ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات،
ــ
من وجهين أحدهما في وقت الأذان والثاني في مكان الخطبة، فإن مسلمًا ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادي قبل إتيان الموقف، والشافعي ذكر أنها بعد إتيان عرفة وحديث مسلم أصح، ويترجح بوجه معقول، وهو أن المؤذنين قد أمروا بالإنصات كما أمر به سائر الناس، وكيف يؤذن من قد أمر بالإنصات؟ ثم لا يبقى للخطبة معنى، إذ يفوت المقصود منها أكثر الناس لاشتغال سمعهم بالأذان عن استماعها، قال البيهقي: وهذا التفصيل في ابتداء بلال بالأذان، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان مما تفرد به ابن أبي يحيى، ثم ذكر الطبري رواية الملا من سيرته، وقد ذكرناها مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبري: وقال مالك: إن شاء يؤذن والإمام يخطب، وإن شاء يؤذن بعد الفراغ من الخطبة. وقال مرة أخرى إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان ثم بالإقامة ثم بالصلاة. قال ابن حزم: وهذا القول الثاني عن مالك هو الصحيح الذي لا يجوز تعديه لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه نأخذ إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا خير في مخالفته. قال الطبري: وجمعه صلى الله عليه وسلم بالناس بعرفة دليل على جواز الجمع في السفر القصير، إذ لم ينقل عن أحد من أهل مكة التخلف عن الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، فإن الجمع بعلة النسك، وفي المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: أنه بعلة أصل السفر، الثاني، بعلة السفر الطويل، الثالث: بعلة النسك. وقال في موضع آخر: قد اختلف أصحابنا هل كان جمعه صلى الله عليه وسلم بعلة مطلق السفر أو الطويل أو بعلة النسك؟ والظاهر أنه بعلة النسك حتى يجوز للآفاقي والمكي والمزدلفي والمعرفي، وعلى الأول لا يجوز للمعرفي، وعلى الثاني لا يجوز لغير الآفاقي، ولا خلاف أنه سنة، حتى لو صلى كل صلاة وحدها في وقتها جاز (ثم ركب) أي القصواء كما في رواية ابن الجارود أي وسار (حتى أتى الموقف) أي أرض عرفات، أو اللام للعهد والمراد موقفه الخاص ويؤيده قوله (فجعل بطن ناقته القصواء) بالجر (إلى الصخرات) بفتحتين، قال الطيبي: أي منتهيًا إليها، وتعقبه الأبي فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صح هذا التقدير، والأظهر أنه تجوز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات في قبلته لأنه إنما وقف مستقبل القبلة. وقال القرطبي: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته. قال الولي العراقي: لا حاجة إلى هذا لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها أي إلى جانبها، وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليًا عليها – انتهى. وقال الطبري: ظاهر قوله ((جعل بطن ناقته إلى الصخرات)) يدل على أنه كان واقفًا على الصخرات حتى يكون بطن الناقة إليها، ويؤيده ما رواه ابن إسحاق في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا الموقف)) للجبل الذي كان واقفًا عليه - انتهى. قال النووي: الصخرات حجرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب. وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 28)
وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس،
وذهبت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص،
ــ
كل جزءٍ من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر فمن حصل بعرفات في جزء من هذا الزمان صح وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحج. هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفردًا بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به (وجعل المشاة بين يديه) الحَبْل بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ثم لا هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التل الضخم منه والمشاة بضم الميم جمع ماشٍ، وأضيف الحبل إليه لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صف المشاة ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل. وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال النووي: روي حبل بالحاء المهملة وإسكان الباء، وروي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة أي مجتمعهم، وحبل الرمل ما طال منه وضخم. وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرجالة، وتعقبه الولي العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي لا في الإكمال ولا في المشارق ولا في كلام غيره أيضًا - انتهى. وقال الطبري: حبل المشاة بالحاء المهملة مفتوحة والباء موحدة ساكنة ثم لام أي صفهم ومجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم وصححه شيخنا أبو عمرو بن الصلاح في منسكه، قال: وبه شهدت المشاهدة، وذكره بعض من صنف في الأمكنة المتعلقة بالحجيج وهو الظاهر – انتهى. (واستقبل القبلة) فيه أنه يستحب استقبال القبلة في الوقوف بعرفة (فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس) قال القاري: أي أكثرها أو كادت أن تغرب (وذهبت الصفرة قليلاً) أي ذهابًا قليلاً (حتى غاب القرص) قال القاري: أي جميعه – انتهى. هكذا هو في جميع النسخ مسلم بلفظ ((حتى)) بفوقية فتحتية، ولأبي داود (والبيهقي) ((حين)) بتحتية فنون، وقيل إنه الصواب، وهو مفهوم الكلام، ولحتى وجه قاله عياض. وقال النووي: ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله ((حتى غاب القرص)) بيانًا لقوله ((غربت الشمس وذهبت الصفرة)) لأن غروبها قد يطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص – انتهى. وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر إذ لا يظهر معنى لقوله ((ذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص)) وكأن القائل غفل عن قيد القلة وذهل عن الرواية التي تطابق الدراية – انتهى. وفيه تنبيه على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال،
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 29)
وأردف أسامة، ودفع حتى أتى المزدلفة،
ــ
وفي وقوفه صلى الله عليه وسلم على راحلته وإطالته الوقوف عليها دليل على إباحة ذلك مطلقًا خلافًا لمن كرهه، ويحتمل أن يكون ذلك مقصورًا على ما هو قرابة دون غيره من المباح وعلى ما خف أمره دون الأحمال الثقال والمحامل الثقيلة بالركبان المتعددة لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة (وأردف أسامة) أي ابن زيد، وفي مسلم وغيره ((أردف أسامة خلفه)) وكذا هو في المصابيح، وسقط لفظ ((خلفه)) من جميع نسخ المشكاة. قال النووي: فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقال الطبري: وإردافه صلى الله عليه وسلم أسامة رخصة في ركوب اثنين على بعير واحد، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئًا، وبيان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليٍّ باستنابته في النحر وبإشراكه في هديه (ودفع) أي ابتدأ السير ودفع نفسه ونحاها أو دفع ناقته وحملها على السير، قاله الجزري. وقال السيوطي: أي خرج من عرفات، وفي رواية ((أفاض وعليه السكينة)) وفي مسلم ((ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق)) (بفتح الشين المعجمة والنون المخففة فقاف أي ضم وضيق) للقصواء الزمام (يعني ضم رأسها إليه وبالغ في الضم، يقال شنق لها وأشنق) حتى أن رأسها ليصيب مَوْرِك رحله (بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراء هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب، وقال عياض: هو بفتح الراء وهو قطعة أدم محشوة تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة يضع الراكب رجليه عليها متوركًا ليستريح من وضعهما في الركاب، أراد أنه قد بالغ في جذب رأسها إليه ليكفها عن السير، ورَحْله بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال القسطلاني: وفي نسخة لمسلم ((رجله)) بكسر الراء بعدها جيم. قال النووي: وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة) ويقول بيده اليمنى (أي يشير بها) أيها الناس السكينة السكينة (بالنصب أي الزموا السكينة وهي الرفق والطمأنينة وعدم الزحمة، فالنصب على الإغراء. قال النووي: فيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة يسرع كما ثبت في الحديث الآخر) كلما أتى حِبلاً من الحِبال (بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وقد تقدم معناه) وأرخى لها قليلاً (أي أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلاً أو زمانًا قليلاً) حتى تصعد (بفتح التاء المثناة فوق من صعد، وروي بضمها من أصعد يقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض لا غير أي ذهب وسار، ومنه قوله تعالى {إذ تصعدون} (3: 153) (حتى أتى المزدلفة) أصله مزتلفة فأبدل من التاء دال لقرب المخرج وهي موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم، وهي المسماة بجَمْع – بفتح الجيم وسكون الميم وعين مهملة، وسميت جمعًا لأن آدم وحواء عليهما السلام بعد ما أهبطا إلى الأرض كل واحد في موضع اجتمعا به. وقيل: لأنه يجمع فيها بين صلاتين المغرب والعشاء. وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها، وسميت بالمزدلفة لذلك أيضًا من الازدلاف وهو الاجتماع، وقيل:
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 30)
فصلى بها المغرب والعشاء،
ــ
لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون إليه بالوقوف بها. وقيل لأن آدم أزلف إلى حواء بها أي دنا وقرب منها. والازدلاف الاقتراب والتقرب والزلفة والزلفى القربة. وقيل لاقترابهم فيها من منى، يقال ((له زلفى عند فلان)) أي قربى منه. وقال النووي: المزدلفة من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها. وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات. قال: والمزدلفة كلها من الحرم، وحدها ما بين مازمي عرفة ووادي محسر، وليس هذان الحدان منها. ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة في الحد المذكور. قال الشاه ولي الله الدهلوي: إنما دفع صلى الله عليه وسلم من عرفات بعد الغروب ردًا لتحريف الجاهلية، فإنهم كانوا لا يدفعون إلا قبل الغروب ولأن قبل الغروب غير مضبوط وبعد الغروب أمر مضبوط، وإنما يؤمر في مثل ذلك اليوم بالأمر المضبوط. قال: والسر في المبيت بمزدلفة أنه كان سنة قديمة فيهم، ولعلهم اصطلحوا عليها لما رأوا من أن للناس اجتماعًا لم يعهد مثله في غير هذا الموطن، ومثل هذا مظنة أن يزاحم بعضهم ويحطم بعضهم بعضًا. وإنما براحهم بعد المغرب وكانوا طول النهار في تعب يأتون من كل فج عميق فلو تجشموا أن يأتوا منى والحال هذه لتعبوا (فصلى بها المغرب والعشاء) أي جمع بينهما في وقت العشاء. قال: المحب الطبري: وهذا الجمع سنة بإجماع من العلماء، وإنما اختلفوا فيما لو صلى كل صلاة في وقتها فعند أكثر العلماء يجوز. وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن صلى المغرب دون مزدلفة فعليه الإعادة، وجوزوا في الظهر والعصر أن يصلى كل صلاة في وقتها مع كراهية – انتهي. وقال الرافعي: لو انفرد بعضهم في الجمع بعرفة أو بمزدلفة أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى وحده جاز. ويجوز أن يصلى المغرب بعرفة أو في الطريق، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ويجب الجمع بمزدلفة – انتهي. وقال النووي: في الحديث أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنية الجمع ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك، ويجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم. والصحيح عند أصحابنا أنه جمع بسبب السفر فلا يجوز إلا لمسافر سفرًا يبلغ به مسافة القصر، وللشافعي قول ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وإن كان قصيرًا، وقال بعض أصحابنا: هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة. قال أصحابنا ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر أو صلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك لكنه خلاف الأفضل، هذا مذهبنا وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق – انتهي.
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 31)
بأذان واحد وإقامتين،
ــ
قلت: مذهب الحنفية على ما ذكره أصحابهم أنه يعيد مغربًا أداه في الطريق أو عرفات ما لم يطلع الفجر، هذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف يجزئه وقد أساء. واستدل لأبي يوسف بأنه أداها في وقتها فلا تجب إعادتها كما بعد طلوع الفجر إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئًا بتركه، واستدل لهما بحديث أسامة ((الصلاة أمامك)) معناه وقت الصلاة، قالوا: وبه يفهم وجوب التأخير، وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعًا بينهما، وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فتسقط الإعادة – انتهي. وقال الجمهور: معني قوله ((الصلاة أمامك)) أي موضع صلاة المغرب والعشاء أمامك وهو المزدلفة، وهو محمول عندهم على الأولوية (بأذان واحد وإقامتين) قال النووي: فيه أنه يصلي صلاة المغرب والعشاء في وقت العشاء بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وبه قال أحمد وأبو ثور وابن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولي ويؤذن ويقيم أيضًا للثانية، وهو محكي عن ابن عمر وابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بأذان واحد وإقامة واحدة، وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامتها بلا أذان. وقال الثوري: يصليهما جميعًا بإقامة واحدة وهو يحكى أيضًا عن ابن عمر – انتهي. وقال الزبيدي في شرح الإحياء بعد ذكر حديث جابر الطويل عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمزدلفة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ما نصه: وهو قول أحمد وأصح قولي الشافعي وغيرهما من العلماء، وبه قال زفر من أصحابنا واختاره الطحاوي، ورجحه ابن الهمام، واستدلوا بحديث جابر هذا. وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة واحدة لما أخرج أبو داود من حديث أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: أقلبت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة فأذن وأقام أو أمر إنساناً فأذن وأقام فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات ثم التفت إلينا فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، فقيل له في ذلك، فقال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم هكذا. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة، ثم ذكر الزبيدي ما رواه مسلم من حديث ابن عمر في الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة وما رواه أبو الشيخ من حديث ابن عباس كذلك. قال ابن الهمام: فقد علمت ما في هذا من التعارض فإن لم يرجع ما اتفق عليه الصحيحان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا، كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة بتعدد الصلاة كما في قضاء الفوائت بل أولى لأن الصلاة الثانية هنا وقتية، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها. وقال مالك: بأذانين وإقامتين، واحتج بفعل ابن مسعود أخرجه أحمد والبخاري وابن أبي شيبة، ولفظ الأخير ((فلما أتي جمعًا أذن وأقام فصلى المغرب ثلاثاً ثم تعشى ثم أذن وأقام فصلى العشاء ركعتين)) ومنهم من قال: يجمع بينهما بإقامتين دون أذان واحتجوا بما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر كل
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 32)
ولم يسبح بينهما شيئًا،
ــ
واحدة منهما، وأخرجه أبو داود وقال: ولم يناد في الأولى. وفي رواية عنده أيضًا ((ولم يناد في واحدة منهما)) وحكى البغوي والمنذري أن هذا قول الشافعي وإسحاق بن راهويه، وحكى غيرهما أن أصح قولي الشافعي أنه يجمع بينهما بأذان وإقامتين ومنهم من قال: بإقامة واحدة دون أذان، ودليلهم ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عمر أنه صلى بجمع المغرب والعشاء بإقامة واحدة ثم انصرف فقال هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان، وأخرجه أبو داود وزاد بعد قوله ((بإقامة واحدة)) ((ثلاثًا واثنين)) وبه قال سفيان الثوري وقال: أيهما فعلت أجزأك. قال المحب الطبري بعد ذكر هذه الروايات ما لفظه: وهذه الأحاديث المختلفة في هذا الباب توهم التضاد والتهافت، وقد تعلق كل من قال بقول منها بظاهر ما تضمنه ويمكن الجمع بين أكثرها فنقول قوله ((بإقامة واحدة)) أي لكل صلاة أو على صفة واحدة لكل منهما، ويتأيد برواية من صرح بإقامتين، ثم نقول: المراد بقول من قال كل واحدة يإقامة، أي ومع إحداهما أذان، تدل عليه رواية من صرح بأذان وإقامتين، وأما قول ابن عمر لما فرغ من المغرب ((الصلاة)) قد يوهم الاكتفاء بذلك دون إقامة، ويتأيد برواية من روى أنه صلاهما بإقامة واحدة، فنقول: يحتمل أنه قال ((الصلاة)) تنبيهًا لهم عليها لئلا يشتغلوا عنها بأمر آخر، ثم أقام بعد ذلك أو أمر بالإقامة، وليس في الحديث أنه اقتصر على قوله الصلاة ولم يقم، ونقول: العمدة من هذه الأحاديث كلها حديث جابر دون سائر الأحاديث، لأن من روى أنه جمع بإقامة معه زيادة علم على من روى الجمع دون أذان ولا إقامة، وزيادة الثقة مقبولة، ومن روى بإقامتين فقد أثبت ما لم يثبته من روى بإقامة فقضى به عليه، ومن روى بأذان وإقامتين وهو حديث جابر وهو أتم الأحاديث فقد أثبت ما لم يثبته من تقدم ذكره فوجب الأخذ به والوقوف عنده، ولو صح حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن مسعود الذي أخذ به مالك من أذانين وإقامتين لوجب المصير إليه لما فيه من إثبات الزيادة، ولكن لا سبيل إلى التقدم بين يدي الله ورسوله ولا إلى الزيادة على ما صح عنه صلى الله عليه وسلم انتهى. وقال ابن حزم: وأشد الاضطراب في ذلك عن ابن عمر فإنه روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفاً بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد وإقامة واحدة – انتهى. وقد ظهر مما ذكرنا من كلام الزبيدي وابن الهمام والطبري وابن حزم أن الروايات في هذا الباب مختلفة جدًا وقد تقدم وجه التطبيق والجمع بينهما ورجحان وحدة الأذان لإقامة في الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة (ولم يسبح بينهما شيئًا) أي لم يصل بين المغرب والعشاء شيئًا من النوافل والسنن. والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح ففيه المولاة بين الصلاتين المجموعتين. وقد ورد الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في حديث أسامة عند الشيخين وهذا لا ينافي الموالاة. وأما سنة المغرب
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 33)
ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة،
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام،
ــ
وراتبة العشاء فلم يرد ذكرها في حديث خلافًا لما هو المعتمد عند الحنفية (ثم اضطجع) أي للنوم تقوية للبدن ورحمة للأمة، لأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حتى طلع الفجر) قال في المواهب وشرحه: وترك عليه السلام قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده عليه السلام في الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا لها وجمعًا لهما جمع تأخير، ورقد بقية ليلته مع كونه عليه السلام كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة من التعب، وقد قال: إن لجسدك عليك حقًا. ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، وباقي المائة نحره عليّ، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ورجع إلى منى – انتهى. قال القاري: ثم المبيت عندنا سنة وعليه بعض المحققين من الشافعية، وقيل: واجب، وهو مذهب الشافعي، وقيل: ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة وعليه جماعة من الأجلة. وقال مالك: النزول واجب والمبيت سنة، وكذا الوقوف بعده ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيح أنه بحضور لحظة بالمزدلفة – انتهى. وقال النووي: بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك، وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركن أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعي أنه واجب، لو تركه أثم وصح حجمه ولزمه دمه. والثاني أنه سنة لا إثم في تركه ولا يجب فيه دم ولك يستحب. وقال جماعة من أصحابنا: هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا ابن بنت الشافعي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين وهم علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري، والله أعلم. والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر كما سيأتي في موضعه وفي أقل المجزئ من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا، الصحيح: ساعة في النصف الثاني من الليل، والثاني: ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس، والثالث: معظم الليل (فصلى الفجر حين تبين له الصبح) أي ظهر له. قال النووي: فيه أن السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة للإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسن المبالغة بالتكبير للصبح ليتسع الوقت للوظائف (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) زاد في رواية أبي داود وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي ((فرقى عليه)) والمشعر بفتح الميم والعين كما في القرآن، وقيل بكسر الميم، موضع خاص من المزدلفة، سمي بالمشعر لأنه معلم للعادة، والحرام لأنه من الحرم أو لحرمته. قال النووي: المَشعر بفتح الميم هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن، وتظاهرت
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 34)
..............................................................
ــ
به روايات الحديث، ويقال أيضًا بكسر الميم، والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة – انتهى. وقال المحب الطبري (ص 126) : في قوله ((حتى أتى المشعر الحرام)) حجة لمن قال: المشعر الحرام هو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة يقال له قزح، والأفصح في المشعر فتح الميم، وأكثر كلام العرب بكسرها، ولا نعرف الكسر في القراءة إلا شاذًا – انتهى. وقد روى الشيخان من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بالمزدلفة وقال: وقفت ها هنا ومزدلفة كلها موقف. وروى أبو داود والترمذي وصححه من حديث عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح يجمع أتى قزح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف. وروى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر: أنه رأى ناسًا يزدحمون على الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقال: يا أيها الناس! لا تشقوا على أنفسكم، ألا إن ما ها هنا مشعر كله. وعنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها. أخرجه أبو ذر، ذكر هذه الأحاديث الطبري (ص 379) ثم قال حديث ابن عمر هذا مصرح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، وكذلك تضمنه كثير من كتب التفسير في قوله تعالى {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام} (2: 198) وحديث عليّ وجابر يدلان على أن قزح هو المشعر الحرام وهو المعروف في كتب الفقه، فتعين أن يكون في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازًا دفعًا للاشتراك، إذ المجاز خير منه، فترجح احتماله عند التعارض فيجوز أن يكون حقيقة في قزح، فيجوز إطلاقه على الكل لتضمنه إياه، وهو أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله تعالى ((عند المشعر الحرام)) يقضي أن يكون الوقوف في غيره وتكون المزدلفة كلها عنده، لما كانت كالحريم له، ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: في المشعر الحرام، ويجوز أن يكون حقيقة في المزدلفة كلها، وأطلق على قزح وحده تجوزًا لاشتمالها عليه، وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أعني إطلاق اسم الكل على البعض، وبالعكس. وهذا القائل يقول: حروف المعاني يقوم بعضها مقام بعض، فقامت ((عند)) مقام ((في)) ومنه ((ولهم اللعنة)) أي عليهم، وفي الحديث والأثر ما يصدق كل واحد من الاحتمالين، وقزح موضع من المزدلفة وهو موقف قريش في الجاهلية، إذ كانت لا تقف بعرفة. وقال الجوهري: قزح اسم جبل بالمزدلفة. قال الطبري: وقد بني عليه بناء، فمن تمكن من الرقي عليه رقى، وإلا وقف عنده مستقبل القبلة، فيدعو ويكبر ويهلل ويوحد ويكثر من التلبية إلى الإسفار، ولا ينبغي أن يفعل ما تطابق عليه الناس اليوم من النزول بعد الوقوف من درج في وسطه ضيقة يزدحم الناس على ذلك حتى يكاد يهلك بعضهم بعضًا، وهو بدعة شنيعة بل يكون نزوله من حيث رقيه من الدرج الظاهرة الواسعة. وقد ذكر ابن الصلاح في منسكه: أن قزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم قال أي ابن الصلاح بعد ذلك: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوف على بناء مستحدث في وسط المزدلفة، ولا تتأدى به هذه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 35)
فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا،
ــ
السنة، هذا آخر كلامه، والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدم ذكره، ولم أر ما ذكره لغيره – انتهى كلام الطبري. (فاستقبل القبلة) يعني الكعبة (فدعاه) وفي لفظ ((فحمد الله)) أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي. قال المحب الطبري: يستحب للحاج أن يدعو بدعاء ابن عمر المتقدم في فصل ركعتي الطواف وبعد السعي، يريد بذلك ما رواه أبو ذر عن ابن عمر أنه كان إذا قدم حاجًا طاف بالبيت سبوعًا ثم صلى ركعتين يطيل فيهما الجلوس فيكون جلوسه أطول من قيامه لمدحه ربه وطلبه حاجته، يقول مرارًا: اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين. اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى. اللهم اجعلني أوف بعهدك الذي عاهدت عليه واجعلني من أئمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين. وكان يقول ذلك على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعلى الجمرتين وفي الطواف. قال الطبري: وفي رواية بعد قوله ((واغفر لي خطيئتي يوم الدين)) : اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تتوفاني عليه وقد رضيت عني، اللهم لا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء العيش. أخرجه سعيد بن منصور، وأخرج مالك طرفًا منه، وأخرجه بكماله ابن المنذر (وكبره) أي قال: الله أكبر (وهلَّلَه) أي قال: لا إله إلا الله (ووحده) أي قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ. فالنبي صلى الله عليه وسلم أحق من يعمل بقوله تعالى: {فاذكروا الله عن المشعر الحرام واذكروه كما هداكم} (2: 198) (فلم يزل واقفًا) فيه أن الوقوف على قزح من مناسك الحج وهذا لا خلاف فيه. قال الشاه ولي الله الدهلوي: وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام لأنه كان أهل الجاهلية يتفاخرون ويتراؤن فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله ليكون كابحاً عن عادتهم ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك المواطن كالمنافسة،كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر؟ (حتى أسفر جدًا) أي أضاء الفجر إضاءة تامة، فالضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولاً، وقوله ((جدًا)) بكسر الجيم أي إسفارًا بليغًا. قال المحب الطبري: هذا كمال السنة في المبيت بالمزدلفة، وعليه اعتمد من أوجب ذلك. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن بها بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغوي عن مالك وأحمد، وفي وجوب المبيت عندنا قولان الأصح وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر هذا هو المشهور، وللشافعي قول آخر ((إلى طلوع الشمس)) فمن كان بها فيه فلا شيء عليه وإن لم يكن قبله، ومن دفع قبله فعليه دم على الأصح – انتهى. وقال ابن عابدين: الوقوف عند المشعر الحرام واجب عندنا لا سنة
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 36)
فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً،
ــ
والبيتوتة بمزدلفة سنة مؤكدة إلى الفجر لا واجبة خلافاً للشافعي فيهما كما في اللباب (فدفع) أي ذهب إلى منى (قبل أن تطلع الشمس) هذا صريح في أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور. قال النووي: قال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدًا كما في الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. قال الطبري: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فأخر الله هذه وقدم هذه. قال الشافعي: يعني قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس (وأردف الفضل بن عباس) أي بدل أسامة (حتى أتي بطن محسر) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، اختلفوا في محسر فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى. قال ابن القيم: ومحسر برزخ بين منى ومزدلفة لا من هذه ولا من هذه. وقيل: ما صب منه في المزدلفة فهو منها، وما صب منه في منى فهو منها، وصوبه بعضهم. وقد جاء ((ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر)) فيكون على هذا قد أطلق بطن محسر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز مجازًا شائعًا. وقال الطحاوي: ليس وادي محسر من منى ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله ((إلا وادي محسر)) منقطع. قال الطبري: سمي بذلك لأنه حسر فيه قيل أصحاب الفيل أي أعيي، وقيل: لأنه يحسر سالكيهم ويتعبهم، يقال حسرت الناقة أتعبتها، وأهل مكة يسمون هذا الوادي وادي النار، يقال: أن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته (فحرك قليلاً) أي حرك ناقته وأسرع السير قليلاً. قال النووي: هي سنة من سنن السير في ذلك الموضع. قال أصحابنا: يسرع الماشي ويحرك الراكب دابته في وادي محسر ويكون ذلك قدر رمية بحجر – انتهى. قال الشافعي في الأم: وتحريكه صلى الله عليه وسلم الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبري: وهكذا كل من خرج من مضيق في قضاء جرت العادة بتحريكه فيه، وقيل يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين. وقيل لأنه كان موقفًا للنصارى فاستحب الإسراع فيه. وقال الأسنوي: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. قال ابن القيم: وهذه كانت عادته صلى الله عليه وسلم في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود، تقنع بثوبه وأسرع السير – انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوي: إنما أوضع بالمحسر لأنه محل هلاك أصحاب الفيل فمن شأن من خاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن ويهرب من الغضب، ولما
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 37)
ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها
ــ
كان استشعاره أمرًا خفيًا ضبط بفعل ظاهر مذكر له منبه للنفس عليه - انتهى. قال الزرقاني: وهذا الجواب أي ما قاله الطبري وابن القيم والأسنوي في وجه التسمية بمحسر وفي حكمة الإسراع فيه مبني على قول الأصح خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم وإنما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري: المرجح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم (ثم سلك الطريق الوسطي) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضب، وهذا طريق المازمين وهما جبلان. قال النووي: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات. وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريق المازمين ليخالف الطريق تفاؤلاً بغير الحال كما فعل صلى الله عليه وسلم في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق ورجع في طريق آخر، وحول ردائه في الاستسقاء (التي تخرج) وفي رواية النسائي وأبي داود والدارمي وابن ماجة وابن الجارود والبيهقي ((التي تخرجك)) (على الجمرة الكبرى) قال النووي: الجمرة الكبرى هي العقبة وهي الجمرة التي عند الشجرة (حتى أتى) عطف على سلك أي حتى وصل (الجمرة التي عند الشجرة) أي جمرة العقبة، هذا يدل على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فرماها) أي ضحى كما في رواية. أعلم أنه ذكر الغزالي في الإحياء ما يدل على أن رمى الجمار أمري تعبدي والعقل والنفس معزولان فيه كغالب أعمال الحجاج، وهو الذي صرح به العارفون في كتبهم، وربما يفهم منه أنه غير معقول المعنى، وليس إلا التعبد والتشبه بإبراهيم عليه السلام فقط. قال الزبيدي متعقبًا على كلام الغزالي: وهو ليس على ظاهره، فإن رمى الجمار اعتبار لأهله في سياقه غموض ودقة، ثم ذكره على سبيل الإجمال. من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى شرح الإحياء وقال الشاه ولى الله الدهلوي: والسر في رمى الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله عز وجل، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر وأكملها وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقت بزمان وبمكان ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده محققًا لوجوده على رؤوس الأشهاد حيث لا يخفى شيء، وذكر الله نوعان يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك، ونوع يقصد به انصباغ النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضى أنه سنة سنها إبراهيم عليه السلام حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أي تنبيه - انتهى. قال النووي: في حديث أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة ولا يفعل شيئاً قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. وأما حكم الرمي فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين وهو نسك بإجماعهم. ومذهبنا أنه
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 38)
بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف
ــ
واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى ولزمه دم وصح حجه، وقال مالك: يفسد حجه (بسبع حصيات) فيه أن الرمي بسبع حصيات. قال النووي: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهن واحدة لم يكفه الست – انتهى. وعند الحنفية إذا ترك أكثر السبع لزمه دم كما لو لم يرم أصلاً، وأن ترك أقل منه كثلاث فما دونها فعليه لكل حصاة صدقة ولا يشترط الموالاة بين الرميات بل يسن ويكره تركها. قال النووي: ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمي بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما يسمى حجراً وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض أي من جنسها كالحجر والمدر والتين والمغرة، وكل ما يجوز التيمم به (يكبر مع كل حصاة منها) قال النووي: فيه أنه يسن التكبير مع كل حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله ((يكبر مع كل حصاة فهذا تصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي " لتأخذوا عنى مناسككم " انتهى. (مثل حصى الخَذْف) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين. قال في النهاية: الخذف هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها. والمراد بيان مقدار الحصى التي يرمي بها في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف بقدر حبة الباقلاء. قال النووي: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونه حجرًا. وقال المحب الطبري: قال عطاء بن أبي رباح حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعي: هو أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال: بقدر الباقلاء. وفيه تنبيه على استجاب الرمي بذلك – انتهى. وقوله ((مثل حصى الخذف)) هكذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند بعض رواة مسلم وكذا رواه أبو داود والبيهقي، ووقع في أكثر نسخ مسلم ((يُكَبِّرُ مع كل حصاة منها حصى الخذف)) أي بغير لفظة مثل، وكذا وقع عند ابن الجارود وكذا نقله المحب الطبري. قال الطيبي: حصى الخذف بدل من الحصيات. وقال النووي: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه ((مثل حصى الخذف)) قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم، هذا كلام القاضي. قلت: والذي في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله (حصى الخذف)) متعلقًا بحصيات، أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف متصل بحصيات، واعترض بينهما ((يكبر مع كل حصاة)) وهذا هو الصواب والله أعلم – انتهى كلام النووي. قال القاري بعد نقل كلام النووي: وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله مع كل حصاة أقرب لفظًا وأنسب
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 39)
رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًا
فنحر ما غبر، وأشركه في هديه،
ــ
معنى، ومع هذا الاعتراض ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلقه بحصاة أو حصيات لا ينافي وجود مثل لفظًا أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودًا فهو واضح معنى وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه أي كحصى الخذف بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى. فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذي بلفظ ((وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف)) وروى مسلم عنه بلفظ ((رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)) يرجح وجود المثل ويؤيد تقديره، والله تعالى أعلم بالصواب (رمى من بطن الوادي) قال القاري: بدل من قوله ((فرماها)) أو استيناف مبين وهو الأظهر. قال النووي: فيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث يكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل يقف مستقبل الكعبة وكيفما رمى أجزأه (ثم انصرف) أي رجع عن جمرة العقبة (إلى المَنْحر) بفتح الميم أي موضع النحر، قال الزرقاني: موضع معروف بمنى وكلها منحر كما في الحديث. قال ابن التين: منحر النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله ((هذا المنحر وكل منى منحر)) . وقال عياض: فيه دليل على أن المنحر موضع معين من منى. وحيث يذبح منها أو من الحرم أجزأه (فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده) قال القاري: الظاهر أن لفظ المشكاة جمع بين الروايتين، فإن الرواية الصحيحة ((ثلاثًا وستين بيده)) بدون لفظة بدنة، قال النووي: هكذا هو في النسخ ثلاثًا وستين بيده، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة سوى ابن ماهان، فإنه رواه بدنة. قال: وكلاهما صواب، الأول أصوب. قلت: وكلاهما حري فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده. وقال المحب الطبري: قوله: ((ثلاثًا وستين بيده)) فيه دليل على استحباب ذبح المرء نسيكته بيده، وعند ابن ماهان بدنة مكان بيده، وكل صواب، وبيده أصوب، لقوله ((ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر)) ويجوز أن يقال بدنة أصوب لأن قوله ((بيده)) لا يفيد أن المنحور بدن أو غيرها بخلاف قوله بدنة، وإسناد الفعل إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيث الظاهر فلا حاجة إلى قوله بيده، وذكر بعض أهل المعاني أن نحر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وستين بيده إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كل عام بدنة – انتهى. وقال الشاه ولي الدين الدهلوي: إنما نحر بيده هذا العدد ليشكر ما أولاه الله في كل سنة من عمره ببدنة (ثم أعطى) أي بقية البدن (عليًا فنحر) أي عليّ (ما غَبَر) بفتح المعجمة والموحدة وبالراء أي ما بقي من المائة (وأشركه) أي النبي صلى الله عليه وسلم عليًا (في هديه) أي في نفس الهدي، ويحتمل أنه أشركه في نحره، قال النووي: ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي، قال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه – انتهى. وفيه جواز الاستنابة في ذبح الهدي، وذلك جائز بالإجماع إذا
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 40)
.............................................................................
ــ
كان النائب مسلمًا، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق قاله النووي. وقد روى أبو داود عن عليّ لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، وبه أعله المنذري. وروى أبو داود أيضًا عن غرفة (بغين معجمة مفتوحة، وقيل مهملة وهو وهم، وقال الخزرجي: بضم أوله وإسكان ثانيه، وقال الفتني في المغني: بغين وراء وفاء مفتوحات) بن الحارث الكندي: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأتى بالبدن فقال: ادعو لي أبا حسن، فدعي له عليّ، فقال: خذ بأسفل الحربة وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغا ركب بغلته وأردف عليًا، وجمع الولي العراقي باحتمال أنه صلى الله عليه وسلم انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي التي ذكرت في حديث عليّ، واشترك هو وعليّ في نحر ثلاث وثلاثين بدنة، وهي المذكورة في حديث غرفة، وقول جابر ((نحر ثلاثًا وستين)) مراده كل ما له دخل في نحره إما منفردًا به أو مع مشاركة عليّ، وجمع الحافظ بين حديثي عليّ وجابر بأنه صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثين ثم أمر عليًا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين، ثم نحر صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وثلاثين، قال: فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح أي مع مشاركة عليّ ليلئم مع حديث غرفة وإن لم يذكره. وقال عياض: الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثًا وستين كما رواه الترمذي، وأعطى عليًا البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. وقال الطبري بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا في غير المائة المذكورة أو يكون في الثلاث وستين منها، وأضيف الفعل إليه صلى الله عليه وسلم لأن من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكن من النحر دون الآخر والله أعلم. وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر في حجته سبع بدنات. أخرجه البخاري. وذكره ابن حزم وقال في الجمع بين الأحاديث: يخرجوا هذا على وجوه، أحدها، أنه صلى الله عليه وسلم لم ينحر بيده أكثر من هذه للسبع، وأمر من نحر ما بعد ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته ثم غاب وأمر عليًا بنحر ما بقي إما بنفسه أو بالإشراف على ذلك. الثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم سبعًا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره صلى الله عليه وسلم الباقي فأخبر كل منهما بما رأى. الثالث: أنه نحر بيده منفردًا سبع بدن، ثم أخذ هو وعليّ الحربة فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي، ثم انفرد عليّ بنحر الباقي من المائة كما قال جابر. قال ابن القيم: فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن عليّ قال: لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها؟ قلنا: هذا غلط، انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين هو علي والنبي صلى الله عليه وسلم نحر سبعًا بيده لم بشاهده علي ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى فبقى من المائة ثلاثون فنحرها عليّ فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط؟ قال: قرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ؟ الحديث أخرجه أبو داود وغيره، قيل: نقبله ونصدقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه إرسالاً فقرب منهن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 41)
ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها،
ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت،
ــ
إليه خمس بدنات رسلاً، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن – انتهى. وقال الطبري بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فإن الأول والثاني يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال: نحر سبعًا منفردًا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعلي، ونسب الفعل إليه صلى الله عليه وسلم لما ذكرناه، ثم أمر عليًا بنحر ما بقي من المائة، والله أعلم (ثم أمر من كل بدنة) أي من المائة (ببضعة) بفتح الباء الثانية أي بقطعة من لحمها. قال النووي: البَضعة بفتح الباء لا غير وهي القطعة من اللحم. وقال الجوهري: هذه بالفتح وأخواتها بالكسر مثل القطعة والفلذة والفدرة والكسفة والخرقة، وفي العدد تكسر وتفتح مذكرًا كان أو مؤنثًا (فجعلت) أي القطع (في قدر) بكسر القاف (فأكلا من لحمها) قال المظهري: الضمير المؤنث يعود إلى القدر لأنها مؤنث سماعي. قال الطيبي: ويحتمل أن يعود إلى الهدايا. قال النووي: قال العلماء: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت في قدر أي جمعت في قدر واحدة ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من جميعها. ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر. وفيه استحباب الأكل من الهدي والأضحية. وأجمع العلماء على أن الأكل من الهدي والأضحية سنة ليس بواجب، وقد استدل به على جواز الأكل من هدي المتعة والقران على القول بأنه كان متمتعًا أو قارنًا، وقد تقدم أن الأصح عند المحققين من الشافعية أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا في آخره، فيرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه وكان فيها دم القران أيضًا فلم يكن إذًا كلها هدايا تطوع وأضحية، ولا يجوز الأكل من الهدي الواجب كهدي التمتع والقران والنذر في مذهب الشافعي؟ قال الطبري: ولا حجة في هذا الحديث عليهم، إذ الواجب عليه سبع بدنة ويكون الأكل من حصة التطوع – انتهى. ولا يخفى ما فيه من التعسف (فأفاض إلى البيت) أي أسرع إلى بيت الله ليطوف به طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن. قال الطبري: الإفاضة الدفع في السير. وقال ابن عرفة: أفاض من المكان إذا أسرع منه لمكان آخر. وقال غيره: أصل الإفاضة الصب فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدي. وطواف الإفاضة هو الذي يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة، ويقال له أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض. قال النووي: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمي جمرة العقبة وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر. ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حيًّا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 42)
فصلى بمكة الظهر،
ــ
ليلة النحر قبل الوقوف ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه لأنه قدمه على الوقوف – انتهى. وعند الحنفية أول وقت لطواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر وهو في يوم النحر الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر، فإن أخره عن أيام النحر كره تحريماً ووجب لترك الواجب وهذا عند الإمكان كذا في الدر المختار. وقال المحب الطبري: قد دلت الأحاديث على استحباب وقوع طواف الإفاضة في يوم النحر وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عندنا الشافعية نصف الليل من ليلة النحر بدليل حديث أم سلمة أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر ثم مضت إلى مكة فأفاضت. وقال أبو حنيفة: أول وقته من طلوع الفجر ولا حد لآخر وقته عندنا ولا يجب بتأخيره عن أيام التشريق دم، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن تطاول الزمان فعليه دم، وقال مرة لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: إن أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وجب عليه الدم وهو خلاف قول الكافة - انتهى. قال القاري: وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة لا يجوز طواف الإفاضة بنية غيره خلافاً للشافعي حيث قال: لو نوى غيره كنذر أو وداع (أو تطوع أو قدوم) وقع الإفاضة - انتهى. واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع في طواف القدوم (فصلى بمكة الظهر) قال النووي: فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه – انتهى. واختلف أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر هذه أنه صلى بمكة، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره، ولفظه عند أبي داود قال: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، الحديث وسيأتي في الفصل الثاني من باب خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وقد ذكره المصنف في باب الحلق فهذا تعارض فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة بأربعة أوجه، أحدها: أنهما اثنان وهما أولى من الواحد وثانيها: أن عائشة أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، وثالثها: أن سياق جابر لحجته صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها أتم سياق وهو أحفظ للقصة، وضبطها حتى ضبط جزئيتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق بالمناسك وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فمن ضبط هذا القدر فهو يضبط صلاة صلاته الظهر يوم النحر أولى. ورابعها: أن حجة الوداع كانت في آذار (وهو الشهر السادس في السنة – يونيو أو حزيران – من الشهور الرومية الشمسية على ما قال صاحب القاموس: يستوي فيه الليل والنهار ولا يكون النهار أطول من الليل، أو هو الشهر الثالث – مارس – بين شباط (فبرائر) ونيسان (أبريل) من الشهور الرومية الشمسية على ما قال غيره، ويكون في الليل أطول
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 43)
..........................................................................
ــ
من النهار) قد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس ونحر بها بدنه المائة وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض وشرب من ماء زمزم ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار، ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر بأمور أربعة، أحدها: أنه لا يحفظ عنه في حجته صلى الله عليه وسلم صلى أنه صلى الفرض بجوف مكة بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، فكان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام، والثاني: أن حديث ابن عمر متفق عليه أي رواه الشيخان، وحديث جابر من أفراد مسلم التي انفرد بها عن البخاري، فحديث ابن عمر أصح، فإن رواته أحفظ وأشهر، ولاتفاق الشيخين عليه، والثالث: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارًا، وفي رواية لأحمد وأبي داود والترمذي عنها أنه صلى الله عليه وسلم أخر الطواف إلى الليل (كما سيأتي) وفي رواية عند أبي داود عنها أنه أفاض أي طاف طواف الإفاضة من آخر يومه كما تقدم. والجمع وإن أمكن بين روايتها الثلاث بأن قولها ((إلى الليل)) أي إلى قربه بدليل قولها في الرواية الثانية من آخر يومه، وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة فتقدم رواية من ضبط، والرابع: أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن ابن القاسم ولم يصرح بالسماع بل عنعن الحديث فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر، لأن رواته ثقات حفاظ مشاهير، وجمع النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة أول الوقت، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرةً أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى. قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، كذا في المواهب وشرحه للزرقاني. وقد بسط ابن القيم الكلام في ذلك في الهدي بأكثر من هذا، من شاء فليراجعه، تنبيه: حديث ابن عمر المذكور كما عزاه الزرقاني إلى الصحيحين عزاه أيضًا إليهما المجد ابن تيمية والجزري والمنذري والمحب الطبري وهو وهمٌ منهم، فإن حديث ابن عمر هذا من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري في صحيحه، نعم قال في باب ((الزيارة يوم النحر)) : وقال لنا أبو نعيم: ثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافًا واحدًا، ثم يقيل ثم يأتي منى يعني يوم النحر. وهذا كما ترى موقوف على ابن عمر من فعله، وليس فيه ذكر صلاة الظهر، ثم قال البخاري: ورفعه عبد الرزاق قال حدثنا. فعلقه ولم يذكر لفظه، قال العيني: وصل هذا التعليق مسلم: أنبأنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، وهكذا عزى حديث ابن عمر هذا إلى مسلم فقط الزيلعي في نصب الراية والبيهقي في معرفة السنن والسنن الكبرى والنابلسي في ذخائر المواريث وكل ذلك دليل على أن حديث ابن عمر من أفراد مسلم
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 44)
فأتى على بني عبد المطلب يسقون
ــ
مثل حديث جابر وعلى هذا فلا يصح ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر بأنه اتفق عليه الشيخان وهو الوجه الثاني من وجوه ترجيح حديث ابن عمر الأربعة المذكورة، هذا، وقد تعقب القاري على ما جمع به النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه لا يحمل فعله صلى الله عليه وسلم على القول المختلف في جوازه فيأول بأنه صلى الله عليه وسلم صلى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه، أو يقال: الروايتان حيث تعارضتا فقد تساقطتا فتترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل، ثم قال متعقبًا على التأويل الذي أول النووي به حديث عائشة أنه أخر الزيارة إلى الليل بأنه لا دلالة على التأويل المذكور لا لفظًا ولا معنىً، ولا حقيقة ولا مجازًا مع الغرابة في عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة فالأحسن أن يقال: معناه جوز تأخير الزيارة مطلقًا إلى الليل أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل - انتهى. وأجيب أيضًا عن حديث عائشة في تأخير طواف الزيارة: إلى الليل بأن أحاديث طواف الإفاضة يوم النحر نهارًا أصح وأثبت فإنها مروية في الصحيحين فترجح على ما يخالفها، وبأن تحمل الأحاديث الدالة على الطواف نهارًا يوم النحر، وحديث عائشة على الطواف في بقية أيام النحر، وبما قال ابن حبان من أنه صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة ونحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانيًا وطاف به طوافًا آخر بالليل، فعلى هذا ما رواه أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار ليلاً، إما أن يكون المراد به طواف الوادع أو طواف تطوع وزيارة محضة نافلة، وقد روى البيهقي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، وروى الطبراني أيضًا نحوه وسيأتي مزيد الكلام في حديث عائشة في باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق حيث ذكره المصنف من رواية عائشة وابن عباس رضي الله عنهما، وقيل أي في وجه الجمع بين حديثي جابر وابن عمر: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم صلى بمنى أيضًا مقتديًا خلف رجل من أصحابه وقال المحب الطبري: الجمع بين الروايات كلها ممكن إذ يحتمل أن يكون صلى منفردًا في أحد الموضعين ثم مع جماعة في الآخر أو صلى بأصحابه بمنى ثم أفاض فوجد قوماً لم يصلوا فصلى بهم، ثم لما رجع وجد قوماً آخرين لم يصلوا فصلى بهم لأنه صلى الله عليه وسلم لا يتقدمه أحد في الصلاة، أو كرر الصلاة بمكة ومنى ليبين جواز الأمرين في هذا اليوم توسعة على الأمة، ويجوز أن يكون أذن في الصلاة في أحد الموضعين فنسب إليه وله نظائر – انتهى. والراجح عندنا في الجمع بين حديثيهما هو ما ذكره النووي بأنه صلى الله عليه وسلم طاف طواف الإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في باب الحلق (فأتى) أي بعد فراغه من طواف الإفاضة (على بني عبد المطلب) هم أولاد العباس وجماعته لأن سقاية الحاج كانت وظيفته (يسقون) أي مر
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 45)
على زمزم، فقال: " انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ". فناولوه دلوا فشرب منه.
ــ
عليهم وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس (على زمزم) قال النووي: معنى قوله ((يسقون على زمزم)) أي يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس، وأما ((زمزم)) فهي البئر المشهورة في المسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعاً، قيل سميت زمزم لكثرة مائها، يقال ماء زمزوم وزمزم وزمازم إذا كان كثيراً. وقيل لضم هاجر رضي الله عنها لمائها حين انفجرت وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه عند فجره إياها. وقيل إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها، منها أن علياً رضي الله عنه قال: خير بئر في الأرض زمزم، وشر بئر في الأرض برهوت. قلت: أخرج الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام الطعم وشفاء السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقية حضر موت كرجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسي لا بلال فيها. قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: ورجاله ثقات، وصححه ابن حبان. وبَرهُوت – بفتح الباء الموحدة والراء المهملة وضم الهاء وآخره تاء مثناة - بئر عتيقة بحضر موت لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: ((بُرْهوت)) بضم الباء وسكون الراء (انزعوا) بكسر الزاي من النزع وهو الاستقاء. قال النووي: معناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (بني عبد المطلب) يعني العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين ((أتى زمزم وهم يسقون عليها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح)) (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) قال النووي: معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء – انتهى. وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر، وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس كبقاء الحجابة لبني شيبة (فناولوه) أي أعطوه (فشرب منه) أي من الدلو أو من الماء. وفيه دليل على استجاب الشرب للناسك من ماء زمزم والإكثار منه. وذكر الواقدي أنه لما شرب صب على رأسه، وذكر أبو ذر في منسكه عن عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أفاض دعا بسجل من زمزم فتوضأ. وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس وفي رواية عنده أنهم لما نزعوا الدلو غسل منه وجهه وتمضمض فيه ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور. قيل: ويستحب أن يشرب قائمًا، واستدل لذلك بما روى البخاري من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدثهم قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. وفي
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 46)
رواه مسلم.
ــ
الاستدلال بذلك على استحباب شرب ماء زمزم قائماً نظر، لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب وهو على الراحلة، ويطلق عليه ((قائم)) ويكون ذلك مراد ابن عباس من قوله ((قائماً)) فلا يكون بينه وبين النهى عن الشرب قائماً تضاد، ويجوز أن يحمل على ظاهره ويكون دليلاً على إباحة الشرب قائماً يعنى أنه عليه الصلاة والسلام شربه قائمًا لبيان الجواز. وقيل أو لعذر به في ذلك المقام من الطين أو الازدحام والله أعلم. فوائد: الأولى: أخرج أحمد وابن ماجة من حديث جابر مرفوعًا: " ماء زمزم لما شرب له ". وأخرجه الدارقطني وزاد: " إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته ليشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل ". وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذر مرفوعاً: " إنها مباركة، إنها طعام طعم وشفاء سقم ". وقد شربه جماعة من العلماء لمآرب فوجدوها ونالوها. الثانية: رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحمله، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، والبيهقي والحاكم وصححه، قال الشوكاني: فيه دليل على استجاب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة. وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم فبعث إليه براويتين وجعل عليهما كرًا غوطيًا، قيل الكرجنس من الثياب الغلاظ، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم. ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل المخزومي وثقه ابن سعد وابن حبان وقال: يخطئ، وضعفه جماعة. الثالثة: عن ابن عباس أنه قال: إذا شربت من ماء زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله تعالى، وتنفس وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن بيننا وبين الناس أي المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم ". وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسالك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً من كل داء. أخرجهما الدارقطني وابن ماجة. والتضلع الامتلاء حتى تمتد أضلاعه. وفي هذين الأثرين بيان آداب شرب ماء زمزم (رواه مسلم) أي بطوله، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجة وابن الجارود في المنتقى (رقم 465: 469) والبيهقي (ج 5: ص 7 - 9) كلهم من طريق جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبي جعفر الباقر، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين فأهوي بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال مرحبًا بك يا ابن أخي، سل عم شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة متلحفًا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بيده فعقد تسعاً، فقال: إن
(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 47)