Arabic source text

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

📘 مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (عبيد الله الرحماني المباركفوري - ت 1414 هـ)

📘 মিরআতুল মাফাতীহ শারহু মিশকাতিল মাসাবীহ (ওবাইদুল্লাহ রহমানি মুবারকপুরি - মৃত্যু 1414 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
2580 – (2) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أهل بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ".
ــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، الحديث. وأخرج القسم الأكبر منه أبو داود الطيالسي في مسنده (رقم 1668) ، وأحمد (ج 3: ص320 - 321) وعبد بن حميد وابن أبي شيبة والبزار. وروى قطعًا متفرقة منه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجة، ومالك في موطئه، ومن طريقه محمد في موطئه، والشافعي والطحاوي في شرح المعاني وفي مشكل الآثار، والطبراني في الصغير، والدارقطني في سننه، والحاكم في المستدرك، والبيهقي، وأحمد في مسنده، وابن سعد في الطبقات، وأبو نعيم في الحلية.
2580- قوله (وعن عائشة قالت: خرجنا) أي معاشر الصحابة (مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع) وفي مسلم ((مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع)) والذي في المشكاة موافق لما ذكره الجزري في جامع الأصول (فمنا من أهل بعمرة) أي مفردة، والمعني: أحرم بها أو لبى بها مقرونة بالنية (ومنا من أهل بحج) أي مفرد أو مقرون بعمرة (فلما قدمنا) أي كلنا (مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي صحيح مسلم ((حتى قدمنا مكة فقال رسول صلى الله عليه وسلم)) وكان قدومهم مكة صبيحة الأحد رابع ذي الحجة (من أهل بعمرة ولم يهد) من الإهداء أي لم يكن معه هدي (فليَحلِل) بفتح الياء وكسر اللام، أي فليخرج من الإحرام بحلق أو تقصير (ومن أحرم بعمرة وأهدى) أي كان معه هدي (فليهل بالحج مع العمرة) التي أحرم بها، والمعنى لا يحل من عمرته بل يدخل الحج في العمرة ليكون قارنًا ففيه جواز إدخال الحج على العمرة (ثم لا يحل حتى يحل منهما) يعني لا يخرج من الإحرام ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتم العمرة والحج جميعًا. قال الولي العراقي في شرح رواية عروة عن عائشة عند مسلم ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)) . قال المالكية والشافعية: هذه الرواية دالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتى يحل من الحج كونه أدخل الحج على العمرة، وأنه ليس السبب في ذلك مجرد سوق الهدي فما يقوله أبو حنيفة وأحمد ومن وافقهما إن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر وهم تمسكوا بقوله في رواية عقيل عن الزهري في الصحيحين ((فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه " … الحديث. وهي ظاهرة في الدلالة لمذهبهم، لكن تأولها أصحابنا على أن معناها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه. واستدلوا على صحة هذا التأويل برواية عروة عن عائشة المتقدمة، وقالوا: هذا التأويل متعين، لأن القضية واحدة والراوي واحد فيتعين الجمع بين الروايتين – انتهى.

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 48)

وفي رواية: " فلا يحل حتى يحل بنحر هديه.
ــ
وذكر نحو ذلك الزرقاني في شرح الموطأ في شرح باب دخول الحائض مكة، وقال المحب الطبري (ص 85) في شرح حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ ((فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجته، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد)) الحديث. قال الطبري: قد تعلق أبو حنيفة بهذا الحديث واستدل له على ما ذهب إليه من أن المعتمر في أشهر الحج، المريد للحج إذا كان معه الهدي فلا يحل من عمرته ويبقى على إحرامه حتى يحج، ولا دلالة فيه، إذ يكون المراد به من جمع بين الحج والعمرة، ويدل عليه ما سيأتي في الفصل بعده – انتهى. يشير بذلك إلى ما رُوِيَ عن عائشة قالت: وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عمرته ولم يحل، أخرجه ابن حبان. وقال الشوكاني: استدل بما في البخاري من حديث عائشة: ((من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر)) على أن من اعتمر فساق هديًا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وتأول ذلك المالكية والشافعية على أن معناه: من أحرم بعمرة فأهدى فأهل بالحج فلا يحل له حتى ينحر هديه. ولا يخفى ما فيه من التعسف – انتهى. (وفي رواية) أي بدل قوله: " ثم لا يحل حتى يحل منهما ". (فلا يحل) بالنفي، ويحتمل النهي (حتى يحل بنحر هديه) أي يوم النحر، فإنه لا يجوز له نحر الهدي قبله، وقوله ((حتى يحل بنحر هديه)) كذا في المشكاة والمصابيح، وفي مسلم ((حتى ينحر هديه)) . وفي جامع الأصول ((حتى يحل نحر هديه)) اعلم أن ها هنا روايتين أوردهما مسلم في صحيحه، الأولى: رواية عقيل عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج حتى قدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم بحجه ". قالت عائشة: فحضت، إلخ. والرواية الثانية: من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن سقت الهدي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا ". قالت: فحضت، إلخ. وقد ظهر بهذا ما وقع في سياق المشكاة تبعًا للبغوي من الخلل. قال الطيبي: قوله: ((ومن أحرم بعمرة وأهدى)) مع قوله ((وفي رواية حتى يحل بنحر هديه)) دل على أن من أحرم بعمرة وأهدى لا يحل حتى يحل بنحر هديه (وبه قال أبو حنيفة وأحمد) وقال مالك والشافعي: يحل إذا طاف وسعى وحلق. والرواية الأولى أعني قوله ((فليهل بالحج مع العمرة)) دلت على أنه أمر المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة فلا يحل إلا بنحر هذا الهدي فوجب حمل هذه الرواية الثانية على الأخرى، لأن القصة واحدة – انتهى. وقال النووي: قوله (أي في رواية عقيل عن الزهري عن عروة) : من أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه. هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة وأحمد

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 49)

ومن أهل بحج فليتم حجه ". قالت: فحضت، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة،
ــ
وموافقيهما في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها والتي ذكرها قبلها عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا ")) . فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها ((ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه)) ولا بد من هذا التأويل لأن القضية واحدة، والراوي أي المخرج وهو عائشة واحد، فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه، والله أعلم - انتهى. وقد اتضح بهذا وبما ذكرنا قبل ذلك من كلام الولي العراقي أن السبب في بقاء المعتمر الذي ساق الهدي على إحرامه عند الشافعية والمالكية هو إدخال الحج على العمرة لا مجرد سوق الهدي، واستدلوا لذلك برواية معمر ومن وافقه عن الزهري عن عائشة عن عروة عن عائشة، وعند الحنفية والحنابلة مدار الحكم هو مجرد سوق الهدي ومستندهم رواية عقيل عن الزهري، والراجح عندنا هو قول الحنابلة ومن وافقهم لتظافر الروايات الصحيحة الصريحة بذلك، والله أعلم (ومن أهل بحج فليتم حجه) هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من الصحابة هو أنه أمر لمن لم يسق الهدي بفسخ الحج وجعله عمرة فحينئذٍ لا بد من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، والأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدي فلا منافاة، قاله السندي في حاشية مسلم. وقد ذكرنا في شرح حديث عائشة المتقدم في باب الإحرام والتلبية أن قوله ((من أهل بحج)) معناه أي وأهدى فليتم حجه لئلا يخالف هذا الحديث لأحاديث فسخ الحج إلى العمرة (قالت: فحضت) أي بسرف قبل دخول مكة كما صح عنها، واتفقوا على أن ابتداء حيضها كان بسرف وذلك يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة، واختلفوا في موضع طهرها، وسيأتي بيان الاختلاف فيه (ولم أطف بالبيت) أي للعمرة، لأن الطهارة شرط للطواف أو واجب، ولأن الطواف في المسجد والحائض ممنوع من الدخول فيه (ولا بين الصفا والمروة) أي ولم أسع بينهما. قال الطيبي: قوله: ((ولا بين الصفا والمروة)) عطف على المنفي قبله على تقدير ((ولم أسع)) نحو ((علفتها تبنًا وماءً باردًا)) ويجوز أن يقدر ((ولم أطف)) على المجاز لما في الحديث ((وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط)) وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة - انتهى. أي لأن حقيقة الطواف الشرعي لم توجد لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضًا بأنه سمى السعي طوافًا على حقيقته اللغوية، فالطواف لغة المشي قاله الزرقاني. وإنما لم تسع عائشة بين الصفا والمروة لأنه لا يصح السعي إلا بعد الطواف وإلا فالحيض لا يمنع السعي.

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 50)

فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة،
ــ
قال ابن قدامة في المغني (ج2: ص394) : أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة. وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وكان الحسن يقول: إن ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعد ما حل فلا شيء عليه. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين حاضت: اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت فأشبهت الوقوف. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. ورُوِيَ عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة. رواه الأثرم. والمستحب مع ذلك لمن قدر على الطهارة أن لا يسعى إلا متطهرًا، وكذلك يستحب أن يكون طاهرًا في جميع مناسكه. ولا يشترط أيضًا الطهارة من النجاسة والستارة للسعي، لأنه إذا لم تشترط الطهارة من الحدث وهي آكد فغيره أولى. وقد ذكر بعض أصحابنا رواية عن أحمد: أن الطهارة في السعي كالطهارة في الطواف، ولا يعول عليه - انتهى. قال الباجي: إن السعي إنما يكون بأثر الطواف بالبيت، فإذا لم يمكن الحائض الطواف بالبيت لم يمكنها السعي بين الصفا والمروة، وإن لم تكن من شرطه الطهارة، لأنه عبادة لا تعلق لها بالبيت ولو طرأ على المرأة الحيض بعد كمال الطواف يصح سعيها - انتهى. وقال ابن قدامة: السعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح. وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسيًا، وإن عمدًا لم يجزئه سعيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال: لا حرج. ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سعى بعد طوافه وقد قال: " لتأخذوا عنى مناسككم ". فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك – انتهى. وقال الحافظ: حكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتج بحديث أسامة بن شريك (الآتي في الباب الذي بعد باب الحلق) أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: طف ولا حرج. وقال الجمهور: لا يجزئه، وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة انتهى. وقال ابن القيم: قوله ((سعيت قبل أن أطواف)) في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض. وفي التمهيد: اختلف العلماء فيمن قدم السعي على الطواف فقال عطاء بن أبي رباح يجزيه ولا يعيد السعي ولا شيء عليه، وكذلك قال الأوزاعي وطائفة من أهل الحديث. واختلف في ذلك عن النووي فرُوي عنه مثل قول الأوزاعي وعطاء ورُوي عنه أنه يعيد السعي. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يجزيه وعليه أن يعيد إلا أن مالكاً قال: يعيد الطواف والسعي جميعًا. وقال الشافعي: يعيد السعي وحده ليكون بعد الطواف ولا شيء عليه – انتهى مختصرًا. (فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة) اختلف في موضع طهرها بعد الاتفاق على أنها حاضت بسرف. قال الزرقاني: وفي

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 51)

ولم أهلل إلا بعمرة، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم: أن أنقض رأسي وأمتشط، وأهل بالحج، وأترك العمرة.
ــ
مسلم عن مجاهد عنها أنها تطهرت بعرفة، وعن القاسم عنها ((وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى)) وله عنه أيضًا ((فخرجت في حجتي حتى نزلنا منى فتطهرت، ثم طفنا بالبيت)) فاتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر، وجمع بين رواية مجاهد والقاسم بأنه انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى. وقول ابن حزم: ((حاضت يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة وطهرت يوم السبت عاشره)) إنما أخذه من روايات مسلم المذكورة – انتهى. وقال ابن القيم في الهدي: أما موضع حيضها فهو بسرف بلا ريب وموضع طهرها قد اختلف فيه فقيل بعرفة هكذا روى مجاهد عنها وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض، ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنيين فطهر عرفة هو الاغتسال للوقوف عنده. قال: لأنها قالت: تطهرت بعرفة. والتطهر غير الطهر. قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر، وحديثه في صحيح مسلم. قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضًا وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة، فذكرت الحديث وفيه ((فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة)) . وهذا إسناد صحيح لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها وهو قوله ((إنها طهرت ليلة البطحاء)) وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذا اللفظة ليست من كلام عائشة فسقط التعلق بها لأنها هي مما دون عائشة وهي أعلم بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب بن خالد وحماد بن زيد فلم يذكرا هذا اللفظة. قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه، أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة، الثاني: أن حدثيهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها. الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث، وفيه ((فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة)) وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها لكن قال عنها ((فتطهرت بعرفة)) والقاسم قال ((يوم النحر)) انتهى كلام ابن القيم. (ولم أهلل) أي لم أحرم أولاً (إلا بعمرة) هذا نص في أن عائشة لم تحرم إلا بعمرة وأنها كانت معتمرة ابتداء (فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنقض) بضم القاف (رأسي) أي أحل ضفر شعره (وأمتشط) أي أسرحه بالمشط وقيل أو بالأصابع (وأهل بالحج) أي أمرني أن أحرم بالحج (وأترك العمرة) وفي رواية ((فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة)) وفي رواية ((أمسكي عن عمرتك)) وفي أخرى: ((ارفضي عمرتك)) . قال الحنفية: معنى الحديث: أمرني أن أخرج من إحرام العمرة وأتركها باستباحة المحظورات من التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. واستدلوا

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 52)

..............................................................................
ــ
بذلك على أن المرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف واستمر حيضها حتى جاء يوم عرفة تركت العمرة وأهلت بالحج مفردة، فإذا فرغت من الحج أحرمت بالعمرة قضاء ويلزمها دم لرفض العمرة. وقال الجمهور في معنى الحديث: أي أمرني أن أترك العمل للعمرة من الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس وأرفض إتمام أفعالها، وأمرني أن أدخل الحج على العمرة فأكون قارنة، فليس المراد هنا بترك العمرة إسقاطها جملة أي إبطالها، وإنما المراد ترك أفعالها وإرداف الحج عليها حتى تصير قارنة وتتدرج أفعالها في أفعال الحج. قال ابن قدامة: المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لأنها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها وتصير قارنة، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم. وقال أبو حنفية: ترفض العمرة وتهلل بالحج. قال أحمد: ما قال هذا أحد غير أبي حنفية، وأحتج بما روى عروة عن عائشة قالت: أهللنا بعمرة – الحديث. وفيه ((فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر التنعيم فاعتمرت معه، فقال: هذه عمرة مكان عمرتك)) متفق عليه. وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة، أحدها: قوله ((دعي عمرتك)) والثاني: قوله ((وامتشطي)) والثالث قوله ((هذه عمرة مكان عمرتك)) ولنا ما روى جابر قال: أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت – الحديث. وفيه قال: ((فاغتسلي ثم أهلي بالحج)) . ففعلت ووقفت المواقف كلها ثم قال: ((قد حللت من حجك وعمرتك)) . وروى طاوس عن عائشة أنها قالت: أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت، ونسكت المناسك كلها وقد أهللت بالحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك. رواهما مسلم. وهما يدلان على ما يدلان على ما ذكرنا جميعه، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات فمع خشية الفوات أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها لقول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} (2: 196) ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر فلم يجز رفضها كغير الحائض. ثم أجاب ابن قدامة عن رواية عروة بأن قوله ((انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة)) قد انفرد به عروة وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روى طاوس والقاسم والأسود وعمرة عن عائشة ولم يذكروا ذلك. وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف. ثم قال ابن قدامة: ويحتمل أن قوله ((دعي العمرة)) أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها، أو دعي أفعال العمرة فإنها تدخل في أفعال الحج – انتهى. وقال الخطابي: استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 53)

...........................................................................
ــ
بالامتشاط. وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمل للعمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة. وقيل: إن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال: وهذا لا يعلم وجهه. وقيل: كانت مضطرة إلى ذلك. قال: ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لنهل بالحج لا سيما أن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان ذكره الحافظ. وقال ابن القيم بعد ذكر مسلك الجمهور وتقويته: أما قوله ((وانقضي رأسك وامشطي)) . فهذا مما أعضل على الناس ولهم فيها أربعة مسالك، أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية. المسلك الثاني: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. المسلك الرابع: أن قوله ((دعي العمرة)) . أي دعيها بحالها لا تخرجي منها، وليس المراد تركها. قالوا: ويدل عليه وجهان، أحدهما: قوله ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) الثاني: قوله: ((كوني في عمرتك)) . قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض- انتهى. وقال الزرقاني: وأجاب جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى ((دعي عمرتك)) اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية مسلم ((وأمسكي عن العمرة)) أي عن أعمالها، وإنما قالت: ((وأرجع بحجة)) . لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. قال الحافظ: واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها ((وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة)) أخرجه أحمد. وهذا يقوي قول الكوفيين أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، لكن في رواية عطاء عنها ضعف. وأجاب الحنفية عن ذلك بأن ضعف رواية عطاء منجبر برواية البخاري: ((يصدرون بنسكين وأصدر بنسك)) وفي رواية ((قالت: يا رسول الله اعتمرتم ولم اعتمر)) . قال الحافظ: والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر: ((أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أهلي بالحج حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: قد حللت من حجك وعمرتك)) . ولمسلم من طريق طاوس عنها ((فقال صلى الله عليه وسلم: طوافك يسعك لحجك وعمرتك)) . فهذا صريح في أنها كانت قارنة. قال الزرقاني: وتعقب بأن قوله ((انقضى رأسك وامتشطي)) ظاهر في إبطال العمرة، لأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديته إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة بغير عذر أو كان ذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عجرة الحلاق لأذى برأسه، أو نقض رأسها لأجل الغسل لتهل بالحج ولا سيما إن كانت تلبدت فتحتاج إلى نقض الضفر، ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان، أو أعادت

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 54)

ففعلت، حتى قضيت حجي بعث معي
ــ
الشكوى بعد رمي جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئذٍ. قال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث، أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال الخطابي: وهذا لا يعلم وجهه – انتهى. وقال ابن دقيق العيد قي شرح العمدة: لما حمل أصحاب الشافعي ومالك أمره عليه السلام بترك العمرة على ترك المضي في أعمالها لا على رفضها بالخروج منها وأنها أهلت بالحج مع بقاء العمرة وكانت قارنة اقتضى ذلك أن يكون قد حصل لها عمرة، وأشكل حينئذٍ قولها ((ينطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج)) إذ هي أيضًا قد حصل لها حج وعمرة لما تقرر من كونها صارت قارنة فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ فأولوا قولها ((ينطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج)) على أن المراد ينطلقون بحج مفرد عن عمرة وعمرة مفردة عن حج وأنطلق بحج غير مفرد عن عمرة، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة ليحصل لها قصدها في عمرة مفردة عن حج، هذا حاصل ما قيل في هذا مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين الروايات ألجأهم إلى مثل هذا - انتهى. وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة وقد وقع في رواية لمسلم من حديث جابر وكان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه، وأما ما قاله صلى الله عليه وسلم لها بعد ما اعتمرت من التنعيم فقال: هذه مكان عمرتك، فمعناه العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة ثم أنشأوا الحج منفردًا - فعلى هذا فقد حصل لعائشة عمرتان. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) . تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزية وأنها لم تلغها ولم تخرج منها، فيتعين تأويل ((ارفضي عمرتك)) . و ((دعي عمرتك)) على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أفعالها والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى لما مضت مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم ((هذه مكان عمرتك)) فمعناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) أي وقد تمَّا وحُسِبا لك جميعًا فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: هذه مكان عمرتك، أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة فمنعك الحيض من ذلك، وهكذا يقال في قولها: ((يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج)) أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثير أفعالها - انتهى. (فَفَعلْتُ) بسكون اللام على صيغة المتكلم، أي ما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم من النقض والامتشاط وترك العمرة والإهلال بالحج (حتى قضيت حجي) أي أديته وأتممته فالقضاء بمعنى الأداء (بعث معي) قيل جملة استئنافية ذكره الطيبي. وفي مسلم ((قالت: ففعلت ذلك حتى إذا قضيت حجي بعث)) إلخ. وكان إرسالها مع أخيها عبد الرحمن ليلة البطحاء أو الحصبة

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 55)

عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم.
ــ
وهي ليلة الأربعاء رابع عشرة ذي الحجة (عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق القرشي التيمي يكنى أبا عبد الله، وقيل بل يكنى أبا محمد، وقيل أبا عثمان، أمه أم رومان والدة عائشة فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، وقيل عبد العزى، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: متعنا بنفسك، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية، وكان أسن ولد أبي بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلاً صالحًا وكانت فيه دعابة. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البر: كان من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم منهم محكم اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم في نحره فقتله. وأخرج الزبير عن عبد الله بن نافع قال: خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد فكلمه الحسين بن عليّ وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهرقلية كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل والله أبدًا. وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردها؛ وقال: لا أبيع ديني بدنياي. وخرج إلى مكة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشى، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة فحمل إلى مكة فدفن بها. ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجة فوقفت على قبره وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك:
وكنا كندماني جذيمة حقبة _ … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكًا _ … بطول اجتماع لم نبت ليلة معًا

ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مت. روى عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث منها في الصحيح، وعن أبيه وروى عنه ابنه عبد الله وحفصة وابن أخيه القاسم بن محمد وغيرهم. قال الخزرجي: له ثمانية أحاديث اتفقا على ثلاثة، مات سنة ثلاث وخمسين، قاله ابن سعد. وقيل بعد ذلك (وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي) أي بدلها، نصب على المصدر. قاله ابن الملك. أي عمرتي التي تركتها (من التنعيم) متعلق بأعتمر، وزاد في رواية عند الشيخين وغيرهما. ((فاعتمرت فقال: هذه (أي العمرة) مكان عمرتك)) . قال الزرقاني: بالرفع على الخبرية وبالنصب على الظرفية وعامله محذوف، وهو الخبر أي كائنة أو مجعولة مكان عمرتك. قال عياض: والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف، إنما أراد عوض عمرتك. فمن قال: كانت قارنة، قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التنعيم تطوعًا لا عن فرض لكنه أراد تطييب نفسها بذلك. ومن قال: كانت مفردة قال: مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها. ولم

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 56)

..............................................................................................
ــ
تتمكني من الإتيان بها للحيض. وقال السهيلي: الوجه النصب على الظرف لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى لكن إن جعلت مكان بمعنى عوض أو بدل مجازًا أي هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذٍ – انتهى. والتَّنْعِيم تفعيل بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة، موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب الحل إلى البيت، سمي به لأن على يمينه جبل نُعيم (بضم النون) ، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نَعمان (بفتح النون) قاله في القاموس. قال المحب الطبري: هو أمام أدنى الحل وليس بطرف الحل، ومن فسره بذلك فقد تجوز وأطلق اسم الشيء على ما قرب منه، ذكره القسطلاني. وقال الحافظ: مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهي. وقال المحب الطبري: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو ميل، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوز. قال الحافظ: وأراد بالنسبة إلى بقية الجهات. واختلف في موضع إحرام عائشة فروى الأزرقي عن ابن جريج قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي أحرمت منه عائشة فأشار إلى الموضع الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخَرِب (بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المهملة) . ونقل الفاكهي عن ابن جريج وغيره أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي أحرمت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد عن الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبري (ص 576) وقال الفاكهي: لا أعلم ذلك إلا أني سمعت ابن أبي عمير يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. والحديث يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم – الحديث. ونحوه رواية الأسود عن عائشة عند البخاري قال: ((فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم)) . وفي رواية عن الأسود والقاسم جميعًا عنها بلفظ ((فاخرجي إلى التنعيم)) وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك يفسر قوله في رواية القاسم عنها بلفظ ((اخرج بأختك من الحرم)) ، وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مليكة عنها في هذا الحديث ((قال: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: احملها خلفك حتى تخرج من الحرم، فوالله ما قال: فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم)) فهي رواية ضعيفة لضعف أبي عامر الخراز الراوي له عن ابن أبي مليكة، ويحتمل أن يكون قوله ((فوالله)) إلخ من كلام من دون عائشة، قاله متمسكًا لإطلاق قوله ((فأخرجها من الحرم)) لكن الروايات المقيدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة فهو أولى ولا سيما مع صحة أسانيدها، كذا في الفتح، وعقد البخاري في صحيحه لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أمره صلى الله عليه وسلم إياه إعمارها من التنعيم ((باب عمرة التنعيم)) . قال الحافظ: يعني هل تتعين لمن كان بمكة أم لا؟ وإذا لم تتعين هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحل أو لا؟ قال صاحب الهدي: لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلاً إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجًا من مكة إلى

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 57)

قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا،
ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا من منى،
ــ
الحل ثم يدخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها. قال الحافظ: وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته. واختلف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة فكرهه مالك وخالفه مطرف وطائفة من أتباعه وهو قول الجمهور. واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعي البائت بمنى لرمي أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقًا كقول الجمهور. والله أعلم. وقد تقدم شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث أبي هريرة ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) . قال الحافظ: واختلفوا أيضًا هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة، وتقدم الكلام فيه أيضًا في شرح حديث ابن عباس في المواقيت. قال الحافظ: واستدل بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في إعمار عائشة من التنعيم على تعين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة، وهو أحد قولي العلماء. والثاني: تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات. وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به أيضًا على أن أفضل جهات الحل التنعيم. وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهة الحل إلى الحرم لا لأنه الأفضل. وقال في باب ((أجر العمرة على قدر التعب)) بعد ذكر ما روى الدارقطني والحاكم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتها: ((إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك)) . استدل به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرًا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث. وقال الشافعي في الإملاء: أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها. قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إليّ. وحكى الموفق في المغني عن أحمد: أن المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره. وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة. ووجهه ما قدمناه أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مجتازًا إلى المدينة. ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل لما دل عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحل من جهة أبعد منه – انتهى. (فطاف) أي طواف العمرة (الذين كانوا أهلوا بالعمرة) وحدها يعني الذين أفردوا العمرة عن الحج (بالبيت) متعلق بطاف أي عند دخولهم مكة (وبين الصفا والمروة) أي وسعوا بينهما. وقال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير ((علفتها تبنًا وماء باردًا)) (ثم حلوا) أي خرجوا من العمرة بالحلق أو التقصير ثم أحرموا بالحج من مكة (ثم طافوا طوافًا) أي للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بعد أن رجعوا من منى) أي إلى

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 58)

............................................................................................
ــ
مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكي لا طواف عليه للقدوم إلا ما حُكي عن الإمام أحمد: أن المتمتع يطوف يوم النحر أولاً للقدوم ثم يطوف طوافًا آخر للحج. قال الخرقي: إن كان متمتعًا فيطوف بالبيت سبعًا وبالصفا والمروة سبعًا كما فعل بالعمرة ثم يعود فيطوف طوافًا ينوي به الزيارة. قال ابن قدامة: أما الطواف الأول الذي ذكره الخرقي ها هنا فهو طواف القدوم، لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها. ونص أحمد على أنه مسنون للمتمتع في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله رحمه الله: فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافًا آخر للزيارة، عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه. وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضًا، واحتج بما روت عائشة قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا فطافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطًا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض ولم أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا، وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت: طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافًا آخر، ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكر ما يستغنى عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأيضًا فإنها لما حاضت قرنت الحج إلى العمرة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن طافت للقدوم ولا أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الخرقي في موضع آخر في المرأة إذا حاضت فخشيت فوات الحج: أهلت بالحج وكانت قارنة ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم، ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف للقدوم مع طواف العمرة، لأنه أول قدوم إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رويته وطوافه به، وفي الجملة إن هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب، وإنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة، وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد في أنه ركن للحج لا يتم إلا به – انتهى كلام ابن قدامة. واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية ما رجحه ابن قدامة وصححه الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب. قال ابن القيم بعد ما حكى كلام ابن قدامة المتقدم: لم يرفع كلام أبي محمد يعني ابن قدامة الإشكال، وإن كان

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 59)

وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا.
ــ
الذي أنكره أي من تكرار الطواف يوم النحر بعد الوقوف للمتمتع هو الحق كما أنكره، والصواب في إنكاره فإن أحدًا لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي صلى الله عليه وسلم، هذا لم يقع قطعًا ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا طوافًا واحدًا وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافًا أخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا غير طواف الزيارة قطعًا فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه، ولكن الشيخ أبو محمد لما رأى قولها في المتمتعين ((أنهم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى)) قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين، والذي قاله حق ولكن لم يرفع الإشكال، فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام: أدرجت في الحديث وهذا لا يتبن، ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال، فالصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النحر، وهذا هو الحق. وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع من منى للحج، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا هو قول الجمهور – انتهى. (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة) أي ابتداء أو إدخالاً لأحدهما في الآخر. وفي رواية ((وأما الذين كانوا أهلوا بالحج (أي مفردًا) أو جمعوا الحج والعمرة)) (أي قارنوا) (فإنما طافوا طوافًا واحدًا) أي بعد الوقوف بعرفة يوم النحر للحج والعمرة جميعًا. قال الزرقاني: لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وقال الحنفية: لا بد للقارن من طوافيين وسعيين – انتهى. وقال العيني: في الحديث – يعني حديث عائشة - حجة لمن قال الطواف الواحد والسعي الواحد يكفيان للقارن وهو مذهب عطاء والحسن وطاوس، وبه قال مالك وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود إلى آخر ما قال. قلت: هكذا صرح غير واحد من شراح الحديث من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم بأن الحديث حجة للأئمة الثلاثة في وحدة الطواف للقارن خلافًا للحنفية القائلين بالطوافين له، قيل: والحديث بظاهره مشكل على الجميع لأنه يدل على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم، والثاني طواف الإفاضة، والثالث طواف الوداع، ولذلك اتفق الجميع على أن القارن يطوف ثلاثة أطوفة، طواف القدوم والركن والوداع، وزادت الحنفية على ذلك طواف العمرة فصارت أربعة. قال ابن قدامة: الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف الزيارة، وهو ركن الحج، لا يتم إلا به بغير خلاف، وطواف

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 60)

.............................................................................................
ــ
القدوم، وهو سنة لا شيء على تاركه، وطواف الوداع، واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شيء على تارك طواف الوداع، وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع، وكقوله في طواف القدوم – انتهى. وعد النووي في مناسكه طواف القدوم من السنن والوداع من الواجبات. وصرح الدردير بوجوب طواف القدوم، وصرح أتباع الأئمة الثلاثة في فروعهم أن القارن حكمه حكم المفرد خلافًا للحنفية، فالقارن عند أتباع الثلاثة يطوف ثلاثة أطوفة كالمفرد، الأول طواف القدوم، والثاني طواف الإفاضة يوم النحر، لكنه عندهم للحج والعمرة كليهما فإنه دخل عمل العمرة في عمل الحج، والثالث طواف الصدر، وأما الحنفية فزادوا على ذلك طواف العمرة وقالوا: طواف الإفاضة هو للحج فقط فصارت أطوفة القارن عندهم أربعة. قال في الهداية في بيان القارن: إذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم ويسعى بعده كما بينا في المفرد – انتهى. وقيل الأطوفة للقارن عند الحنفية أيضًا ثلاثة كالمفرد لكن الطواف الأول يوم الورود واللقاء هو للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم، والطواف الثاني أي يوم النحر هو للحج فقط. قال الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي: ويمكن أن يقال: إن الطواف الأول يوم القدوم كان للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم. وقال الشيخ ثناء الله الفاني فتى في تفسيره: قلت: وذلك الطواف والسعي كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه – انتهى. ولكن ظاهر حديث عائشة مخالفًا للأحاديث الدالة على تعدد الطواف للمفرد والقارن احتاج الجميع إلى توجيهه وتأويله فقال السندي في حاشيته على البخاري: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس الأمر كذلك بل هم أيضًا طافوا الطوافين الأول والثاني جميعًا، ذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي صحيح مسلم عنه " وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، إلى أن قال: " وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة، إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس. ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك، وسيجيء هذا الحديث في البخاري أيضًا في باب سوق البدن، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا والسابقون طافوا للركن طوافين، وقال أيضًا: قوله ((وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا)) أي ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أولاً كان طواف القدوم الذي هو من السنن لا من الفرائض بخلاف الذين حلوا فإنهم طافوا أولاً فرض العمرة ثم فرض الحج فطافوا طوافين للفرض، ولم يرد أن الذين جمعوا ما طافوا أولاً حين القدوم أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى كما يفيده ظاهر الكلام

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 61)

..............................................................................................
ــ
كيف والنبي صلى الله عليه وسلم كان من الذين جمعوا على التحقيق وعلى مقتضى هذا الحديث، لأنه كان معه الهدي ألبتة، وقد ثبت أنه طاف أولاً حين قدم وطاف ثانيًا طواف الإفاضة حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين إلا بصفة الافتراض، فطواف من حل كان مرتين فرضًا وطواف من لم يحل كان مرة فرضًا، والله تعالى أعلم، والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين والثانية طافوا لهما واحدًا – انتهى. وقال الباجي: قولهما ((أما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا)) تريد - والله أعلم – أحد وجهين: أما أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد للورود وطواف واحد للإفاضة إن كانوا قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا فلم يطوفوا غير طواف واحد وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد بذلك أنهم سعوا لهما سعيًا واحدًا والسعي يسمى طوافًا، والوجه الثاني: أن طوافهم كان على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف المفرد، وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي بل طاف لهما كما طاف المفرد للحج، وهذا نص في صحة ما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن حكم القارن في ذلك حكم المفرد - انتهى. ثم قال: وهؤلاء جمعوا الحج والعمرة لا يخلو أن يكونوا أهلوا بهما جميعًا أو أردفوا الحج على العمرة إذ أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فإن كانوا ممن أهل بهما فقد طافوا لهما طواف الورود، وسعوا بأثره، ثم طافوا لهما بعد ذلك طواف الإفاضة ولم يسعوا بعده. وأما من أردف الحج على العمرة فإن كان أردفه قبل الوصول إلى مكة فحكمه حكم من أهل بهما وقد تقدم حكمه. وأما من أردفه بعد الوصول إلى مكة وقبل التلبس بالطواف فإنه لا يطوف بالبيت ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى لأنه محرم بالحج من مكة، ومن أحرم بالحج من مكة فليس عليه طواف ورود، فهذا المردف لما أحرم بالحج من مكة لا تأثير لما تقدم من عمرته في الورود ولا في غير ذلك من الأفعال غير وجوب الدم للقران – انتهى. وقال ابن قدامة ما محصله: أن المراد الطواف الواحد للزيارة بعد الرجوع عن منى بخلاف المتمتع فإنه يطوف عند أحمد إذ ذاك طوافين: طواف القدوم وطواف الزيارة، لأن المتمتع لم يأت بطواف القدوم قبل ذلك، والطواف الذي طافه قبل الخروج إلى منى كان للعمرة، وعلى هذا معنى قولها ((طوافًا واحدًا)) أي يوم النحر للزيارة فقط لا للقدوم طوافًا آخر كما يفعله المتمتع عند الحنابلة، وقد تقدم كلام ابن قدامة بتمامه. وأجاب الحنفية عن حديث الباب وأولوه بوجوه، فقال بعضهم إن المراد بقوله: " طوافًا واحدًا " أي طاف لكل واحد منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر – انتهى. ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف، وقال الطحاوي: إن عائشة أرادت بقولها: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا)) يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج، لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها إلا بعد عرفة. قال: والمراد بقولها "جمعوا بين الحج والعمرة، جمع متعة لا جمع قران – انتهى. قال الحافظ

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 62)

.............................................................................................
ــ
بعد ذكره: وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين فإنها صرحت بفعل من تمتع ثم من قرن حيث قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى. فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: وأما الذين جمعوا، إلخ. فهؤلاء أهل القران وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح – انتهى. وقال بعضهم: إن مقصود عائشة بهذا الحديث ليس بيان وحدة الطواف وتعدده بل المراد بيان أنهم طافوا للتحلل عن الحج والعمرة طوافًا واحدًا يعني أن القارن يكون مهلاً بإحرامين والطواف يكون محلاً للإحرام فكان مقتضاه أن يكون المحل طوافين للإحرامين كما وقع للمتمتعين لكن القارن يكفي له للتحلل عن الإحرامين طواف واحد. وهذا التأويل أيضًا بعيد جدًا، لا يخفى بعده وتعسفه على المنصف، واختار ابن القيم وجهًا آخر فقال: الصواب أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النحر وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور، وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم " يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك " وكانت قارنة، ويوافق قول الجمهور ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه " لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول، هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد كما هو إحدى الروايتين عن أحمد نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبت مقدم على النافي، أو يقال مراد جابر من قرن من أصحابه مع النبي صلى الله عليه وسلم وساق الهدى كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي رضي الله عنهم وذوي اليسار، فإنهم إنما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، والله أعلم – انتهى كلام ابن القيم. قلت: والطريق الأخير ضعيف جدًا بل باطل لأنه ليس في طريق حديث عائشة هذا هشام فإنه من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عنها، فهذا إسناد غاية في الصحة، فممن الخطأ والإدراج؟ ويؤيده أن له طريقًا أخرى عنها في الموطأ في باب دخول الحائض مكة " عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنهما " وهذا سند صحيح كالجبل ثبوتًا. وسيجيء الكلام في مسألة السعي بين الصفا والمروة للمتمتع بعد الرجوع من منى للحج. والراجح عندي في معنى الحديث هو ما قال السندي ومن وافقه، وهو المعروف في توضيح الحديث وتوجيهه عند القائلين بوحدة الطواف للقارن، وما اختاره ابن القيم وجيه أيضًا عندي وسيأتي إيضاحه، واعلم أنه اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب، الأول: أن على القارن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا وأن ذلك يكفيه لحجه وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 63)

.............................................................................................
ــ
جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد في أصح الروايتين. الثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين وهذا مذهب أبي حنيفة. الثالث: أنهما معًا يكفيهما طواف واحد وسعي واحد، وهو مروي عن الإمام أحمد كما تقدم في كلام ابن القيم، أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون بأن القارن يكفي لحجه وعمرته طواف زيارة واحد وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد، فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها، منها حديث عائشة الذي نحن في شرحه، فإن قولها " وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا، نص صريح دال على اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه وعمرته، وقال ابن القيم: إن المراد بالطواف في حديث عائشة هذا هو الطواف بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر كما سيأتي، وقد أجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجوه، منها أن روايات عائشة في حجتها وحجته صلى الله عليه وسلم مضطربة. قال العيني: أحاديث عائشة في هذا الباب مضطربة جدًا لا يتم بها الاستدلال لأحد من الخصوم، ثم ذكر بعض الاختلاف، قالوا: فيشكل على حديثها المدار في مثل هذه المسألة، قلت: حديث عائشة هذا صحيح ثابت اتفق عليه الشيخان، وهو نص في المسألة، وقد تقدم وجه الجمع بين ما يتوهم من الاختلاف في بعض رواياتها فرده بادعاء الاضطراب فيه أمر قبيح جدًا، ومنها ما تقدم عن الطحاوي، وقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ. ومن الأحاديث التي استدل بها الجمهور ما رواه مسلم في صحيحه من طريق طاوس عن عائشة أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يسعك طوافك لحجك وعمرتك – الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولاً بالعمرة ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، ومع كونها قارنة صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد. وروى مسلم أيضًا من طريق مجاهد عن عائشة أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك- انتهى. وهذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد ومنها حديث ابن عمر عند الشيخين، روى البخاري من طريق أيوب عن نافع أن ابن عمر دخل ابنه عبيد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت، فقال: قد خرج رسول الله عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (33: 21) ثم قال: أشهدكم أني أوجبت مع عمرتي حجًا. قال: ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا – انتهى. وفيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد لحجته وعمرته وأجاب بعض الحنفية عنه بأنه ليس بصريح في اكتفاء القارن بطواف واحد فإنه يحتمل أن يكون المراد بقوله " طوافًا واحدًا أي طاف لكل منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، وكذا أولوا رواية عائشة المتقدمة كما سبق وفيه أنه يرفع …

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 64)

..............................................................................................
ــ
هذا الاحتمال قوله في الرواية الآتية " ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول " وتأوله بعضهم بأن المراد أنه طاف للقدوم طوافًا واحدًا يعني أنه اكتفى قبل النحر بطوافه للقدوم في العمرة وكان هذا الطواف في الأصل للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم فلم يعده، ثم طاف يوم النحر طوافًا للحج، وتأوله بعضهم بأن المراد أنه طاف طوافًا واحدًا للحل منهما جميعًا حيث لم يتحلل بعد أفعال العمرة يعني أنه طاف للإحلال منهما طوافًا واحدًا هو طواف الإفاضة، ولا يخفى ما في هذين التأويلين من التكلف والتعسف. وروى البخاري من طريق الليث عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف إن يصدوك، فقال {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} إذًا أصنع كما صنع رسول الله عليه وسلم، إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت حجًا مع عمرتي وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم – انتهى. وفي هذه الرواية التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل. قال الكرماني في شرح هذا الحديث: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران بل اكتفى بطواف واحد. وقال الحافظ: قوله " بطوافه الأول " أي الذي طافه يوم النحر للإفاضة – انتهى. وقال السندي في حاشيته على البخاري: قوله " بطوافه الأول " أي بأول طواف طافه بعد النحر والحلق فإنه هو ركن الحج عندهم لا الذي طافه حين القدوم، وإن كان هو المتبادر من اللفظ فإنه للقدوم وليس بركن للحج، والله تعالى أعلم، وأجاب عنه بعض الحنفية بأن المراد به طواف القدوم كما هو المتبادر، وأن هذا الطواف الواحد أجزأ عن طواف القدوم للحج وطواف العمرة جميعًا، ثم طاف طواف الإفاضة يوم النحر ولم يذكره في الرواية وهو مراد ألبتة وإن تركه الرواي. قالوا: ويدل عليه قوله " وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم " ورسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كذلك حيث طاف يوم القدوم، وأجزأ ذلك الطواف الأول عن القدوم والعمرة جميعًا ثم طاف يوم النحر، وفيه أنه يلزم على هذا التأويل أن ابن عمر أو من دونه قد أخل بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكر ما يستغنى عنه، وفيه أيضًا أنه قد ثبت عنه طواف الإفاضة في رواية سالم عنه عند الشيخين حيث قال: "بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج " إلى أن قال " وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة إلى أن قال " ونحر هديه يوم النحر وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس، ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك. قلت: واستدل بظاهر حديث لمالك فيما ذهب إليه من إجزاء طواف القدوم عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً أو نسيه. قال الحافظ: وتوهم بعضهم أنه أراد طواف القدوم. وقال ابن

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 65)

...........................................................................................
ــ
عبد البر في حجة لمالك في قوله " إن طواف القدوم إذا وصل بالسعي يجزئ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً أو نسيه حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحدًا قال به غيره وأصحابه، وتعقب بأنه إن حمل قوله " طوافه الأول " على طواف القدوم وأنه أجزأ عن طواف الإفاضة كان ذلك دالاً على الإجزاء مطلقًا ولو تعمده، لا بقيد الجهل والنسيان – انتهى. قلت: حمله على طواف القدوم والقول بسقوط طواف الإفاضة في تلك الصورة أو مطلقًا باطل بلا شك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بطوافه الذي طاف يوم دخل مكة بل طاف يوم النحر طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين، وثبت ذلك ثبوتًا قطعيًا، وأما القول بأن ذلك الطواف الأول كان عن القدوم للحج وطواف العمرة جميعًا فادعاء محض ليس عليه أثارة من علم فلا يلتفت إليه، وقال السندي في حاشية البخاري بعد ذكر التأويل الذي نقلنا عنه ما لفظه: ولا يخفى أن بعض روايات حديث ابن عمر يبعد هذا التأويل ويقتضي أن الطواف الذي يجزئ عنهما هو الذي حين القدوم، ففي رواية للبخاري " ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا " وسيجيء في البخاري في باب من اشترى الهدي من الطريق بلفظ " ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا فلم يحل حتى حل منهما جميعًا " وسيجيء في باب الإحصار " وكان يقول أي ابن عمر: لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة " وفي بعض روايات مسلم " فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به سبعًا وبين الصفا والمروة سبعًا لم يزد عليه ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى " وفي أخرى " ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر " وفي رواية أخرى " ثم انطلق يهل بهما جميعًا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحلق حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول " والنظر في هذه الروايات يبعد ذلك التأويل، لكن القول بأنه ما كان يرى طواف الإفاضة مطلقًا أو للقارن أيضًا قول بعيد، بل قد ثبت عنه طواف الإفاضة في صحيح مسلم كما ذكرنا في القول السابق عنه، فإما أنه لا يرى طواف الإفاضة للقارن ركن الحج، بل يرى أن الركن في حقه هو الأول والإفاضة سنة أو نحوها وهذا لا يخلو عن بعد، أو أنه يرى دخول طواف العمرة في طواف القدوم للحج، ويرى أن طواف القدوم من سنن الحج للمفرد إلا أن القارن يجزئه ذلك عن سنة القدوم للحج وعن فرض العمرة وتكون الإفاضة عنده ركنًا للحج فقط، هذا غاية ما ظهر لي في التوفيق بين روايات حديث ابن عمر ولم أر أحدًا تعرض لذلك مع البسط وجمع الطرق إلا ما قيل إن المراد بالطواف السعي بين الصفا والمروة ولا يخفى بعده أيضًا فإن مطلق الطواف ينصرف إلى طواف البيت سيما وهو مقتضى الروايات فلينظر بعده، والله تعالى أعلم – انتهى. قلت: حمله على الطواف بين الصفا والمروة لا بعد فيه، بل هو الظاهر، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم " لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول " – انتهى. قال الشنقيطي: الذي

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 66)

..............................................................................................
ــ
يظهر لي والله أعلم أن مراد ابن عمر في قوله " ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول " هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدل على ذلك أمران: الأول هو ما وقع في بعض روايات مسلم " ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم لم يحلل منهما حتى حل منهما بحجة " (قال النووي: معناه حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة) ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإفاضة، أما السعي في الحجة فيكفي فيه السعي الأول بعد طواف القدوم فيتعين أن الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته هو الطواف بين الصفا والمروة بدليل الرواية الصحيحة بأنه لم يحل منهما إلا بحجة يوم النحر وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإفاضة فبدونه لا تسمى حجة لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} (22: 29) الأمر الثاني هو أن ابن عمر قال: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الروايات الصحيحة أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم لحجه وعمرته وأنه بعد إفاضته من عرفات طاف طواف الإفاضة يوم النحر على التحقيق فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه على أن القارن يعمل كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة المتقدم فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة، لأن القارن لا يسعى لحجه وعمرته إلا مرة واحدة – انتهى كلام الشنقيطي. وأجاب بعض الحنفية عن رواية مسلم المذكورة في كلام الشنقيطي بأنه يحتمل أن هؤلاء الذين لم يطوفوا بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة لأجل أنهم سعوا بينهما قبل الرواح إلى منى بأن يطوفوا بالبيت طواف النفل لأجل تقديم السعي جائز بعد أن يكون مسبوقًا بطواف كطواف القدوم أو طواف النفل فكان الغرض أنهم لم يعيدوا السعي مرة أخرى – انتهى. وفيه أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه القارنين أنهم طافوا طواف النفل وسعوا بعده بين الصفا والمروة قبل الرواح إلى منى، فحمله على ذلك بعيد جدًا. قال الشيخ محمد أنور: لم يثبت طواف النفل منه عليه صلوات الله وسلامه إلى العاشر، نعم ثبت بعد العاشر في ليالي منى برواية قوية. وقال بعضهم إن المراد في حديث جابر المذكور أن السعي الواحد لنسك واحد كافي، أي لا يحتاج إلى سعي آخر، وفيه أنه يأبى هذا التأويل ألفاظ حديث جابر وحديث ابن عمر وعائشة كما لا يخفى ذلك على من أمعن النظر فيها، ومن الأحاديث الصحيحة التي استدل بها للجمهور ما وقع في حديث جابر عند مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: " دخلت العمرة في الحج " مرتين وتصريحه صلى الله عليه وسلم بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، قال الحافظ: دل هذا على أنها لا تحتاج أي عمرة بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله. واستدل للجمهور أيضًا بما روى أحمد (ج 2: ص 67) والترمذي وابن ماجة وسعيد بن منصور من حديث ابن عمر، واللفظ لأحمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرن بين حجته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد ". ولفظ الترمذي " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا " قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وأعله الطحاوي بأن عبد العزيز بن محمد

(খণ্ড: ٩) (পৃষ্ঠা: 67)