2566- (3) وعنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائمة
أهل من عند مسجد ذي الحليفة.
ــ
2566- قوله: (إذا أدخل) كذا في جميع النسخ للمشكاة والمصابيح، وهكذا في رواية أحمد (ج2:ص29، 37) ، والبيهقي (ج5: ص35) ، وابن ماجة، وكذا ذكر المحب الطبري في القرى (ص65) وعزاه لمسلم. والذي في صحيح مسلم ((وضع)) مكان أدخل (في الغرز) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها زاي أي الركاب من جلد أو خشب، وقيل: هو ركاب كور البعير من جلد أو خشب أو حديد، وقيل: هو للكور مطلقًا مثل الركاب للسرج الذي يضع الراكب قدميه فيه، والكور بالضم بالفارسية ((بالان)) والركاب بالكسر حلقه آهني كه بر زين بندند تا وقت سواري بائي در آن نهند (واستوت به ناقته) أي رفعته مستويًا على ظهرها فالباء للتعدية، وفي مسلم: ((وابعثت به راحلته قائمة)) وفي أخرى له: ((أهل حين استوت به ناقته)) ومعنى انبعاثها به استواءها قائمة (أهل) أي رفع صوته بالتلبية ونوى أحد النسكين أو بهما (من عند مسجد ذي الحليفة) يريد بدأ بالإهلال منه، وكان ابن عمر ينكر بذلك على من روى أنه صلى الله عليه وسلم إنما أهل حين استوى على البيداء وقد اختلفت الروايات عن الصحابة في مبدأ إهلاله صلى الله عليه وسلم فمنها ما يدل على أنه أهل في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة كما في رواية ابن عباس عند أحمد، والترمذي، والنسائي، والبيهقي (ج5: ص37) وفي رواية أبى داود المازني عند ابن حزم (ج7: ص93) ، ومنها ما يدل على أنه أهل حين استوت به ناقته قائمة خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة كما وقع في روايات ابن عمر عند أحمد، والشيخين وغيرهم، وفى حديث أنس عند البخاري، وأبى داود، والبيهقي، والطحاوي. وقال الزيلعي بعد ذكر حديث أنس: وأخرج أي البخاري أيضاً عن عطاء عن جابر أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته - انتهى. وقال المجد في المنتقى بعد ذكر حديث جابر: رواه البخاري، وقال: رواه أنس، وابن عباس - انتهى. ومنها ما يدل على أنه أهل حين استوت به على البيداء أي بعد ما علا على شرف البيداء كما وقع في روايات ابن عباس أيضاً عند أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبي داود، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم (ج1: ص447) ، والطحاوي. وفي حديث جابر عند مسلم، والترمذي، والطحاوي. وفي حديث أنس عند أحمد، والنسائي، وأبي داود. وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند أبى داود، والنسائي، والبيهقي، والحاكم. والبيداء هذه قال العلماء: هي الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة وهي بقرب ذي الحليفة، وذكره النووي، وقال البكري: البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. وقد جمع بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالاً جماعة بعد أخرى فرأى قوم شروعه صلى الله عليه وسلم في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة فنقلوا عنه أنه أهل بذلك المكان ثم أهل لما استقلت به راحلته فسمعه
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 447)
..............................................................................................
ــ
آخرون فظنوا أنه شرع في الإهلال في ذلك الوقت لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد فقالوا: إنما أهل عندما استقلت به راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يهل على شرف البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم حيث قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه ثم ركب على ناقته وأهل أيضاً، ثم أهل لما استقلت به على البيداء - انتهى مختصرًا ملخصًا. ويؤيد هذا الجمع ما رواه أحمد (ج1: ص) ، وأبو داود، والحاكم (ج1: ص451) ، والبيهقي (ج5: ص37) ، والطحاوي (ج1: ص362) عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله فقال: إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالاً فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علا على شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء - انتهى. قال الحافظ في الفتح: وقد أزال الإشكال أي إشكال اختلاف الروايات في مكان إهلاله صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير قلت لابن عباس: عجبت، فذكر الحديث، ثم قال: فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على ما يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء - انتهى. وقال الشوكاني في شرح حديث ابن عباس المذكور: هذا الحديث يزول به الإشكال، ويجمع بين الروايات المختلفة بما فيه، فأوضحه ثم قال: وهذا يدل على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يهل في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرر الإهلال عند أن يركب على راحلته وعند أن يمر بشرف البيداء - انتهى. وقال الطحاوي بعد رواية حديث ابن عباس المذكور: فبين عبد الله ابن عباس الوجه الذي جاء اختلافهم، وأن إهلال النبي صلى الله عليه وسلم الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد - انتهى. وقال الحافظ في الدراية: قوله: ((ولو لبى بعد ما استوت به راحلته جاز)) ولكن الأول يعني الإهلال دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة أفضل لما روينا، كذا قال. والأحاديث في أنه لبى بعد ما استوت به راحلته أكثر وأشهر من الحديث الذي احتج به فذكرها من رواية ابن عمر، وأنس، وجابر، ثم قال: وقد ورد ما يجمع بين هذه الأحاديث (المختلفة) من حديث ابن عباس عند أبى داود، والحاكم فذكره، ثم قال: وهذا لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة إلا أنه من رواية خصيف (بن عبد الرحمن) وفيه ضعف - انتهى. وقال ابن حزم:
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 448)
..............................................................................................
ــ
حديث ابن عباس هذا في طريقه خصيف وهو ضعيف، وحديث أبى داود الأنصاري المازني من طريقة قوم غير مشهورين والأحاديث الدالة على إحرامه صلى الله عليه وسلم بعد ما استقلت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متفق علي صحتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس وعائشة، وهو: أنه صلى الله عليه وسلم أهل من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في الغرز واستقلت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقيب الركوب ولا في مصلاه، ولو صح حديث ابن عباس، وأبى داود لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر لما فيه من الزيادة، لكن لما كان حديث ابن عمر متفقًا على صحته ولم يصح حديثهما وجب المصير إليه دونهما، ولما كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتفق على صحة روايته وهي كون الإهلال من عند المسجد فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذٍ يلبي فظن أن ذلك أول إهلاله. ويمكن أن يقضي بحديث ابن عمر على حديث ابن عباس، ويكون قوله: ((في مصلاه)) زيادة من الراوي ليس من قول ابن عباس ويصدق على من أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لما فرغ من ركعتيه أهل، ولا يلزم من ذلك التعقيب. وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله. والله أعلم، هذا آخر كلام ابن حزم. قال الطبري بعد ذكره: وما رواه الترمذي وقال: ((هو حسن)) فيه دلالة على جواز الاحتجاج به، والمختار المصير إليه والعمل به - انتهى. قلت: وقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا بعد رواية حديث ابن عباس من طريق خصيف مختصرًا ((هذا حديث غريب)) ليس فيها لفظ: ((حسن)) ونسب الزيلعي إليه أنه قال: حديث حسن غريب، وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذي. والله أعلم. قال الحافظ في الفتح: قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل - انتهى. قلت: ذهب مالك، والشافعي والجمهور إلى أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت راحلته لاتفاق أغلب الروايات في المعنى وأصحها وأشهرها على أنه صلى الله عليه وسلم أهل عند انبعاث راحلته وانبعاثها هو استواؤها قائمة. وقال أبو حنيفة، وأحمد، وداود: يحرم عقب الصلاة وهو جالس في مصلاه قبل ركوب دابته وقبل قيامه. قال النووى: وهو قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف - انتهى. قلت: يشير إلى حديث ابن عباس الذي أحال عليه الزيلعي، والحافظ، والشوكاني وغيرهم للجمع بين الأحاديث المختلفة في مبدأ إحرامه صلى الله عليه وسلم، وقد سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر (أي لغيره من الأحاديث الواردة) في الباب ولم يخرجاه، وأقره عليه الذهبي، وإنما ضعفه من ضعفه كالنووي، والبيهقي والمنذري لأن في إسناده خصيف بن عبد الرحمن وهو غير متفق على ضعفه، على أن النووي نفسه قال في شرح المهذب: وأما قول البيهقي أن خصيفًا غير قوي، فقد خالفه فيه كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمين فوثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ومحمد بن سعد. وقال النسائي فيه: ((هو صالح)) - انتهى. قال ابن قدامة في المغني (ج3: ص275) : قد روى عن أحمد أن الإحرام
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 449)
متفق عليه.
2567- (4) وعن أبى سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرخ بالحج صراخًا
ــ
عقيب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة؟ أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع ذلك كله. والأولى الإحرام عقيب الصلاة لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس وفيه بيان وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الأمر عليه جمعًا بين الأخبار المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز، لا نعلم أحدًا خالف في ذلك - انتهى مختصرًا. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج2: ص10، 17، 18، 28، 29، 37) ومالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي وغيرهم بألفاظ مختلفة، واللفظ المذكور لأحمد (ج2: ص29، 37) ومسلم، وابن ماجة باختلاف يسير.
2567- قوله (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرخ) بالضم حال أي نرفع أصواتنا بالتلبية وفي رواية: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ، قال النووي: فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية وهو متفق عليه بشرط أن يكون رفعًا مقتصدًا بحيث لا يؤذي نفسه، والمرأة لا ترفع بل تسمع نفسها، لأن صوتها محل فتنة، ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافة، وقال أهل الظاهر: هو واجب - انتهى. ويأتي مزيد الكلام في هذه المسألة في شرح حديث خلاد بن السائب الآتي (بالحج صراخًا) بضم الصاد مفعول مطلق، ولعل الاقتصار على ذكر الحج لأنه الأصل والمقصود الأعظم أو لأنه المبدوء به ثم أدخل عليه العمرة، قال القاري: وقد يقال: هذا حال الراوي ومن وافقه، وأما حاله عليه الصلاة والسلام فمسكوت عنه يعرف من محل آخر فلا ينافي ما سيأتي - انتهى. وفي الحديث دليل على استحباب ذكر النسك في التلبية، ويدل عليه أيضاً حديث أنس الآتي. قال المحب الطبرى: الظاهر من لفظ الحديث ذكر النسك في التلبية، وقد اختلف أصحابنا في استحباب ذلك فمنهم من استحبه لظاهر هذه الأحاديث، ومنهم من قال: لا يستحب لما تقدم من حديث جابر قال: ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلبيته قط حجًا ولا عمرة، ومن حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجًا ولا عمرة. أخرجهما البيهقي ولما روي عن ابن عمر أنه كان إذا سمع بعض أهله يسمي حجًا يقول: لبيك بحج، صك في صدره وقال: أتعلم الله بما في صدرك؟ أخرجه البيهقي وسعيد بن منصور وقال: أتعلم الله بما في نفسك؟ قال الطبري: هذا الاختلاف - والله أعلم - في غير التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، أما تلك فالظاهر استحباب ذكر النسك فيها قولاً واحدًا، وعلى ذلك يحمل ما ورد من الأحاديث، على أن حديث ابن عمر يعم الأولى وغيرها - انتهى. قال القاري: في حديث أبى سعيد رد على الشافعية أنه إنما يذكر الحج والعمرة في أول تلبيته فقط.
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 450)
رواه مسلم.
2568- (5) وعن أنس، قال: كنت رديف أبى طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعًا الحج والعمرة.
ــ
وقال ابن قدامة (ج3: ص290، 291) : ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال أحمد إن شئت لبيت بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقلت: لبيك بعمرة وحجة. وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك، وهو اختيار ابن عمر، وقول الشافعي لأن جابرًا قال: ما سمى النبي صلى الله عليه وسلم في تلبيته حجًا ولا عمرة، وسمع ابن عمر رجلاً يقول: لبيك بعمرة. فضرب صدره وقال: تعلمه ما في نفسك؟ ولنا ما روى أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجًا، وقال جابر: قدمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج. وقال ابن عباس: قدم رسول الله وأصحابه وهم يلبون بالحج، وقال ابن عمر: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. متفق على هذه الأحاديث. وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا. رواه البخاري. وقال أبو سعيد: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نصرخ بالحج فحللنا. فلما كان يوم التروية لبينا بالحج وانطلقنا إلى منى. وهذه الأحاديث أصح وأكثر من حديثهم. وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه، فإن النسائي روى بإسناده عن الصبي بن معبد أنه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعًا، ثم ذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك، وإن لم يذكر ذلك في تلبيته فلا بأس، فإن النية محلها القلب - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (ج3: ص5، 75) والبيهقي (ج5: ص40) .
2568- قوله: (كنت رديف أبى طلحة) أي راكبًا خلف ظهره وهو زوج أمه (وإنهم) أي الصحابة والنبي معهم (ليصرخون) اللام فيه للتأكيد (بهما) أي بالحج والعمرة (جميعًا الحج والعمرة) بالجر على أنه بدل من الضمير في بهما، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هما أو أحدهما الحج والآخر العمرة، ويجوز النصب على الاختصاص بتقدير أعني وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة، وليس في حديثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرخ بهما وإنما أخبر بذلك عن قوم، وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحج وقومًا يصرخون بعمرة. قال العيني: هذا تحكم وخروج عما يقتضيه الكلام، فإن الضمير في ((يصرخون)) يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه. والباء في بهما يتعلق بيصرخون، فكيف يفرق مرجع الضمير إلى بعضهم بشيء وإلى الآخرين بشيء آخر - انتهى مختصرًا. وقال الكرماني أيضاً: مراد أنس بذلك من نوى منهم القرآن، ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع بأن يكون بعضهم صارخًا بالحج وبعضهم بالعمرة. قال الحافظ ويشكل عليه قوله في الطريق الأخرى يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا. وسيأتي إنكار ابن عمر على أنس ذلك، وسيأتي ما فيه في باب التمتع والقرآن - انتهى. وقال
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 451)
رواه البخاري.
2569- (6) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ع
ــ
العيني بعد ذكر كلام الكرماني: لا يوجد في الرد عليه أقوى من قوله صلى الله عليه وسلم لبيك بحجة وعمرة معًا كما سيجيء بيانه - انتهى. وفى الحديث حجة للجمهور في استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد جاءت فيه أحاديث كما سيجيء الإشارة إليها في شرح حديث خلاد بن السائب. (رواه البخاري) في باب الارتداف في الغزو والحج من كتاب الجهاد، وأخرجه أيضاً في الحج مقطعًا في مواضع، منها في باب رفع الصوت بالإهلال بلفظ: ((صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا)) ، وأخرجه أيضاً البيهقي (ج5: ص40) ، ولمسلم: ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبى بالعمرة والحج جميعًا)) وفي لفظ: ((أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بالحج والعمرة)) .
2569- قوله: (خرجنا) أي من المدينة، واختلف في عدد الذين كانوا معه صلى الله عليه وسلم، فقيل: تسعون ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، حكاه البيهقي. قال الزرقاني: هذا في عدة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر المقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي، وأبي موسى رضي الله عنهما انتهى. وقال القاري: بلغ جملة من معه صلى الله عليه وسلم تسعين ألفًا، وقيل مائة وثلاثين ألفًا - انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في اللمعات: ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء ولم يعينوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بد أن يزدادوا فيها، ويروى: مائة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مائة وأربعة وعشرون ألفًا - انتهى. (مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) زادت عمرة بنت عبد الرحمن عنها ((لخمس ليال بقين من ذي القعدة)) كما في الموطأ والصحيحين وغيرهما، وكذا وقع في حديث ابن عباس عند البخاري في باب ((الخروج آخر الشهر)) من كتاب الجهاد، وفي باب ((ما يلبس المحرم من الثياب)) من كتاب الحج، وكذا وقع في حديث جابر عند النسائي. قال القسطلانى: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت إن بقين - انتهى. وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرخ بما خلا وإذا دخل النصف الثاني يؤرخ بما بقى وقال أيضًا: فيه رد على من منع إطلاق القول في التاريخ لئلا يكون الشهر ناقصًا فلا يصح الكلام، فيقول مثلاً لخمس إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب - انتهى. ويؤيده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذي من حديث أبى بكر رفعه: ((التمسوها في تسع يبقين أو سبع يبقين)) الحديث. وما وقع في حديث آخر: ((تاسعة تبقى وسابعة تبقى)) واختلف في يوم خروجه صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقوال، الأول: أنه خرج يوم الجمعة وهذا وهم قبيح وخطأ فاحش يرده الروايات الصحيحة، إذ من المعلوم الذي لا ريب أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. القول الثاني: ما ذهب إليه ابن حزم واختاره العيني في شرح البخاري: أن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 452)
..............................................................................................
ــ
خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، حكى هذا القول ابن القيم في الهدي (ج1: ص181، 182) عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصلاً ثم بسط في الرد عليه، وسيأتي شيء من كلامه مع الجواب عنه. القول الثالث: ما اختاره المحققون من شراح الحديث وأصحاب التاريخ: أن خروجه كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابن القيم في الهدي، وهو مختار الحافظ في الفتح (ج6: ص80) إذ قال في شرح قول ابن عباس: ((وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)) ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة، واحتج به ابن حزم في كتاب حجة الوداع له على أن خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك، لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: ((لخمس)) يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على ترك عد يوم الخروج، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا كما سيأتي من حديث أنس، فتبين أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعين أنه يوم الخميس، وتعقبه ابن القيم بأن المتعين أن يكون يوم السبت بناء على عد يوم الخروج أو على ترك عده، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا - انتهى. ويؤيده ما رواه ابن سعد، والحاكم في الإكليل أن خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة. وقال الحافظ أيضاً (ج18: ص85) : جزم ابن حزم بأن خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعًا لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة وتعين أن أول الشهر يوم الخميس فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: ((صلينا الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين)) فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقى إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: ((لخمس بقين)) أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليالي لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار. هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوي هذا الجمع بقول جابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع، وكان دخوله صلى الله عليه وسلم مكة صبح رابعة كما ثبت في حديث عائشة وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال وهى المسافة الوسطى - انتهى. وقال في شرح ((باب الخروج آخر الشهر)) من كتاب الجهاد: قد استشكل قول ابن عباس وعائشة أنه خرج لخمس بقين، لأن ذا الحجة كان أوله الخميس للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، ولا يصح ذلك لقول أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم خرج. وأجيب بأن الخروج كان يوم السبت، وإنما قال الصحابة: ((لخمس بقين)) بناء على العدد، لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء فاتفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقى من الشهر أربع لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء، ويحتمل أن يكون الذي قال: ((لخمس بقين)) أراد
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 453)
عام حجة الوداع، فمنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج،
ــ
ضم يوم الخروج إلى ما بقى لأن التأهب وقع في أوله، وإن اتفق التأخير إلى أن صليت الظهر فكأنهم لما تأهبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدوا به من جملة أيام السفر. والله أعلم، وقال ابن القيم: وجه ما اخترناه أن الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين وهى: يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعد يوم الخروج كان لست، وأيهما كان فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لست ليال بقين لا خمس، فلا يصح الجمع بين خروجه يوم الخميس وبين بقاء خمس من الشهر ألبتة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر رضي الله عنهما هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان عادته صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم في كل وقت ما يحتاجون إليه إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعض يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحج ممكن بلا تفويت. والله أعلم. (عام حجة الوداع) بكسر الحاء المهملة وبفتحها وبفتح الواو، وجاز كسرها، قال النووي: سميت بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها وقال لعليّ لا أحج بعد عامي هذا فلم يحج بعد الهجرة غيرها وكانت سنة عشر من الهجرة، وفيه دليل على أنه لا بأس بالتسمية بذلك خلافًا لمن كرهه، وتسمى البلاغ أيضًا، لأنه قال صلى الله عليه وسلم فيها: هل بلغت؟ وحجة الإسلام، لأنها التي حج فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك (فمنا من أهل بعمرة) أي لبى بها بأن قال لبيك بعمرة فقط، فقد كان صلى الله عليه وسلم خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، (ومنَّا من أهل بحج وعمرة) أي جمع بينهما فكان قارنًا، (ومنَّا من أهل بالحج) وحده ويشكل على ما وقع في هذه الرواية من التخيير بين الأنساك الثلاثة ما ورد في الصحيحين وغيرهما من رواية الأسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج، وللبخاري من وجه آخر عن أبى الأسود عن عروة عنها: مهلين بالحج، ولمسلم عن القاسم عنها: ((لا نذكر إلا الحج)) وله أيضاً: ((ملبين بالحج)) فظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً محرمين بالحج. وأجاب الحافظ وغيره بأن هذا محمول على أول الأمر إذ خرجوا من المدينة لا يرون إلا الحج لما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، ورواية الباب على آخر الأمر إذ بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام، وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج، وجمع القاري بينهما بأن قول عائشة لا نذكر إلا الحج أي ما كان قصدنا الأصلي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 454)
..............................................................................................
ــ
من هذا السفر إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتع والإفراد فمنا من أفرد ومنَّا من قرن ومنَّا من تمتع - انتهى. وأما ما وقع عند مسلم وغيره من رواية ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، فقال الزرقاني: أي أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به ابتداء، وهو إخبار عن حالها، وحال من كان مثلها في الإهلال بعمرة لا عن فعل جميع الناس، فلا ينافي قولها: ((فمنَّا من أهل بعمرة ومنَّا من أهل بالحج، ومنَّا من أهل بحج وعمرة)) وفيه أن عائشة لم تكن ممن أهل بالحج ابتداءً، وقد تظافرت الروايات الواردة في هذا الباب على أنها كانت معتمرة ابتداءً، ولما شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها لم تطف أمرها برفض عمرتها، فانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة. وقال الباجي: قولها ((فأهللنا بعمرة)) يحتمل أن تريد بذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تريد من كان معها أو طائفة أشارت إليهم، ولا يصح أن تريد جماعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنها قد ذكرت أن منهم من أهل بعمرة ومنهم من جمع بين العمرة والحج ومنهم من أهل بحج - انتهى. واعلم أنه اختلفت الروايات في إحرام عائشة في نفسها اختلافًا كثيرًا، ولذلك اختلف أهل العلم في إحرامها ابتداءً وانتهاءً هل أحرمت بالحج فقط فكانت مفردة، أو أحرمت بالعمرة فكانت متمتعة، وعلى الثاني هل فسخت العمرة وأهلت بالحج مفردًا أو قرنت العمرة مع الحج قال ابن القيم في الهدي (ج1: ص204) : قد تنازع العلماء في قصة عائشة هل كانت متمتعة أو مفردة فإذا كانت متمتعة، فهل رفضت عمرتها وانتقلت إلى الإفراد أو أدخلت عليها الحج وصارت قارنة، وهل العمرة التي أتت بها من التنعيم كانت واجبة أم لا، وإذا لم تكن واجبة فهل هي مجزية عن عمرة الإسلام أم لا؟ واختلف العلماء في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهى أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردًا أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول فقهاء الكوفة منهم: أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وبالثاني فقهاء الحجاز منهم: الشافعي، ومالك رحمهما الله، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد رحمه الله وأتباعه، ثم ذكر ابن القيم دليل الكوفيين وبسط الكلام في الرد عليه هذا، وقد تصدى الشيخ محمد عابد السندي وغيره من الحنفية لتقوية مذهبهم، والجواب عن حجة فقهاء الحجاز لكنهم لم يأتوا بشيء غير تأويلات بعيدة وقال الأبي في الإكمال: اختلفت الروايات في إحرام عائشة ففي رواية عروة عنها: ((أهللنا بعمرة)) وفي رواية القاسم عنها: ((لبينا بالحج)) وفي روايته الأخرى عنها: ((لا نعرف إلا الحج)) وهذا كله صريح في أنها أهلت بالحج، وفي رواية الأسود عنها: ((ملبين لا نذكر حجًا ولا عمرة)) واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة فقال إسماعيل القاضي: إنها كانت مهلة بالحج لأنها رواية الأكثر عن عمرة، والقاسم، والأسود، وغلطوا رواية عروة، ورجحوا ذلك أيضاً بأن عروة قال في رواية حماد: حدثني غير واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: دعي عمرتك. فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها، ولا بيان فيه لأحد
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 455)
..............................................................................................
ــ
ممن حدثه ذلك، قالوا وأيضاً: فإن رواية عمرة، والقاسم ساقت عمل عائشة في الحج من أوله إلى آخره، ولذا قال القاسم عن رواية عمرة: أتتك بالحديث على وجهه - انتهى. قلت: وقع عند البخاري من رواية هشام، وابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: وكنت ممن أهل بعمرة، وهي نص في كونها معتمرة ابتداء، وقد رد الحافظ على من ادعى كون رواية عروة غلطًا فرجح رواية القاسم ومن وافقه على رواية عروة، قال الحافظ: ادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، وأن الصواب رواية الأسود والقاسم وعمر عنها أنها أهلت بالحج مفردًا، وتعقب بأن قول عروة عنها: ((أهلت بعمرة)) صريح، وأما قول الأسود وغيره عنها: ((لا نرى إلا الحج)) فليس صريحًا في إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما ما تقدم (بأن المذكور في روايتهم ما كانوا يعهدون من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإحرام) من غير تغليط عروة وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاوس، ومجاهد عن عائشة، ثم قال الحافظ: ويحتمل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردًا كما فعل غيرها من الصحابة وعلى هذا يتنزل حديث الأسود ومن تبعه. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزل حديث عروة ، ثم لما دخلت مكة وهي حائض فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج - انتهى. قلت: في هذا الجمع نظر من وجوه، منها أن ألفاظ روايات عروة صريحة في أنها لم تهلل أولاً إلا بعمرة، فلفظ البخاري من رواية عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنَّا من أهل بحج - الحديث. وفيه: ((ولم أهلل إلا بعمرة فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنفض رأسي وأهل بالحج وأترك العمرة ففعلت ذلك - الحديث. فهذا نص في أنها لم تحرم أولاً إلا بعمرة، ومنها أنه يخالف هذا الجمع حديث جابر عند مسلم: قال أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آن يهل منَّا من لم يكن معه هدي - الحديث. وقد بسط ابن القيم الكلام في الرد على إسماعيل القاضي ومن وافقه وحقق أن عائشة كانت ممن أهل بعمرة ابتداء حيث قال: اختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولاً على قولين أحدهما: أنه عمرة مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث، وفي الصحيح عنها: ((قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين (أي مقارنين) لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، فلولا أني أهديت لأهلت بعمرة، قالت: وكان من القوم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بالحج، قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة)) وذكرت الحديث. وقوله في الحديث ((دعي العمرة وأهلي بالحج)) قاله لها بسرف وهو صريح في أن إحرامها كان بعمرة، والقول الثاني: أنها أحرمت أولاً بالحج وكانت مفردة، قال ابن
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 456)
وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج،
ــ
عبد البر: روى القاسم بن محمد والأسود بن يزيد وعمرة كلهم عن عائشة ما يدل على أنها كانت محرمة بحج لا عمرة، قال: وغلطوا عروة في قوله عنها: ((كنت ممن أهل بعمرة)) قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني الأسود، والقاسم، وعمرة على الروايات التي ذكرنا فعلمنا بذلك أن الروايات التي رويت عن عروة غلط. قال ابن القيم: من العجب رد هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي لا مدفع لها ولا مطعن فيها ولا تحتمل تأويلاً البتة بلفظ مجمل ليس ظاهرًا في أنها كانت مفردة، فإن غاية ما احتج به من زعم أنها كانت مفردة قولها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا أنه الحج. فيا لله العجب أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج. بل خرج للحج متمتعًا كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة، وصدقت أم المؤمنين إذا كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره صلى الله عليه وسلم، وكلامها يصدق بعضه بعضًا. وأما قولها: ((لبينا بالحج)) فقد قال جابر عنها في الصحيحين: أنها أهلت بعمرة. وكذلك قال طاوس عنها في صحيح مسلم، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الروايات عنها فرواية الصحابة عنها أولى أن يأخذ بها من رواية التابعين. كيف ولا تعارض في ذلك البتة. فإن القائل: ((فعلنا كذا)) يصدق ذلك منه بفعله وبفعل أصحابه. ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة، معناه تمتع أصحابه، فأضاف الفعل إليه لأمره به، فهلا قلتم في قول عائشة: ((لبينا بالحج)) أن المراد به جنس الصحابة الذين لبوا بالحج، ويتعين قطعًا إن لم تكن هذه الرواية غلطًا أن تحمل على ذلك للأحاديث الصحيحة أنها كانت أحرمت بعمرة، وكيف ينسب عروة في ذلك إلى الغلط وهو أعلم الناس بحديثها، وكان يسمع منها مشافهة بلا واسطة، وأما قوله في رواية حماد بن زيد: حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: دعي عمرتك. فهذا إنما يحتج إلى تعليله ورده إذا خالف الروايات الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنها أحرمت بعمرة فهذا يدل على أنه محفوظ، وأن الذي حدثه ضبطه وحفظه، هذا مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة وهي قوله: ((فحدثني غير واحد)) وخالفه جماعة فرووه متصلاً عن عروة عن عائشة، فلو قدر التعارض فالأكثرون أولى بالصواب فيا لله العجب! كيف يكون تغليظ أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: ((وكنت فيمن أهل بعمرة)) سائغًا بلفظ مجمل محتمل ويقضي به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة من وجوه متعددة، إلى آخر ما قال (وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج) أي وحده، احتج به من قال: كان حجه صلى الله عليه وسلم مفردًا، وهم عامة الشافعية، والمالكية، وحمله المحققون منهم: كالقاضي عياض، والنووي، والحافظ وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة، وحمله الحنفية، والحنابلة القائلون بكونه صلى الله عليه وسلم قارنًا ابتداءً، على أن عائشة سمعت تلبيته بالحج فقط، وللقارن أن يلبي بأيهما شاء، فيقول: تارة لبيك بحجة، وتارة لبيك عمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما سمعت فلا يخالف
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 457)
..............................................................................................
ــ
قولها: من حكى أنه لبى بهما جميعًا وكان قارنًا من الابتداء. وسيأتي بيان الاختلاف في صفة إحرامه صلى الله عليه وسلم، وفي أن حجه هل كان إفرادًا أو تمتعًا أو قرانًا، اعلم أن الحج على ثلاثة أنواع: الإفراد، والتمتع، والقران، ويخير مريد الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة، قال ابن قدامة: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران. وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وكذا حكى النووي في شرح المهذب وشرح مسلم الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة وتأويل ما ورد من النهي عن التمتع عن بعض الصحابة. وقال الولي العراقي في طرح التثريب: أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكي الحج والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة الإفراد، والتمتع، والقران. قال الحافظ: والإفراد هو الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع وفي غير أشهره أيضاً عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء - انتهى. ومعنى قوله: ((عند مجيزيه)) أن الإحرام بالحج قبل أشهره مختلف فيه، قال ابن قدامة: لا ينبغي أن يحرم بالحج قبل أشهره، هذا هو الأولى. فإن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه لكونه إحرامًا به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته، ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره صح، وإذا بقى على إحرامه إلى وقت الحج جاز، نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والثوري، وأبى حنيفة، وإسحاق، وقال عطاء وطاوس، ومجاهد، والشافعي: يجعله عمرة، لقول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (2: 197) تقديره وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات. ولنا قول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (2: 189) فدل على أن جميع الأشهر ميقات - انتهى. وفيه أنه لو صح ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر، فإن قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} لا يختلف عن تعيين شهر رمضان باسمه، فإن قوله: {مَّعْلُومَاتٌ} كتسميتها سواء. والتمتع أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. قال الحافظ: أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في عرف السلف على القران أيضًا. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} (2: 196) أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضاً القران لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع أيضاً: فسخ الحج إلى العمرة - انتهى. وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها وحج من عامه أنه متمتع. وقال أيضاً: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة وحل منها قبل أشهر الحج أنه لا يكون متمتعًا إلا قولين شاذين أحدهما عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 458)
..............................................................................................
ــ
الحج فأنت متمتع، والثاني عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين - انتهى. قال الراغب: المتاع انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعة الله بكذا، ومتعة النكاح هي أن الرجل كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فارقها من غير طلاق، ومتعة الحج ضم العمرة إليه - انتهى. قال القاري: التمتع في اللغة بمعنى التلذذ والانتفاع بالشيء، قال: وإنما سمي متمتعًا لانتفاعه بالتقرب إلى الله تعالى بالعبادتين، أو لتمتعه بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة، أو لانتفاعه بسقوط العود إلى الميقات ولا يبعد أن يقال لتمتعه بالحياة حتى أدرك إحرام الحجة - انتهى. واختلف أصحاب المذاهب الأربعة في معنى التمتع المصطلح وشرائطه، من شاء الوقوف على ذلك فليرجع إلى كتب فروعهم ومناسكهم، كشرح اللباب لعلي القاري، وغنية الناسك من مناسك الحنفية، والمغني مع الشرح الكبير، ونيل المآرب، ونور الظلام من كتب الحنابلة، وشرح المنهاج المواهب من كتب الشافعية، والمنتقى للباجي، والدسوقي على الشرح الكبير للدردير والبداية لابن رشد من كتب المالكية. وأما القران فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معًا وهذا متفق على جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه، وهو مصدر قرن من باب ((نصر)) وقيل: من باب ((ضرب)) وفعال يجيء مصدرًا من الثلاثي كلباس، وهو الجمع بين الشيئين، قال المحب الطبري: للقران ثلاث صور: الأولى: أن يهل بهما جميعًا، وعليه دل ظواهر الأحاديث. الثانية: أن يهل بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، وعليه دل ما تقدم من حديث ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة. الثالثة: عكسه، وفيه قولان للشافعي، أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك وهو الأصح، والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة. والأول أصح، ويؤيده ما روي عن علي أنه سأله أبو نضرة فقال قد أهللت بالحج فهل أستطيع أن أضيف إليها عمرة؟ قال لا ذاك لو كنت بدأت بالعمرة، وبأن أفعال العمرة استحقت بالإحرام بالحج، فلم يبق في إدخالها فائدة بخلاف العكس - انتهى. قلت اختلفوا في مصداق القران اصطلاحًا كالتمتع، فقالت الشافعية: هو أن يحرم بهما معًا، ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج أو قبلها ثم يحج في أشهره قبل الشروع في الطواف كان قارنًا بخلاف ما إذا شرع في الطواف ولو بخطوة فإنه لا يصح إدخاله حينئذ لأخذه في أسباب التحلل، ولا يجوز عكسه وهو إدخال العمرة على الحج في الجديد إذ لا يستفيد به شيئًا آخر، كذا في شرح المنهاج. وقال الولي العراقي: لو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان للشافعي، أصحهما: لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني: يصح ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحج. وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل فعل طواف القدوم أو غيره - انتهى. وقال أيضاً: اختلفوا في إدخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأي، وهو قول للشافعي لهذه الأحاديث يعني التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج أولاً ثم صار قارنًا بإدخال
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 459)
..............................................................................................
ــ
العمرة عليه، قال: ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم لضرورة الاعتمار حينئذٍ في أشهر الحج - انتهى. ولا يخفى في دعوى الاختصاص. وقالت الحنابلة: القران هو أن يحرم بهما معًا أو يحرم بها ثم يدخل الحج عليها، ويشترط لصحة إدخال الحج عليها أن يكون ذلك قبل الشروع في طوافها، ولا يشترط للإدخال كون ذلك في أشهر الحج ولا كون ذلك قبل طوافها وسعيها لمن معه هدي فيصح ممن معه هدي ولو بعد سعيها، وإن أحرم بالحج ثم أحرم بها لم يصح إحرامه بها، كذا في نيل المآرب. وقال ابن قدامة: أما إدخال العمرة على الحج فغير جائز، فإن فعل لم يصح ولم يصر قارنًا، روى ذلك عن علي، وبه قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: يصح ويصير قارنًا لأنه أحد النسكين، فجاز على الآخر قياسًا على إدخال الحج على العمرة، ولنا ما روى الأثرم بإسناده فذكر أثر عليّ بنحو ما تقدم، وقال أيضاً: وكل متمتع خشي فوات الحج فإنه يحرم بالحج ويصير قارنًا، وكذلك المتمع الذي معه هدي، فإنه لا يحل من عمرته بل يهل بالحج معها فيصير قارنًا. ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات جاز وكان قارنًا بغير خلاف. وقد فعل ذلك ابن عمر. ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنًا. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: يصير قارنًا وحكي ذلك عن أبى حنيفة - انتهى. وأما عند الحنفية، فهو أي القران من أحرم بهما معًا أو أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة قبل أن يطوف لها أكثر الأشواط، أو أدخل العمرة على إحرام الحج قبل أن يطوف للقدوم ولو شوطًا ولا إساءة في القسمين الأولين وهو قارن مسيء في الثالث، قاله ابن نجيم، وارجع لمزيد التفصيل إلى ((غنية الناسك)) وأما عند المالكية، ففي البداية هو أن يهل بالنسكين معا أو يهل بالعمرة في أشهر الحج ثم يردف ذلك بالحج قبل أن يحل من العمرة، واختلف أصحاب مالك في الوقت الذي يكون ذلك له فيه، فقيل: ذلك له ما لم يشرع في الطواف ولو شوطًا واحدًا، وقيل ما لم يطف ويركع، ويكره بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه، وقيل له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العمرة من طواف أو سعي، ما خلا أنهم اتفقوا على أنه إذا أهل بالحج ولم يبق عليه من أفعال العمرة إلا الحلاق فإنه ليس بقارن - انتهى. وقال الدردير: القران أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ويردف الحج عليها بعد الإحرام قبل طوافها أو في طوافه قبل تمامه، وكره بعد الطواف قبل الركوع، ويصح في الركوع أيضاً لا بعده - انتهى باختصار. وقد ظهر بما قدمنا من اختلاف الأئمة في مصداق القران المصطلح أنه لا يصح إدخال العمرة على الحج عند مالك، وأحمد، والشافعي في أصح قوليه قلت: ويشكل هذا على المحققين من الشافعية، والمالكية: كالنووي، والحافظ، والقاضي عياض ومن تبعهم، فإنهم كما قدمنا أولوا الأحاديث التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مفردًا، بأنه لبى أولاً بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنًا، فإنه إذا لم يجز عند الشافعية والمالكية إدخال العمرة على الحج فكيف رجح هؤلاء في إحرامه صلى الله عليه وسلم أنه أحرم بالحج أولاً ثم أدخل
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 460)
..............................................................................................
ــ
عليه العمرة وقد تقدم أنهم أجابوا عن ذلك بأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لضرورة الاعتمار حينئذٍ في أشهر الحج، ولا يخفى ما فيه. واعلم أنهم بعد ما أجمعوا على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، اختلفوا في أفضلها قال ابن قدامة: اختلفوا في أفضلها، فاختار إمامنا: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران، وروى المروذي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، وذهب أصحاب الرأي إلى اختيار القران، وذهب مالك إلى اختيار الإفراد، وهو ظاهر مذهب الشافعي - انتهى مختصرًا. وقال ابن القيم بعد ذكر رواية المروذي عن أحمد: فمن أصحابه من جعل هذه رواية ثانية، ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا، وهي التي تليق بأصول أحمد - انتهى. قلت: والمرجح في فروع الحنابلة كون التمتع أفضل مطلقًا، وحكى النووي للإمام الشافعي ثلاثة أقوال ثم قال: والصحيح: تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وهكذا في عامة فروع الشافعية، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر بعده في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح بذلك غير واحد من الشافعية في كتب فروعهم. قال النووي في مناسكه: القران أفضل من إفراد الحج بغير أن يعتمر بعده - انتهى. وقال الولي العراقي: ذهب القاضي حسين، والمتولي من الشافعية إلى ترجيح الإفراد على التمتع والقران ولو لم يعتمر في تلك السنة ولكن الأكثرون على أن شرط تفضيله عليهما أن يعتمر من سنته، فلو أخر العمرة عن تلك السنة فكل منهما أفضل منه للإتيان فيهما بالنسكين، وذكر النووي: أن ما قالاه شاذ ضعيف - انتهى. والمختار عند المالكية أن الإفراد أفضل مطلقًا، ثم القران، ثم التمتع. واشتراط الاعتمار في أفضلية الإفراد قول ضعيف، والمعتمد عندهم أن الإفراد أفضل ولو لم يعتمر بعده، وأما الحنفية فلهم قول واحد وهو أفضلية القران ثم التمتع ثم الإفراد. وقال المحب الطبري: قد اختلف الأئمة في أي الوجوه الثلاثة أفضل، ومنشأ اختلافهم ما تقدم من اختلاف الروايات في فعله صلى الله عليه وسلم، فقال مالك والشافعي: الإفراد أفضل، وقال أحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر: التمتع أفضل، وقال أبو حنيفة: القران أفضل، وبه قال أهل التحقيق من المحدثين والأئمة والحفاظ وهو المختار. انتهى مختصرًا. وقال الولي العراقي: اختلف العلماء في أفضل وجوه الإحرام بحسب اختلافهم فيما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع على أقوال أحدها: أن الأفضل الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبى ثور، وحكاه النووي في شرح المهذب عنهم، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، والأوزاعي، وداود. قال المالكية والشافعية: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتع ثم القران. الثاني: أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل. قال ابن قدامة في المغني: وممن روى عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، والقاسم، وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الترمذي عنه وعن أحمد، وإسحاق وأهل الحديث. قال الحنابلة: ثم الأفضل
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 461)
..............................................................................................
ــ
بعد التمتع الإفراد ثم القران، والثالث: أن القران أفضل، وهذا قول أبى حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، ثم قال: لا شك أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا - انتهى. وهو قول للشافعي، وقال به من أصحابنا المزني، وأبو إسحاق، المروذي، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري والمشهور عند الحنفية: أن الأفضل بعد القران التمتع ثم الإفراد، وعن أبى حنيفة: أن الإفراد أفضل من التمتع، الرابع: أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتع أفضل، حكاه المروذي عن أحمد بن حنبل. قلت: واختاره من الحنفية القاضي ثناء الله الفاني فتى حيث قال في تفسيره ((المظهري)) : التحقيق أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، وأن القران أفضل من التمتع إن ساق الهدي، والتمتع أفضل إن لم يسق الهدي، وكل منهما أفضل من الإفراد - انتهى. الخامس: أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على بعض، حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء. قال الحافظ في الفتح: وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه. السادس: أن التمتع والقران سواء في الفضل، وهما أفضل من الإفراد حكي عن أبى يوسف - انتهى. وقد ظهر من كلام الطبري، والولي العراقي أن منشأ اختلافهم في أفضل الوجوه الثلاثة ومناطه هو اختلافهم في إحرامه صلى الله عليه وسلم، وهكذا ذكر غير واحد من شراح الحديث ومحققي الفقهاء، وقيل بعكس ذلك بأن ترجيحهم في إحرامه وحجه صلى الله عليه وسلم مبني على ما تحقق عندهم من أفضليته، لكن الصواب أنه ليس بمطرد عندهم. قال النووي: أما حجة النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها هل كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة وكل رجحت نوعًا وادعت أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم كانت كذلك، والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان أولاً مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا - انتهى. فهذا كما ترى قد صحح كونه صلى الله عليه وسلم قارنًا انتهاءً، وصحح في بيان المذاهب أفضلية الإفراد على غيره، وكذا اختار القاضي عياض، والحافظ وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم أفرد أولاً ثم أدخل العمرة عليه فصار قارنًا. واختار الخطابي في المعالم عكسه فقال بعد ذكر حديث حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال ((إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر)) فثبت أنه كان هناك عمرة إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي شيئًا من عمل العمرة فصار في حكم القارن. وقال في الروض المربع من فقه الحنابلة: قال أحمد: لا شك أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا والمتعة أحب إليّ. وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هل كان مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا، وروي كل منها في الصحيحين وغيرهما، واختلف الناس في ذلك وفي إحرامه صلى الله عليه وسلم على أقوال، أحدها: أنه حج مفردًا لم يعتمر معه، حكي هذا عن الإمام الشافعي وغيره. قال القسطلاني في المواهب: والذي ذهب إليه الشافعي في جماعة أنه صلى الله عليه وسلم حج مفردًا، وحكاه الزرقاني في شرح المواهب عن الإمام مالك، وحكي عن الشافعي وغيره أن نسبة القران والتمتع إليه صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتساع لكونه أمر بهما - انتهى. وبه جزم الخطابي
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 462)
..............................................................................................
ــ
حيث قال: اختلفت الروايات فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم به محرمًا، والجواب عن ذلك أن كل راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجح أنه كان أفرد الحج. قال الحافظ في الفتح: هذا هو المشهور عند الشافعية والمالكية وقد بسط الشافعي القول فيه في اختلاف الحديث وغيره - انتهى. ومقتضى هذا القول أنه صلى الله عليه وسلم لبى بالحج وحده واستمر عليه. الثاني: أنه لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها حتى فرغ منها ثم أحرم بعد ذلك بالحج فكان متمتعًا وكان حجه حج تمتع، قاله القاضي أبو يعلى وغيره. الثالث: أنه حج متمتعًا تمتعًا لم يحل فيه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنًا، حكاه ابن القيم عن صاحب المغني وغيره، ومقتضى هذا أنه أحرم بالعمرة وحدها واستمر عليها حتى حل يوم النحر. الرابع: أنه لبى بالحج وحده وحج مفردًا واعتمر بعده من التنعيم. قال ابن تيمية: وهذا غلط لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث - انتهى. وقال ابن القيم: الذين قالوا: إنه حج مفردًا، اعتمر عقيبه من التنعيم لا يعلم لهم عذر ألبته إلا أنهم سمعوا أنه صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم فتوهموا أنه فعل كذلك. الخامس: أنه لبى بالحج مفردًا ثم أدخل عليه العمرة وصار قارنًا فكان مفردًا ابتداءً وقارنًا انتهاءً، وبه جزم عامة محققي الشافعية وبعض المالكية، قال النووي في شرح المهذب: والصواب الذي نعتقده أنه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج أولاً مفردًا ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة للحاجة - انتهى. واختاره القاضي عياض إذ قال: أما إحرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل فأحرم مفردًا للحج، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه كان متمتعًا فمعناه أمر به، وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله لا عن ابتداء إحرامه، لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي وقيل له: قل عمرة في حجة - انتهى. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، ومهده المحب الطبرى (في القرى ص86 - 100) تمهيدًا بالغًا يطول ذكره، ومحصله أن كل من روي عنه الإفراد حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من روي عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روي عنه القران أراد ما استقر عليه أمره. السادس: أنه لبى بالعمرة وحدها ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية فصار قارنًا، حكاه الحافظ عن الطحاوي، وابن حبان، السابع: أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يعين فيه نسكًا ثم عينه بعد، رجحه الشافعي في اختلاف الحديث، كما قال الحافظ في الفتح. وقال الولي العراقي: قال القاضي وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به من إفراد، أو تمتع، أو قران، ثم أمر بالحج، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: ((صل في هذا الوادي وقل: عمرة في حجة)) ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصح قول من قال: أحرم النبي صلى الله عليه وسلم إحرامًا مبهمًا. لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة ترده وهي مصرحة بخلافه - انتهى. الثامن: أنه لبى بالحج والعمرة معًا وكان قارنًا من أول
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 463)
..............................................................................................
ــ
الأمر، وحقق هذا القول ابن الهمام في شرح الهداية، وابن القيم في الهدي، وأجابا عن كل ما خالفه فعليك أن ترجع إليهما، وهذا القول هو الحق والصواب عندنا، قال ابن القيم: والصواب أنه أحرم بالحج والعمرة معًا من حيث أنشأ الإحرام ولم يحل حتى حل منهما جميعًا كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث - انتهى. وإليه مال ابن حزم الظاهري في كتابه ((حجة الوداع)) وتأول باقي الأحاديث إليه كما حكاه النووي، والولي العراقي، ثم إنه طاف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وقد بسط ابن القيم الكلام في إثبات هذا القول أشد البسط وهذا القول هو الراجح المعول عليه عندنا قال الولي العراقي في شرح التقريب، والسيوطي في التنوير: قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث أي المختلفة في إحرامه وحجته صلى الله عليه وسلم، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر، وأوسعهم في ذلك نفسًا أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة وتكلم معه في ذلك أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة، ثم المهلب، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القتار، والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم وأولى ما يقال في هذا على ما لخصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها إذ لو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئ فأضيف الجميع إليه وأخبر كل واحد بما أمر به وأباحه ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إما لأمره به أو لتأويله عليه - انتهى. وقد سبق بهذا الجمع الخطابي كما تقدم وزاد، وقد يحتمل ذلك وجهًا آخر، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج، فحكى أنه أفردها، وخفي عليه قوله: ((وعمرة)) فلم يحك إلا ما سمع وهو عائشة، ووعى غيره الزيادة فرواها وهو أنس حين قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحجة وعمرة، ولا تنكر الزيادات في الأخبار كما لا تنكر في الشهادات، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافيًا لقول صاحبه، وأما إذا كان مثبتًا له وزائدًا عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع - انتهى. وجمع الحنفية كابن الهمام، وابن نجيم وغيرهما بين هذه الروايات بأن سبب رواية الإفراد سماع من رأى تلبيته بالحج وحده، ورواية التمتع سماع من سمعه يلي بالعمرة وحدها، ورواية القران سماع من سمعه يلبي بهما، وهذا لأنه لا مانع من إفراد ذكر نسك في التلبية وعدم ذكر شيء أصلاً وجمعه أخرى بنية القران - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: اختلفت الرواة في صفة حجه صلى الله عليه وسلم وطعن بعض الملحدة بذلك في الوثوق بنقل الصحابة، قال لأن القضية واحدة واختلفوا في نقلها اختلافًا متضادًا وذلك يؤدي إلى الخلف في خبرهم وعدم الوثوق بنقلهم، وقد أكثر الناس من الكلام على هذه الأحاديث وأوسعهم في ذلك نفسًا الطحاوي، والمتحصل من جواباتهم ثلاثة الأول: أن الكذب إنما يدخل فيما طريقه النقل لا فيما طريقة النظر
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 464)
فأما من أهل بعمرة فحل،
ــ
والاستدلال، وإنما استدلوا بما ظهر من فعله يعني أن التكاذب فيما طريقه النقل، ولم يقولوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم إني فعلت كذا، وإنما استدلوا على نيته وقصده بما ظهر من أفعاله، وهذا موضع تأويل يجوز فيه الغلط والخطأ، فإذا إنما وقع فيما طريقه النظر والاستدلال لا النقل. الثاني: يصح أن يكون أمر بعض أصحابه بالإفراد وبعضهم بالقران وبعضهم بالتمتع، ليدل على جواز الجميع فأضاف النقلة ذلك إلى فعله كما يقال: قطع الأمير اللص. والثالث: يصح أن يكون قارنًا إلا أنه فرق بين زمن إحرامه بالعمرة وبين زمانه بالحج فسمعت طائفة قوله الأول، وطائفة الثاني، وطائفة القولين، فروت كل واحدة بما سمعت انتهى مختصرًا. (فأما من أهل بعمرة فحل) لما وصل مكة وأتى بأعمالها وهي الطواف والسعي والحلق أو التقصير وهذا مجمع عليه في حق من لم يسق معه هديًا، أما من أحرم بعمرة وساق معه الهدي فقال مالك، والشافعي، وجماعة هو كذلك، قال النووي في مناسكه: المتمتع هو الذي يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ثم ينشئ الحج من مكة سمي متمتعًا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة فإنه يحل له جميع المحظورات إذا فرغ من العمرة سواء كان ساق هاديًا أو لم يسق - انتهى. وقال الأبي في الإكمال: إن المعتمر إذا فرغ من عمرته حل ثم ينشئ الحج من عامه وإن كان معه الهدي، فكذلك عند مالك، والشافعي قياسًا على من ليس معه هدي - انتهى. وقال أبو حنيفة، وأحمد وجماعة: لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. قال صاحب الهداية في المتمتع الذي ساق الهدي: إذا دخل مكة طاف وسعى، وهذا للعمرة على ما بينا في متمتع لا يسوق الهدي إلا أنه لا يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التورية، لقوله عليه السلام: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها. وهذا ينفي التحلل عند سوق الهدي - انتهى. قال الحافظ في الدراية: رواه مسلم في حديث جابر الطويل، وفي الصحيحين عن أنس: ((لولا أن معي الهدى لأحللت)) - انتهى. وقال ابن قدامة في المغني (ج3: 391) : أما من معه هدي (أي المتمتع الذي ساق الهدي) فليس له أن يتحلل لكن يقيم على إحرامه ويدخل الحج على العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، نص عليه أحمد وهو قول أبى حنيفة … وقال مالك، والشافعي: له التحلل ونحر هديه، ويستحب نحره عند المروة. ولنا حديث ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل. وروت عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع - الحديث. وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)) وعن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر. متفق عليه. والأحاديث كثيرة أي في هذا المعنى. (وقال الحافظ: الأحاديث بذلك متضافرة) وذكر ابن قدامة روايتين أخريين لأحمد ثم قال: والرواية الأولى أولى لما
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 465)
وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. متفق عليه.
2570- (7) وعن ابن عمر، قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، بدأ
ــ
فيها من الحديث الصحيح الصريح - انتهى. وفي الروض المربع: ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره وتحلل لأنه تمت عمرته، وإن كان معه هدي لم يقصر وحل إذا حج، فيدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في باب قصة حجة الوداع، (وأما من أهل بالحج) أي مفردًا وأهدى، (أو جمع الحج والعمرة) قارنًا، (فلم يحلوا) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء، يقال: حل المحرم، وأحل بمعنى واحد أي لم يخرجوا من الإحرام، (حتى كان يوم النحر) أي فحلوا، قال القاري: ففي يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلق حل لهم كل المحظورات إلا مباشرة النساء فحل لهم ذلك بطواف الركن - انتهى. وما ذكر في الحديث من أن من أهل بالحج مفردًا إنما حل يوم النحر، وهو محمول على من أهل بالحج وأهدى، وإلا فمن كان أهل بالحج ولم يهد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفسخه إلى العمرة. ففي رواية الأسود عن عائشة عند البخاري قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا أي مكة تطوفنا بالبيت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدى - الحديث. قال الحافظ: قوله: ((أن يحل)) أي من الحج بعمل العمرة، وهو فسخ الحج - انتهى. وعلى هذا يحمل ما وقع في رواية عقيل عن الزهري في الصحيحين: ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج (أي وأهدى) فليتم حجه)) ، وإنما حملنا الحديث على ذلك لأن ظاهره مخالف لأحاديث فسخ الحج، وعلى هذا لا يحتاج إلى تغليظ الرواية وإسقاطها كما ذهب إليه ابن القيم فتأمل، وقال الشنقيطى في ((أضواء البيان)) : دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إلا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أحل بحج أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر، دعوى باطلة، لأن الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بكل الوضوح والصراحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة سواء كان مفردًا أو قارنًا، ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة هو ما أخرجه مسلم في صحيحه فذكر حديث عائشة الذي نحن في شرحه ثم قال: لأن الذين لم يحلوا من القارنين والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم على أن معهم الهدي لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك وبأن من لم يكن معه هدي فسخوا حجهم في عمرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً مالك، وأبو داود، والبيهقي (ج5: ص109، 110)
2570- قوله: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه الوداع بالعمرة إلى الحج) أي استمتع بالعمرة منضمة إلى الحج وانتفع بها، قال القاري: قوله: ((إلى الحج)) حال من ((العمرة)) أي تمتع بها منضمة إلى الحج (بدأ) أي ابتدأ النسك
(খণ্ড: ٨) (পৃষ্ঠা: 466)