحلل الأول لا يكون إلا بعد الرمي والحلق معًا، ومن قال: إن الحلق غير نسك، قال: يحصل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر، قال مالك: إذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل، وحلق الشعر، وإلقاء التفث ولبس الثياب. قال الزرقاني: ولم يبق عليه من محرمات الإحرام سوى النساء والصيد، وكره الطيب حتى يطوف للإفاضة - انتهى. قال الباجى: وذلك أن موانع الإحرام على ضربين: رفث، وإلقاء تفث، فالرفث هو الجماع، وما في معناه مما يدعو إليه، وأما إلقاء التفث فهو كحلق الشعر، وخلع ثياب الإحرام، فأما إلقاء التفث فهو مباح بأول التحللين وهو رمي الجمرة، وأما الرفث فإنه لا يستباح إلا بآخر التحللين وهو طواف الإفاضة - انتهى. قال الدردير: حل برميها أي جمرة العقبة، وكذا بخروج وقت أدائها غير جماع ومقدماته وغير صيد، فحرمتهما باقية، وكره الطيب وهذا هو التحلل الأصغر. ومذهب الحنفية في المشهور عندهم أن الرمي غير محلل، ولا يحصل التحلل عندهم إلا بالحلق أو التقصير، قال الشنقيطي (ج5: ص288) : مذهب مالك أنه بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها لإحرام. وإن طاف طواف الإفاضة وكان قد سعى حل له كل شيء. ومذهب أبى حنيفة أنه إذا حلق أو قصر حل التحلل الأول ويحل به كل شيء عنده إلا النساء، وإن طاف طواف الإفاضة حل له النساء، وهم يقولون: إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحلق السابق لا بالطواف لأن الحلق هو المحلل دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف فإذا طاف عمل الحلق عمله، كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت. والدليل على ذلك أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شتى حتى يحلق، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق، إلا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي أنه على القول بأن الحلق نسك يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: هي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة. فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني. وبالأول: يحل عنده كل شيء إلا النساء، وبالثاني: تحل النساء، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك، فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين هما: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة، ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني، ومذهب الإمام أحمد أنه إن رمى جمرة العقبة ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلا النساء. فإن طاف طواف الإفاضة حلت له النساء - انتهى. وقال ابن قدامة (ج3: ص392) : قول الخرقي: ((قصر من شعره ثم قد حل)) يدل على أنه لا يحل إلا بعد التقصير، وهذا ينبني على أن التقصير نسك وهو المشهور، فلا يحل إلا به، وفي رواية أخرى: أنه إطلاق من محظور. وقال أيضاً (ج3: ص439) : ظاهر كلام الخرقي أن الحل إنما يحصل بالرمي والحلق معا وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 434)

..............................................................................................
ــ
رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما. ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل، فكان حاصلاً بهما. وعن أحمد إذا رمى الجمرة فقد حل، ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق، وهذا قول عطاء، ومالك، وأبى ثور، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وكذلك قال ابن عباس. قال بعض أصحابنا: هذا مبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: نسك حصل الحل به وإلا فلا. وفي الروض المربع: يحصل التحلل الأول باثنين من حلق، ورمي، وطواف، والتحلل الثاني بما بقى مع سعي - انتهى. وبه جزم النووي في مناسكه فقال: أي اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأول، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة. هذا على المذهب الصحيح المختار أن الحلق نسك وقال الولي العراقي في طرح التثريب (ج5: ص80) : قال جمهور الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة: للحج تحللان، ثم اختلفوا في أمرين (أحدهما) فيما يحصل به التحلل الأول، فقال الشافعية: إن قلنا إن الحلق نسك وهو الصحيح المشهور حصل التحلل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور: وهي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل اثنين منها أي اثنين كانا حصل التحلل الأول. وإن قلنا إن الحلق ليس نسكًا حصل التحلل الأول بواحد من الرمي والطواف، فأيهما فعله أولاً حل التحلل الأول، وعند أصحابنا يجوز تقديم بعض هذه الأمور على بعض، وترتيبها بتقديم الرمي ثم الحلق ثم الطواف مستحب فقط. قالوا: ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات الرمي ولزمه دم، ويصير كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلل به. والأصح عند الرافعي، والنووي أنه يتوقف تحلله على الإتيان ببدله، ولكن نص الشافعي على خلافه وحكى الرافعي وجهًا شاذًا أنه يحصل التحلل الأول بالرمي وحده أو الطواف وحده، ولو قلنا الحلق نسك. وقال الحنابلة: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، وقال المالكية للحج تحللان يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدم طواف الإفاضة على جمرة العقبة قال مالك، وابن القاسم: يجزئه وعليه هدي. وعن مالك أيضاً لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقال أصبغ: أحب إلى أن يعيد الإفاضة وهو في يوم النحر آكد وقال الحنفية: إن التحلل الأول بالحلق خاصة دون الرمي والطواف فليسا من أسباب التحلل، وفرقوا بأن التحلل هو الجناية في غير أوانها، وذلك مختص بالحلق. وأما ذبح الهدي فليس مما يتوقف عليه التحلل، إلا أن الحنفية والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هدي لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر … (الأمر الثاني) فيما يحل بالتحلل الأول - وهي المسألة الثالثة - وقد اتفق هؤلاء على أنه يحل به ما عدا الجماع ومقدماته، وعقد النكاح، والصيد والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحل الجماع. واختلفوا في بقية هذه الأمور فقال الشافعية: يحل الصيد والطيب، واختلفوا في عقد لنكاح والمباشرة فيما دون الفرج.

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 435)

..............................................................................................
ــ
وفيه قولان للشافعي أصحهما التحريم، كذا صححه النووي، ونقله عن الأكثرين. وذكر الرافعي أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر النص في المختصر، ولكنه صحح في الشرح الصغير الحل. واقتضى كلامه في المحرر التفصيل بين المسألتين، فصرح بإباحة عقد النكاح بالأول وجعل المباشرة داخلة فيما يحل بالثاني، وكلام الحنابلة موافق للمرجح عندنا. وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في المحرر: ثم قد حل من كل شيء إلا النساء، وعنه: يحل إلا من الوطء في الفرج، وكذا مذهب الحنفية. قال صاحب الهداية: وقد حل له كل شيء إلا النساء، ثم قال: ولا يحل الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافًا للشافعي، فنصب الخلاف معه على أحد قوليه. وأما عقد النكاح فهو جائز عندهم في الإحرام وقال المالكية: يستمر تحريم النساء والصيد والطيب إلا أنهم أوجبوا في الصيد الجزاء ولم يوجبوا في الطيب الفدية كما تقدم. قال ابن حزم الظاهري: وهذا عجب، فإن احتجوا بالأثر الوارد في تطييب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر أن يكون صحيحًا ففرض عليكم ألا تخالفوه، وقد خالفتموه، أو غير صحيح فلا تراعوه، وأوجبوا الفدية على من تطيب كما أوجبتموها على من تصيد. وقال ابن عبد البر: راعى مالك الاختلاف في هذه المسألة فلم ير الفدية على من تطيب بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة. وقال أبو عباس القرطبي: اعتذر بعض أصحابنا عن هذا الحديث بادعاء خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قلنا الأصل التشريع وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس ثم دليل على ذلك. وقال ابن العربي: هذه مسألة مشكلة قديمًا، اختلف السلف فيها على أربعة أقوال: الأول: أن من رمى الجمرة حل له كل شيء إلا النساء والطيب. الثاني: زاد مالك: ((والصيد)) لقوله تعالى: {لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} (5: 95) وهذا حرام بعد. الثالث: قال عطاء إلا النساء والصيد لأن الطيب حل بفعله صلى الله عليه وسلم فبقى النساء والصيد على تحريمه. الرابع: النساء خاصة، وهو قول الشافعي وهو حديث عائشة وهو الصحيح. وبه قال ابن عباس، وطاوس، وعلقمة - انتهى. قلت: وفيه قول خامس كما قال ابن النذر: وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. قال ابن قدامة: روي عن عروة أنه قال: لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. وروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد الله، وطاوس، والنخغي، وعبد الله بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأحمد ، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحل له كل شيء إلا النساء، وروينا ذلك عن ابن عباس، وقال عمر بن الخطاب، وابن عمر: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد - انتهى. قال الباجى: مذهب مالك المنع من ذلك ومن دواعي النكاح. قال: ومن رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء والطيب والصيد، فإذا أفاض حل له كل شيء، فمن تطيب قبل أن يفي فلا فدية عليه، لأنه وجد منه أحد التحللين، ووجه آخر أنه محل اختلف في استباحة

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 436)

..............................................................................................
ــ
استعمال الطيب فيه فلم يجب له فدية، أصل ذلك التطيب للإحرام - انتهى. وقال الأبي: القول بسقوط الفدية هو له في المدونة. وعنه رواية أخرى بثبوتها، ولا يتحقق لزومها إلا إذا كان المنع على وجه التحريم - انتهى. وذكر ابن قدامة في المغني (ج3: ص438) اختلاف العلماء في هذه المسألة نحو ما تقدم عن ابن المنذر، وقال: إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حل له كل ما كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد نص عليه في رواية جماعة فيبقى ما كان محرمًا عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سواه، وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك بخلاف غيره - انتهى. وفى الروض المربع من فروع الحنابلة: ثم إذا رمى، وحلق، أو قصر، فقد حل له كل شيء كان محظورًا بالإحرام إلا النساء وطئًا ومباشرة وقبلة ولمسًا بشهوة وعقد النكاح - انتهى. وبه جزم النووي في المناسك إذ قال: ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات بالإحرام إلا الاستمتاع بالنساء فإنه يستمر تحريمه حتى يتحلل التحللين، وكذا يستمر تحريم المباشرة بغير الجماع على الأصح، زاد ابن حجر: أي وتحريم عقد النكاح كما في المنهاج وغيره - انتهى. وقال العيني (ج10: ص93) بعد ذكر اختلاف العلماء عن ابن المنذر: قلت مذهب عروة وجماعة من السلف أنه لا يحل للحاج اللباس والطيب يوم النحر وإن رمى جمرة العقبة وحلق وذبح حتى تحل له النساء، ولا تحل له النساء حتى يطوف طواف الزيارة. وقال علقمة، وسالم، وطاوس، وخارجة بن زيد، وإبراهيم النخعي، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وأحمد في الصحيح، وأبو ثور، وإسحاق: إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل شيء كان محظورًا بالإحرام إلا النساء، واختلفوا في حكم الطيب فقال أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس. وقال مالك، وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع - انتهى. قلت: قد تقدم في بيان المسألة الثانية أن المحلل عند الحنفية الحلق، ولذا قال القاري في شرح اللباب: حكمه أي الحلق التحلل فيباح به جميع ما حظر بالإحرام من الطيب والصيد ولبس المخيط وغير ذلك إلا الجماع ودواعيه كالتقبيل واللمس على ما ذكره الكرماني، لكن في منسك الفارسي والطرابلسى: لا يحل الجماع فيما دون الفرج بخلاف اللمس والقبلة - انتهى. ولعل مرادهما أنهما مكروهان بخلاف الجماع فيما دون الفرج فإنه حينئذٍ حرام فلا تنافي، فإنه أي الجماع وتوابعه يتوقف حله على طواف الإفاضة - انتهى. قال الشنقيطى: لم أر لمالك بالنسبة إلى الصيد مستندًا من النقل إلا أمرين: أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فهو مرسل، لأن مكحولاً لم يدرك عمر، فحديثه عنه منقطع. والثاني التمسك بظاهر قوله تعالى: {لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} (95: 5) لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة دليل على بقاء إحرامه في الجملة فيشمله عموم

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 437)

..............................................................................................
ــ
{لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء. وأما حجته مالكًا أعني مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب فهي ما روى في موطأه عن نافع، وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت. قال الباجي: لم يذكر عمر تحريم الصيد لأن المقيم بها مقيم بالحرم، والصيد ممنوع فيه للحلال فلا يستبيحه لطواف الإفاضة ولا غيره، وإنما تكلم على ما يستباح بطواف الإفاضة ويمنع منه الإحرام خاصة دون حرمة الحرم. ولا خلاف على المذهب أن الصيد ممنوع في ذلك الوقت في الحل، فلو أصابه في الحل قبل طواف الإفاضة لكان عليه جزاؤه، وقد قال به ابن القاسم - انتهى. ومما يستدل به لمالك على منع الطيب ما رواه الحاكم في المستدرك (ج1: ص461) من طريق يحيى بن سعيد، وعن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير، قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى ثم يغدو إلى عرفة - الحديث. وفيه فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولم يتعقبه عليه الذهبي. ولا يخفى أن هذه الآثار لا تصلح لمعارضة أحاديث حل الطيب المرفوعة الصحيحة، وعلى فرض أن أثر ابن الزبير مرفوع، فهو أيضاً لا يعتد به بجنب الأحاديث الدالة على حل الطيب ولا سيما وهى مثبته لحله. قال الشنقيطي: وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلا النساء، كأحمد والشافعي ومن وافقهما فمنها حديث عائشة المتفق عليه يعني الحديث الذي نحن في شرحه، وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا متعددة متقاربة معناها واحد، ومنها ما رواه أحمد (ج1: ص234، 344، 369) والنسائي، وابن ماجة، والطحاوي، والبيهقي من طريق الحسن العرني عن ابن عباس، قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ قال في البدر المنير: إسناده حسن كما قاله المنذري، إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس. ومنها ما رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وسعيد بن منصور، والطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء. قال أبو داود، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: إن الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه شيئًا. ورواه الطحاوي والبيهقي أيضاً من طريق الحجاج بن أرطاة عن أبى بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة. قال المنذري: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الحجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه - انتهى. وقد ذكر المصنف حديث ابن عباس المتقدم وحديث عائشة هذا في باب خطبة يوم النحر

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 438)

..............................................................................................
ــ
ورمي أيام التشريق، ويأتي بقية الكلام عليهما هناك إن شاء الله. ومنها ما رواه أبو داود والحاكم (ج1: ص489) والبيهقي من حديث أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر: إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم أن تحلوا يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء. وفي إسناده محمد بن إسحاق، ولكنه صرح بالتحديث، قال الحافظ وأعتذر بعض المالكية عن الأحاديث الدالة على حل الطيب بعد رمي جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة بأن عمل أهل المدينة على خلافها، وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسًا من أهل العلم منهم: القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن التطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من اعين قد اتفقوا على ذلك فكيف يدعي مع ذلك العمل على خلافه؟ قال الشنقيطي: وأما ما ذكرنا عن الشافعي من أنه يحل له كل شيء إلا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف وتحل النساء بالثالث منها، بناء على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك يحل له كل شيء إلا النساء بواحد من اثنين: هما: الرمي، والطواف، وتحل له النساء بالثاني منهما. لم نعلم له نصًا يدل عليه هكذا، والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق فجعل هو الطواف كواحد منهما قال: والتحقيق أن الطيب يحل له بالتحلل الأول لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك، وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل له إلا بالتحلل الأخير، وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر، لأن الأحاديث التي فيها التصريح بأنه يحل له كل شيء إلا النساء، قد علمت ما فيها من الكلام، وحديث عائشة المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد، وظاهر قوله: {لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإحرام في الجملة وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه - انتهىكلام الشنقيطي. تنبيه: عقد الترمذي لحديث عائشة هذا ((باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيارة)) وقال بعد روايته: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر وذبح وحلق أو قصر فقد حل له كل شيء إلا النساء وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (وهو قول الحنفية) وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: حل له كل شيء إلا النساء والطيب. (أخرجه محمد في الموطأ بلفظ ((من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديًا إن كان معه، حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت)) .) وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم (وبه قال ابن عمر رضي الله عنه وهو قول مالك) وهو قول أهل الكوفة (ليس المراد بأهل الكوفة الإمام أبا حنيفة لأن مذهبه في هذا الباب هو ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وإسحاق) . قال محمد في الموطأ بعد رواية أثر عمر المذكور: هذا قول عمر، وابن عمر، وقد روت عائشة خلاف ذلك. قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 439)

كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.
ــ
بعد ما حلق قبل أن يزور البيت. فأخذنا بقولها، وعليه أبو حنيفة والعامة من فقهائنا - انتهى. والعبارات المذكورة بين القوسين كلها لشيخنا في شرح كلام الترمذي، وكلام شيخنا في شرح هذا المقام وكذا كلام الترمذي كلاهما. واضح بين حق وصواب ليس فيه أدنى خفاء وغموض لكن مع وضوحه لم يفهمه البنوري بل أخطا خطأ فاحشًا فاعترض على شيخنا، وليس ذلك إلا لسوء فهمه وسقمه:
وكم من عائب قولاً صحيحًا وآفته من الفهم السقيم أو لعدائه الكامن في قلبه مع أصحاب الحديث عامة ومع شيخنا خاصة، حيث اعترض عليه ولم يدر ما يخرج من فيه وما يسود به القرطاس قال البنوري في ((معارف السنن)) (ج6: ص526) : وما ذكره الترمذي من عدم الجواز قول أهل الكوفة فليس هو مذهبه أهل الكوفة من الإمام أبى حنيفة وأصحابه، بل هو مذهب محمد بن الحسن الشيباني من أصحابه كما صرح به الموطأ بعد رواية أثر عمر الفاروق: فقال وبهذا نأخذ … قال: وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى به بأسًا - انتهى. هكذا عبارة الإمام محمد في موطأه، وما ذكره الشيخ المباركفوري في تحفته معزوًا إلى الموطأ فقد غلط وأخطأ في نقل عبارته، ولا أدري ماذا حدث له. والله أعلم - انتهى كلام البنوري. قلت: لم يخطأ شيخنا في نقل العبارة عن الموطأ كما لا يخفى على من طالع موطأه (ص227) باب ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر فكل ما كتبه شيخنا في شرح الترمذي في هذا الباب هو حق وصواب. نعم كلام البنوري يدل على أنه لم يفهم كلام الترمذي أصلاً حيث نقل كلام الإمام محمد عن موطأه من باب من تطيب قبل أن يحرم (ص197، 198) مع أنه لا علاقة له بما ذكره الترمذي في الباب المذكور من أثر عمر، واختلاف أهل العلم في مسألة التطيب بعد الرمي والحلق قبل طواف الزيارة (كأني أنظر) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه (إلى وبيص الطيب) أي بريقه ولمعانه، وفي رواية لمسلم: ((وبيص المسك)) والوبيص بفتح الواو وكسر الموحدة بعدها ياء تحتانية ثم صاد مهملة البريق، من وبص الشيء يبص وبيصًا أي برق. وقال الإسماعيلي: الوبيص زيادة على البريق وأن المراد به التلألؤ وأنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط (في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم) بفتح الميم جمع مفرق بفتح الميم وكسر الراء ويجوز فتحها وهو المكان الذي يفرق فيه الشعر في وسط الرأس، قيل: ذكرته بصيغة الجمع نظرًا إلى أن كل جزء منه كان مفرقًا. قال القاري: المفرق وسط الرأس الذي يفرق فيه شعر الرأس وإنما ذكر على لفظ الجمع تعميمًا لسائر جوانب الرأس التي يفرق فيها كأنهم سموا كل موضع منه مفرقًا وفي رواية للشيخين: ((مفرق)) على لفظ الواحد وهكذا ذكره البغوي في مصابيح السنة. وفي رواية البخاري في اللباس ((كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب ما يجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته)) (وهو محرم) زاد النسائي، وابن حبان، وابن ماجة: ((بعد ثلاث)) وفيه دليل

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 440)

متفق عليه.
2565- (2) وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً
ــ
على أن بقاء أثر الطيب ورائحته بعد الإحرام لا يضر ولا يوجب فدية كما هو مذهب الجمهور: الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم من السلف والخلف خلافًا لمالك ومن وافقه. (متفق عليه) أي على أصل الحديث، وقد رواه البخاري في الطهارة، وفي الحج، وفي اللباس، ومسلم في الحج، وصنيع المصنف والبغوي يدل على أن سياق الحديث على النسق المذكور للشيخين جميعًا وأنهما أورداه بهذا اللفظ، والأمر ليس كذلك فقولها: ((لإحرامه قبل أن يحرم ولحله)) لمسلم. ولفظ البخاري: ((لإحرامه حين يحرم)) وفي أخرى له: ((حين أحرم ولحله حين أحل)) وقولها: ((بطيب فيه مسك)) لمسلم وحده. وأما قولها: ((كأني أنظر)) إلخ. فقد اتفقنا عليه، رواه البخاري في الطهارة، والحج، ومسلم في الحج والحديث أخرجه أيضاً أحمد، ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والطحاوي، وابن الجارود، والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى من شاء الوقوف على اختلاف روايات الشيخين وأصحاب السنن رجع إلى جامع الأصول (ج3: ص397) .
2565- قوله: (يهل) من الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية (ملبدًا) بكسر الباء وفتحها، حال من فاعل يهل، أي سمعته يرفع صوته بالتلبية حال كونه ملبدًا شعر رأسه بنحو الصمغ لينضم الشعر ويلتصق بعضه ببعض احترازًا عن تمعطه وتقمله. قال العلماء: التلبيد إلصاق شعر الرأس عند الإحرام بالصمغ أو الخطمي وشبههما مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض ويمنعه من التشعث، والتمعط، والتقمل، وتخلل الغبار في الإحرام، وإنما يفعل ذلك من يطول مكثه في الإحرام، واستفيد من استحباب التلبيد قبل الإحرام لكونه أرفق به. وقد نص عليه الشافعي وأصحابه، وهو موافق لحديث الأعرابي الذي خر عن بعيره وهو محرم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يمسوه بطيب ولا يخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا. وفي رواية ((ملبدًا)) رواه أحمد، والشيخان. قلت: التلبيد مندوب عند الشافعية صرح به العيني، والقسطلاني، والطبري وغيرهم، وكذا ذكره في مندوبات الإحرام أصحاب فروع الشافعية كصاحب تحفة المحتاج (ج4: ص56) وغيره، وأما عند الحنفية فصرح أهل فروعهم أن التلبيد إن كان بالثخين ففيه دم للتغطية وإن كان مع الطيب أيضاً ففيه دمان. قال ابن الملك: التلبيد جائز عند الشافعي، وعندنا يلزمه دم إن لبد بما ليس فيه طيب لأنه كتغطية الرأس، ودمان إن كان فيه طيب. وأشكل عليه صاحب البحر بما ثبت في الصحيحين من تلبيده صلى الله عليه وسلم. قال ابن عابدين في هامشه: أجاب عنه العلامة المقدسي في شرحه بقوله: أقول لا ريب في وجوب حمل فعله صلى الله عليه وسلم على ما هو سائغ بل ما هو أكمل. فالتلبيد الذي فعله صلى الله عليه وسلم يسير لا يحصل به التغطية، ولا يمنع ابتداء فعله في الإحرام ولا بقاؤه. والموجب للدم يحمل على المبالغة فيه بحيث تحصل منه تغطية. وقال أيضاً في رد المحتار: وعليه يحمل ما في الفتح عن رشيد الدين في مناسكه إذ قال: وحسن أن يلبد رأسه قبل الإحرام - انتهى. وقال صاحب الغنية (ص35) : وحسن أن يلبد رأسه بنحو خطمي أو

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 441)

يقول: لبيك
ــ
غيره لكن تلبيدًا سائغًا وهو اليسير الذي لا يحصل به التغطية، فإن استصحاب التغطية الكائنة قبل الإحرام لا يجوز بخلاف الطيب، وعليه يجب أن يحمل تلبيده صلى الله عليه وسلم في إحرامه، وتمامه في جنايات رد المحتار. وقال القاري: ولعله كان به صلى الله عليه وسلم عذر، قال: ويمكن حمله على التلبيد اللغوي من جمع الشعر ولفه وعدم تخليته متفرقًا، ففي القاموس: تلبد الصوف ونحوه تداخل ولزق بعضه ببعض - انتهى. قلت: حمل فعله صلى الله عليه وسلم على عذر يحتاج إلى دليل، والأصل عدم العذر وأما حمل التلبيد على المعنى اللغوي ففيه: أن شراح الحديث، وأهل اللغة، وأصحاب غريب الحديث: كالخطابي، والحافظ، والعيني، والمجد، والجوهري، والجزري، والزمخشري وغيرهم قد اتفقوا على ما ذكرنا من العلماء من معنى التلبيد، ولزوق بعض الصوف أو الشعر ببعضه لا يحصل إلا بما يصلح للإلزاق والإلصاق كالصمغ أو الخطمي أو العسل وما يشبه ذلك، ويؤيد ذلك ما سيأتي في الفصل الثاني من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالغسل. قال الحافظ: قال ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره. قال الحافظ ضبطناه في روايتنا في سنن أبى داود بالمهملتين - انتهى. والظاهر أن ابن عمر ذكر ما رأى من تلبيده صلى الله عليه وسلم عند الإحرام وهو الذي فهمه أبو داود وغيره حيث أورد حديثه هذا في المناسك (يقول) بدل من يهل (لبيك) اختلف في لفظه وفي اشتقاقه ومعناه، أما لفظة فتثنية عند سيبويه ومن تبعه، يراد بها التكثير في العدد والعود مرة لا أنها لحقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلا فردين وقال يونس بن حبيب البصري: هو اسم مفرد، والياء فيه كالياء في لديك وعليك وإليك، يعني في انقلاب الألف ياء لاتصالها بالضمير، ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر. وعن الفراء: هو منصوب على المصدر ولا يكون عامله إلا مضمرًا وأصله ((لبا لك)) فثني على التأكيد أي ألب إلبابًا بعد إلبابٍ. وأما معناه: فقيل: معناه أجبتك إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة، قال ابن الأنباري: ومثله حنانيك أي تحننًا بعد تحنن، وقيل: معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، من ألب بالمكان كذا ولب به، إذا أقام به ولزمه، وقيل معناه: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: دارى تلب دارك وتواجهها. وقيل: معناه محبتي لك من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة لزوجها، وعاطفة على ولدها، وقيل: إخلاصي لك من قولهم: حسب لبابك أي خالص محض ومن ذلك لب الطعام، ولبابه، وقيل: قربًا منك من الإلباب وهو: القرب، وقيل: معناه أنا ملب بين يديك، أي خاضع لك. حكى هذه الأقوال القاضي عياض وغيره. قال الحافظ، والعيني: والأول منها أظهر وأشهر، لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، ولهذا من دعا فقال: لبيك فقد استجاب. وقال ابن عبد البر: قال جماعة من أهل العلم: إن معنى التلبية: إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام حين أذن في الناس بالحج - انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبى حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة وقتادة وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبى ذبيان عن أبيه، عنه، قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له:

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 442)

اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك،
ــ
أذن في الناس بالحج، قال: رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ. قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وفيه: ((فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء)) ، وأول من أجابه أهل اليمن. فليس حاج يحج من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذٍ. قال ابن المنير في الحاشية: وفي مشروعيته التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى (اللهم لبيك) أي يا الله! أقمت ببابك إقامة بعد إقامة وأجبت نداءك إجابة بعد أخرى. وجملة ((اللهم)) بمعنى يا الله بين المؤكد والمؤكد، والتثنية لإفادة التكرار والتكثير، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} (67: 4) أي كرات كثيرة، وتكرار اللفظ لتوكيد ذلك (لبيك لا شريك لبيك) استئناف فيستحسن الوقف على لبيك الثانية كما يستحسن على الرابعة. قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهية، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندية والمثلية في الذات والصفات (إن الحمد) روى بكسر الهمزة على الاستيناف وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة. قال الجمهور: والكسر أجود. وحكاه الزمخشري عن أبى حنيفة، وابن قدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البر عن اختيار أهل العربية. وقال الخطابي: الفتح رواية العامة. وحكاه الزمخشري عن الشافعي. وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح، لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتح قال معناه: لبيك لهذا السبب، وكذا رجح الكسر ابن دقيق العيد، والنووي، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال، والفتح يدل على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعم وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه ويحوز الفتح، أما الكسر فهو على استيناف الثناء وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجي إلى أن لا مزية لأحد الوجهين على الآخر، وقال ابن عبد البر: المعنى عندي واحد، لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد لبيك لأن الحمد على كل حال، والملك لك والنعمة وحدك دون غيرك حقيقة لا شريك لك. وتعقب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا غير معلل ولا مقيد فهو أبلغ في الاستجابة لله (والنعمة لك) المشهور فيه النصب. قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، والتقدير: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. قال ابن الأنباري: إن شئت جعلت خبر إن محذوًفا، والموجود خبر المبتدأ تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك (والملك) بالنصب أيضاً على المشهور، ويجوز الرفع وتقديره: والملك كذلك، قال الحافظ: وقال الولي العراقي: فيه وجهان أيضاً، أشهرهما النصب

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 443)

لا شريك لك. لا يزيد على هؤلاء الكلمات
ــ
عطفًا على اسم إن، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة الخبر المتقدم عليه. ويحتمل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على الحمد ولذا يستحب الوقف عند قوله: ((والملك)) قال ابن المنير: قرن الحمد والنعمة وأفرد ((الملك)) لأن الحمد متعلق بالنعمة ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه فجمع بينهما، وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك. قال القاري: ولا مانع من أن يكون ((الملك)) مرفوعًا، وخبره (لا شريك لك) أي فيه (لا يزيد) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (هؤلاء الكلمات) أي التلبية المذكورة. قيل: هذا لا ينافي ما رواه النسائي وغيره من حديث أبى هريرة قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لبيك إله الحق)) لاحتمال أن ابن عمر لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وسمعها أبو هريرة، والظاهر أنه كان يقول هذه الجملة التي رواها أبو هريرة قليلاً لتضافر الروايات على رواية ابن عمر. قلت حديث ابن عمر الذي نحن في شرحه رواه الشيخان من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وروى أحمد (ج2: ص47، 77) ، ومالك، ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر مرفوعًا لفظ التلبية كما هو متفق عليه، ثم زادوا ((قال (أي نافع) وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا: لبيك، لبيك، لبيك وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)) فإن قيل: كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع أنه كان شديد التحري لإتباع السنة؟ واللائق بورعه وشدة إتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يزيد على تلبيته صلى الله عليه وسلم أجاب الأبي بأنه رأى أن الزيادة على النص ليست نسخًا، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره، فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم، أو فهم عدم القصر على أولئك الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل، واقتصار المصطفى صلى الله عليه وسلم بيان لأقل ما يكفي وأجاب الولي العراقي بأنه ليس فيه خلط السنة بغيرها، بل لما أتى بما سمعه ضم إليه ذكرًا آخر في معناه، وباب الأذكار لا تحجير فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذكر خير موضوع والاستكثار منه حسن، على أن أكثر هذا الذي زاده كان صلى الله عليه وسلم يقوله في دعاء استفتاح الصلاة، وهو: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك - انتهى. والجوابان متقاربان. وفي مسلم وأحمد (ج2: ص131) : عن ابن عمر، كان عمر يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك وسعديك، إلى آخر ما زاده هنا، قال الحافظ: فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، وأخرج ابن أبى شيبة عن المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع وزاد: لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن - انتهى. واعلم أنه أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر الطويل عند مسلم في قصته حجة الوداع، ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله ودعاءه ونحو ذلك، فكره بعضهم الزيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكاه ابن عبد البر عن مالك قال: وهو أحد قولي الشافعي. وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة. قال ابن عبد البر: أجمع

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 444)

..............................................................................................
ــ
العلماء على القول بهذه التلبية المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في الزيادة فيها فقال مالك: أكره الزيادة فيها على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال الثورى، والأوزاعي، ومحمد ابن الحسن: له أن يزيد فيها ما شاء وأحب، وقال أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور: لا بأس بالزيادة. وقال الترمذي: قال الشافعي: إن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله، وأحب إلى أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو يوسف والشافعي في قول لا ينبغي أن يزاد فيها على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة وإليه ذهب الطحاوي واختاره، ذكره العيني. وقال الحافظ بعد ذكر ما روى عن ابن عمر وأبيه رضي الله عنهما من الزيادة على التلبية المروية عنه صلى الله عليه وسلم ما لفظه: واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. قال الطحاوي بعد أن أخرجه أي لفظ التلبية المرفوع من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعًا على هذه التلبية غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب، وهو قول محمد، والثوري، والأوزاعي، واحتجوا بحديث أبى هريرة يعني الذي أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وصححه ابن حبان، والحاكم، قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك إله حق لبيك، وبزيادة ابن عمر المذكورة. وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما عمله رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث عمرو بن معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل: لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما علمه ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه: أنه سمع رجلاً يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ - انتهى. قال في البحر: هذا اختيار الطحاوي، ولعل مراده من الكراهة أن يزيد الرجل من عند نفسه على التلبية المأثورة، أو أراد الزيادة في خلال التلبية المسنونة، فإن أصحابنا قالوا: إن زاد عليها فهو مستحب. قال صاحب السراج الوهاج: هذا بعد الإتيان بها، أما في خلالها فلا - انتهى. وفي ((غنية الناسك)) ندب أن يزيد فيها لا في خلالها بل بعدها وجاز قبلها فيقول: لبيك إله الخلق لبيك، أو لبيك لبيك وسعديك، إلخ. ولا يستحب الزيادة من غير المأثور بل هو جائز كما يفهم من الفتح والتبيين. أما النقص عنها أو الزيادة في خلالها فيكره تنزيهًا، ذكره في الكبير. وفي شرح اللباب: ما وقع من الزيادة مأثورًا يستحب، وما ليس مرويًا فجائز أو حسن، كذا في رد المحتار. وقال محمد بعد رواية حديث ابن عمر من طريق نافع، وفيه الزيادة المذكورة، وبهذا نأخذ، التلبية هي التلبية الأولى التي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما زدت فحسن وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا - انتهى. قال الحافظ: ويدل على الجواز ما وقع عند النسائي من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: كان من تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. ففيه دلالة على أنه كان يلبي بغير ذلك. وما تقدم من حديث أبى هريرة عند النسائي وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم وما تقدم عن عمر وابن عمر من فعلهما، وروى سعيد بن منصور

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 445)

متفق عليه.
ــ
من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول: لبيك غفار الذنوب. وللحاكم، والبيهقي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات، فلما قال: لبيك اللهم لبيك، قال: إنما الخير خير الآخرة. وللدارقطني في العلل وأبي ذر الهروي، والبزار عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: لبيك حجًا تعبدًا ورقًا. ولمسلم في حديث جابر الطويل في صفة الحج: حتى استوت به ناقته على البيداء وأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك إلخ. وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه منه مسلم، قال: والناس يزيدون ((ذا المعارج)) ونحوه من الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئًا. وفي رواية البيهقي ((ذا المعارج)) و ((ذا الفواصل)) قال الحافظ بعد ذكر حديث جابر من رواية مسلم وأبى داود: وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو صلى الله عليه وسلم عليها، وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها وهو قول الجمهور، وبه صرح أشهب، وحكى عن ابن عبد البر عن مالك الكراهة. قال: وهو أحد قولي الشافعي، وحكى الترمذي عن الشافعي، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا بأس، وأحب إلى أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة ونصب البيهقي الخلاف بين أبى حنيفة والشافعي فقال: الاقتصار على المرفوع أحب ولا ضيق أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن، وحكى في المعرفة عن الشافعي قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك - انتهى. وهذا أعدل الوجوه فيفرد ما جاء مرفوعًا. وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا أو أنشأه هو من قبل نفسه مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء أي بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدم ذلك في موضعه - انتهى. قلت: الأفضل والأولى هو الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما، لأن الله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وهو صلى الله عليه وسلم يقول: ((لتأخذوا عني مناسككم)) ، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها، لما روي من فعل عمر وابنه، ومعلوم أن الزيادة على تلبيته النبي صلى الله عليه وسلم لو كان فيها محذور لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، ولما وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم وأبى داود، وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته صلى الله عليه وسلم ويقرهم على ذلك. ولم ينكره عليهم كما ترى. (متفق عليه) رواه البخاري في اللباس ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج5: ص44) ، وأخرجه البخاري أيضاً في الحج من طريق نافع عن ابن عمر مختصرًا، ورواه أحمد بذكر التلبيد والتلبية جميعًا في (ج2: ص131) وبذكر التلبية فقط مرارًا، وروى النسائي، وأبو داود، وابن ماجة التلبيد في باب التلبيد والتلبية في باب صفة التلبية، وروى مالك، والترمذي فقط. وأما قوله: ((لا يزيد على هؤلاء الكلمات)) فلم أجده إلا عند الشيخين والبيهقي. والله أعلم.

(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 446)